The material on this site is the property of Druzenet and is protected by International Copyright Law. Copyright Druzenet 2009. All Rights Reserved

Contact Druzenet Arabic Edition English Edition About Druzenet

دروزنت بالنسخة العربية

رسالتنا

اصداراتنا

مؤسساتنا

للاتصال بنا


رسالتنا:

الطعن الذي تقدّم به سماحة الشيخ بهجت غيث للمجلس الدستوري

بيروت في  12 /  06  /2006

جانب المجلس الدستوري الموقر

مراجعة إبطال وتعليق مفعول قانون

المستدعي: سماحة الشيخ بهجت غيث، شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز.

            وكيلاه المحاميان الدكتور يوسف سعد الله الخوري والأستاذ أسعد عطايا

            بموجب وكالة عامة (مستنــد رقم 1).

القانون المطعون فيه: القانون رقم  (بدون)  تاريخ 9 / 6 / 2006             القاضي بتنظيم شؤون طائفة الموحّدين الدروز.

تاريخ نشره: في محضر الجريدة الرسمية رقم 30 بتاريخ 12 / 6 / 2006

********

        بالإشارة الى الموضوع اعلاه، يبدي المستدعي ما يلي:

أولاً: في الوقـائع:

1 – كانت طائفة الموحّدين الدروز مرعية، وعلى مدى نصف قرن تقريباً، بقانونين صادرين بتاريخ 13/7/1962، يتعلّق أحدهما "بانتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية"، والثاني "بإنشاء المجلس المذهبي" للطائفة المذكورة.

2 – وبتاريخ 23/11/1999، صدر القانون رقم 127/99 تاريخ 25/10/1999 المتعلّق بإنشاء مجلس أمناء أوقاف الطائفة الدرزية، فطعن فيه سماحة المستدعي أمامكم وصدر عنكم بهذا الشأن القرار رقم 1/99 تاريخ 23/11/1999.

3 – وبتاريخ 26/5/2000، صدر القانون رقم 208/2000 القاضي "بتنظيم مشيخة عقل طائفة الموحّدين الدروز"، وكان هو أيضاً موضع طعنٍ من قبل سماحة المستدعي، فصدر بشأنه قراركم رقم 2/2000 تاريخ 8/6/2000.

4 – ويأتي اليوم القانون المطعون فيه القاضي "بتنظيم شؤون طائفة الموحّدين الدروز"، سواءً لجهة تنظيم مشيخة العقل وانتخاب شيخ عقل الطائفة، أم لجهة تنظيم الطائفة وأوقافها. هذا، مع العلم بأن القانون المذكور أُقِـرَّ من قبل المجلس النيابي الكريم في أعقاب إقراره من قبل لجنة الإدارة والعدل بسرعة مذهلة وفي غياب أي ممثِّل عن مشيخة العقل بشكل أصولي قانوني، وذلك خلافاً لما ذكرته اللجنة المذكورة في تقريرها بالموضوع. فالصحيح هو أن ممثل مشيخة العقل الأستاذ أسعد عطايا لم يُدع إلى الجلسات إلا بعد أن كانت اللجنة الكريمة قد أقرّت نصف القانون تقريباً، وهو بالتالي لم يحضر إلا نصف جلســة فقط، وانسحب نهائياً نظراً لعدم مراعاة الأصول في المناقشات واحتجاجاً على دور مشيخة العقل في هذا الخصوص.

5 – ومع الاشارة ايضاً إلى ان هذا القانون لم يُـحَـلْ على اللجان النيابية المشتركة اسوةً بسائر مشاريع او اقتراحات القوانين الهامة من هذا النوع.

6 – ومع الاشارة كذلك الى انه اعيد من قِبَل السيد رئيس الجمهورية الى المجلس النيابي الكريم لاعادة النظر به عملا باحكام المادة 57 من الدستور ووافق عليه المجلس مجددا ، ومن ثم تم نشره دون اصداره من قِبَل رئيس الجمهورية وفقا للاصول.

ثانياً: في القـانون:

بنـاءً عليه،

1 – في الصلاحيـة:

     في أن المجلس الدستوري، بهيئته الحالية بكاملها، هو صاحب الإختصاص لبتّ هذه المراجعة:

        ذلك أنه من الرجوع إلى المادة 19 من الدستور اللبناني تبيّن انها قضت بإنشاء مجلس دستوري "لمراقبة دستورية القوانين" وتركت للمشرّع مواضيع محدّدة حصراً بالأمور التالية: "وضع قواعد تنظيم المجلس وأصول العمل فيه وكيفية تشكيله ومراجعته" (الفقرة الثانية من هذه المادة).

        وتأسيساً على ذلك، بات المجلس الدستوري هو المرجع الوحيد الذي أولاه الدستور حق مراقبة دستورية القوانين دون غيره من المراجع.

        ومن المتفق عليه، علماً واجتهاداً، انه لا يجوز ولا يصحّ أن يناط بالسلطة التي أصدرت عملاً هي صاحبة الصلاحية لإصداره، أمر مراقبة صحته وسلامته عند الإقتضاء، إذ أن الرقابة لا تستقيم إلاّ إذا كانت خارجية (externe) ومجرّدة من أية مصلحة أو غاية ذاتية مباشرة أو غير مباشرة.

        ومن هذا المنطلق، "إن المشرّع الذي تجري إزاءه الرقابة الدستورية على أعماله لا يستطيع هو في ذاته أن يحمي نفسه من مغبّة قاعدة دستورية قد وُضعت بغية ردعه".

ـ الدكتور إدمون ربّاط، نظرية دستورية القوانين ودورها في لبنان، الحياة النيابية، المجلّد التاسع، كانون الأول 1993، ص 51.

        وهذا يعني، عطفاً على أحكام المادة 19 من الدستور وعلى تلك المنصوص عليها في القانون رقم 250/1993 أن المجلس الدستوري يشكّل بحدّ ذاته سلطة دستورية ذات اختصاص محدّد صراحة في الدستور ولا يجوز - عملاً بقاعدة التوازي في الشكل والاختصاص (Parallélisme des formes et des compétences) - المسّ به إلغاءً أو تعديلاً، إلاّ بنصّ دستوري، لا بقانون عادي كما هي عليه الحال في القانون الصادر بالتزامن مع هذا القانون والقاضي بتعطيل الهيئة الحاكمة في المجلس الدستوري عبر إنهاء ولاية الأعضاء قبل حلول أجلها القانوني بشكلٍ سليم، وعبر إلغاء انتخاب الأعضاء المعينين من قبل مجلس النواب، وقطع الطريق على مجلس الوزراء لتعيين عضوين آخرين. وهذا المنحى الخطير، لا يمكن وصفه قانوناً إلا بأنه شكل من أشكال ردّ الهيئة الحاكمة بكاملها (récusation) .

        وعلى حد ما جاء في المادة 129 من قانون أصول المحاكمات المدنية التي بحسب ما استقرّ عليه الاجتهاد، تعتبر أحكامها مبادىء عامة يجوز للقاضي الإداري أو الدستوري اعتمادها في غياب نصّ صريح مخالف في قانون الذاتي الخاص، فإنه "إذا أدى طلب الردّ أو طلبات الردّ المتعدّدة إلى تعذّر تأليف هيئة المحكمة، طبقت أحكام نقل الدعوى"

            "…. Quand est présentée une demande tendant à la récusation de l'ensemble des membres d'une juridiction, elle sera interprétée comme une demande de renvoi pour cause de suspicion légitime".

C.E. 6 Oct. 1982. Laumosne, DA 1982 no. 383 etc.

R.Chapus Droit du contentieux adm. 2ème éd., 1990, no. 844, p. 570.

        وذلك، من أجل تطبيق أحكام نقل الدعوى يجب:

أ – أن تكون هناك محكمة اعلى من المحكمة المشكوك بحيادها (supérieure)، يقدّم طلب النقل إليها.

ب – وأن تكون هناك محكمة أخرى من درجة المحكمة المشكوك بحيادها، يتمّ نقل الدعوى إليها في حال قبول طلب النقل من قبل المحكمة العليا (أو الاعلى).

        فإذا لم يتوفر هذان الشرطان مجتمعين، فلا مجال عندئذٍ لتطبيق هذه الأصول.

            "… Il résulte de ce qui précède que la procédure de renvoi pour cause de suspicion légitime ne peut être mise en œuvre dans deux cas:

            - celui où la juridiction suspectée… n'a pas de juridiction supérieure;

            - celui où elle n'a pas d'équivalent, étant une juridiction unique en son genre…".

R.Chapus – op.cit., p. 569, no. 844.

        إذاً، إذ كانت هذه الهيئة الحاكمة وحيدة على النحو المبيّن أعلاه، فإنه يستحيل عندئذٍ اللجوء إلى أصول نقل الدعوى، وبنتيجة ذلك تلزم الهيئة المشكوك فيها، ذاتها، بالاستمرار في بتّ المراجعة والحكم فيها من أجل عدم الوقوع في حالة عدم إحقاق الحق.

        وبالعودة إلى حالتنا الحاضرة، وطالما أنّـه لا يوجد هيئة دستورية أخرى، لا أعلى ولا موازية لهيئة المجلس الدستوري الحالية التي يقضي القانون المطعون فيه بكفّ يدها وشلّها، فإنه يتعيّن عليها إلزاماً أن تتولّى هي، بالرغم من ذلك، بتّ هذه المراجعة وسائر الطعون المرفوعة إليها، وإلا فإنها تكون قد تمنّعت صراحة عن إحقاق الحق، الأمر الذي يرتّب عليها مسؤولية أكيدة من جراء ذلك. فلقد جاء:

        "وبما أن المجلس يرى أنه في حال عدم إعمال رقابته على دستورية القانون رقم 679/2005 المطعون فيه إنما يكون قد تمنّع عن إحقاق الحق، وهذا ما لم يرتضه على نفسه يوماً، فضلاً عن أن عدم النظر في المراجعة شيء وعدم إصدار القرار فيها شيء آخر.

          "وبما أنه سبق للمجلس الدستوري بهيئته الحاضرة وبعد انتهاء ولاية خمسة من اعضائه، وعملاً بما سبق، أن حفظ اختصاصه وأصدر القرار رقم 1/2003 تاريخ 12/11/2003... كما تلقى الطعون النيابية بالعمليات الانتخابية الاخيرة وباشر باتخاذ الإجراءات الآيلة إلى دراستها، مما يدل على أنه لم يشكّك يوماً في تكوينه أو ينكفىء عن ممارسة اختصاصه".

ـ المجلس الدستوري، القرار رقم 1/2005 المذكور أعلاه.

        فتكون هيئة المجلس الكريم بكامل أعضائها، سواء الذين انتهت منهم أو لم تنتهِ بعد، صالحة إذاً لبتّ هذه المراجعة.

2 – في الشكــل:

أ – في صفة المستدعي:

        يطلب المستدعي إبطال القانون المطعون فيه بصفته شيخ عقل طائفة الموحّدين الدروز وبصفته إذاً رئيسها الديني والروحي.

        وعلى هذا الأساس، تكون لسماحته الصفة القانونية الكاملة لتقديم هذه المراجعة، وذلك عملاً بأحكام المادة 19 من الدستور اللبناني، وبما استقرّ عليه اجتهاد المجلس الدستوري بهذا الشأن.

ـ قرار المجلس الدستوري رقم 1/99 تاريخ 23/11/1999.

ـ وقراره رقم 2/2000 تاريخ 8/6/2000.

