The material on this site is the property of Druzenet and is protected by International Copyright Law. Copyright Druzenet 2009. All Rights Reserved

Contact Druzenet Arabic Edition English Edition About Druzenet

دروزنت بالنسخة العربية

رسالتنا

اصداراتنا

مؤسساتنا

للاتصال بنا


رسالتنا:

مشيخة العقل

بين الاقطاع السياسي

والتحجر الديني

امانة في عهدة سماحة الشيخ بهجت غيث

مشيخة العقل هي المرجعية الروحية العليا لطائفة الموحدين الدروز في الشرق الاوسط والعالم. على مر العصور كان لها الدور الابرز في المحافظة على هوية الطائفة وعقيدتها وحمايتها من تجاذبات الزعامات الاقطاعية التي تخشى هذه المرجعية الدينية وتحاول دائما تحجيمها وحصرها في اطار الشكل دون اي فعالية وتأثير في الجوهر، مما جعل منها في اغلب الاحيان عرضة لتهجمات هذه الزعامات وعقبة في طريق تحقيق مخططاتها واحلامها.

في اوائل التسعينات سُلِّمَت امانة المشيخة الى سماحة الشيخ بهجت غيث بـ تكليف خطّي من سَلَفِهِ المرحوم سماحة الشيخ محمد ابو شقرا الذي كان قد اتخذ قرار التكليف نتيجة دراسة معمقة قام بها قبل وفاته استعرض فيها ماضي المشيخة ومستقبلها وتأمل في مصيرها من بعده . ومن اعماق معاناته في هذا الموقع وتجربة حوالي نصف قرن مع الاقطاع السياسي الملتصق بالاقطاع الديني المتزمت داخل الطائفة، كوّن الشيخ ابو شقرا قناعة تامة بأن الشيخ غيث هو افضل مَن يستطيع المحفاظة على امانة المشيخة، فهو رجل عصامي، مكتفي ماديا ، لا تغره المكاسب والمناصب، ترك العالم المادي في اوج نجاحه وتألقه ولجأ طالبا المعرفة الروحية والحكمة الالهية، سلك درب التضحية والصبر من قبل ان يلتزم دينيا ، وله تاريخ حافل في عمل الخير وتقديم كل انواع المساعدات للجميع دون تمييز، يتمتع بشخصية توحيدية صادقة شجاعة في قول كلمة الحق ، بعيدة كل البعد عن التقليد الجامد والتواضع المصطنع.

في اول ردة فعل له،  رفض الشيخ غيث قبول التكليف لكونه ادرى الناس بمعاناة الشيخ ابو شقرا وما كان يتعرض له من ضغوطات من الزعامات السياسية والدينية المتزمتة ، ولكنه عاد وقبل بتمني والحاح من الزعامة السياسية التي وعدت بالعمل سريعاً لاعداد قانون عصري للطائفة ينظم جميع شؤونها ويلبي طموحات جميع ابنائها، والى حين اعداد القانون لا يجوز حدوث فراغ في موقع مشيخة العقل نظرا لاهمية هذا المقام بالنسبة للموحدين الدروز.

ولم تكن هذه الزعامة في ذلك الحين لتدرك مدى رغبة الشيخ غيث خدمة الطائفة من خلال وجود مجلس مذهبي وقانون تنظيمي حديث لمشيخة العقل والاوقاف والمؤسسات التابعة للطائفة، والى اي مدى يمكنه الذهاب في الدفاع عن قدسية هذا الموقع وهذه المبادىء. فكانت تقيس الامور من زواياها الضيقة، وظنت ان الامور لن تخرج عن ارادتها في مطلق الاحوال، وان شيخ العقل، كان مَن كان، لديه ما يكفي من نقاط ضعف تمكنها من التحكم بقراره، بالاضافة الى كون الشيخ غيث مقتدر امادياولا يملك الموهبة في تمثيل دور المتصوف المتقشف او اخفات نبرة الصوت والتظاهر بالمسكنة  عند التخابط لارضاء بعض المشايخ السطحيين على غرار ما تفعله هذه الزعامة ابا عن جد رغم حساباتها الضخمة في البنوك العالمية، فبذلك يمكنها الاستمرار بالاستفادة منه كما تفعل مع كل الاثرياء الدروز.ومن جهة اخرى تأليب الرأي المتزمت التقليدي ضده في حال خروجه عن الخط الذي ظنت انها بامكانها رسمه له.