ب – وطالما ان هذه المراجعة مقدّمة ضمن المهلة القانونية مستوفية سائر شروطها الشكلية، فإنها تكون مقبولة شكلاً.

3- في الاساس:

أ – جاء في المادة 56 من الدستور اللبناني ان رئيس الجمهورية يصدر القوانين التي تمت عليها الموافقة النهائية في خلال شهر بعد احالتها الى الحكومة ويطلب نشرها.

وجاء في المادة 57 منه ايضا وفي هذا المجال بالذات انه "لرئيس الجمهورية بعد اطلاع مجلس الوزراء حق طلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لاصداره ولا يجوز ان يُرفَض طلبه. وعندما يستعمل الرئيس حقه هذه يصبح في حِلٍّ من اصدار القانون الى ان يوافق عليه المجلس بعد مناقشة اخرى في شأنه، واقراره بالغالبية المطلقة من مجموع الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونا.

وفي حال انقضاء المهلة دون اصدار القانون او اعادته يعتبر القانون نافذا حكما ووجب نشره".

ب - جاء في المادة 9 من الدستور اللبناني أن "حرية الإعتقاد مطلقة والدولة بتأديتها فروض الإجلال لله تعالى تحترم جميع الأديان والمذاهب وتكفل حرية إقامة الشعائر الدينية تحت حمايتها على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام وهي تضمن أيضاً للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام الأحوال الشخصية والمصالح الدينية".

        وهذا ما ركّزت عليه مقدمة الدستور بمناسبة تعديله بتاريخ 21/9/1990، حيث جاء في الفقــرة "ج" منها ما يوجب على الدولة احترام الحريات العامة وفي طليعتها حرية الرأي والمعتقد، وتأمين العدالة والمساواة...، وفي الفقـرة "ي" منها أن "لا شرعية لأيّ سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك".

        ففي ضوء هذه الأحكام، يقتضي أيضاً قبول هذه المراجعة في الأساس والحكم بانعدام وجود القانون المطعون فيه ، والا بإبطاله نظراً لتعارضه معها، وذلـك:

1- فهو منعدم الوجود ماديا وقانونيا ، وذلك لأن الفقرة الاخيرة من المادة 57 من الدستور واضحة جدا وهي معطوفة حصرا وفقط على مهلة الشهر المحددة اساساً لاصدار القانون الذي لا يقرر رئيس الجمهورية اعادته الى مجلس النواب. والدليل على ذلك هو ان النص يقول ان القانون يعتبر نافذا حكما فقط في حال انقضاء المهلة ( اي مهلة الشهر) دون اصداره او اعادته. وفي هذا اشارة صريحة الى الفقرة الاولى من المادة 57 معطوفة على الفقرة الاولى من المادة 56 المار ذكرهما .

ومن هذا المنطلق ان عبارة "دون اصداره او اعادته" تعني بالمنطق القانوني السليم وبطريقة الحجة المعاكسة (a contrario) انه اذا قرر رئيس الجمهورية اعادة القانون ضمن مهلة الشهر هذه فإنه يخرج عندئذ من دائرة "النفاذ الحكمي" ولا يعود ممكنا نشره استنادا الى هذا النص الاستثنائي، بل يُرجَع الى القاعدة العامة التي تستوجب الزاما اصداره من قِبَل رئيس الجمهورية بالذات.

والدليل على ذلك هو ان المادة 57 وفي ما خص صلاحية الرئيس باعادة القانون تنص صراحة على انه "عندما يستعمل الرئيس حقه هذا يصبح في حِِلٍّ من اصدار القانون الى ان يوافق عليه المجلس..." ، اي انه في هذه الحالة يصبح اصداره من قِبَل الرئيس واجبا محتوما ولا سبيل الى اصداره او نشره بطريقة اخرى.

ثم ان الفقرة الاخيرة من المادة 57 موضوع البحث تشكل استثناءا من القاعدة العامة ، ومن المتفق عليه علما واجتهادا ان الاستثناءات تؤخَذ حصرا ولا تحتمل القياسة او التأويل او التفسير خارج ما يعبر عنه النص صراحة

( "les termes memes de la loi")

"Il lui arrivera (le Conseil d'Etat) aussi de rappeler et appliquer "la regle generale selon laquelle les exceptions apportees a un principe doivent etre entendues restrictivement" (C.E., avis… 10 nov. 1999, Haut commissaire en Polynesie Fr., RFDA 2000, p.202

R. Chapus, Dt. Adm. General, 14 eme ed. 2000, p. 55, No. 113

والقول بغير ذلك يعني تحويل القاعدة العامة الى استثناء ، والاستثناء الى قاعدة عامة خلافا للاصول ، وبالتالي تعطيل احكام الدستور في هذا المجال، وهذا امر خطير جدا ومطلوب من المجلس الدستوري الكريم التصدي له بقوة.

ذلك انه وفق القاعدة الدستورية العامة، يشكل اصدار القانون من قِبَل رئيس الجمهورية حلقة جوهرية واساسية في تكوين القانون ، وبدون ذلك لا وجود لهذا القانون ولا مجال بالتالي لنشره ووضعه موضع التنفيذ.

" La promulgation a pour effet de mettre fin au processus legislatif et de render le texte executoire en tant que loi. Elle est suivie par la publication du texte au journal officiel"

D. – Georges Lavroff , Le droit constitutionnel de la 5eme Republique, 3eme edition, 1999, p. 806.

وبالتالي ، وتأسيسا على ذلك ، وطالما ان "القانون" المطعون فيه لم يصدر عن رئيس الجمهورية وفقا للاصول المار ذكرها ، فإن نشره على النحو المشار اليه يشكل اغتصابا للسلطة لكونه صادراً عن جهة مجردة من اي سلطة بالموضوع .

"L'usurpation de pouvoir… correspond … a un acte fait par une personne s'immiscant dans l'Administration sans titre ni qualite .

G. Vedel, P. Delvolve, dt. adm. , 2 , 1958, p. 296.

والاجتهاد في هذه الحال واضح جدا. فهو يعتبر العمل المشوب بمثل هذا العيب منعدم الوجود ولا مفعول له بالمطلق .

"… cette decision qui emane d'une autorite manifestement incompetente est nulle et de nul effet."

C.E. 8 dec. 1982 , Commune Dompierre – sur – Besbre .

J.-M. Auby et R. Drago , Traite de contentieux adm., tome 2, 1984, No. 1325, p. 442.

فالعمل التشريعي (كما العمل الاداري) الصادر عن جهة مغتصبة للسلطة ، ليس مخالفا للدستور او القانون فحسب ، بل هو منعدم الوجود كليا.

" …L'acte fait par l'"usurpateur" n'est pas illegal ; il est inexistent."

G. – Vedel , P. Delvolve, op. cit. , p. 296

وعليه ، وفي النتيجة يكون القانون المطعون فيه اذا، وللاسباب المار ذكرها، خارقا لاحكام الدستور بشكل خطير الامر الذي يستوجب اعلان انعدام وجوده بالمطلق.

2 – واستطرادا، ان القانون المطعون فيه باطل بطلانا مطلقا، وذلك:

أولاً: لأنه مخالف لمبدأ استمرارية وسير المرافق العامة بانتظام.

أ – فهو ينطوي، أولاً، على أحكام تشكِّل "شيوعاً في السلطة".

أ -1: فبالفعل، جاء في المادة الثامنة منه المتضمنة صلاحيات المجلس المذهبي، أنَّ من صلاحيات هذا المجلس "الإشراف على الأوقاف الدرزية... واتخاذ القرارات اللازمة التي تكفل حسن إدارتها وطريقة استغلالها ووجهة صرف ريعها وكل ما من شأنه تحقيق غايتها" (الفقرة 4 منها).

أ -2: وفي المقابل، جاء في الفقرة "هـ" من المادة 40 من القانون ذاته أن "لجنـة الأوقاف" تعنى بدورها "برسم السياسة العامة للأوقاف وإعداد مشاريع التنمية والاستثمار العائدة لها وإدارة ومراقبة الأوقاف بجميع مرافقها ووضع الأنظمة المناسبة لذلك والعمل على حسن استثمارها وتنمية مواردها".

ويبدو بوضوح أن لجنة الأوقاف هذه تمارس في هذا المجال وفي الموضوع ذاته، الصلاحيات ذاتها الممنوحة للمجلس المذهبي في المادة 8 أعلاه، الأمر الذي يشكّل بالتأكيد "شيوعاً في السلطة".

أ – 3: ثم جاء في المادة 4 من الفصل الثاني من القانون المطعون فيه أن شيخ العقل "يمثّل طائفة الموحّدين الدروز في الأمور الدينية... ويتولى رعاية شؤونها الروحية ومصالحها الدينية والإجتماعية في مختلف مناطق الجمهورية اللبنانية..".

بينما جاء في المقابل في المادة 7 من الباب الثاني – الفصل الأول (إنشاء المجلس المذهبي... وصلاحياته)، "أن هذا المجلس يتولى إدارة شؤون الطائفة الزمنية والمالية ومصالحها الدينية وتمثيلها في الشؤون العائدة لمهامه.".

أي أنه، بصرف النظر عن ظاهر التعابير، تكون الصلاحيات الممنوحة لشيخ العقل، ممنوحة هي ذاتها أيضاً للمجلس المذهبي!!!، الأمر الذي يشكل بالتأكيد، هنا أيضاً، "شيوعاً في السلطة".

أ – 4: والشيوع في السلطة على النحو المذكور، مُـدانٌ فقهاً واجتهاداً لأنه يؤدي حتماً إلى شلّ المرفق العام أو، على الأقل، الى عرقلة سيره بانتظام، باعتبار أنّ المرجعين المختصّين في الموضوع الواحد يمكن أن يتخذا قرارين متناقضين في المسألة الواحدة، فيشلُّ واحدهما الآخر.

            "L'intérêt général est à la fois protégé et réalisé par les services publics. Ceux-ci doivent donc fonctionner de façon régulière et continue; toute interruption, tout incident dans le fonctionnement d'un service public est nuisible à l'intérêt général".

R.Odent, Contentieux administratif, 1975 – 1981, p. 1710.

ب – وهو ينطوي، ثانياً، على ما هو كفيل بتعطيل حرية انتخاب شيخ العقل عبر فرضه اصولاً تعجيزية غير دستورية لقبول طلب الترشيح لهذا المنصب الديني الرفيع.

ب – 1: فلقد جاء في المادة 32 من هذا القانون على أن "يُـقدّم طلب الترشيح لمنصب شيخ العقل بموجب كتاب خطي إلى أمانة سر المجلس الذهبي للطائفة في مهلة لا تقلّ عن عشرين يوماً من الموعد المحدّد للإنتخاب، موقعاً عليه من عشرة أعضاء من المجلس المذهبي، على أن يكون ثلث هؤلاء من أعضاء الهيئة الدينية في المجلس المذهبي". 

وطبعاً، وبمنطق الحجة المعاكسة (a contrario)، هذا النص يعني أنه اذا خلا طلب الترشيح من توقيع الأعضاء العشرة على النحو المذكور، فإنه يُرفض. وليس بعيداً عن المنطق السليم احتمال وجود عدم رغبة عند هذا أو ذاك من هؤلاء الأعضاء (وثلثهم يجب أن يكون من اعضاء الهيئة الدينية في المجلس الذهبي) في تسهيل ترشيح هذا أو ذاك من أصحاب الحق المؤهّلين للترشُّح لمشيخة العقل، ومن شأن ذلك بالتأكيد أن يقيّد حرية الترشح وحرية الانتخاب.