وبدأت مرحلة الصراع منذ اليوم الثاني من تاريخ التكليف، حيث توفي المرحوم الشيخ محمد ابو شقرا في 24 / 10 / 1991 . ومرّت السنوات، وبدل ان تفي تلك الزعامة السياسية بوعدها وتعهدها بالعمل على التوافق لاصدار القانون التنظيمي المطلوب لحماية الاوقاف وايجاد المجلس المذهبي من النخبة المثقفة والمخلصة وانشاء المؤسسات والمرافق الاجتماعية في مناطق تواجد ابناء الطائفة المحرومة من انماء الدولة المتوازن (بسبب سهر هذه الزعامة السياسية على مصالحها الخاصة وعدم مبالاتها بأي شيء آخر)، كانت تحاول دائما وبشتى الوسائل حصر مشيخة العقل ضمن توجهاتها وسياساتها المتقلبة.

خلال هذه السنوات تم التعاطي رسميا مع مشيخة العقل من قِبَل كافة مرجعيات الدولة السياسية والدينية والديبلوماسية وغيرها. وكان لسماحة الشيخ بهجت غيث فضل كبير في تعزيز دور هذا الموقع على كل الاصعدة والاتجاهات، الرسمية والدينية والوطنية والقومية ، واسقاط المفاهيم الخاطئة عن عقيدة الموحدين، والدعوة الى فهم التوحيد بلغة العقل لازالة الصورة المشوّهة للدروز لدى الطوائف، ونزع السلبية التي رافقت الاسم السياسي "الدروز" على مر الاجيال من الاذهان، ونشر ثقافة الوعي التوحيدي عبر مجلة الضحى ومن خلال ندوات وخطب ومؤلفات ومنشورات عديدة، فقد فاقت كلفة اصدار مجلة الضحى لوحدها من ماله الشخصي المليون دولار، وكانت تُمنَح مجاناً لكل طالبيها من ابناء الطائفة وغيرهم. وكان للشيخ غيث توجه واضح في محاربة ذهنية الاقطاع الديني المتزمت، الذي بتزمته لا يخدم الا اهداف الاقطاع السياسي في عزل الطائفة عن الدولة واختصارها بشخصه والتكلم باسمها والمساومة بمصيرها اضافة الى ذلك، فقد كوّنت ممارسات هذا الاقطاع الديني، البعيدة كل البعد عن جوهر ما تدعو اليه الحكمة من بساطة وتحرر من التكاليف والطقوس المتوارثة والشكليات  والتعقيدات والمظاهر، افكار ورواسب سلبية في نفسية الشباب الموحد والاجيال الطالعة عن عقيدته. وهذا التوجه للشيخ غيث اثار حفيظة المتزمتين الذين رأوا فيه تحديا لمواقع نفوذهم الديني، وبالتالي لم يوفروا الفرص في التعبير عن غضبهم وامتعاضهم، فتهجموا على صفحة الضحى على الانترنت بحجة انها تكشف الحكمة.

وتميز الشيخ غيث بفكره المؤسساتي فأنشأ العديد من المؤسسات وجهزها بالمعدات المتطورة اهمها : مؤسسة رعاية اليتيم الدرزي وثانوية الوفاء ومعهد الشوف التقني ومعهد راشيا وغيرها. كما كان الراعي والمساهم الاكبر في انشاء المؤسسة الصحية في عين وزين، وقام بترميم مواقف القرى والمقامات ودار الطائفة الدرزية الذي تعرّض للحرق اثناء الحرب (ولا لزوم للتذكير بمَن قام بحرقه)، وحافظ على الاوقاف، وحماها من طمع المتطفلين من ازلام الزعامات الاقطاعية. وكل هذا ليس بجديد على الشيخ غيث، فمنذ اوائل السبعينات وهو يقوم باعمال الخير والمساعدات، واثناء الحرب الاهلية ساهم في تخفيف الضائقة المادية عن ابناء الطائفة، ووفر هو واخوانه في الخليج فرص عمل لآلاف العيل، وآوى اللاجئين من القصف في مؤسساته في الوقت التي كانت الزعامة الاقطاعية تجمع الاموال والتبرعات لنفسها مستخدمة اسم هذه المؤسسات. وكل هذا كان مصدر قلق للزعامة التي رأت في توجهات ونشاطات الشيخ غيث تهديدا واضحا لزعامتها. وكيف لا وهي المعروفة بقطع الطريق على اي معاملة او خدمة اذا لم تأتي عن طريقها او تمر عبرها؟ ولعل اكثر ما اقلقها في الشيخ غيث هو قوة شخصيته ووضوح مواقفه وثباتها ورأيه الحر وتصريحاته الجريئة فيما يتعلق بالقضايا الوطنية والقومية المصيرية.

واخيرا ضاق ذرع هذه الزعامة الاقطاعية وقررت التخلص من الشيخ غيث، فبعثت له تحذيراً عبر ازلامها المقرّبين. وفي اجتماع هؤلاء الاخير مع الشيخ غيث شرح احدهم امامه كيف يجب ان تكون مشيخة العقل ورقة في جارور الزعامة، فرد الشيخ غيث قائلا: "هذه الاوصاف لا تنطبق الا عليك وعلى امثالك، وقل لزعامتك لتعيّنك انت في هذا المنصب ان استطاعت."

وبدأت عندها المعركة حيث جمّعت هذه الزعامة معظم مشايخ الطائفة ونوابها ووزرائها ووجهائها وازلامها في بعقلين في نفس الموعد الذي كان مقررا من قِبَل مشيخة العقل لتخريج الطلاب الناجحين في معهد الشوف التقني ومدرسة الوفاء في بعقلين. ورُفِعَت الاعلام السود وتصاعدت اصوات مكبرات الصوت في مناطق وقرى الشوف كافة، وشاع في القرى الخبر انهم حضروا ايضا توابيت تحسبا لوقوع قتلى، ووصل التهديد الى نيحا حيث كان يتهيأ موكب المشيخة للتوجه الى بعقلين للمشاركة بالمناسبة. فانهالت الاتصالات على الشيخ غيث والنصائح بأن يلغي حفل التخريج والا يذهب الى المعهد الذي انشأه بماله وبعرق جبينه، فرد الشيخ غيث:  "اذا هددنا الزعيم بأن لا نحضر الى معاهدنا ومؤسساتنا الخاصة بنا اليوم، فما الذي يضمَن ان لا يهددنا بأن لا نحضر الى منازلنا غدا..." فقال الشيخ غيث لمرافقيه واعوانه: "انا ذاهب حتى لو كنت وحدي، ولا اطلب من احد ان يذهب معي ان كان خائفاً، لأن حكمتنا تقول: مَن خاف من بشر مثله سُلِّطَ عليه..." وانطلق موكبه، وشق طريقه، ولم يأبه بكل ما حوله من التهديدات بالقتل وقطع الطريق والاستعراضات الهستيرية الجنونية ومحاولات التعرض للموكب ولِمَن يحضر مع الشيخ غيث او الى مكان التخريج.

وتمت حفلة التخريج، وقدم فرسان الحق من كل حدب وصوب من الموحدين الشجعان، مما اثار جنون المجانين اكثر.

فاستعانت عندها الزعامة الاقطاعية بالمرحوم دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي كان رئيس الوزراء في حينه، وكان ذلك التدخل السافر الغير مبرّر قانونا وشرعا، حيث سخر رئيس الوزراء نفوذه لخدمة مزاجية حليفه السياسي واستصدر مرسوما بعزل مشيخة العقل، واوكل جميع مهامها الى موظف مشبوه، في سابقة هي الاولى من نوعها في التعاطي مع المقامات الروحية للطوائف. لاحقا، رجع رئيس الوزراء عن ذاك القرار المشؤوم معتذرا بعد ثبات المشيخة في وجه كل انواع التحديات في فترة صعبة جدا مرّ بها الشيخ غيث واخوانه من المشايخ والرجال الاوفياء دافع خلالها عن كرامة وقدسية الموقع بكل ما يملك من قوة وحمى دار الطائفة العقار الاثمن محل طمع الحلف السياسي الاقطاعي والمالي.

صمد الشيخ غيث في دار الطائفة في وجه الضغوطات الهائلة التي واجهته لتسليم المشيخة حتى احيانا من بعض المقربين منه الذين رأوا منذ البدء ان هذا الموقع لم يجلب له سوى المتاعب وهو بغنى عنه.  "صحيح"، كان يرد الشيخ غيث قائلا: "لا تمر الحياة بلا متاعب، وخصوصا الموحد، لا بد له من الامتحان لثبات ايمانه، المثل يقول: مَن طلب العلا سهر الليالي، وانا اقول مَن كان مع الحق لا يتعب ولا يبالي..."