ثم، ماذا إذا رُفض طلب الترشيح؟ بكل أسف، إن القانون المطعون فيه لم يتطرّق إلى هذا الإحتمال البديهي ولم يلحظ أية آلية تتعلق:

ـ بتحديد المرجع الصالح لقبول أو رفض طلب الترشيح.

ـ ولا بتحديد أصول للإعتراض على قرار رفض طلب الترشيح أو للطعن فيه.

وهذا يشكّل فراغاً يُعيب القانون بكامله لأنه يحرم صاحب العلاقة من حقه الدستوري الطبيعي في مراجعة القضاء عند الإقتضاء ويتركه فريسة للمزاجية المطلقة.

            "Or le Conseil (constitutionnel) a reconnu au contraire un droit, maintenant très général de réclamation à tous les candidats (ou personnes faisant acte de candidature pour seulement en ce qui concerne celle-ci)".

F.Luchaire, Le Conseil constitutionnel, 1980, p. 288.

والإجتهاد الدستوري واضح بهذا الشأن، إذ هو يعتبر أن حق الطعن في كلِّ ما يمسُّ حرية الأفراد أو وضعهم القانوني المشروع، مرادفٌ وموازٍ لحق الدفاع عن النفس.

            "En effet, ce droit (au recours) est consacré conjointement avec les droits de la défense…".

Les gdes décisions du Conseil constitutionnel, 12 éd. 2003, p. 741, no. 31.

ولنـا عودة إلى هذا المبدأ لاحقاً.

ب – 2: وفي أيّ حال، يعتبر الإجتهاد الدستوري في هذا المجال، أنّ النصوص التشريعية المتعلقة بعدم الأهلية للترشّح (inéligibilitiés) يجب أن تؤخذ أو تُفسَّر حصراً. وأكثر من ذلك، فإنه لا يجوز للمشترع أن يضع عقبات وشروطاً أمام حرية الترشّح إلا إذا كانت مبرَّرة حصراً بعامل السن أو بعدم الأهلية، أو بالجنسية (أو الإنتماء المذهبي هنا) أو بعامل الحفاظ على حرية الناخب أو على استقلالية المُنتَخَب.

            "Ainsi, non seulement les textes législatifs, relatifs aux inéligibililtés doivent faire l'objet d'une interprétation stricte, mais encore le législateur ne peut édicter des inéligibilités qui ne seraient pas justifiées par l'âge, l'incapacité la nationalité ou la volonté de préserver la liberté de l'électeur ou l'indépendance de l'élu".

Les grandes décisions du Conseil constitutionnel, 12ème éd; 2003, p. 265, no. 5.

فهـذا ما كرَّسه المجلس الدستوري صراحة.

            "Considérant que, en l'état, la qualité de citoyen ouvre le droit de vote et d'éligibilité dans des conditions identiques à tous ceux qui n'en sont exclus ni pour une raison d'âge, d'incapacité ou de nationalité ni pour une raison tendant à préserver la liberté de l'électeur ou l'indépendance de l'élu….".

C.C. 14/1/1999, AJDA 1999, p. 154.

 

ب – 3: والقانون المطعون فيه لم يأخذ، بكل أسف، بهذه الضوابط، بل هو تجاهلها، لا بل ذهب إلى عكسها تماماً، فوضع شروطاً تعجيزية ذات طابع كيدي شخصي، بعيدة كل البعد عن الموضوعية التي يجب أن يتميّز بها كلّ تشريع، مع الاشارة هنا، وبالمقارنة إلى أنَّ، قوانين 1962 والـ 2000 لم تكن تتضمّن مثل هذا الشرط غير الدستوري. 

ففي كل هذا تعطيلٌ وانتهاكٌ لمبدأ استمرارية وحسن سير المرافق العامة الذي أنزله الإجتهاد الإداري منزلة القانون، وأنزله الإجتهاد الدستوري منزلة الدستور.

            "III – La continuité du service public norme de valeur constitutionnelle.

            "22 – Dans sa décision du 25 Juillet 1979, le Conseil constitutionnel est conduit à affirmer, comme l'avait fait le Conseil d'Etat avant lui, que droit de grève et continuité du service public sont deux principes d'égales valeur qui doivent s'accomoder l'un de l'autre".

Les gdes décisions, op.cit., p. 379, no. 222.

وأيضاً بذات المعنى:

            "Le conseil constitutionnel a parfois fait figurer certains principes généraux du droit au nombre des normes qu'il oppose au législateur dans le cadre du contrôle de constitutionnalité des lois… De façon plus significative, la décision no. 79-105DC du 25 Juillet 1979 relative à l'exercice du droit de grève à la radiodiffusion – télévision française (Rec; 33; RDP 1979, 1705, note Favoreu…) a énoncé sans rattachement à un texte, que le principe de la continuité du service public est un principe de valeur constitutionnelle".

M.Long/P.weil…, Les grands arrêts de la jurisprudence administrative, 14ème éd; 2003, p. 525.

وأيضــاً:

F.Luchaire, op.cit., p. 220.

وعلى هذا، ولأن القانون المطعون فيه يعطّل كلياً مرفقاً دينياً أساسياً وهاماً، فإنه يكون إذاً غير دستوري ومستوجباً الإبطال لهذه الجهة.

ثانياً: لأنه مخالف لمبدأ المساواة ولمبدأ استقلالية الطائفة الدرزية، ولحرمتها وكرامتها.

أ – فلقد جاء في المادة الأولى منه أن "طائفة الموحّدين الدروز طائفة مستقلة إستقلالاً تاماً بشؤونها الدينية وأوقافها الخيرية وتتولى تشريع أنظمتها وإدارة مؤسساتها بنفسها طبقاً للأحكام الروحية للطائفة وامتيازاتها المذهبية والقوانين والأنظمة المستمدّة منها، بواسطة ممثلين من أبنائها من ذوي الكفاءة..". 

وجاء في المادة الثانية منه أنّ "لطائفة الموحّدين الدروز شيخ عقل واحد يتمتع بذات الحرمة والإمتيازات والحقوق التي يتمتع بها رؤساء الطوائف اللبنانية الأخرى بلا تخصيص ولا استثناء".

        وهذا يعني بوضوح أن القانون المطعون فيه فرض تأمين المساواة بين سماحة شيخ العقل وسائر رؤساء الطوائف اللبنانية الأخرى المعترف بها، على صعيد الإمتيازات والحقوق على كافة الأصعدة، ومنها دون شك، وبشكل خاص، مدة الولاية والصلاحيات.

ب - ولكن، وبكل أسف، عاد هذا القانون ليناقض نفسه بنفسه إذ تضمّن نصوصاً تتعارض كلياً مع النصين المار ذكرهما، سواء لجهة تحديد مدة ولاية شيخ العقل أم لجهة ضمان استقرار واستقلالية وحرمة الطائفة.

        فلقد جاء في المادة 30 منه ما حرفيته:

          "تكون مدة ولاية شيخ العقل خمس عشرة سنة تبدأ من تاريخ انتخابه، وهي قابلة للتجديد بقرار من المجلس المذهبي بالأكثرية المطلقة من أعضائه.

          "لا يُعفى شيخ العقل من منصبه إلا بناءً على طلبه أو لأسباب خطيرة تهدّد كرامة الطائفة ووحدتها وكيانها أو تمسُّ بسمعتها، أو لأسباب صحية تمنعه من القيام بمهامه تقرّرها اللجنة الطبية الدائمة في بيروت وذلك بناءً على طلب ربع أعضاء المجلس المذهبي.

          "وفي حال عدم اعتزاله طوعاً يتم الإعفاء بقرار من الهيئة العامة للمجلس المذهبي بأكثرية ثلثي أعضائه القانونيين بناءً على اقتراح ربع أعضائه على الأقل.

          "وفي جميع الحالات تنتهي ولاية شيخ العقل ببلوغه سن الخامسة والسبعين من العمر" (إنتهـى).

        وهذا النص يستدعي الملاحظات التالية:

ب-1: إنه غامض في الفقرة الأولى منه، من خلال عبارة "وهي قابلة للتجديد...". فلا بد من التساؤل هنا عمّا إذا كان هذا التجديد جائزاً لمرة واحدة فقط أم أكثر وحتى بلوغ سن الـ 75؟ ومن شأن هذا الغموض أن يولّد في المستقبل نزاعات ومواقف مزاجية متباينة تنعكس سلباً على وحدة الطائفة واستقلاليتها واستقرارها، وعلى أعلى مستويات إدارتها.

        كما انه غير واضح وغير مفهوم في الفقرات الأخرى من هذه المادة بكاملها بالنسبة لحالات الإعفاء والاعتزال والمفاهيم والأصول الواجب اعتمادها بشأنها. وغموضه هذا يتجاوز حد المعقول بشكل مفرط يبدّد معناه، الأمر الذي يجعله متعارضاً بالتأكيد مع القواعد والمبادىء الدستورية التي كرّسها الاجتهادان الفرنسي واللبناني على السواء (Principe de l'accessibilité et de l'intélligibilité de la loi) ومستوجباً إبطاله، فلقـد جـاء:

          ".... وبما ان المجلس يرى أن النص التشريعي المطعون فيه غير واضح على الإطلاق ومتضمن لواقعة أو وضع قانوني غير مفهوم...

          "وبما أنه سبق للمجلس الدستوري أن قرّر ان عدم وضوح النص التشريعي أو عدم فقهه يؤديان إلى إبطـالـه عند تجاوزه حدّاً مفرطاً مبدداً معناه...".

ـ المجلس الدستوري اللبناني، القرار رقم 1/2005 تاريخ 6/8/2005، رقم المراجعة 12/2005،

ـ والقـرار رقم 3/2002 تاريخ 15/7/2002.

        وأيضـاً:

C.C. 25-26/6/1986, 207 DC, Rec. p. 61… etc. 

ب-2: إنه متناقض مع ذاته في الفقرة الثانية منه التي تقضي في المبدأ بعدم إمكانية إعفاء شيخ العقل من منصبه إلاّ بناءً على طلبه، ومن ثم تستطرد لتقول بعبارة شاملة غامضة "أو لأسباب خطيرة أو لأسباب صحية تمنعه من القيام بمهامه تقررها اللجنة الطبية الدائمة في بيروت وذلك بناءً على طلب ربع أعضاء المجلس المذهبي".

        إنها ذروة التناقض والحط من كرامة مشيخة العقل وبالتالي من استقلالية وحرية طائفة الموحّدين الدروز. فالنصُّ فرض أولاً عدم إمكانية عزل او انهاء ولاية شيخ العقل إلا بناءً على طلبه، وهذا من بديهيات الحفاظ على حرمة هذا المقام الديني الرفيع وما ومن يمثّله. وقد حرص الإجتهاد الدستوري على إحاطة هذه الضمانة بهالةٍ من السُمُـوِّ والقدسية المانعة. فمبدأ استقرار وضع شيخ العقل – وهو الرئيس الروحي الأعلى لطائفته وممثِّلها – يُحتِّم عدم جواز صرفه أو حتى نقله، وهذا مبدأ دستوري مكرّس اجتهاداً بالنسبة للقضاة المتمتعين بضمانة من هذا النوع، ومن الواجب تطبيقه هنا.