وكانت معاودة الكرّة على مشارف الالفين، وهم هم المجروحين باعماقهم والحاقدين على المشيخة قاموا هذه المرة باعداد قانون تآمر لتمريره الاقطاع السياسي مع الاقطاع الديني، واستعانوا بخبراء القانون وبدعم ما يُسَمّى "الهيئة الروحية" ورؤسائها وسماسرة الاقطاع الملبسين ودعم عنجر بقيادة اللواء غازي كنعان لاقناع بعض النواب للتوقيع على مشروع عزل شيخ العقل وتعيين شيخ بديل كانوا قد اغدقوا عليه الوعود واحضروا له السيارة والعلم ورفعوا اليافطات وتقبلوا التهاني سلفاً ونقّلوا الحلوى. وظنوا انهم اغلقوا الملف ولم يدروا ان الطعن كان لهم بالمرصاد في صبيحة صدور قانونهم بالجريدة الرسمية. وصدر حكم المجلس الدستوري بعدم دستورية تنصيب النواب انفسهم مكان المجلس المذهبي وعدم دستورية مبدأ تعيين شيخ عقل، وعدم وجود مبرر اصلا للتعيين كون الموقع دستوريا لا يعتبر شاغرا بوجود الشيخ غيث وشرعية هذا الوجود التي كرّستها مواقفه على الارض وتعاطي كافة المرجعيات الرسمية في الدولة معه لسنوات واحترامها له. فتهدّم كل بنيانهم الذي تعبوا به كثيرا، ووقعوا جميعا في الحفرة التي نصبوها لمشيخة العقل فكانت لهم.

فصعقوا في صبيحة ذلك اليوم بقرار المجلس الدستوري الذي اتى في الوقت المناسب ليرفض مبدأ تعيين منصب روحي بهذه الاهمية من قِبَل سياسيين مهما بلغت درجة تمثيلهم للطائفة، فكان المجلس الدستوري اكثر حرصا على القدسية الدينية لموقع المشيخة من نواب الطائفة انفسهم المارق معظمهم عن عقيدة واخلاق الموحدين. فتعمّق حقد الزعامة الاقطاعية على المجلس الدستوري ، وعملت جاهدة منذ ذلك الحين على الغاءه او تعطيله. وفي عام 2005 استقوت بالاكثرية النيابية الذي انتجها القانون الانتخابي المفصل على قياسها من قِبَل سيد عنجر الذي خدم الزعامة الاقطاعية الاكثر اسفاً على فقدانه، واعدت جلسة للقانون الاخير، واقرته بالاكثرية النيابية التي اتت بفعل المال والاعلام والاستقواء بالخارج واللعب على مشاعر الجماهير. واستثنيت مشيخة العقل من المشاركة في نص القانون، وبُعِثَت لها نسخة عن القانون قبيل تمريره لوضع ملاحظاتها فقط من باب "رفع العتب" و"جس النبض" ولكي يأمنوا غطاءاً قانونيا لمشروعهم الذي لا يمكن ان يمر بدون الأخذ برأي مشيخة العقل وفقا للقانون والعرف. وبعد اضطلاع الشيخ غيث على مشروع القانون ، بعث ملاحظاته وتعديلاته تمهيدا لمناقشتها. ولما بعثت مشيخة العقل ممثلين لها الى جلسة مناقشة القانون، تم تجاهلهم ولم يُسمَح لهم بالمناقشة او التكلم مما اضطرهم الى تسجيل اعتراضهم والانسحاب من الجلسة بعد ان تكشف لهم ان حضورهم كان فقط لمكيجة الصورة قانونيا وامام الرأي العام.

ومن أبرز الملاحظات التي اوردها سماحة الشيخ بهجت غيث في النسخة التي بعثها الى اللجنة المكلفة لمناقشة القانون وتم الاخذ بها لاضفاء مشروعية اكبر للقانون:

منع بيع أو شراء أو رهن جميع أو بعض الاوقاف العائدة للطائفة أو ايجاد أي حق عيني عليها، الأمر الذي كانوا قد اوردوه في النسخة الاولى للقانون قبل ان يجسوا نبض مشيخة العقل، وتم استدراك هذا الامر لاحقا من قِبَل النواب الدروز لأنهم يعرفون جيدا ان رأي مشيخة العقل يمثّل نبض المجتمع التوحيدي في الطائفة. وبهذا السياق تكون بعض ملاحظات الشيخ غيث قد استعملت لحبك القانون وتمريره عن نية سيئة. إذ أتى القانون في صيغته المحبوكة ليمنع التصرف بالاوقاف على هذا النحو الفاضح حفاظاً على ماء الوجه، ولكنه لم يستثني استبدالها واعطى هذا الحق للمجلس المذهبي.

النقطة الثانية هي السماح لسواس المجالس للترشح لعضوية المجلس المذهبي وبالتالي المشاركة في اختيار شيخ العقل، وهو الامر الذي اغفلوه في النسخة الاولى من قانونهم قبل استلامهم ملاحظات الشيخ غيث، واقتصر في مشروعهم الاساسي حق الترشح  على القضاة والسياسيين (اي مَن لا صلة مباشرة لهم بالامور الدينية لعقيدة الموحدين الدروز.

اما ما لم يُعَدَّل في القانون وتمّ تجاهل اي ملاحظات من قِبَل مشيخة العقل بخصوصه، يبقى الاهم، وهو تجريد مشيخة العقل من صلاحياتها في ادارة الاوقاف والمقامات والخ وتجيير هذه الصلاحيات للمجلس المذهبي الذي، وفقا لقانونهم، يفترض ان يتكون اغلبه من اعضاء تأتي بهم الزعامة الاقطاعية باعتبار انها الجهة المتحكمة بأكثيرة النواب والقضاة الذين يحق لهم الترشح لعضوية هذا المجلس. واكبر مثل على ذلك حدث بالامس القريب عندما تم تعيين قاضٍ في محكمة المتن كما وتم تعيين رئيس لمحكمة الاستئناف العليا (اعلى منصب قضائي لدى الموحدين الدروز) خلفا للشيخ مرسل نصر الذي انتهت ولايته ، من غير حتى مناقشة الامر مع مشيخة العقل او العمل برأيها خلافا للقوانين والاعراف. وبالتالي، ووفقا لقانون كالذي يحاولون تمريره، لن يصعب على الزعامة التي تنتهك القوانين والاعراف اليوم وفي ظل وجود شيخ عقل لها بالمرصاد، ان تعين اعضاء المجلس المذهبي غدا وبسهولة وبغياب اي جهة محاسِبة، وبالتالي تنتقل ادارة الاوقاف والمقامات تلقائيا من عهدة مشيخة العقل الى يد الزعامة الاقطاعية .

ان ابرز ما تفعله الزعامة الاقطاعية ونوابها اليوم هو اقناع الرأي العام بأن قوانينهم عصرية وديمقراطية ولمصلحة الطائفة وبأن مشيخة العقل تقف بوجه هذه العصرنة والديمقراطية التي هبطت عليهم فجأة من السماء، مستشهدين بالنسخة المعدلة من القانون وفقا لملاحظات سماحة الشيخ بهجت غيث ومراهنين على جهل العامة من المجتمع في التفاصيل القانونية وانخداعهم بالعناوين البراقة "تنظيم" "قانون" "مجلس مذهبي" "انتخاب" الخ. غير ان النسخة الاساسية من القانون التي تنص بنودها على المتاجرة بالاوقاف والغاء دور رجال الدين تفضح نياتهم المبيتة وتعبر اكثر عن اهدافهم الحقيقية، التي، اذا ما نجحوا بازاحة الشيخ غيث عن المشيخة وتجريد المشيخة من صلاحياتها ، لن يصعب عليهم تحقيقها ولو تم تهذيب بعض الالفاظ شكليا لتسويق القانون بغية تمريره. لذلك فإن مجمل تعديلاتهم اقتصرت فقط على النقاط الظاهرة التي احرجهم بها الشيخ غيث ، وفي المقابل تركّز اساس مجهودهم على البنود المبطنة التي تمكنهم من اخراج الشيخ غيث من المعادلة لكي يتسنى لهم الاتيان بشيخ عقل صوري مجرد من اي صلاحيات، له ولاية محددة ويمكن اقالته بحجة المرض او بأي بدعة من البدع الاخرى التي ينص عليها قانونهم. والسؤال : لو تسنى لهم الوصول لما يريدون. ما هو مصير مشيخة العقل رمز تواجد الموحدين الروحي على الارض منذ مئات الاعوام؟ وما هو شكل هوية الموحدين الروحية في عهدتهم؟ واين هو دور رجال الحكمة واين هم اصحاب الميثاق في معادلتهم؟ والكل يعرف ان اغلبية النواب هؤلاء هم في ابسط ممارساتهم على الارض لا يمتون بصلة الى مبادىء الموحدين الدروز ولا يحترمون هذه المبادىء اصلا ويجاهرون علنا بارتدادهم عنها ويفاخرون بانتهاكهم لحرمات طائفتهم الدينية.