            "… Le Conseil constitutionnel a consacré une conception rigoureuse du principe d'inamovibilité selon laquelle ce principe s'oppose, non seulement à ce que le magistrat puisse être révoqué, suspendu ou destitué en dehors des garanties prévues par le statut, mais aussi à ce qu'il soit déplacé…".

L.Favoreu, L.Philip, Les gdes décisions… 12ème éd., 2003, p. 190, II, no. 3.

والنصُّ ذاته فرض ثانياً وخلافاً لهذه الضمانة الدستورية الطابع، إمكانية إعفاء شيخ العقل "لأسباب خطيرة تهدّد كرامة الطائفة".

        فالمشترع هنا لا يناقض نفسه بنفسه فقط وإنما هو يُعطل أحكاماً بأحكامٍ أخرى، وبدلاً من ان يكون ضامناً لحرية واستقلالية الطائفة، فهو ينزع عنها كلَّ الضمانات الدستورية التي تكفل لها العزّة والطمأنينة والإستقرار، ويفتح الباب واسعاً امام التصرُّف المزاجي، على نحو ما سنبيّنه لاحقاً عند الحديث عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات.

ج - وأخيراً، إن هذا النص يطعن مبدأ المساواة في الصميم عندما يحدّد مدة ولاية شيخ العقل بخمس عشرة سنة، معطِّلاً في ذلك وبوضوح نصّ المادة الثانية المبيّنة آنفاً والتي فرضت وجوب تمتعه بذات الحرمة والامتيازات والحقوق التي يتمتع بها سائر رؤساء الطوائف اللبنانية الأخرى، اي متساوياً مع هؤلاء.

        فكيف يكون متساوياً مع السادة رؤساء الطوائف الأخرى ومدة ولايته هي فقط خمس عشرة سنة، في حيـن أنَّ سماحة مفتي الجمهورية مثلاً يُنتخب لولاية واحدة تنتهي ببلوغه سن الثانية والسبعين (المادة 6 من المرسوم الاشتراعي رقم 18/55) ويُنتخب أصحاب الغبطة والسيادة الآخرين لولاية تستمر مدى الحياة؟؟

        ومعلوم أن الإجتهاد الدستوري – كما الإجتهاد الإداري – أنزل مبدأ المساواة بين ذوي الأوضاع المتشابهة منزلة الدستور وفرض على المشترع احترامه تحت طائلة إبطال أيِّ نصٍّ تشريعي مخالف، ولم يسمح بتجاوزه إلا بالنسبة إلى ذوي الأوضاع غير المتشابهة.

        وطالما أن وضع سماحة المستدعي مشابه تماماً لأوضاع سائر رؤساء الطوائف اللبنانية على نحو ما تكرّسه المادة الثانية من القانون المطعون فيه، فإن اختصار مدة ولايته الى خمس عشرة سنة، يشكِّل تمييزاً وتفريقاً فاضحين بين وضعين متشابهين كلياً. فاستقرار وضع سماحة شيخ العقل – وهو رئيس روحي أعلى لا يجوز إبقاءه في دائرة الأهواء والمماحكات السياسية وغيرها – هو الضامن الأساسي والدائم لاستقلالية وكرامة الطائفة الدرزية، وأيُّ انتهاكٍ لحرمته من خلال مثل هذا التمييز هو انتهاك لحرمة الطائفة بكاملها، ولا بد من وضع حدٍّ له بالإبطال. فمثل هذا العيب هو غير دستوري بامتياز.

            "… toute différence de traitement qui ne serait justifiée par une différence de situation en rapport avec l'objet de la loi se trouve prohibée".

C.C. 15/1/1992, 304 DC, RJC 1-480.

Les gdes décisions…, op.cit., p. 283, no. 11.

        وإذا كان المجلس الدستوري يغضّ النظر احياناً عن بعض التمايزات في حقول وأوضاع معينة – وحالتنا هذه ليست من ضمنها – لأسباب قد تفرضها مصلحة عامة وطنية عليا، فإنه لا يسمح ابداً بالتوسُّع في مفهوم هذه المصلحة العامة، بمعنى أنه لا يسمح بتجاوز مقتضيات مبدأ المساواة إلاّ إذا استلزمت ذلك مصلحة عامة ذات طابع وطني هام وأكيد وذات علاقة واضحة وعضوية بالمصلحة العامة العليا التي يهدف إليها القانون.

            "Cependant, n'importe quel motif d'intérêt général ne peut justifier une différence de traitements. Il faut un lien nécessaire, un rapport logique entre la règle discriminataire et l'intérêt général précisément poursuivi par l'objet de la loi".

Ibidem, p. 282, no. 10.

 

        وبديهي القول بأن القانون المطعون فيه هو، على عكس ذلك، يحقّق بشكل سافر ومفضوح مصالح خاصة على حساب مصلحة وطنية عليا هي استقرار أوضاع الطائفة الدرزية وحماية استقلاليتها، فيكون واقعاً في غير موقعه الدستوري.

        ومن هذا المنطلق، يعتبر الإجتهاد الدستوري أنّ التفريق بين أوضاع من يتولون مناصب مشابهة أو مماثلة لبعضها، فيما يتعلّق بطريقة تعيينهم أو بمدة ولايتهم، إنما يشكّل تمييزاً غير مبرَّرٍ بمقتضيات الصالح العام على النحو المشار إليه، بل هو على العكس من ذلك، يعتبر خارجاً عن دائرة هذا الصالح العام، وتالياً غير دستوري.

            "… Le Conseil estime que les distinctions introduites entre des agents publics relevant d'un même statut quant au mode de nomination et à la durée éventuelle des fonctions ne sont pas justifiées par des motifs d'intérêt général".

C.C. 7/11/1990, Rec. P. 77.

Ibidem, pp. 282 – 283, no. 10.

        ومثل هذا التفريق هو غير دستوري أيضاً لأنه يستند إلى اعتبارات ذات طابع مزاجي، لا تتفق بالمطلق مع قصدية وغائية أي تشريع موضوعي يتناول تنظيم الطوائف الدينية.

            "… mais la différence de solution ne peut être justifiée que par cette différence de situation; elle devient inconstitutionnelle si elle repose sur d'autres considérations incompatibles avec la finalité de la loi".

C.C. 17/1/1979.

F.Luchaire op.cit., p. 204.

د - وطالما نحن في رحاب مبدأ المساواة، الأهم ربما في قائمة المبادىء المتعلقة بحقوق الإنسان، لتلازمه الكامل مع مبدأ الحرية، فإننا ندعو المجلس الدستوري الكريم إلى إدانة عدم موضوعية القانون المطعون فيه لكونه يركّز إجمالاً، وبشكل فاضح بكلّ أسف، على الحطّ من كرامة مشيخة العقل وشيخ العقل المستدعي تحديداً، الأمر الذي يجعله فاسداً دستورياً بكل أحكامه. وللدلالة على ذلك، نورد على سبيل المثال لا الحصر، نصوص المواد 12 و38 و49 منه.

د-1: فلقد نصت المادة (12) على أن يتألف المجلس المذهبي من أعضاء دائمين وأعضاء منتخبين، وفي مقدّمة الأعضاء الدائمين "شيخ العقل المنتخب بموجب هذا القانون"!!!

د-2: وقضت المادة (38) منه بأن "يرأس المجلس المذهبي سماحة شيخ العقل المنتخب وفقاً لهذا القانون"!!!

د-3: وجاء في المادة 49 أنه "على قائمقام شيخ العقل الحالي (!!!) لطائفة الموحّدين الدروز أن يدعو لانتخاب أول مجلس مذهبي ... وبحال تخلُّفه عن ذلك يتولى رئيس المحكمة الاستئنافية الدرزية العليا حكماً توجيه الدعوة...." (!!!).

        فيتبين إذاً من هذه النصوص (وغيرها..) أن القانون المطعون فيه، بالإضافة إلى غموضه المفرط وغير القابل للتطبيق (وهذا كافٍ لإبطاله كما رأينا)، إنما هو يركّز بشكــل سافـــر علــــى النيـــل مـــن صفـــة ومكانـــة وكرامة سماحة المستدعي شخصياً، وعبره من كرامة ومقام الطائفة الدرزية الكريمة التي هو قانوناً اليوم وغداً وحتى إشعار آخر، رئيسها الديني الوحيد وممثلها الشرعي الوحيد أيضاً، لدى السلطات العامة والطوائف الأخرى، وراعي شؤونها الروحية ومصالحها الدينية والإجتماعية التي يكفلها الدستور.

        وتأسيساً على ذلك، إن سماحة المستدعي هو "شيخ العقل" حالياً، بالكمال والتمام، وليس قائماً بأعمال مشيخة العقل على النحو الوارد في هذا القانون الباطل أدبياً ودستورياً، وهو بالتالي، وبقوة القانون، يكون الرئيس الحكمي الدائم للمجلس المذهبي، ما دام شاغلاً لمنصبه، فلقـد جاء:

          "... وبما ان الطائفة الدرزية.. هي من الطوائف المعترف بها قانوناً، وهي تتمثّل، كما سائر الطوائف اللبنانية، برئيسها الديني وهو شيخ عقل الطائفة.

          "وبما أنه يقتضي، إذن، معرفة ما اذا كان المستدعي الشيخ بهجت غيث يتمتع بصفة شيخ عقل الطائفة الدرزية وبالتالي بصفة الرئيس الديني لهذه الطائفة،

          "... وبما أنه بصرف النظر عن شرعية تعيين الشيخ بهجت غيث بمنصب شيخ العقل... فإن الشيخ بهجت غيث قد تولّى عملياً وفعلياً هذه المهام وأمّن استمرارية عمل المرفق الديني والوقفي للطائفة الدرزية.

          "وبما ان مبدأ استمرارية المرفق العام هو من المبادىء القانونية العامة التي أقرّها الإجتهاد الإداري واعتبره المجلس الدستوري من المبادىء ذات القيمة الدستورية.

          "... وبما أنه يكون للشيخ بهجت غيث إذن الصفة لتقديم هذه المراجعة" (أي صفة شيخ العقل).

ـ المجلس الدستوري اللبناني، القرار رقم 1/1999 السالف ذكره.

        من هنا، تكون النصوص المذكورة أعلاه غير دستورية، لعدم موضوعيتها وعدم استهدافها المصلحة العامة من جهة، ولأنها تجرّد رأس الطائفة الدرزية الشرعي من حقوقه المشروعة المكتسبة، وتجرّد بالتالي الطائفة الدرزية من ضمانة دستورية تكفل لها، بشخص رئيسها شيخ العقل الحالي، الرعاية والحماية والإستقرار. ولذا، فإن هذه النصوص تكون متعارضة كلياً مع مضمون المادة 9 من الدستور، نصًّا وروحاً، ومع قوة القضية المحكمة الناجمة عن قرار المجلس الدستوري اعلاه الذي وضع – كما رأينا – الأمور لهذه الناحية في نصابها الدستوري السليم، وبالتالي إنها تكون غير دستورية وباطلة لأنها تعتمد تفسيراً مناقضاً ومنافياً للتفسير الذي اعتمده القرار المشار إليه.

            "Jamais, jusque là, le juge constitutionnel n'avait été aussi précis et impératif dans l'affirmation du caractère obligatoire de ses interprétations: notamment il déclare clairement que toute interprétation du texte autre que celle qu'il donne "serait contraire à la Constitution" ".

Les gdes décision., op.cit., p. 617, no. 25.

        ولا يُـرَدُّ على ذلك بأن السلطة التشريعية هي ممثلة الشعب وسيدة نفسها، وأن القانون المطعون فيه يكون بالتالي، وبمجرّد إقراره من قبل الهيئة العامة لمجلس النواب، معبّراً عن إرادة الأمة جمعاء، ومنطبقاً إذن على أحكام الدستور!! فمثل هذا القول، إذا كان صحيحاً بصورة مبدئية عامة، إلاّ أنه مردودٌ هنا، وذلـك:

- لأنه لكي يكون القانون معبّراً عن الإرادة الشعبية العامة، فإنه يجب أن يكون متوافقاً مع الأحكام والقواعد الدستورية الراعية له (أي هنا، مع المادة 9 من الدستور) والتي لا يمكن الشذوذ عليها إلا بنصٍّ دستوري صريح آخر فقط، الأمر غير المتوفّر في حالتنا هذه.

            "La loi exprime la volonté générale, dispose l'article 6 de la déclaration de 1789; le Conseil constitutionnel l'a rappelé dans sa décision du 23 août 1985 en précisant que "la loi votée n'exprime la volonté générale que dans le respect de la constitution"; mais il faut un texte de valeur constitutionnelle pour pouvoir s'opposer à la volonté générale…".

F.Luchaire, Conseil Constitutionnel et Conseil d'Etat, Colloque des 21 et 22/1/1988, Introduction, p. 46.

        فيكون القانون المطعون فيه غير الدستوري غريباً إذاً عن الصالح العام.

- ولأنه، ومن هذا المنطلق بالذات، يكون كل تدبير شخصي الطابع، ولو نصَّ عليه القانون، غير دستوري وغير معبّر عن الإرادة العامة، إذا كان متعارضاً مع أحكام الدستور نصًّا وقواعد.

            "… M. Duguit (L'Etat, t.1, p. 521 et s.; Traité, t. II, p. 317) ne craint pas d'affirmer qu'une décision individuelle, fût-elle édictée par le Parlement en forme de loi, est illégale si elle contrevient à la législation générale existante..".

R.Carré de Malberg, Contribution à la théorie générale du l'Etat, Tome 1, 1920, p. 298.

        (مع الإشارة هنا إلى أنه لم يكن ثمة وجود بعد للمجالس الدستورية في حينه).

        وهنا يعتبر بعض كبار رجال الفقه الدستوري عن حق، أنَّ مثل هذا التمايز المشبوه فضلاً عن أنه مخالف لمبدأ المساواة على النحو المبيّن أعلاه، إنما هو أيضاً نوعٌ من الإنحراف في استعمال السلطة لأنه يتعارض مع قصدية أو غائية القانون بحدّ ذاته.

            "… On sait qu'en raison du principe d'égalité, une différence de solution n'est constitutionnelle que si, non seulement elle correspond à une différence de situation mais de plus est compatible avec la finalité de la loi; or ceci ne conduit-il pas à censurer une disposition prise dans un but autre que celui de la loi? N'y-a-t-il pas là encore un rapprochement avec le détournement de pouvoir?

F.Luchaire C.const. et C.E, op.cit., p. 51, no. 15.

        فيتبيّن من كل ذلك، أن القانون المطعون فيه واقع في غير موقعه الدستوري ومستوجب الإبطال لهذه الجهة أيضاً.

هـ - وبالعودة إلى ولاية سماحة شيخ العقل نشير إلى أنه بموجب المادة السادسة من قانون 13/7/1962 (انتخاب شيخ عقل الطائفة الدرزية)، كانت هذه الولاية تدوم مـدى الحيـاة، ومن ثم أصبحت بموجب القانون رقم 208/2000 وبموجب هذا القانون المطعون فيه خمس عشرة سنة على النحو المبيّن أعلاه.

        وما من شكٍّ بأنَّ تقصير مدة الولاية بهذا الشكل غير المقبول وغير المعقول ينتهك حرمة واستقلالية طائفة الموحّدين الدروز ويجرِّدها من امتيازاتها ومن طابع الإستقرار الذي يجب أن يسود إدارتها الروحية على كلِّ صعيد، فلا يكون شيخ العقل "مرتهناً" لأطماع ومآرب سياسية وواقفاً على "رضى" هذا أو ذاك من السياسيين على حساب مصالح الطائفة ومرافقها الدينية طمعاً بتجديد ولاية مرة أو أكثر!! فحرمة واستقلالية "شيخ العقل" هي الضامنة الوحيدة لحرمة واستقلالية الطائفة، ولا يكون ذلك مؤمَّناً إلا إذا توفَّر عامل الإستقرار لشاغل هذا المنصب الديني الرفيع على نحو ما جاء في قانون 1962. ولـذا، فإن منصب شيخ العقل يجب أن يكون غير قابل للتجاذب وغير خاضع لمزاجيات غريبة عن المصلحة العليا للطائفة الدرزية.

        وإذا كان الفقه والإجتهاد مجمعين على أنه يعود للمشترع أن يلغي أو يُعَـدِّل قانوناً نافذاً حين يشاء، دون أن يشكّل ذلك مخالفة دستورية، فإنَّ الأمر يختلف عندما يمسُّ هذا الإلغاء أو التعديل حريةً أو حقًّا من الحقوق ذات القيمة الدستورية. ففي هذه الحالة لا يجوز له أن يلغي النصوص التشريعية النافذة الضامنة لهذه الحريات دون أن يُحِـلَّ محلها نصوصاً أكثر ضمانة أو معادلة لها على الأقل، تحت طائلة الإبطال.

            "Dans la decision du 10-11 Octobre 1984, le Conseil constitutionnel déclare "que… s'agissant d'une liberté fondamentale… la loi ne peut en règlementer l'exercice qu'en vue de le rendre plus effectif…". Ceci rejoint et renforce l'idée précédente selon laquelle la compétence du législateur, s'agissant de certaines libertés fondamentales, est limitée: il ne peut abroger les dispositions législatives garantissant ces libertés sans les remplacer par d'autres, d'efficacité équivalente; il ne peut intervenir que pour renforcer ces garanties. En d'autres termes, le législateur ne peut diminuer les garanties qu'il a déjà édictées au profit d'une liberté fondamentale, soit en abrogeant ces garanties sans les remplacer, soit en remplaçant ces garanties par des garanties moins fortes".

Les gdes décisions…, op.cit., p. 594 – 595, no. 27.

        ولقد تبنّى المجلس الدستوري اللبناني هذا الإجتهاد، فلقد جاء:

          "وبما أن المشترع عندما يسنّ قانوناً يتناول الحقوق والحريات الأساسية فلا يسعه أن يعدّل أو يلغي النصوص القانونية النافذة الضامنة لهذه الحريات دون أن يُحلَّ محلها نصوصاً أكثر ضمانة او تعادلها على الاقل فاعلية وضمانة، بمعنى انه لا يحوز للمشترع أن يُضعف من الضمانات التي أقرّها بموجب قوانين سابقة لجهة حق أو حرية اساسية، سواء عن طريق إلغاء هذه الضمانات دون التعويض عنها أو بإحلال ضمانات محلها أقل قوة وفاعلية".

ـ مجلس دستوري لبناني، 23/11/1999، قرار رقم 1/99 بشأن الطعن في القانون رقم 127/99 المتعلق بإنشاء مجلس أمناء أوقاف الطائفة الدرزية.

        وهذا ما ينطبق بالضبط على القانون المطعون فيه حالياً الذي لم يكتفِ بإضعاف الضمانات المقرَّرة سابقاً في قانون 1962، وإنما، في الحقيقة، عطَّلها كلياً بإخضاعه مقام مشيخة العقل للمساومات ولمزاجية المراجع السياسية والزمنية في الدولة، الأمر الذي يشكِّل مخالفة فاضحة لأحكام الدستور وللقيم والقواعد ذات المكانة الدستورية، فيكون بالتالي مستوجباً الإبطال لهذه الجهة أيضاً وأيضاً.

ثالثاً: لأنه ينتهك حرمة الشخصية المعنوية للطائفة الدرزية:

أ – فعطفاً على احكام المادة 9 من الدستور المذكورة أعلاه، تُعتبر طائفة الموحّدين الدروز، وهي طبعاً من الطوائف الأساسية والرئيسية المعترف بها في لبنان، ذات شخصيـة معنوية واحدة تتمتع بالاستقلال المالي والإداري.

        فلقـد جاء:

          "وبما ان هذا النص (المادة 9 المذكورة) ينطوي إذن على موقف محايد للدولة من الأديان وعلى اعترافها بالاستقلال الذاتي للطوائف في إدارة شؤونها ومصالحها الدينية ويترتب على هذا الاستقلال للطوائف والجماعات المذهبية المستقلة المختصة بالتعليم وبالأعمال الخيرية التابعة لها تمتعها أيضاً بالشخصية المعنوية".

ـ مجلس دستوري لبناني، قرار رقم 1/99 تاريخ 23/11/1999، في ما خص الطعن في القانون رقم 127/99 تاريخ 25/10/1999 (إنشاء مجلس أمناء اوقاف الطائفة الدرزية).

        ومن المسلّم به علماً واجتهاداً، أنَّ الشخصية المعنوية تتمثل حكمـاً برئيسها وحده ما لم ينصّ القانون صراحة على خلاف ذلك، والاجتهاد مستقرٌّ على هذا الموقف اعتباراً من العام 1998.

            "Lorsque les statuts d'une personne morale de droit privé sont muets sur l'organe habilité à représenter cette personne morale, la jurisprudence a tout d'abord exigé une délibération de l'assemblée générale…. Puis, depuis 1998, le juge inverse l'exigence: l'organe compétent est, en ce cas, le président de l'association ou du syndicat…".

Ch.Debbasch, Contentieux administratif, 8ème éd; 2001, p. 353, no. 340.

        هذا إذا خلا القانون من أيِّ نصٍ بالجهة ذات الصفة التمثيلية. فكيف إذا نصَّ القانون صراحة على ذلك، كما هي حال المادة الرابعة من القانون موضوع البحث التي تمنح شيخ العقل صراحة الصفة التمثيلية في كل ما يتعلَّق بالأمور الدينية وبالشؤون الروحية والإجتماعية..؟؟

ب – وفيما عدا الشخصية المعنوية الممنوحة دستورياً للطائفة الدرزية الكريمة، فإنه لا يمكن اعتبار أي هيئة أو مؤسسة داخلها أو منتمية إليها، متمتعة بالشخصية المعنوية ما لم يقضِ القانون صراحة بذلك. فالشخصية المعنوية تُمنح بنص تشريعي، وبنصٍّ تشريعي صريح فقط، إذ لا يمكن أبداً افتراضها أو استنتاجها من أحكام غير صريحة بالموضوع.

            "… La personnalité morale ne se présume pas; il n'y a donc d'établissements publics que ceux créés par ou dans le cadre d'une texte d'ordre législatif…".

R.Odent, op.cit., 1976 – 1981, p. 495.

        وتأسيساً على ذلك، فإنه لا يمكن اعتبار أيّ تجمُّـع او تنظيم داخل شخصية معنوية معيّنة، متمتعاً بذاته بشخصية معنوية مستقلة عن الشخص المعنوي الذي ينتمي إليه، إلاَّ إذا منحه إياها القانون صراحة، وتالياً لا يجوز لمثل هذا التجمّع أو التنظيم غير المتمتِّع بالشخصية المعنوية أن يكون له كيان مالي ذاتي مستقل أو ذمة مالية مستقلة، أي أن تكون له موازنة مستقلة وأموال وممتلكات ذاتية مستقلة عن اموال وممتلكات الشخصية المعنوية الأم، ولا أن تكون له بإسمه إذاً هبات أو تبرّعات او مســـاعدات.. إلـخ. 