ولكن الرئيس لحود ردّ قانونهم لعدم دستوريته، وسقطت احلامهم واوهام الحاقدين على مشيخة العقل للمرة الثالثة في خلال عشر سنوات. وكأن هذه الزعامة تشتهي نفسها كل خمسة سنوات اللعنة وتسعى بنفسها وراء الخذلان. فانهالوا بالشتائم على مقام الرئاسة وبالتهديد والوعيد بأنهم في المرّة القادمة سوف ينتصروا ولن يحتاجوا لتوقيع لحود، وبأنه لا يحق للرئيس لحود التدخل في شؤون الطائفة الدرزية والسؤال: على ماذا ينتصروا على مقدسات الطائفة التي يدعون انتماءهم لها؟ واذا كان الرئيس لحود لا يحق له التدخل في شؤون الطائفة كيف سمحوا اذا في الـ 95 لرئيس الوزراء السابق بعزل مشيخة العقل، ارفع مقام روحي لدى طائفة الموحدين الدروز، وكيف يسمحون لانفسهم اليوم الاستقواء بالمجلس النيابي لتمرير مشاريعهم المتعلقة بهوية الطائفة الروحية والدينية؟

ومع كل محاولة فاشلة لازاحة الشيخ غيث تزداد الزعامة الاقطاعية كظما وغيظا وتزداد معها حجم الدعاية السلبية على الشيخ غيث بأنه يعطّل فعالية الموقع ويقف في وجه التنظيم. والسؤال: كيف لِمَن اراد الغاء المشيخة كليا في الـ 95 واهانتها بتوكيل مهامها الى موظف مشبوه ان يكون حريص على القانون والنظام اصلا؟ وطبعا بحجم الحقد الذي تحمله هذه الزعامة على مشيخة العقل تزداد المؤامرات لاستثنائها من المناسبات وعدم دعوتها للمشاركة بالمؤتمرات والضغط على وسائل الاعلام لتجاهلها والخ من المحاولات التي تعكس مدى تأثير مشيخة العقل على هذه الزعامة الاقطاعية في الصميم.

وبعد صمت دام لأكثر من عقد من الزمن آثرنا الكلام قبل طي الصحائف وجفاف الاقلام، ولتكون مسيرة مشيخة العقل في عهدة سماحة الشيخ بهجت غيث عبرة لِمَن يعتبر بوجود خالق على هذه الارض يحكم بالعدل رغم انف المتسلطين، وقبل ان يأتي يوم لا ينفع فيها نفس ايمانها ان لم تكن قد آمنت من قبل. اتينا اليوم وباختصار على ذكر ابرز محطات المشيخة في عهدة سماحة الشيخ بهجت غيث، ليس لنستعيد الماضي، بل لننعش ذاكرة الموحد الذي لطالما عانى شتى انواع الظلم في اجياله، لماهية ان يسلك المرء درب التوحيد في هذا الزمن. فالتوحيد في هذا الزمن ليس بالتصوف اذا تلبس المتصوف بصوف الذئاب وتنكر لاخيه الموحد، وليس بالصمت واخفات النبرة اذا كان الصمت يعني السكوت عن الحق، وليس بالتواضع اذا اضحى التواضع مظهر من مظاهر العجز والخنوع، وليس بالاستتار والتسايس والديبلوماسية اذا اصبحت هذه المعاني السكينة التي بها تُطعَن الكرامات وتنتهك المقدسات وتُطمَس معالم الدين الى ابد الآبدين. الموحد يجمع ما بين القوة والحنان ، وما بين الشجاعة والصبر، وما بين المرونة والحسم، وفيه وضع الخالق مقياس العدالة والظلم، وهو الذي يقرر متى يكون الصمت حكمة ومتى يصبح الكلام واجب، ولا يسجد الا للحق في ساعة الامتحان، فالشجاعة صبر ساعة ، وهو في توحيد باريه ابدا شجاع غير جبان. وافضل عمل يقوم به الموحد في اي عصر وزمن هو قول كلمة الحق في وجه كل متكبر جائر. وكيف يجزعون على هذه الاجسام الفانية وفي تحليلها خلاصهم.