        ومن هذا المنطلق، وفي ضوء النصوص القانونية الراعية لها تكون طائفة الموحّدين الدروز، بكل إداراتها وهيئاتها وتنظيماتها، متمتعة بشخصية معنوية واحدة، وبالتالي لا تكون هنالك شخصية معنوية مستقلة لمشيخة العقل وحدها، ولا للمجلس المذهبي وحده، ولا للأوقاف الدرزية وحدها، لانتفاء النص الصريح بالموضوع من جهة، ولتعارض مثل هذا الامر مع الدستور، من جهة أخرى. فكلُّ هذه المراجع تؤلِّف جزءاً من الشخصية المعنوية الواحدة التي تتمتع بها الطائفة الدرزية ككيان واحد لا يتجزأ عملاً بمنطوق المادة التاسعة من الدستور.

        والقول بغير ذلك يعني شرذمة الطائفة الدرزية والقضاء على وحدتها، الأمر الذي يشكّل مخالفة صريحة ليس للدستور وحسب، وإنما للأحكام التشريعية الضامنة لهذه الوحدة أيضاً، ومنها المادة الأولى من القانون المطعون فيه نفسه، حيث جـاء:

          "طائفة الموحّدين الدروز طائفة مستقلة استقلالاً تاماً بشؤونها الدينية وأوقافها الخيرية...".

        وعليه، تكون كل النصوص الواردة في القانون المطعون فيه والمخالفة لهذه الأحكام والمبادىء، واقعة في غير موقعها الدستوري، ومنهـا:

- الفقـرة ما قبل الأخيرة من المادة الرابعة التي تعطي شيخ العقل صلاحية "قبول جميع الهبات والتبرعات العائدة لمقام مشيخة العقل".

- الفقرة الثانية من المادة الثانية التي تعطي المجلس المذهبي صلاحية "قبول الهبات والتبرعات العائدة له وللأوقاف الدرزية..".

- الفقرة الخامسة من المادة الثامنة ايضاً التي تعطي المجلس المذهبي صلاحية "إقرار موازنته المتضمنة لجنة الأوقاف.." 

        فكلُّ هذه النصوص وما يماثلها في القانون المطعون فيه تكون إذاً، وللأسباب المار ذكرها، غير دستورية ومستوجبة الإبطال.

رابعاً: لأنه مخالف لمبدأ شرعية الجرم والعقوبة ولحق التقاضي:

        لقد أشرنا سابقاً، ونشير الآن مجدّداً إلى أن ما جاء في المادة 30 من القانون المطعون فيه بشأن إمكانية إعفاء سماحة شيخ العقل من منصبه "لأسباب صحية تمنعه من القيام بمهامه... أو لأسباب خطيرة تهدّد كرامة الطائفة ووحدتها وكيانها"، إنما هو مخالف لأبسط القواعد الراعية لحقوق الإنسان – أيّ إنسان – وكرامته، فكيف إذا كان هذا الإنسان رئيساً روحياً أعلى تتوقف عليه وعلى كرامته الشخصية كرامة وحرمة طائفة جامعة بكاملها؟؟؟

        وهذا النص واقع غير غير موقعه الدستوري والقانوني، ويستدعي الملاحظات التالية:

أ – في ما خص مبدأ الإعفاء لأسباب صحية:

        لقد فرض المشترع لهذه الناحية أن تقرّر اللجنة الطبية الرسمية المركزية في بيروت مدى خطورة الأسباب الصحية وما إذا كانت هذه الأسباب تمنع سماحته من القيام بمهامه، وذلك "بناء على طلب ربع أعضاء المجلس المذهبي.." !!!

        وأدهى ما في الأمر أن اللجنة الطبية المذكورة أُعطيت صلاحية البتّ بشكل مباشر وفوري ونهائي بمجرّد "طلب ربع أعضاء المجلس المذهبي"، دون ان يكون متاحاً لصاحب العلاقة ان يُستعان له ايضاً بلجنة طبية مقابلة، أو ان يستعين هو نفسه عند مثوله أمامها بطبيب يختاره على الأقل، وفق ما تقضي به قوانين الوظيفة العامة مثلاً لكل الموظفين والعاملين في القطاع العام، ودون ان يستفيد من فترة سماح للعلاج واحتمال الشفاء.

        فالإجتهاد الإداري يعتبر أن قرار صرف الموظف العادي من الخدمة بسبب حالته الصحية دون التأكد من عدم قابليته للشفاء على يد اكثر من لجنة طبية ودون حفظ حقه بإجازات مرضية لمدة طويلة (congé de longue durée) يحدِّدها القانون وبراتب أو تعويض كامل، إنما هو يكون قراراً معيوباً ومستوجباً الإبطال.

مثـلاً:

ـ شـورى لبنان، 15/12/1972، كحيل، م.إ. 1973، ص 26... إلـخ.

ـ محكمة العدل العليا الأردنية، قرار رقم 1/11، مجلة نقابة المحامين سنـة 1983، ص 1404.

C.E. 12/7/1995, Mazo, Req. no. 146230.

        نقول هذا عن الموظف العادي، ودليلنا في ذلك أصول وإجراءات نصَّت عليها التشريعات المختلفة ومنها مثلاً التشريع اللبناني (المادة 39 من المرسوم الاشتراعي رقم 112 تاريخ 12/6/1959 المتضمن قانون الموظفين)، وكرّسها واستقرَّ عليها الإجتهاد... أفلا يكون من حقنا أن نستغرب، بل أن نستهجن ما هو وارد في المادة 30 من القانون المطعون فيه لهذه الجهة وهي تحرم رئيساً أعلى لطائفة لبنانية أساسية، من كل هذه الضمانات، بل هي تُخضِعُه، حتى في الأمور الصحية المفترض أن تكون ذات طابع سرّي حميم، لقرار قاطع مانع صادر عن لجنة طبية واحدة، وعلى درجة واحدة، وكيف؟.... "بناءً على طلب ربع أعضاء المجلس المذهبي"!!!

        وبعبارة أخرى، جاء نص المادة 30 ليُضفي على قرار اللجنة الطبية المشار إليها هالةً من الإلزام لا تتمتع به كل القرارات المماثلة. فالإجتهاد يعتبر أن اللجان الطبية هي ذات صفة استشارية فقط، وينبغي أن تكون الاصول المعتمدة لديها ذات طابع وجاهي، أي أن يُتاح للمريض مجال الاستعانة بهيئة طبية أخرى، أو أكثر، من اجل التأكّد من سلامة نتيجة المعاينة الأولى وصحة التقارير الموضوعة بشأنها، فحرمان صاحب العلاقة من مثل هذه الاستعانة عند الاقتضاء يُعتبر بمثابة حرمانه من حق الدفاع عن النفس، الأمر الذي يؤدي الى البطلان الحتمي.

            "Intervention des comités médicaux… Ce sont des organes consultatifs. Les procédures utilisées par ces comités présentent un caractère contradictoire".

C.E. 24/2/1975, Ministre de l'Education nationale, Rec., p. 151.

J.M.Auby. Droit de la fonction publique, 4ème éd, 2002, p. 202, no. 410.

        والإجتهاد الإداري في أيّ حال، وبمعزل عن أي نص، كرَّس مبدأ حرية اختيار المريض لطبيبه المعالج ووضعه دون تردّد في منزلة المبادىء العامة للقانون.

            "On peut enfin estimer que c'est au nombre des principes généraux du droit que le Conseil d'Etat a rangé le "principe" du libre choix du médecin par le malade".

C.E. 27/4/1998, Synd des médecins libéraux, DA 1998, no. 214.

R.Chapus, op.cit., p. 91, no. 125.

        وبالنظر لما يجسّده هذا المبدأ من احترام للحرية الشخصية للإنسان في مثل هذه الظروف الصحية العصيبة، فإنه يدخل دون شك في خانة مبدأ وجوب احترام ظروف الحياة الشخصية الخصوصية للإنسان الذي اعتبره الإجتهاد الدستوري بدوره مرادفاً لمبدأ الحرية، ووضعه إذاً في منزلة النص الدستوري الذي يتوجب على المشترع احترامه تحت طائلة الإبطال.

            "Dans une décision 352 DC, le Conseil constitutionnel revient à la démarche initiale et… il estime que "la méconnaissance du droit  au respect de la vie privée peut être de nature à porter atteinte à la liberté individuelle (18 Janv. 1995). La valeur constitutionnelle du droit au respect de la vie privée est ainsi officiellement reconnue à travers la liberté".

Les gdes décisions…, op.cit., p. 334, no. 7.

        وعليه، وطالما أن القانون المطعون فيه لا يحترم ولا يُراعي هذه القواعد والأصول ذات الطابع الدستوري الأكيد، فإنه يكون معيوباً ومستوجباً الإبطال لهذه الجهة ايضاً.

ب - في ما خص مبدأ الإعفاء "لأسباب خطيرة":

        ونص المادة 30 هو، هنا ايضاً، غير دستوري لأنه يقتصر على العموميات والعناوين الفضفاضة، متجاهلاً أبسط القواعد القانونية الملزمة والقاضية بوجوب تضمين التشريعات ذات العلاقة، نصوصاً صريحة بالجرائم والعقوبات عملاً بالقاعدتين القائلتين بأنه "لا جرم بدون نص" (Pas de crime sans texte)، و"لا عقوبة بدون نص" (Pas de peine sans texte).

        فخطورة القانون المطعون فيه تكمن في أنه غارق في الشمولية والغموض ويُفسح المجال واسعاً امام التفسيرات والتأويلات ذات الطابع المزاجي غير المقبول. فالمجلس الدستوري يحذّر المشترع من الجنوح الى هذا النوع من الشطط ويدعوه دائماً الى التزام جانب الصراحة والوضوح منعاً لأيّ انحرافٍ مزاجي يسيء إلى حرية الافراد والى سلامة حقوقهم المشروعة، ويعطّل بشكل خاص حقوق الدفاع عن النفس، لا سيما وان صاحب العلاقة يكون جاهلاً طبيعة التهمة وسببها.

            "Considérant qu'aux termes de l'article 8 de la Déclaration des droits de l'homme et du citoyen de 1789, nul ne peut être puni qu'en vertu de la loi établie et promulguée antérieurement au délit et légalement appliquée; qu'il en résulte pour le législateur de définir les infractions en termes suffisamment clairs et précis pour exclure l'arbitraire".

C.C. 19 et 20/1/1981, Décision 80-127 DC, Rec., p. 15.

        وهذا المبدأ الدستوري لا يقتصر فقط على الجرائم والعقوبات الجزائية، بل إنه ينسحب ايضاً على كل تدبير زجري يرتدي طابع المؤاخذة أو العقاب أياً يكن نوعه ومجاله وأيّاً تكن الجهة التي توقّعه.

            "…. Le principe de nécessité des peines… "s'étend à toute sanction ayant le caractère d'une punition même si le législateur a laissé le soin de la prononcer à une autorité non judiciaire" (87-237 DC du 30/12/1987); ce qui peut donc viser les sanctions prononcées tant par les juridictions que par les autorités administratives et soumet au principe l'ensemble du droit répressif".

Les gdes décisions…, op.cit., P.30, no. 6.

        ولـذا، وفي ضوء ذلك، يكون القانون المطعون فيه مستوجباً الإبطال لهذه الجهة ايضاً.

ج – والنص ذاته مخالف للدستور وباطل أيضاً لأنه خالٍ من اية احكام تضمن لسماحة شيخ العقل حق مراجعة القضاء المختص والطعن وفقاً للأصول في اي تدبير ينال من موقعه ومن كرامته الشخصية على النحو المبيّن في القانون!!!

        ذلك أن الفقرة الثالثة والاخيرة من المادة 30 ذاتها تمثّل ذروة التعرّض لمقام شيخ العقل عبر "معـاقبـة" سماحته في حال عدم اعتزاله طوعاً، فيتم الإعفاء عندئذ – كما يقول النص حرفياً – "بقرار من الهيئة العامة للمجلس المذهبي بأكثرية ثلثي أعضائه القانونيين بناءً على اقتراح ربع أعضائه على الأقل".

        وهكذا، يفرض القانون المطعون فيه إنزال اقسى عقوبة معنوية ومادية على اعلى مرجع في الطائفة الدرزية، من قبل هيئة غير قضائية، بل ربما ذات لون سياسي معيّن، لا سيما وانها تضم وزراء ونواباً حاليين وسابقين، دون أن يُسمح له بالطعن في هذا التدبير إطلاقاً، ولا حتى بالدفاع عن نفسه أمامها!!!

        ومن المسلَّم به أن حق مراجعة القضاء والطعن في كل التدابير التي تنال من الحقوق والحريات كافة، إنما هو حق دستوري كرّسه المجلس الدستوري ووضعه صراحة في مستوى حق الدفاع عن النفس بالذات، معتبراً أنه يشكّل إحدى الضمانات الاساسية التي كفلها الدستور. فلقـد جـاء:

          "وبما ان حق مراجعة القضاء هو من الحقوق الدستورية الاساسية...

          "وبما انه اذا كان اناطة مجلس القضاء الاعلى سلطة تأديبية... فإن اعطاء الحق للقاضي العدلي بالطعن في هذه القرارات التأديبية التي تصدر عنه عن طريق النقض يشكّل ضمانة لا غنًى عنها...".

ـ المجلس الدستوري، قرار رقم 5/2000 تاريخ 27/6/2000 في المراجعة رقم 5/2000 ضد القانون رقم 227 الصادر بتاريخ 31/5/2000 المتعلق بتعديل بعض مواد نظام مجلس شورى الدولة.

        وبالمعنى ذاته أيضـاً:

            "Le droit au recours est à nouveau affirmé dans les décisions 99-411 DC, 99-416 DC dans laquelle le Conseil constitutionnel, … estime "qu'il résulte de cette disposition qu'il ne doit pas être porté d'atteintes substantielles au droit des personnes intéressées d'exercer un recours effectif devant une juridiction".

Les gdes décisions, op.cit., p. 742, no. 32.

        وعليه، يكون القانون المطعون فيه غير دستوري لهذه الناحية ايضاً ومستوجب الابطال.

د – يُضاف الى ما تقدم ان هيئة المجلس المذهبي، "تحاكم وتعاقب" هنا رئيسها (المادة 38) أي مَـنْ هو الأعلى رتبة فيها.

        ومن المفروض قانوناً وبحسب المبادىء العامة وفي طليعتها حق الدفاع عن النفس، أن تتولى هذه الهيئة التحقيق مع شيخ العقل قبل اتخاذ قرار الإعفاء، الأمر الذي لا يأتي القانون المطعون فيه على ذكره بالمطلق.

        ومن المسلم به في العلم والاجتهاد، ان الجهة التي تتولّى التحقيق مع المخالف، إنما هي تلك التي يحدّدها القانون صراحة. فليس صالحاً لإجراء التحقيق إلا من يحدّده القانون صراحة وحصراً لهذه الغاية، علماً بأن أيَّ مخالفة لهذه الاحكام تجعل التدبير المتخذ صادراً عن مرجع غير مختص، الأمر الذي يستوجب ابطاله لعلة عدم الصلاحية التي تتعلق بالانتظام العام. ولمعرفة هوية المرجع المختص، هناك دليل واحد لا غير، هو القانون. والحال، ان القانون المطعون فيه يشكو من فراغ تام بهذا الشأن كما أشرنا اعلاه، الأمر الذي يعيبه تكراراً ويعيب اي تحقيق يمكن ان يجري بالموضوع وعلى اساس النص المشكو منه.

هـ – وتأسيساً على ذلك ايضاً، هناك مبدأ الحياد أو الحيدة والتجرّد (l'impartialité) الذي بموجبه يعتبر الإجتهاد أن رئيس واعضاء المجالس التأديبية أو ما شابهها من الهيئات الجماعية (tout organisme collégial) يجب ان يكونوا مستقلّين ومجرّدين ومنزّهين عن اية مصلحة او غاية شخصية مباشرة أو غير مباشرة. وعليه، لا يجوز ولا يمكن للمرجع الذي يوجِّه التهمة أو المأخذ ومن ثم يتولى التحقيق واقتراح توقيع العقوبة على جهة معيّنة، أن يكون في عداد من تتألف منهم الهيئة التي خوَّلها القانون البت نهائياً بالقضية.

C.E. 29/4/1949, Bordeaux, Rec., p. 188.

C.E. 1er Avril 1998, MM.Igual et Camets, req, no. 136091.

        وكذلك هي حال الذي سبق له أن أبدى رأيه وجاهر به علناً بوجوب معاقبة أو إزاحة الموظف (هنا، شيخ العقل)، فلا يحق له أبداً أن يترأس الهيئة الناظرة في الاتهام، ولا أن يكون عضواً فيها.

Ex: C.E 19/1/1951, Facchinetti, Rec., p. 33.

      C.E. 20/6/1958, Louis, R.P.D.A. 1958, no. 293.

      C.E. 10/5/1996, OPHLM de la Vienne, Req. No. 115303.

        وبـذات المعنى:

ـ  شورى لبنان 18/10/1995، عبدو، مجلة القضاء الإداري في لبنان، العدد العاشر 1997، م.1، ص 42.

        وهذه هي بالضبط القاعدة الدستورية التي استقر عليها اجتهاد المجلس الدستوري والقائلة بوجوب فصل قضاء التحقيق عن قضاء الحكم.

(Séparation des juridictions d'instruction et de jugement)

C.E. 27/7/1978, 78-97 DC, Rec., p. 31.

C.E. 22/11/1978, 78-98 DC, Rec., p. 33.

        من هنا، يكون اي تحقيق يجري على النحو المشار اليه غير اصولي ومعيوباً، ويعيب بالتالي القرار الذي يقضي بفرض العقوبة بالإستناد إليه، لأن ما يُبنى على الفساد يكون فاسداً هو أيضاً.

ـ  شورى لبنان 6/1/1994، المر، مجلة القضاء الإداري في لبنان، العدد الثامن، 1995، م.1، ص 223.

        ففي ضوء ما تقدم، وبالعودة الى نص المادة 30 من القانون المطعون فيه، يتبيّـن انه يحصر في المجلس المذهبي كل هذه المهام، إذ يجعل منه فريقاً مدعياً، ومحققاً، وحكماً في آن، فيكون بذلك مخالفاً للقواعد الدستورية المار ذكرها والتي تؤلّف مع مبدأ الحرية والعدالة وحدة لا تتجزأ، فيكون تالياً مستوجباً الإبطال لهذه الجهة ايضاً وايضاً.

و - واخيراً، لا آخراً، يُستفاد من نصوص القانون المطعون فيه، في ضوء القواعد والمبادىء المار ذكرها، أنه باطلٌ ايضاً لأنه يولي ضمناً هيئة المجلس المذهبي إذاً التحقيق في أمر "عـزل" سماحة شيخ العقل والبتّ النهائي بالموضوع في آن، في حين أن سماحته، كما اشرنا اعلاه، هو رئيس هذه الهيئة قانوناً وبالتالي الأعلى رتبة فيها.

        والعلم والإجتهاد متفقان في هذا المجال على أنه إذا جرى التحقيق مع أيّ مرجع، من قبل مرجع آخر دونه رتبة أو درجة، وكذلك إذا حكم عليه بالطريقة وبالمستوى ذاتهما، فإن التحقيق والحكم يكونان باطلين بطلاناً مطلقاً، عملاً بالمبدأ القانوني العام القائل بأنه "لا يجوز أن يُحقّق مع أحد أو يُحكم عليه إلا من قبل صُـنْـوِهِ على الأقل".

("Nul ne peut être jugé que par ses pairs")

        أنظر في ذلك مثلاً:

ـ شورى لبنان 3/11/1959، الزعيم غازي، غير منشور.

ـ شورى لبنان 9/10/1997، القاضي زاهي حداد، مجلة القضاء الإداري في لبنان، العدد 13، 1999، م.1، ص 20.

ز – هذا فضلاً عن أن المادة 12 من القانون المطعون فيه تنص على اعتبار عضو المجلس الدستوري العامل من طائفة الموحّدين الدروز عضواً حكمياً ودائماً في المجلس المذهبي الذي يرأسه شيخ العقل، وهذا الجمع بين المنصبين يشكِّل انتقاصاً من مبدأ الحيدة أيضاً نظراً لما ينتج عنه من تعارض وعدم ائتلاف (incompatibilité) بينهما لا سيما في معرض مراقبة دستورية القوانين المتعلقة بالأحوال الشخصية وحرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وحرية التعليم الديني والتي أناط الدستور في المادة 19 منه حق الطعن فيها لدى المجلس الدستوري برؤساء الطوائف المعترف بها قانوناً، اي بسماحة شيخ العقل بالذات هنا.

كل ذلك يدعو إلى التأكيد بأن القانون المطعون فيه ألغى وانتهك كل الضمانات المقررة في القوانين السابقة له دون أن يوفّر محلها ضمانات أخرى متوازية أقلّه معها، خلافاً للقواعد الدستورية التي استقر عليها الإجتهاد كما ذكرنا سابقاً، فيكون بالتالي مستوجباً الإبطال لهذه الجهة ايضاً وأيضاً.

خامساً لأنه مشوب في أي حال وفي ضوء ما تقدم، بالخطأ الساطــع فــي التقدير (L'erreur manifeste d'appréciation)

        من المتفق عليه، مبدئياً، أنه من حق السلطة التشريعية، أن تعدّل أو أن تلغي أي قانون وفي أيّ وقت دون أن ينازعها أحد في ذلك.

        فهذا الحق مكرّس اجتهاداً وغير قابل للنقاش، ولها وحدها يعود حق التقدير والاستنساب في هذا المجال.

        ولكن، عندما تمارس هذه السلطة حقها المذكور، فإن النّص الجديد الذي يصدر عنها يجب أن لا يكون مسنداً إلى وقائع غير صحيحة، ولا إلى اسباب قانونية خاطئة، ولا إلى خطأ ساطع في التقدير.

        والقول بأن السلطة – أي سلطة – تملك حق الاستنساب والتقدير لا يعني أنه لا يجوز لها أن تخطىء في ذلك – فمن خصائص وطبيعة السلطة التقديرية أنها معرّضة للخطأ وسوء التقدير.

            "... il est de l'essence du pouvoir discrétionnaire qu'il implique le pouvoir de commettre des erreurs".

G.Braibant. le droit administratif français, 1988, p. 239.

        ومثل هذا الخطأ وسوء التقدير يكون مقبولاً بحسب الإجتهاد طالما هو ضمن حدود المعقول والمنتظر بشرياً، ولكن الذي لا يجوز بالمطلق هو وقوع السلطة التشريعية (وهي المقصودة هنا) في خطأ ساطع أو بارز او فاضح، أي في خطأ يتصف في الوقت ذاته بالخطورة والتهوّر في هذا المجال، لأنها تكون في ذلك قد فرضت على البلاد والعباد تشريعاً سلطوياً فاسداً يعطّل المصلحة العامة بدلاً من أن يسيّرها على نحوٍ حسن ومنتظم، ولا يكون تالياً بدّ من إبطاله.

        وبعبارة اخرى، إذا كان لا يجوز لأحد منازعة السلطة التشريعية في ممارسة سلطاتها ومهامها الدستورية في هذا المجال، فإنه لا يجوز لها هي في المقابل، أن ترتكب في معرض هذه الممارسة تجاوزات وانتهاكات غير معقولة وغير مقبولة، كما هي الحال في التشريع المطعون فيه، وإلاّ فإن المجلس الدستوري يكون لها بالمرصاد، وهو لا يتردد في لفظ الإبطال، فالسلطة التقديرية ليست سلطة "مزاجية" مطلقة ولا يجب ان تكون كذلك، وإلاّ فإنها تشكل عندئذٍ خطأ ساطعاً في التقدير.

            "… Mais une appreciation discrétionnaire n'est pas une appréciation souveraine, et le juge constitutionnel se réserve la possibilité de corriger une erreur manifeste".

L.Favoreu/L.Philip. op.cit., p. 494, no. 59.

        ومتى تحوّل انحراف من هذا النوع في استعمال السلطة إلى درجة من الخطورة تؤدي إلى تعطيل مرفق عام دستوري هام وحيوي – كالمجلس الدستوري – فإنه يشكل عندئذٍ بالتأكيد خطأ فاضحاً أو ساطعاً في التقدير – لا يتوانى المجلس الدستوري عن إدانته بشدة.

            "Aussi bien… le Conseil (constitutionnel) se réserve-t-il la possibilité de censurer une erreur manifeste d'appréciation…".

B.Genevois, La jurisprudence du Conseil constitutionnel, 1988, no. 389, p. 239.

        فمن واجب المجلس الدستوري ان يراقب ما إذا كانت السلطة التشريعية، في معرض ممارستها لحقها في التقدير والاستنساب، قد وقعت في الخطأ الساطع في التقدير ام لا، وفي حال الإيجاب عليه ان يقضي بوضع حدّ لمثل هذا التجاوز بإبطال النصّ المخالف، ذلك ان رقابته على العمل التشريعي من هذه الناحية، إنما هي رقابة حقيقية وفاعلة، ولا هوادة فيها.

            "… Le contrôle de l'erreur manifeste d'appréciation est un contrôle effectif et non un pseudo-contrôle comme voudraient le faire croire les non-spécialistes du contentieux".

L.Favoreu/L.Philip., op.cit., p. 702, no. 20.

        وبالمعنى ذاته أيضاً:

L.Habib, "La notion d'erreur manifeste d'appréciation dans la jurisprudence du Conseil constitutionnel", R.D.P. 1980, p. 703.

        وبهذا المعنى ايضاًَ وايضاً:

C.C. 8 août 1985, 196/85 DC, Rec, p. 63.

        وبالعودة الى القانون المطعون فيه، نرى بوضوح انه تجاوز وتخطّى كل خطوط التقدير المعقول، وذلك بمجرّد انتهاكه المبادىء والقواعد المار ذكرها، فيكون المشترع قد وقع إذاً في خطأ ساطع في التقدير، الأمر الذي يستوجب إبطال القانون المذكور لهذه الجهة ايضاً.

سادساً: ولأنه مخالف لمبدأ جـواز مسّ الحقوق المكتسبــة (Principe de l'intangibilité des droits acquis)

أ – فالمادة الثامنة – فقرتها الثالثة – من القانون المطعون فيه، تولي المجلس المذهبي، وبشكـل مطلق، "اقتراح تعديل وتبديل كافة الملاكات العامة العائدة للطائفة الدرزية وتعيين وإقالة كافة الموظفين التابعين لها..." 

        وهذا النص ينقض بشكل سافر القواعد والمبادىء الأساسية التي تقوم عليها الأصول الراعية للوظيفة العامة وللحقوق الفردية المنبثقة عنها والتي كرستها التشريعات المتعلقة بالقضاء المذهبي الدرزي وبالموظفين الإداريين الدروز لدى الطائفة على كافة المستويات، ومنها على سبيل المثال، القانون المنفذ بالمرسوم رقم 3473 تاريخ 5/3/1960 (تنظيم القضاء المذهبي الدرزي) والقانون المنفّذ بالمرسوم رقم 3122 تاريخ 13/4/1972 (إنشاء ملاك للموظفين في كلٍّ من مشيخة عقل الطائفة الدرزية والمجلس المذهبي للطائفة).

أ-1: فالدستور اللبناني أوجب صراحة، في المادة 12 منه، إنشاء وتنظيم الوظيفة العامة وملاكاتها بقانون، حيث جاء أنه "لكل لبناني الحق في تولي الوظائف العامة.. حسب الشروط التي ينص عليها القانون". ومن ثم جاء في النص الدستوري ذاته أنه "سيوضع نظام خاص يضمن حقوق الموظفين في الدوائر التي ينتمون إليها". وهذا يعني بالتأكيد أنه لا مجال لإنشاء وتعديل كادرات وملاكات الوظيفة العامة، على اختلاف وجوهها ومظاهرها، إلا بقانون صادر عن السلطة التشريعية.

        وهذا ما كرّسه فعلاً قانون الموظفين في لبنان (المرسوم الاشتراعي رقم 112 تاريخ 12/6/1959) في المادة الاولى منه تحديداً، حيث جاء "أن الموظف الدائم هو من وُلِـيّ عملاً دائماً في وظيفة ملحوظة في أحد الملاكات التي يحدّدها القانون...".

        وهذا ما استقرّ عليه الإجتهاد ايضاً. فهو لا يمنح صفة الموظف إلاّ للشخص الذي يقوم بعمل دائم في ملاكات أحد المرافق العامة.

            "par fonctionnaire, il faut entendre l'agent investi d'un empoi permanent dans les cadres d'un service public".

C.E, 9/3/1923, Hardouin, Rec, p. 283.

- وأيضاً، وبالمعنى ذاته:

            "Le fonctionnaire est vis-à-vis de l'administration dans une position qui est déterminée par la loi".

C.E, 16/12/1881, Baude, S. 1883,3,40.

C.E, 12/7/1995, Association de défense des personnels technique de la function publique, Req. No. 131247, 131248.

- ولقد جاء بالمعنى ذاته أيضاً:

          "ولما كان نظام الموظفين مقرّراً بنصوص تشريعية وصادراً عن السلطة بصفتها مالكة التشريع عن كون هذا النظام داخلاً في نطاق القانون، فإن إلغاء الوظيفة المقرّرة بحكم تشريعي عن غير طريق التشريع يكون مخالفاً لتلك المبادىء وبالتالي باطلاً".

ـ شورى لبنان 30/7/1964، الخليل، المجموعة الإدارية 1964، ص 243.

أ-2: فانطلاقاً مما تقدم، يكون إيلاء المجلس المذهبي صلاحية النظر في تعديل وتبديل كافة الملاكات العامة على النحو المبيّن في النص المشار إليه، واقعاً في غير موقعه الدستوري ومستوجباً الإبطال لهذه الجهة.

ب – ثم، والأدهى والأشدّ ظلامة من كل ذلك، هو إيلاء المجلس المذهبي "تعيين وإقالة كافة الموظفين" التابعين لملاكات الطائفة الدرزية.

        فهذا النص مخالف أيضاً لمبدأ قانوني أساسي وهام أنزله الاجتهاد منزلة القانون والدستور، هو مبدأ عدم جواز مسّ الحقوق المكتسبة.

        فمن هذا المنطلق، يعتبر الاجتهاد أن قرارات تعيين الموظفين تؤدي مفاعيلها وتولي هؤلاء حقاً مكتسباً نهائياً في التعيين اعتباراً من لحظة توقيعها من المرجع المختص، ولا يجوز بالتالي واعتباراً من هذه اللحظة، إلغاءها أو الرجوع عنها إذا كانت منطبقة على أحكام القانون.

            "La nomination donne la qualité d'agent public dès la signature de l'acte. Cet acte de nomination crée alors des droits et ne peut être ni abrogé ni retiré".

J.-M. Auby, Droit de la function publique, 4 éd, 2002, p. 170, no. 325.

        وعليه، وتأسيساً على ذلك، يعتبر الإجتهاد ان رتبة وراتب الموظف هما حق اساسي مكتسب له، ولا يمكن بالتالي انتزاعهما منه أو النيل منهما لأية علة، إلا لأسباب مسلكية ومن قبل المراجع التأديبية المختصة المحدّدة صراحة في القانون، وذلك مع مراعاة كافة الضمانات التأديبية واحترام الأصول الجوهرية المقرّرة لهذه الجهة، إن في التحقيق أو في الحكم.

        لـذا، يكون القانون المطعون فيه، بنصّه الحالي قد انتهك كل الضمانات المشار إليها، الأمر الذي يجعله غير دستوري ومستوجباً الإبطال لهذه الجهة كذلك.

سابعاً:في انه بالنظر لما تقدم، يقتضي تعليق مفعول القانون المطعون فيه ريثما تبت المراجعة نهائياً:

        فلقد جاء في المادة 20 من القانون رقم 250/93 أنه "فور تسجيل المراجعة في قلم المجلس، يدعو الرئيس، او نائبه في حال غيابه، المجلس فوراً لدرس ما اذا كان يقتضي تعليق مفعول النص موضوع المراجعة".

        ومن المبادىء العامة المتفق عليها في العلم والإجتهاد أنه إذا كان النصّ المطعون فيه يلحق ضرراً بليغاً هاماً، وكانت المراجعة مبنية على أسباب جدّية مهمة، فيمكن للهيئة الحاكمة أن توقف تنفيذ (أو تعلّق مفعول) النص المذكور حتى صدور الحكم النهائي في القضية.

        وطالما أن هذين الشرطين متوفّران بالتأكيد في هذا الطعن، لا سيما وان القانون المطعون فيه يلحق ضرراً بليغاً واكيداً بطائفة الموحّدين الدروز بكاملها، لا بل من شأن تنفيذه أن يقوّض "أركـانها"، فإنه بات على الهيئة الدستورية الكريمة تعليق مفعوله فوراً، تمهيداً لإبطاله كلياً نظراً لعدم إمكانية التجزئة.

 

لكـــل هذه الأسباب

ولما قد ندلي به لاحقاً

ولما تــرونه عفواً

 

        يطلب المستدعي:

اولاً: اعتبار هيئة المجلس الدستوري الحالية هي صاحبة الاختصاص لبت هذه المراجعة. 

ثانياً: اتخاذ القرار الفوري بتعليق مفعول النص المطعون فيه. 

ثالثاً: في الشكل: قبول المراجعة. 

رابعاً: في الاساس: قبولها والحكم:

أ –    باعلان انعدام وجود القانون المطعون فيه.

ب -  واستطرادا بابطاله لعدم دستوريته.

خامساً: تضمين الدولة الرسوم والمصاريف واتعاب المحاماة كافة. 

بكـل تحفّظ واحترام