مشيخة العقل في عهدة سماحة الشيخ غيث هي قصة رجل دين في زمن القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر قصة رجل ممتحن بأشخاص "يرون محبة الاعداء كافة ولا يرون محبة رجل موحد" - ومسيرة ما يقارب الـ خمسة عشر سنة منذ 1991 حتى 2006 في الجهاد، مليئة بكل التحديات والعوائق والافخاخ ومحاولات اصدار القوانين للتخلص من هذه الشخصية المستعصية على الزعامة الاقطاعية وتعيين اي شخص بديل، مهما كانت مواصفاته، شرط ازاحة الشيخ غيث عن هذا الموقع مهما كان الثمن. والعنوان اليوم: تحريض الناس مقيمين ومغتربين للوقوف مع الزعامة "الحامية للطائفة" بزعمها حتى ولو ادى ذلك الى سياسات مدمرة لهوية الطائفة ولتاريخها. وكأن هذه الزعامة هي السياج الشائك الذي يحمي الحديقة. وهل بقي في هذه الحديقة غير شوك السياج والمتخنين من جراح ذلك الشوك؟

يقول البعض من ابناء الطائفة المخدوعين: ماذا فعلت مشيخة العقل لنا؟ والجواب على سؤالهم: "اسألوا زعامتكم: ماذا فعلت لكم؟ واين اوصلتكم ؟ وهل سمحت لمشيخة العقل يوما او لأي صاحب رأسمال يريد انشاء معمل او مؤسسة او اي مشروع انمائي في مناطق نفوذها ولو اخذت نصف المشروع سلفا لقاء حصوله على الرخصة؟ فهل ينجح اي مشروع في ظل الذهنية الاقطاعية الميليشيوية التي تدمر ولا تبني وتأخذ ولا تعطي وتحاسب الجميع ولا تقبل اية محاسبة او انتقاد من احد؟ والا يعتبر مَن يخرج عن طاعة هذه الزعامة في قاموسها خارجا عن الطائفة؟ واليس الاقطاع الديني بخدمتها جاهزا فورا لتنفيذ حقدها وكيدها والدفاع عنها رغم معرفته بافعال هذه الزعامة واخلاقها الخارجة عن كل عادات الطائفة وعقيدتها وهويتها التوحيدية الاصيلة؟

نصيحتنا للموحدين من مشايخ الطائفة العقلاء وابنائها الطيبين الذين يشكلون اليوم الاكثرية الصامتة الصاغية المتنظرة الاشارة لتحديد الموقف وحسم الخيار، بأن  يستيقظوا من غفلتهم قبل العطب وان يراجعوا مواقفهم ويمتلكوا قليلا من الشجاعة ليفعلوا ما تقره عقولهم ويأمروا انفسهم بمنطق ميثاقهم وتوحيدهم ولا يأتمروا للخارجين عن عقيدتهم ومبادئهم ومواثيقهم ولا ينتظروا الخلاص من الخارج بل من انفسهم، والا ينخدعوا بالمظاهر الفارغة، فها هو زمن الافراق الذي به انتم موعودين ولقدومه منتظرين قد تقضت اعوامه وايامه وساعاته ودقائقه ولم يبقى منه سوى ثواني الفصل الحاسمة واللحظة الخافضة الرافعة، وانتم ما زلتم تنتظرون الفرج ولِمَن يأتي من السماء لينتشلكم من تحت الصخور، والايام شعاع لا ينام، والانتظار يسلب الارادة، والامل يقتل الفرح، فكونوا من القوامين بها ولا تكونوا ممّن تقوم عليهم، وليكن ولاءكم لميثاقكم وقراركم نابع من صميم وجدانكم، ولا شيخ عليكم ولا امام بينكم الا في ما يطابق الحق، والعبادة للخالق وحده في كل عصر وزمن.


ملحقات: