The material on this site is the property of Druzenet and is protected by International Copyright Law. Copyright Druzenet 2009. All Rights Reserved

Contact Druzenet Arabic Edition English Edition About Druzenet

دروزنت بالنسخة العربية

رسالتنا

اصداراتنا

مؤسساتنا

للاتصال بنا


اصداراتنا:

مدرسة فيثاغوراس

الفيلسوف العالمي العظيم

 من سلسلة الحقيقة الخالدة

الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الثانية 2002

دار الضحى للنشر


الإهــداء

إلى كل الأحباء الأصفياء أخوة الأديان وأمة الأخوان، أهل الذوق في كل مكان، أصحاب القلوب النقية، والعقول النورانية، والنفوس المتشوقة دائماً للرشف من معين الحكمة التوحيدية الفيثاغورية، لتلتقي بقواها الخفية وترتوي من عين حقيقة الينابيع الإلهية، والحكمة والمعارف والعلوم القدسية.

إليكم أيها الأحباء مواسم العطاء في سطور هذا السفر الفيثاغوري الجامع لكل ما يخطر على بال والمحتوى الجواب على كل سؤال.

إليكم المرآة العقلية التي تريكم بصفائها جوهر صورة ذاتكم الحقيقية.

إليكم عين السلسبيل من شراب الوصول لذوي الألباب والعقول.

إليكم حبة العقد الفريد من سلسلة الحقيقة الفيثاغورية والحكمة الخالدة.

فأبذل أيها الطالب، الموحد العارف، جهدك مهراً لعروسها والثمن زهيد.


أنشد شاعر فيثاغوري:

"اقتربوا، يا أيها الفلاسفة القلائل، إن طريقة الحياة الفيثاغورية تخصكم:

لكن أنتم، يا أيها الجمهور العادي الدنيوي، فبعيدون عنها جداً لأنكم لا تسمعون صوت الحكمة، عقولكم واهنة الروابط، إنما يقدر على إصلاحها الحكام الأخيار والنظم السليمة، والقوانين الإلهية.


بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمـة

        بعد أن أكملنا ترجمة المحاورات الثماني والعشرين للفيلسوف الخالد، أفلاطون الحكيم، وألحقناها بمجلدٍ سابع: أفلاطون والديانات السماوية، ها نحن نتمم المجلد الثامن من العمل الفلسفي الذي نصبو إلى استمراره، ويتضمن هذا المجلد، حكم الفيلسوف العالمي الأعظم، فيثاغوراس، معلم أفلاطون الأكبر.

        إننا نأمل من عملنا هذا شمولية وتعميق العلم والمعرفة.

        إن النور عندما ينبلج لا يمكن احتواؤه وحده بمكان، لأنه هو أصل الزمان، وتقاس قيمة ولادة الكائن الإنساني بمقدار ما أعطاه للبشرية من علم ومعرفة وخير وحق وجمال، فأنار بهذه المبادئ الأساسية طريق المستبصرين، ونعمت بها قلوب العارفين، وكان واضع أسس التقدم العلمي، الفلسفي، اللاهوتي، الأخلاقي، والثقافي في كل حقل.

        عندما يكتب إنسان عن العظماء يجب أن يتوخى الصدق، ويقرر الحق، ويبحث عن المصادر الجديرة بالثقة ويأخذها كمعتمد. إن الفلاسفة الذين عاصروا فيثاغوراس، آمنوا بمبادئه، وعلموا أفكاره. لم يكونوا قلة، ولقد أفردنا فصلاً خاصاً بهم في هذا الكتاب، ذاكرين أسماءهم. لقد أمانا بهم إيامبليخوس "إيامبلي" كاتب سيرة حياة فيثاغوراس، أمدنا بمعلومات صادقة في هذا المجال، وكذلك فعل فيلولوس، أرخيتاس، بورفيري، أفلاطون، الأرجح عقلاً، الأكثر فضلاً، والأغزر علماً، أرسطوا، وغيرهم.

        إن فيثاغوراس هو واحد من أولئك الرجال الذين طبعوا في الأذهان أفكارهم، وأثروا في النفس تأثيراً قوياً لأزمان متعاقبة، وهم الذين من العسير جداً أن نتبين سماتهم المميزة كاملة بسبب الغموض الأسطوري الذي يحجبهم.

        وكما يبدو، فإن فيثاغوراس هو المفعم بالحيوية، ليس بمجرد تعطشه الفلسفي للمعرفة فقط، بل بحماسه للإصلاح الأخلاقي الديني أيضاً لهذا السبب فإنه أصبح بعد قرون من وفاته البطل المثالي أو القديس لأولئك الذين وحدوا الزهد الديني ذا المعنى الروحي المدرك بالعقل، وحدوه بالفلسفة ونحن نعتمد على تعاليم الفيلسوف العظيم، أفلاطون، لمعرفة ذلك. هناك كنابات صيغت باسم فيثاغوراس، وجمع تاريخ حياته، حاملاً سمات الإنسان الفيلسوف الحكيم، ومحيطاً إياه بهالةٍ نورانية لنبي ولصانع معجزات لقد وصفه الأفلاطونيون الجدد، كاتبو سيرة حياته، بأنه ليس محبوب أبوللو فقط، بل إنه ابنه، الذي منه تلقى التعاليم بواسطة الكهنة في معبد دلفي.

        إننا نقرأ في ما كتب عن فيثاغوراس أنه كان يمتلك فخذاً ذهبياً، عرضه لليونانيين المجتمعين في الألعاب الأولومبية، وشوهد عند مناسبة أخرى في مدينتي كروتونا وميتابونتام يخطب في وقت واحد. قيل عنه أنه دجن الحيوانات المفترسة بكلمة، وأنه تنبأ بالأحداث المستقبلية قبل وقوعها، كما أنه تذكر كل أجياله السابقة، وكان لشفافية روحه يسمع نغمات حركات الأفلاك، وهو الأول الذي أدخل المقاييس والأوزان من بين اليونانيين، وهو الذي اكتشف الأجرام الصماء. وهذا الاكتشاف هو أعظم اكتشافات العصور الغابرة. إن فيثاغوراس هو المستحق التكريم لتقديمه طريقة فصل بواسطتها علم الهندسة عن حاجات الحياة اليومية، وعاملها كعلم حر مستقل بذاته، وأعطى لها تعريفات وقدم أسلوباً برهانياً، وهذه التعريفات لا تزال تستخدم حتى الآن. إن علم النجوم الفيثاغوري كان الإسهام الأكثر بروزاً في الفكر العلمي، وتكمن أهميته في حقيقة أن الفيثاغوريين كانوا الأوائل الذين أدركوا أن الأرض هي كرة كافية نفسها بنفسها في الفضاء الخالي، دائرة مع الكواكب الأخرى حول الجرم السماوي المركزي، أي النار. وفيثاغوراس هو الذي علم أن كل الأشياء تكون عدداً، وآمن بخلود الروح والتقمص.

        كتب إيامبلي عن حياة فيثاغوراس ما نصه: "بما أنه شيء مألوف لكل الرجال ذوي الفهم السليم، أن يعرجوا على الألوهية عند دخولهم في أي بحث فلسفي، فإنه بالتأكيد لشيء مناسب أكثر، أن يفعلوا هذا في التأمل المليء بتلك الفلسفة، التي تلقت تسميتها من فيثاغوراس الإلهي بعدل. وبسبب أنها نشأت من الآلهة، لذلك لا يستطاع إدراكها بدون مساعدتهم الإلهامية. ويمكننا أن نضيف لذلك أيضاً قائلين:

        إن جمالها وأهميتها تفوق القوى الإنسانية كلها ببعد كبير، لهذا فإنه لمن المستحيل أن نلقي عليها نظرة شاملة عاجلة. لكن أي إنسان يقدر أن يكتسب منها تدريجياً، عندما يقترب إليها بهدوء، كون الآلهة قادته".

        لذلك، وبناء على كل هذه الاعتبارات، وبما أننا توسلنا إلى الآلهة، قادتنا، فقد حولنا أنفسنا وبحثنا لهم، فنحن سنذعن لعمل أي شيء يمكن أن يأمرونا به كي نفعله. ومهما يكن، فإننا لن نقدم أي دفاع عن هذه الفرقة كونها أهملت زمناً طويلاً، ولا بسبب أنها حجبت بمريدين أجانب، وبرموز سرية محددة، ولا بسبب أنها جعلت مبهمة بكتابات باطلة ومزورة، كلا ولا بسبب الصعوبات الأخرى المشابهة التي أعترضت سبيلها. إن إرادة الله تكفينا، في ما يتعلق بالتوقيت وتذليل الصعوبات. لكن بعد أن نوحد أنفسنا مع الآلهة، فإننا سنوحدها في ما يتعلق بقائد أو بأمير، وبأب لهذه الفلسفة الإلهية، يجب علينا أن نبحث في أصله وبلاده قليلاً في تحقيقنا هذا.

        لذلك، قيل: إن إنكايوس، الذي سكن في جزيرة ساموس، سيفالانيا، أنجبه جوبيتر، وسواء استمد هذه الشهرة من نسب شريف بواسطة الفضيلة، أو بواسطة عظمة محددة للروح، فإنه فاق بقية السيفالونيين في الحكمة والشهرة، على كل حال، وبناء عليه، فإن هذا الأنكايوس أمر بوسيط الوحي البيثي كي يبني مستعمرة مؤلفة من الأركاديين والتساليين، وأن يأخذ معه بجانب هذا بعض سكان أثينا، أبيدوروس، وخالقيس.

        وواضعاً نفسه في مقدمتهم، فإنه سيوجد جزيرة مأهولة، جزيرة تجب أن تدعى "ميلام فيلوس" من فضيلة التربة وطهارة الأرض، وينبغي أن تسمى المدينة ساموس. وبناء عليه، فإن وسيط الوحي الذي قدم له الأمر، كان الأمر كالتالي:

        "إني آمرك، يا أنكايوس كي تستعمر الجزيرة البحرية ساموس، بدلاً من سايم، وأن تسميها فيلاس".

        لهذا، قيل إن منيسارخوس وبيثياس، أبوي فيثاغوراس، تحدراً من عائلة واتحاد هذا الأنكايوس، الذي أوجد المستعمرة. على كل حال، ونتيجة لنبل المحتد والولادة، أنشد شاعر ساموسي محدد قائلاً:

"بيثايس، أيتها القبيلة الساميان الأعدل،
إحملي من تقبلات إله العصر
فيثاغوراس الشهير، صديق الله العلي"

        وهكذا، فإنه شيء يستحق الاهتمام، أن نروي كيف أن هذا التقرير أصبح سائداً. بعدئذ، توقع وسيط الوحي البيثي لمنيسارخوس هذا "الذي أتى إلى معبد دلفي لأغراض التجارة، وبصحبته زوجته التي لم يكن يبدو عليها آثار الحمل، والذي سئل عن الله في ما يختص بحادث رحلته إلى سوريا"، توقع، أن تكون رحلته مربحة وأكثر راحة طبقاً لرغباته. ولكن بما أنه تبين الآن أن زوجته حامل، وأنها ستنجب ابناً يفوق كل الذين عاشوا في الجمال والحكمة، وسيكون ذا نفع أعظم في كل شيء يخص حياة الإنسان. لكن عندما تأمل منيسارخوس نفسه ملياً، وأن الله، أخبره بواسطة وسيط الوحي، أنه سينال إهداء إلهياً حقاً، لامعاً ومتفوقاً بامتياز، فإنه سمى زوجته بيثايس في الحال، بدل اسم بارثينيس، الذي كان لقبها السابق، وسمى طفله الرضيع، الذي ولد في مدينة صيدا الفينيقية في ما بعد، سماه فيثاغوراس، دالاً بهذه الكنية على أن ذرية كهذه تنبأ بها أبوللو البيثي. لا أحد يمكنه أن يشك حقاً في أن روح فيثاغوراس أرسلت إلى الجنس البشري من أمبراطورية أبوللو، إما كونه ملازماً لله، أو أنه معه في طريقة ما أكثر تناسباً.

        لكن بعد عودة أبيه منيسارخوس من سوريا إلى جزيرة ساموس، بثروة كبيرة، جمعها من رحلاته البحرية المزدهرة، بنى معبد أبوللو، ونقش عليه العبارة "بيثيوس". واعتنى أن يتزود ابه بالحكمة، وأن يترافق مع المريدين الأفضل والمتنوعين. ترافق زمناً مع كريوفيلوس، وزمناً آخر مع فاريسايدس السوري، وبعدها مع كل أولئك الرجال الذين أشرفوا على الاهتمامات الدينية السرية المقدسة، والذين أوصى بهم كي يصحبهم فيثاغوراس بشكل جدي، وذلك كي يستطيع قدر الإمكان أن يتثقف في الشؤون الإلهية. ومهما يكن، فإن فيثاغوراس تعلم في أسلوب كهذا كي يكون الأكثر جمالاً وشبهاً بالله، من كل أولئك الذين قد تم الاحتفاء بهم في حقب التاريخ بشكل سعيد. عند وفاة أبيه، وبرغم أنه كان لا يزال فتياً، فإن سيماءه كانت الأكثر مهابة، وكانت عاداته الأكثر اعتدالاً في المأكل وفي الفضائل الإنسانية الأخرى، إلى حد أن وقره وكرمه الرجال الكبار سناً، وحول انتباه كل الذين رأوه وسمعوه يتكلم إليهم، وبدا أنه شخص جدير بالإعجاب. ومن ثم فإن العديد ممن عرفه أكدوا بعقلانية أنه ابن الله.

        كان فيثاغوراس هادئاً ورزيناً في كل أعماله وأقواله، لم يستسلم للغضب في أي وقت، أو للهزل، أو للمنافسة، أو للجدال، أو للقلق، أو للسلوك المتهور، لقد سكن في جزيرة ساموس مثل نصف إله خير. من هنا، وبينما كان لا يزال فتى يافعاً، فإن شهرته وصلت أخبارها إلى طالياس الملطي، وإلى بياس البريني، وهما رجلان متألقان في حكمتيهما، وكذلك امتدت هذه الشهرة إلى المدن الأخرى المجاورة. لكن بعد أن وصل إلى سن الثامنة عشرة، في الفترة التي ظهر بها الطاغية بوليكرايتس، رأى فيثاغوراس، أنه يمكنه أن يجابه بعض العوائق في طريق دراسته، التي استحوذت على فكره كله. لذلك غادر ليلاً مع صديقه كريوفيلوس سراً إلى فيريسايوس ليرى أناكساميندار الفيلسوف الطبيعي، وطاليس الملطي. ترافق مع هذين الفيلسوفين وأحباه حباً كبيراً، وأعجبا بمواهبه الطبيعية، وجعلاه شريكاً لهما في تعاليمهما. لكن طاليس نصحه أن يذهب إلى مصر، وأن يترافق مع كهنتها في ممفيس وديسبوليط. وتكهن طاليس بأن فيثاغوراس سيصبح الأعقل والأفضل ألوهية من الرجال جميعاً إذا عاشر الكهنة هؤلاء.

        قبل فيثاغوراس نصيحة صديقه طاليس وغادر إلى صيدا، كون ذلك البلد بلده بالولادة، وأدرك أن بإمكانه أن يبحر إلى مصر. تحدث فيثاغوراس إلى الكهنة الفينيقيين، واطلع على كل الأسرار الدينية المقدسة في جبيل وصور، وعلى العمليات السرية الإلهية التي كانت تجري في أنحاء عديدة من سوريا، وذلك رغبة منه وحباً في التأمل الروحي المليء، ولكي لا يفوته شيء من المراقبة التي تستحق تعلم الأسرار الإلهية المقدسة، تلك التعاليم الفينيقية المستمدة من الكهنة المصريين. تذكر فيثاغوراس هنا نصيحة صديقه طاليس وعزم على الإبحار إلى مصر..

        تعرف على بحارة مصريين كانوا يقومون بزيارته عندما كان يسكن على جبل الكرمل المقدس في الساحل الفينيقي، حيث كان لفيثاغوراس هناك معبد منفصل عن الناس، قطنه قسماً كبيراً من حياته. وهكذا وصل إلى مصر، وتجول في معابدها باحثاً ومحققاً، وأحبه الكهنة الذين تحادث معهم، وتعلم منهم الكثير من الحكمة.

        صرف فيثاغوراس ما يقارب اثنتين وعشرين سنة في مصر، كان أكثرها في معابد أديتا، وعرف أسرار علم النجوم والهندسة، واطلع على كل الأسرار الإلهية، إلى أن أخذه جنود قمبيز أسيراً إلى مدينة بابل، وهنا في بابل ترافق مع كهنتها من جديد، وتعلم منهم عبادة الآلهة بشكل كامل. ومن خلال مساعدتهم له، وصل إلى قمة المعرفة في علم الحساب، الموسيقى، والمعارف الأخرى.

        بقي فيثاغوراس في مدينة بابل اثنتي عشرة سنة، عاد بعدها إلى جزيرة ساموس، وله من العمر ست وخمسون سنة.

        بعد عودته إلى جزيرة ساموس أدرك الناس بأنه أصبح أكثر نضجاً وحكمة مما كان، وأنه حاز نعمة إلهية أكثر رسوخاً. لهذا السبب، دعاه أهلها كي يمدهم بمعارفه لينتفه بها السكان جميعاً، وهكذا فعل. ومن ساموس ذهب فيثاغوراس إلى جزيرتي دالوس، وكريت، وإلى مدينة إسبارطة، قصد تعلم قوانينها، عاد بعدها إلى جزيرة ساموس، ومنها أبحر إلى إيطاليا، مدركاً أن هذا المكان يجوز أن يكون بلده المناسب، الذي يمكن أن يميل فيه الرجال إلى العلم بشكل وافر. وهكذا كانت رحلته ناجحة جداً عند وصوله إلى مدينة كروتونا، المدينة الإيطالية الأنبل، وكان له رفاق كثر هناك، كانوا متشوقين ليعقدوا محادثة معه في التعاليم الفلسفية، وفي خيرات الحياة بشكل عام..

        تلقى أهالي كروتون وجنوبي إيطاليا القوانين من فيثاغوراس، وكذلك المدارك الإلهية، وسكنوا معاً في وحدة هي الأمتن والأنبل، وفي أجواء أخوة حقة، كانوا يشتركون في كل ما يملكون، علمهم فيثاغوراس معنى الحرية، وبمساعدته بقيت مدن كروتونا، سيباريس، قطنا، ريجيوم، هيمايرا، أغريغانتوم، تورميناس، وبعض المدن الأخرى، بقيت مستقلة وحرة، وسن لها قوانين عادلة".

أ- علم النجوم الفيثاغوري:

        مع أن أفلاطون لم يذكر فيثاغوراس سوى مرة واحدة في الكتاب السابع من جمهوريته، باحثاً في الطريقة التعليمية التي اتبعها، لكنه في أكثر محاوراته اتخذ المبادئ الفيثاغورية كقاعدة لصياغة أفكاره. لنستمع إلى ما يقوله سقراط عن علم النجوم الفيثاغوري المصدر: "لا ينبغي أن نقصر دراسة علم النجوم وحركاتها المرئية فقط، بل يجب استخدامها كوسائل للوصول ما وراءها إلى المبادئ الحسابية وقوانين الحركة التي تمثلها، لكنها بما أنها مرئية وهي أهداف مادية، لا يمكنها أن تنتظم في دقة كاملة ينبغي أن يفهم هدف الفيلسوف بأن: "الحقائق الحقة، تعني أن الحركات والأجسام المتحركة التي تكون سرعتها النسبية لتوجد في عبارات الأعداد النقية والأشكال التامة، المدركة بالعقل والفكر وليس بالعين المجردة".

        ينتقل سقراط من علم النجوم إلى المتناغمات، ويعتبر هذا الانتقال انفصالاً طبيعياً فيقول: "أعتقد أنه يمكننا القول، وهو بما أن عيوننا خلقت لعلم النجوم تماماً، هكذا فإن آذاننا خلقت للتناغم، وأن علم النجوم والتناغم، كما يقول الفيثاغوريون، هما علمان أخوان، ونحن يجب أن نتفق معهم في ما يقولون".

ب- طريقة التعليم الفيثاغورية:

        أورد اليسو كرالتيس في كتابته عن الفيثاغوريين: "إن الصمت والسرية كانتا صفتان دائمتان في سلوك الفيثاغوريين". ونطالع في ما كتبه أيامبلي، كاتب حياة فيثاغوراس، ما نصه: "إن فيثاغوراس أنشأ درجات مختلفة بين مريديه، طبقاً لمواهبهم الطبيعية، وهكذا فإن الأسرار الأعلى لحكمته، أفصح عنها لأولئك القادرين على تلقيها فقط. حتى أن طرائق الحياة، لم تكن الطرائق عينها لجميع مريديه، لقد أمر بعضهم بجعل ملكية كل ما يقتنون بشكل مشترك، غير أنه كان هناك حلقة خارجية من أولئك الذين أبقوا على ممتلكاتهم الخاصة. وكان هناك شكلان من أشكال الفلسفة الفيثاغورية، تتطابق مع الطبقتين اللتين شكلتا من الذين يشتركون فيهما. تشكلت الطبقة الأولى من أولئك الذين تضلعوا وكانوا الأكثر تدريباً في أجزاء حكمته، وتشكلت الطبقة الثانية من الذين سمعوا تلخيص الأشياء المدركة بالحواس، الموجودة في كتاباته، لكن بدون شرح كامل لها".

ج- علم العدد والموسيقى الفيثاغوري:

        يطلعنا أرسطو في كتابه الآثار العلوية عن الفيثاغوريين، ما يلي: "وكما يقول الفيثاغوريون: إن العالم كله والأشياء كلها الموجودة فيه تختصر في العدد الثالث، لأن النهاية والوسط والبداية تعطي العدد للكل، ورقمها ثلاثياً. ومن هنا، أخذنا نحن هذا العدد من الطبيعة، كما كان واحداً من قوانينها، واستخدمناه حتى في عبادة الآلهة". وكذلك أشار أرسطو في كتابه الهام ما وراء الطبيعة إلى الفيثاغوريين فقال: "يقول الفيثاغوريون: إن العالم نشأ من الأعداد وكانوا يحترمون العدد عشرة، ويقولون إن الأشياء عينها تكون أعداداً، وبسبب أنهم رأوا بأن العديد من خصائص الأعداد تخص الأجسام المحسوسة، افترضوا أن الأشياء الموجودة تكون أعداداً، وأن عناصر الأعداد هي عناصر الأشياء. ويقولون، بأن الأشياء الموجودة تدين بوجودها إلى تقليد الأعداد، وبما أن طبيعة كل شيء آخر يبدو أنه مشابه للأعداد، وبأن الأعداد تكون في كل مكان من العالم الطبيعي بشكل رئيسي، افترض الفيثاغوريون أن عناصر الأعداد هي العناصر لكل ما هو موجود، وأن العالم كله يكون تناسباً وعدداً".. ويواصل أرسطو القول في كتابه ما بعد الطبيعة: "إن الفيثاغوريين هم الذين خصصوا أنفسهم عملياً لعلم الحساب، قبل الفيلسوفين اليونانيين الذريين ليوسيبوس، وديموقريطس، وحققوا تقدماً مهماً في هذا الموضوع، وبسبب استغراقهم فيه، افترضوا أن مبادئ علم الحساب هي مبادئ كل الأشياء. لقد ميز الفيثاغوريون نوعاً مفرداً للعدد، أي العدد الحسابي، لكن ليس له وجود منفصل عن الأشياء الحسية، كذلك فعل ليوسيبوس، "وهذا الرأي كان رأي الإفلاطونيين بشكل عام". ويثبت الفيثاغوريون مبدأين اثنين بشكل مماثل، لكنهم يضيفون شيئاً مميزاً لهما، أعني أن المحدد واللامحدود لا ينسبان إلى العناصر الطبيعية الأخرى مثل النار أو الأرض أو شيء ما مشابهاً. وهم يؤكدون بالأحرى أن اللامحدود عينه والوحدة عينها هما المادة لذلك يعلنون، ولهذا السبب هم يقولون إن العدد يكون مادة الأشياء كلها".

        ويورد أحد مؤرخي الفلسفة اليونانية في كتاباته ما يلي: "وبعد فإن الوصف العلمي لكل شيء في العالم العلمي يأخذ شكل المعادلات العددية، إن ما ندركه كنوعيات علمية طبيعية، مثل اللون الحر، الخفة، والصوت كلها تختفي وتحل محلها الأعداد، ممثلة أطوال الذبذبة أو الأحجام. لهذا السبب فإن المؤرخين العلميين أكدوا أن اكتشاف فيثاغوراس لعلم العدد، غير مجرى التاريخ كله".. وأكد فيثاغوراس عن المبادئ أن الرقم الآحادي كان الله الخير. وهذا التعليم سيجعل التعديل الأخير كله سهلاً للعقيدة الفذة المتعالية، التي تأخذ الاتجاه في أن الله آحادي، ومن هذه العقيدة اشتقت العقائد كلها. إنها العقيدة التي تجد ذروتها في المبدأ الذي لا يوصف، في كتابات الشيخ الإسكندراني، أفلوطين. أما فكرة الأحدية التي تتضمن التمييز بين الواحد المثالي والوحدة التي تبدأ بسلسلة الأعداد، فإنها بكل تأكيد صفة أفلاطونية مميزة. والآن دعنا نسمع ما يقوله الآتيني في الكتاب الخامس من القوانين: "على المشرع أن يعتبر كل هذه الأشياء وأن يأمر المواطنين، بقدر ما يكون ذلك ممكناً، أن لا يزيغ بصرهم عن النظام العددي. فما من أداة مفردة من أدوات تعليم الشباب لها من القوة العظيمة مثلما لدراسة علم الحساب، وذلك ما يختص بالاقتصاد المحلي وبعلوم السياسة وفي الفنون. وفوق كل ذلك فإن علم الحساب يحرك بسرعة من يكون ميالاً إلى النوم وبليداً بالطبيعة، ويجعله سريع التعلم أيضاً، قوي الذاكرة، داهية، ومساعداً بفن إلهي، إنه يحقق تقدماً ما وراءه قواه الطبيعية تماماً".

        وكتب هيراكلايدس في مقدمته عن الموسيقى ما يلي: "اكتشف فيثاغوراس، كما يقول زينوكراليتس: إن الفواصل الموسيقية تدين بأصلها لضرورة العدد أيضاً، لأنها تكمن في مقارنة نوعية واحدة بأخرى. وحقق فيثاغوراس في أية حالات تكون هذه الفواصل منسجمة وفي أيها لا تكون، وفي أصل التناغمات واللاتناغمات".

        ونحن نعرف ما نقرأ بأنه لفيثاغوراس يعود الفضل في إدراك أن الإطار الأصلي للموسيقى يعتمد على نسب رقمية محددة هي 1: 2 "الثماني"، 3: 2 "الخماسي"، 4: 3 "الرباعي".. إن هذه الأعداد تمثل نسبة الاهتزازات على الخيط، أو عمود الهواء في المزمار. ويؤكد نيقوماخوس: "أن أوزان العدد 12 و 6 أنتجت "الثماني"، وأوزان وحدات العدد 12 و 2 أو 9 و 6 أنتجت "الخماسي"، وأوزان وحدات العدد 9 و 8 أنتجت "الرباعي". ويورد كورن فورد الذي كتب عن الفيثاغورية ما يلي: "كفلسفة دينية فإن الفيثاغورية علقت أهمية مركزية على فكرة الوحدة وبشكل خاص وحدة الحياة كلها، التي تدل ضمناً على نظام التقمص".. أما نيقوماخوس من جيرازا، كاتب الفيثاغورية الجديدة، أورد في كتابه؛ مقدمة إلى علم الحساب ما يلي: "الوحدة في الفكر الفيثاغوري إذن، تحتل مكان وصفة النقطة، وهي ستكون بداية الفواصل الموسيقية وبداية الأعداد، لكنها لا تكون نفسها فاصلاً موسيقياً ولا عدداً، تماماً كما تكون انلقطة بداية الخط، أو بداية الفاصل الموسيقي، لكنها ليست نفسها خطاً أو فاصلاً موسيقياً. حقاً، إن النقطة عندما تضاف إلى نقطة، لا تخلق زيادة، لأنه عندما يضاف الشيء اللابعدي إلى شيء لا بعدي آخر فلن يمتلك بعداً بتلك الوسيلة، لهذا السبب فإن الوحدة هي لا بعدية وابتدائية، ويجد ويرى البعد بادئ ذي بدء في العدد 2، وفي العدد 3 بعدئذ، ثم في العدد 4، وفي الأرقام التالية بالتتابع، لأن "البعد" هو ذلك الذي يتصور بين حدين اثنين يسمى البعد الأول "خطاً" لأن "الخط" هو ذلك الذي يمتد في اتجاه واحد. ويسمى البعدان الإثنان "سطحاً" لأن السطح هو ذلك الذي يمتد في اتجاهين اثنين. وتسمى ثلاثة أبعاد "مجسماً" لأن المجسم هو ذلك الذي يمتد في اتجاهات ثلاث".

        ويضيف نيقوماخوس قائلاً: "النقطة إذن، هي بداية البعد، لكنها ليست بعداً نفسها، وهي بداية الخط بشكل مماثل، لكنها ليست خطاً نفسها، الخط هو بداية السطح، لكنه ليس سطحاً نفسه، وهو بداية البعدين الاثنين، لكنه لا يمتد نفسه في اتجاهين اثنين، وبشكل طبيعي أيضاً، فإن السطح هو بداية الجسم، لكنه ليس جسماً نفسه، وهو بشكل مماثل بداية الثلاثة أبعاد، لكنه ليس ممتداً نفسه في اتجاهات ثلاثة. وهكذا فإن الشيء عينه يوجد في الأعداد، فالوحدة هي  بداية كل عدد متقدم. وحده بوحدة في اتجاه واحد، والعدد الشبيه بالخطوط هو بداية العدد المستوي، الذي ينتشر مثل المستوي في أكثر من بعد واحد، والعدد المستوي هو بداية العدد المجسم، الذي يقتني عمقاً في البعد الثالث بجانب اقتنائه الأعماق الأصلية".

د- علم الكونيات الفيثاغوري:

        يذكر أرسطو في كتابه السماء والعالم ما يلي: "في ما يتعلق بمركز الأرض توجد بعض الآراء المتباينة. إن أكثرية أولئك الذين يثبتون أن العالم كله متناه يقولون بأنه يقع في المركز، لكن هذا الرأي تنكر صحته المدرسة الفيثاغورية الإيطالية. يؤكد أتباع هذه المدرسة أن المركز تشغله النار، وأن الأرض نجم من النجوم، وتخلق الليل والنهار عند دورانها حول المركز. بالإضافة إلى ذلك هم يخترعون أرضاً أخرى، واقعة مقابل أرضنا، ويسمونها "الأرض المقابلة" أما بشأن السكون والحركة هناك نظريات مماثلة، لكن أصحابها يختلفون في التفكير. إن أولئك الذين ينكرون أن الأرض تقع في المركز يفترضون أنها تتحرك في دائرة حول المركز، وهذه الحركة تنطبق على الأرض المقابلة، كما شرحنا".

        أما فيلولوس تلميذ فيثاغوراس يقول في ذلك ما يلي: "إن النار في المركز، يسميها فيثاغوراس موقد العالم، تأتي ثانياً الأرض المقابلة، وثالثاً الأرض المسكونة التي تبقى عكس الأرض المقابلة في دورانها، من أجل ذلك فإن ساكني هذه الأرض لا يرون الأرض الأخرى تلك".

        وللإسكندر الأفروديسي، شارح أرسطو تقرير عما يعتقده الفيثاغوريون: "يقول الفيثاغوريون بأن حركات الأفلاك متناغمة، وتنتج موسيقى بحركاتها المتاغمة، ويقولون أيضاً: إن العالم كله مبني طبقاً لميزان موسيقي، وذلك ما يعنيه فيثاغوراس بقوله: "إن العالم كله يكون عدداً". بسبب أنه مركز من أعداد ومنظم عددياً وموسيقياً. لأن:

1-  المسافات بين الأجسام الدائرة حول المركز هي مسافات متناسبة حسابياً.

2-  يتحرك بعضها أسرع، وبعضها أكثر بطئاً.

3-  الصوت الذي تولده الأجسام الدائرة ببطء يكون أخفت في درجة النغم، والأسرع أعلى. ومن ثم:

4-  فإن هذه النغمات الموسيقية المنفصلة، المتطابقة مع نسب المسافات، تجعل الصوت الناتج عنها منسجماً. وقال الفيثاغوريون، إن العدد هو أصل هذا التناسب والانسجام، وهكذا فهم ثبتوا العدد على أنه المبدأ الذي اعتمد عليه الكون كله". وورد في ما كتبه هيبوليتوس عن فيثاغوراس ما يأتي: "أبان فيثاغوراس بهذه الطريقة أن الأحد هو الله، وبما أنه قام بدراسة عميقة التفكير في طبيعة العدد، فلقد أكد أن العلامات الكونية بنيت بشكل متناغم، وكان فيثاغوراس الفيلسوف الأول الذي أوجز حركات الكواكب السبعة إلى التناغم واللحن".

هـ- الأفكار التجريدية كأرقام عند الفيثاغوريين:

        كتب الاسكندر الأفروديسي، شارح أرسطو ما يلي: "لأن الفيثاغوريين افترضوا صفة محددة للعدل، للمكافأة، أو للمساواة، ووجدوا أن هذه الصفة المميزة توجد في الأعداد، لهذا السبب قالوا بأن العدل كان العدد الأول المربع، لأن في كل نوع امتلك المثل الأول للاشياء الذي لديه الصيغة عينها، امتلك الحق الأفضل للاسم، هذا في رأيهم. وقال البعض بأن هذا العدد كان 4، كونه العدد المربع الأول، وهو يقسم إلى أجزاء متساوية، وهو متساو في كل طريقة، لأنه مرتين العدد 2. ومهما يكن، فإن الآخرين قالوا بأنه كان العدد 9، المربع الأول للعدد المفرد الوتري، يعني العدد 3 مضروباً بنفسه.

        على الجانب الآخر، قالوا: إن المناسبة كانت العدد 7، لأن إتمام الأزمنة في الطبيعة، في ما يتعلق بالولادة والرشد يشترك في السبعات، خذ الإنسان كمثال، يمكن للإنسان أن يولد في الشهر السابع، وأن يخلع أسنانه بعد أشهر سبعة أخرى، وهو يصل سن البلوغ حوالي نهاية الفترة الثانية من السنين السبع، وتنمو لحيته عبر الفترة الثالثة. ويقولون علاوة على ذلك، "هكذا يخبرنا فيثاغوراس"، بأن الشمس بسبب كونها سبب تكون الفصول، مركزة في منطقة العدد 7 والذي يماثلونه بالمناسبة، يعني، أنها تحتل المكان السابع بين الأجرام العشرة التي تتحرك حول الموقد المركزي. ويماثلون الزواج بالعدد 5، لأنه اتحاد للذكر والأنثى، وطبقاً لهم فإن الذكر هو عدد مفرد والأنثى عدد مزدوج، وينشأ العدد 5 من العدد الأول المزدوج (2) ومن العدد الأول المفرد (3) ويماثلون العقل والموجود بالوحدة، لأن فيثاغوراس يصنف الروح بالعقل".

        لربما أن النتيجة الأكثر نفعاً بجلب الاهتمام إلى هذه الأفكار التجريدية العددية، تكشف كم كان تعليم الفيثاغوريين دقيقاً إذ يكمن في الاقتراب العلمي الحسابي من الأخلاق بشكل يثير الدهشة، هذا التعليم الذي نجده في محاورة أفلاطون المسماة بـ "محاورة جورجياس" حيث يقرر سقراط ما يأتي: "أؤكد، ياكاليكلس، ما هو أبعد من ذلك، وهو أن الذي يرغب في أن يكون سعيداً يجب أن يلاحق ويمارس الاعتدال ويهرب بعيداً من الإفراط بقدر ما تحمله ساقاه. كان أفضل له أن ينظم حياته كي لا يحتاج إلى العقاب، لكن إذا كان هو بحاجة إلى العقاب، أو كان أي من أصدقائه، سواء كان فرداً خاصاً أو مدينة، يجب أن يحقق العدل حينها وعليه أن يقاسي العقاب، من راحة الضمير. يظهر هذا لي أنه القصد الذي يجب أن يمتلكه الإنسان في حياته، والاتجاه الذي عليه أن يوجه نحوه مجمل طاقاته وطاقات الدولة، لكي يمكنه أن يمتلك الاعتدال والعدل وأن يكون سعيداً لا متألماً من شهواته كونها غير مكبوحة الجماح، وفي أن يشبعها برغبة ليس لها نهاية سالكاً طريق اللصوص. إن شخصاً كهذا لن يكون صديقاً لله أو للإنسان، لأنه غير قادر على المشاركة، ومن لا يستطيع المشاركة فهو غير قادر على الصداقة أيضاً. ويخبرنا الفلاسفة، ياكاليكلس، بأن المشاركة والصداقة والنظام والاعتدال والعدل تربط السماء والأرض والآلهة والرجال معاً، وأن هذا الكون خلق منظماً ونظاماً، وليس فوضى واضطراباً يا صديقي، لكنك مع كونك فيلسوفاً تبدو لي أنك لم تلاحظ هذا أبداً، إنك لم تفكر وتتصور قوة المساواة الهندسية، بين الآلهة والرجال كليهما، لقد فكرت أنك يجب أن تزرع التباين والإفراط لأنك لا تعتني بالهندسة".

و- طبيعة الروح في الفكر الفيثاغوري:

        تتجلى الوحدة الفكرية الروحية الفيثاغورية، الأفلاطونية، والاستقصاء العلمي للبحث عن أصل الروح وطبيعتها ومصيرها.. تتجلى في محاورة فيدون، التي جرت عندما كان سقراط سجيناً. ويقرر الباحثون الرئيسيون الثلاثة سقراط، سيمياس، وسيبياس، التلاميذ الفيثاغوريون، يقررون الحقائق البرهانية بالمقدمات المنطقية، ويصلون إلى الاستنتاج النهائي، فلنسمعهم:

        "سيمياس: أعتق، يا سقراط، أن سيبس مقتنع بما قلته، مع أنه أكثر المخلوقات شكوكية، وأنا أعتقد برغم ذلك بأنه مقتنع بوجود الروح قبل الولادة بما فيه الكفاية. لكن أن تواصل الروح وجودها بعد الموت فهذا ليس مبرهناً حتى إلى قناعتي الخاصة. إني لا أستطيع التخلص من الاعتراض الذي أشار إليه سيبس الخوف العام من أن الروح تتبدد في اللحظة التي يموت فيها الإنسان. ومعترفون بأنها إن أتت إلى الوجود وصيغت من بعض المواد الأخرى التي لا تعرف، وكانت في وجود قبل دخولها الجسد، فلم لا تفنى بعد خروجها من الجسم؟

        سيبس: حقيقي جداً، يا سيمياس، يبدو أن حوالي نصف ما كنا بحاجة إليه قد تمت برهنته، وقبلت ملكتنا العقلية بوجود أرواحنا قبل ولادتنا لكن يبقى قسم آخر وهو لا يزال بحاجة إلى البرهان عليه ألا وهو أن الروح ستبقى بعد الموت، ويجب تقديم هذا البرهان أيضاً، وسيكون إثبات ذلك تاماً في حينه".

        ويعطي سقرط البرهان القاطع لخلود الروح وانتقالها إلى جسد آخر، مزيلاً "الشك" الذي كان عرضه له سيمياس وسيبس بقوله:

        "سقراط، تأمل ملياً، يا سيبس: أليس هذا هو الاستنتاج من كل الذي قيل؟ إن الروح تكون في شبه لما هو إلهي بالتحديد، للخالد، للعاقل، والموحد، وغير القابل للذوبان، واللامتغير، وأن الجسد في شبه لما هو إنساني بالتحديد، وفانٍ، وغير عاقل، ومتعدد الأشكال، وقابل للانحلال، ومتبدل. هل نستطيع أن نجد، يا عزيزي سيبس، أية أرضية ممكنة لرفض هذا الاستنتاج؟

        سيبس: إننا لا نقدر".

        ويستخلص الفلاسفة الحكماء الثلاثة من البحث الطويل الممتنع العقلاني:

        "سقراط: إذن، فإن ما يتعدى السؤال، يا سيبس، أن الروح الخالدة ولا تفنى، وأن أرواحنا ستبقى وستوجد في العالم الآخر بحق!

        سيبس: إني لمقتنع، يا سقراط، وليس لدي أي اعتراض إضافي لأبديه، لكن إذا كان لصديقي سيمياس، أو أي شخص آخر أي اعتراض إضافي ليبديه، فمن الأفضل أن يفصح عنه وأن لا يبقى صامتاً، بما أنني لا أعرف لأية فترة أخرى يمكنه أن يرجئ البحث إذا لم يكن لديه أي شيء يريد أن يقوله أو أنه قاله؟

        سيمياس: لكن أنا أيضاً لا يمكنني أن أبدي سبباً للشك في نتيجة المحاورة، غير أنني أفكر كم يكون الموضوع عظيماً وكم هو ضعف الإنسان بالمقارنة، إني لا أزال أشعر بأنه لا يمكنني التخلص من الشك في عقلي الخاص".

        إن هذه الأفكار التي أوردناها هي بعض أفكار الفيلسوف العالمي العظيم، فيثاغوراس، وفي استمرار نقلنا لهذا التراث الخالد إن اللغة العربية، نحن على موعد مع كتاب سيلي، بإذنه تعالى، وجلاله سيوفق من يسعى لرضاه.

شوقي داود تمراز

كندا، ادمونتون 12 تموز 1996


المحتويات

أ- مقدمة المترجمة إلى العربية

ب- مقدمة جامع فيثاغوريات فيثاغوراس

ج- آراء بعض المفكرين في فيثاغوراس

فصول الكتاب

     الحكمة، طبيعتها وضرورتها

     النشوء والصورة

     الروح والتحولات

     الله وقانون الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً

     الإنسان

     الحقيقة

     الدين

     العبادة

     فحص مبادئ الوجود

     الفضيلة بوصفها نظاماً كونياً كاملاً متناغماً

     علوم الأخلاق للحمية ونظامها

     سلام العقل والوصول إليه

     العدل

     الصداقة

     الزواج والعائلة

     التناغم، التناسب

     الحكام

     خاتمة

     اللحن اللغوي الموسيقي الفيثاغوري

     الآيات الذهبية الفيثاغورية

     الألغاز، الأحجية الفيثاغورية

     العبقرية العلمية لفيثاغوراس.

     شخصية فيثاغوراس الفوق بشرية

     ولادة وتعليم فيثاغوراس

     رحلات ودراسات فيثاغوراس

     الإقامة في كروتونا

     سقوط الفيثاغورية

     كلية وجامعة فيثاغوراس في كروتونا، ونظامه الجديد للتعليم

     تعاليم فيثاغوراس الاجتماعية

     العقائد البيوجينية، أو علم تحسين النسل عند فيثاغوراس

     المبادئ الغذائية لفيثاغوراس، أبو النباتية

     الفلاسفة الأثينيون المعروفون بعد سكولارك

     المربعات الساحرة الفيثاغورية

 

 

 

 


 

مقدمة المؤلف

        إن فيثاغوريات فيثاغوراس هي إعادة تنظيم جديد، لتعاليم الفيلسوف اليوناني العظيم فيثاغوراس الدينية، الأخلاقية، والمناقبية. انبثقت هذه التعاليم من بحث علمي دقيق لكتابة سيرة حياة هذا الصوفي الكبير، وهي الآن في مرحلة تامة لإكمالها جميعاً. أما اسمها فقد صيغ كي يجعل تصنيف مادتها متصلة اتصالاً وثيقاً بفيثاغوراس، وبعدئذ فإنها اتخذت كدليل للذين سيدرسون طبيعة هذا العمل، وهو عمل أوحى بالاعتقاد في عمق الإمكانيات لتعليم تعليم فيثاغوراس للأحياء، تعليمهم، "الحياة الخيرة" في العالم المتمدن الحديث.

        سواء كتب فيثاغوراس أو لم يكتب أي شيء، أو سواء ترك خلفه آثاراً أدبية غير منشورة، فهذه مسألة مثيرة للجدل. لقد أعلن ديوجينس لايرتيوس، من بين ما أعلنه المفكرون الآخرون بأن هذا الفيلسوف المميز ترك خلفه مثل هذه الآثار، وسمى العديد من إنتاجاته الفكرية، ومن بينها الكتاب الذي يدعى: المباحثة المكرسة لعبادة الله. إذا كتب هذا الصوفي أي شيء فإن كتاباته هي في صورتها وشكلها الأصلي الموجود فعلاً. وبرغم ذلك فإن مئات الأعمال المتعلقة به وبالفيثاغوريين التي وجدت قبل القرن الرابع الميلادي، لم يبق إحداها بشكل عملي. لأن الكنيسة المسيحية المبكرة بذلت جهداً منظماً ومدروساً كي تدمر كل المراجع التي تمت لها بصلة. ومهما يكن فإن تعاليم فيثاغوراس وأقواله قد تم اقتباسها بشمولية ووفرة، وهكذا نجت من الإتلاف إلى حد ما. لكن هذه التعاليم والأقوال، مع هذا، أخطئ اقتباسها، أسيء فهمها، وشوهت حقائقها، وأكثر من ذلك فإن أكثر موادها التي نسبت لفيثاغوراس هي مواد مزورة على نحو لا يرقى إليه الشك. لقد أعلن أنه كان عرفا لحوارييه أن يعطوه شرف ما قاموا به من إنتاج أدبي وفلسفي. إن ما لدينا من الفيثاغوريات ما هي سوى شذرات منها.

        الفيثاغوريات أعمال مركبة من عناصر مختلفة إذن، استنتجت من مئات الأصول والمصادر يونانية، لاتينية، إنكليزية، فرنسية، ألمانية، وإيطالية خط من هنا، مقطع من هناك، صفحة أو صفحتين من مكان آخر أحياناً. إن المواد التي أعتقد أنها مواد حقيقية أي أنها معبرة إما عن أفكار فيثاغوراس أو لحواري آخر ما من حوارييه إن هذه المواد فصلت عن المادة الأخرى، صنفت طبقاً لموضوع المسألة، ورتبت في محاولة ما بسلسلة متعاقبة من الأفكار الرئيسية المنظمة تحت عناوين تعدد الموضوع المسألة.

        إن إسهاماتي في هذا الكتاب لن تتعدى الجزء اليسير من ذلك العمل. أما لغة الترجمات المستخدمة فيه فقد تم وقايتها وحفظها قدر الإمكان، لهذا السبب فإن القارئ سيلاحظ بعض التنوعات في الأسلوب بدون شك.

        اقترح عديد من أصدقائي الذين رأوا هذا العمل في صورته المخطوطة، اقترحوا علي أن أجعله عملاً وثائقياً، لكن لو أنني أوجه هذا الكتاب إلى الطلاب في مدارسهم بشكل رئيسي، فإن هذه المناظرة ستكون مناظرة مقنعة إجبارياً، برغم وجود الحواشي الوافرة فالتقدم في هذا المضمار ضمن تحديداً. لكن بسبب طبيعة هذا العمل والحقيقة التي أوضحتها أعلاه، فإنني أحجمت عن إظهار البينة الموثقة بالتفصيل، معتقداً أن هذا العمل عينه يحمل دليلاً وافراً عن أصالته وصحته، بدون ضرورة إعطاء البرهان عليه. يفي بالغرض القول إن المصادر الأكثر أهمية التي اعتمدت عليها كانت سيرة حياة فيثاغوراس لأيامبليخوس، بورفيروس، ديوجينس، لايارتيوس، وفوتيوس الفيثاغوريين، وكذلك اعتمدت على سيرة حيوات ومقالات بلوتارخ: شروحات هيروكليس على الآيات الذهبية الفيثاغورية، المقاطع الفيثاغورية كما ضمنت في عمل فايربانكس وغوثري المسمى: كتاب الأصل الفيثاغوري، واعتمدت أخيراً على أجزاء لفقرات من أقوال فيثاغوراس الموجودة في كتاب داود الذي يدعى: التحولات، هذه الأجزاء والفقرات هي التي دمجتها في إعادة البناء ذاك.

        بما أن المسألة مثيرة للجدل وسواء أكان فيثاغوراس قد علم تعاليم التناسخ والتقمص أم لا فإني أميل لأتفق مع داسيير والكتاب الآخرين وهو أن فيثاغوراس لم يعلم ولم يستطع تلقين هذه التعاليم.

        يمكـن أن يكون شيئاً مناسباً أن أورد حقائق قليلـة تخص حيـاة فيثاغوراس كان فيثاغوراس ذا دم يونانـي نقي، ولد على جزيرة سامـوس حوالي سنـة 589 ق.م بعد أن سافر إلى بلاد عديدة، باحثاً عن عقائد دينية مألوفة في ذلك الزمن جلبت له اتهامات العقوق، وأدت إلى طرده من كروتونا، وإلى إخماد مدرسته، في سنة 510 ق.م. توفي فيثاغوراس في مدينة ميتابونتام بإيطاليا سنة 490 ق.م.

        يجب أن نتذكر أن فيثاغوراس ولد قبل السيد المسيح بأكثر من خمسمائة عام، ومن ثم لم يستطع امتلاك تعاليم الكنيسة المسيحية فكراً، أو أنه توقع ذلك. أما انتقاداته للاهوت كانت موجهة إلى الديانات الأولومبية، الأورفية، والديانات الوثنية الأخرى السائدة في تلك الأزمنة، والتي كان لديها عقائد مشتركة مع العقيدة المسيحية.

هوبرت هوسون

16 أيلول 1947

آراء بعض المفكرين في فيثاغوراس

"وجد بين الفيثاغوريين إنسان تجاوز الحد في المعرفة، اقتنى مخازن الغنى الفكري الأكثر وفرة، وكان المساعد في أعمال العقال الحكماء بالدرجة الأكثر تفوقاً. وهو عندما نشر كل طاقاته العقلية، رأى كل شيء بسهولة، إلى بعد عشرة أو عشرين عصراً من عصور الجنس الإنساني".

"إيمبودوكلس"

400 500 ق.م.

"إن هذا الفيلسوف "فيثاغوراس" وضع في صف الأطباء اليونانيين الأكثر جدارة بحق، وكان طبقاً لأكثر مريديه إخلاصاً وتكريساً، ليس عدداً من أعداد الآلهة، كلا ولا حتى واحداً من أولئك الأبطال الإلهيين، بل إنه كان الإنسان الذي وقرته الفضيلة والحكمة في شبه للآلهة، بسبب فهمه الطاهر التام، الذي كان فهماً فعالاً من خلال التأمل والتفكر والصلاة".

"فابر دو أوليفر،

الآيات الفيثاغورية الذهبية"

إن فيثاغوراس هو الفيلسوف الوحيد من بين الفلاسفة اليونانيين الذي أنشأ لاهوتاً سليم التفكير".

"فلالفيوس جوزيفوس"

"من المؤكد أن فيثاغوراس يدعى أبو العلم، الأمر واضح بشكل لا يقبل الجدل، إن كل العقائد الأوروبية والعقائد الأخرى، طالما أنها لم تبعث في فلسطين، يمكن أن تعزى له أيضاً".

"جايمس هاستينغ،

دائرة المعارف الدينية والعلوم الأخلاقية"

"اعتبر فيثاغوراس الدين، العلم، والفلسفة كأنها شيء واحد، إنه الغرض الموحد الذي يمكن الإنسان ليصبح شبيهاً بالله. وأصبح فيثاغوراس الموجد والمؤسس لطريقة سامية من طرائف هذه الحياة، بواسطة هذا الغرض الموجود في العقل على الدوام".

"هالي ووترز،

طريقة الحياة الفيثاغورية"

"إن فيثاغوراس مارس التحقيق والبحث أكثر مما فعله الرجال جميعاً، وكانت تحقيقاته وكتاباته في الحكمة".

"هيراقليطس"

540 480 ق.م

الكلمات هذه لعابد الله، الإلهي فيثاغوراس، الإبن الأرضي لمنيسارخوس في تقمصه العاشر، الهابط من السماء، من جنس الآلهة. إنها طريقة الحياة كما أعلنها فيثاغوراس، الحامل للمشعل والحكيم.

"يا رجالاً شباناً وشيباً! تعالوا انحنوا احتراماً في طمأنينة، هذه الكلمات هي كلماتي:

إني أقسم بالهواء الذي أتنشق، وبالماء الذي أشرب، لن أقاسي لوماً من أجل هذه الكلمة.

لهذا السبب، استمع لما سأقوله، إن أنت لا تقدر على تلقيه.

لكنك إذا رأيت ومع ذلك لا ترى، أو سمعت وبرغم ذلك لا تسمع، أو وعيت لكنك لا تفهم، فإن وعظي لك يكون عبثاً.

أحمل في العقل، أوه يانيوفايت، هذه الحقيقة: لا يوجد شيء مخبأ لا يستطاع كشفه: إذا رغب القلب وثابرت الإرادة.

وإذا كان المحقق مواظباً وشجاعاً.

اعرف نفسك ولسوف تعرف العالم والله. ابحث، لذلك وأنت ستجد.

        اجتهد كادحاً في هذه الأشياء، مارسها بعناية ومثابرة، يجب عليك محبتها!

        لأن هذه الأشياء سوف تضعك على طريق الفضيلة الإلهية.

        لكن قبل أن تقترب من هذا العمل الشاق، صمم على إكماله.

        وتوسل إلى الله كي يساعدك، لتتمكن من إتمامه.

        عند فهمك هذه الأشياء فهماً كاملاً، ستعرف قانون الآلهة الخالدين وقانون الرجال الفانين،

        في أية طريقة كل شيء يتجزأ وكيف يبقى ثابتاً متماسكاً.

        وستعرف كيف تكون الطبيعة متشابهة في كل شيء، بواسطة القانون الإلهي.

        الخوف هو العدو الأكثر سحقاً للمعرفة، والخرافة هي أصل الخوف.

        الرجل الجاهل يتوهم الأخطار التي لا يمكن أن توجد.

        لكن المعرفة تتوج الشجعان.

        أنظر، يا أيها الإنسان! ففنك إلهي!.

        وبعد، بما أن الله ألهم شفتي، فإنني سأتبع الله الملهم بكل احترام،

        سأفتح معبد دلفي والسماوات عينها وأطلق التنبؤات للعقل السامي الجليل.

        القضايا العظيمة، لم تكتشف بعقول الرجال السالفين أبداً،

        الأشياء التي خبئت طويلاً، أنا سأغنيها.

        إنها لبهجة أن يسلك الشخص طريقه في موازاة القبة الزرقاء السماوية المرصعة بالنجوم،

        تاركاً الأرض ومناطقها الباهتة وراءه، كي يرتفع إلى ما فوق السحب،

        كي يأخذ موقعه على كتفي أطلس الشجاع ويرى الرجال تحته عن بعد هائمين بلا هدف يسعون إليه،

        خلوا من العقل، قلقين وفي جزع من الآخرة،

        هكذا كي يحضهم ويحذرهم ويكشف عن كتاب القضاء والقدر!

        أيها الشباب الأعزاء، إني أحذركم أعزوا السلام الإلهي،

        وفي قلوبكم خبئوا كلماتي هذه، خبئوها عميقاً".


الفصل الأول

الحكمة، طبيعتها وضروراتها

        يتحدث الحكيم عن الطبيعة وضرورة امتلاك الحكمة والفلسفة، ويشرح مخاطر الحديث والمناقشة مع الرجال الجهلة، والفرق بين العلم والمعرفة والحكمة، ويوضح طبيعة الفهم، والموقف العقلي الصحيح.

        لا ينبغي أن يكون كل شيء معروفاً للجميع،

        ليس هذا بسبب أن الأشياء يجب كتمها عن أي شيخ،

        بل بسبب عدم انتفاع المعطي والملتقي.

        كي لا تنشر المعرفة بصراحة أكثر مما ينبغي لأولئك غير المستعدين لتلقيها.

        لا ترم جواهرك أمام الخنازير، فالكلمات غذاء العقل،

        وخسة الرجال تحرفها لمعنى فاسد،

        والجهلة والأغبياء يسخرون مما لا يستطيعون فهمه،

 

        وبذلك فأنت تجلب حكمة الحكماء إلى موقع الهزء وانثلام السمعة.

        لهذا السبب احتفظ بالحكم للعقلاء.

        الله هو العاقل فقط: الرجال عند الحالة الأفضل ما هم إلا محبي الحكمة فحسب.

        الكون بوصفه نظاماً تاماً متناغماً يكون شيئاً حياً ممتلئاً بالذكاء،

        والذكاء أو الإدراك هو المبدأ الحاكم للأشياء.

        العلم، المعرفة، والحكمة، أقسام ثلاثة للتثقيف.

        العلم ضحل، ويتالف من تلك الأشياء التي تحفظ وتقال عن ظهر قلب،

        المعرفة أساسية وتتألف من تلك الأشياء التي نعرف، وليس من الأشياء التي نفترض لنعتقد بها فحسب.

        المعرفة قوة: للسعادة وللمحنة.

        الحكمة تتفوق على الجميع، كونها الجوهر الفعال المركز عن خبرة.    

        من خلال الحكمة وبواسطتها نفهم الأشياء كلها: بواسطة الحكمة يتم الشفاء.

        الحكمة وحدها الفيلسوفة العذراء، المولدة أبداً ومع ذلك العذراء، أبداً.

        المعرفة كلها اعتقاد وليس كل الاعتقاد معرفة.

        يكمن الفرق بين الحكمة والجهل في التمييز، كذلك بين اليقين والشك والحقيقي والمزيف.

        الذي يعرف الله ويفهم النظام للأشياء لديه الثقة الكاملة في الله وفي كل العناية الإلهية.

        وفي لا زمن يستضيف القلق بشأن أي موضوع.

        هو يعرف أن الصفات المميزة للفضيلة هي قوانين الحياة،

        ومن أجل ذلك فإنه يجعل الفضيلة طبيعته ودأبه الحقيقيين،

        ويرضي نفسه بكونه فاضلاً وبدون ادعاء.

        لكن الذي يعتقد بالأشياء فحسب بدون معرفة حقيقية، لا يتأكد من أي شيء أبداً وفي أي وقت.

        تنقصه الثقة في الحقيقة وفي ضرورة الفضيلة وهو غير عارفٍ بقوتهما،

        ويفترض صورتهما بدون مادتهما.

        ينشد مظهر الفضيلة بدون حقيقتها،

        كونه حرك بخوف العقاب أو أمل المكافأة فحسب.

        لا فضيلة حقيقية ما لم تتم تجربتها واختبارها في بوتقة الحياة.

        لا أحد يستطيع الصمود أمام الاخبار مخافة أن ترتكز الفضيلة على الفهم.

        وترتكز على المعرفة بدل ارتكازها على الاعتقاد السخيف.

        لهذا السبب أحثك وأنصحك، أعرف الله! اعرف نفسك!

        إن المسألة الأساسية والحاسمة هي: لكي تحب الحقيقة ينبغي أن تمارسها، ولكي تحب الحكمة يلزم أن تحيا معها بثبات.

        عندما يمتلك إنسان الموقف الصحيح فإنه يمارس الفضيلة بمقدرة طبيعية،

        من المستحيل أن يعتقد إنسان بشيء واحد صدقاً ويفعل عكسه.

        من لا يعرف ما يلزم أن يعرفه يكون وحشاً شهوانياً ضارياً بين الرجال:

        أعتقد أنك مجنون بنسبة مثلما تجهل نفسك فنك.

        اعتبر أن الثناء واللوم كل شخص غبي هما شيئان مضحكان،

        وأن حياة الجاهل كلها حياة عار.

        لا توجد عين كالفهم، ولا عمى كالجهل:

        لا عدو كالمرض، لا شيء يخيف كثيراً كالموت.

        يجب على الإنسان أن يتفادى ويستأصل المرض من جسمه بكل الوسائل والوسائط الموجودة في حوزته،

        وأن يتفادى ويستأصل الجهل من عقله.

        برغم أنه يبدو أمر سهل أن تعرف نفسك لكنه الأمر الأكثر صعوبة من كل أمر.

        إن رسالة معرفة النفس في أي حدث وكي نكشف قوتنا الخاصة بنا:

        يساوي هذا كي نتعلم طبيعة العالم الموجود كله.

        والتي، كما ينصحنا الله، تكون مستحيلة بدون الفلسفة.

        إن السبب لوجود الأشياء هو المدلول الدقيق الأول.

        من ينشد أن يعرف يجب أن يتعلم بادئ ذي بدء أن يتصور ويفكر ملياً،

        لأن التصور هو الأم للتفكير المليء، والاندهاش هو الأم للحكمة،

        التصور هو التذكر للحالات الروحية، العقلية، والطبيعية السابقة،

        في حين أن التوهم هو النتاج للعقل المادي المضطرب.

        لا تتعجب أو تنشده في شيء: تحقق من كل شيء.

        توجد أشياء في نظام الكون الكامل التناغم أكثر مما تتصوره الفلسفة.

        بالفلسفة يصل الإنسان أن لا يفاجئه أو يذهله أي شيء.

        إن نظريات الفلسفة تتطلب أن ينعم الإنسان الفكر بها كثيراً قدر الإمكان، كما لو أنها غذاء الآلهة ورحيقهم،

        لأن اللذة التي تنشأ منها هي لذة حقيقية، وإلهية، غير قابلة للتبدد.

        إن نظريات الفلسفة قادرة على إنتاج العمل الذي ينم عن الشهامة، ومع ذلك فهي لا يمكنها أن تمنح الخلود للفانين.

        علاة على ذلك فإن هذه النظريات تجعلنا قادرين أن نحصل على المعرفة العلمية للطبائع الأزلية.

        الفلسفة هي المعرفة عن الأشياء اللامادية والأزلية.

        الفلسفة هي رغبة للحب والحكمة.

        الحكمة هي العلم للحقيقة الموضوعية.

        الحكمة هي جوهرة الفيلسوف الغالية الثمن فوق كل شيء آخر.

        لهذا السبب فالواجب السامي الجليل على الإنسان هو أن يعرف الله ويعرف نفسه،

        لأنه لا إنسان يكون حراً وهو عاجز عن السيطرة على نفسه.

        ومن يقدر على أن يقود ويهدي نفسه إن لم يمتلك حكمة وفهما؟

        إن من يعيش فحسب هو مثل كل مخلوق آخر، بليد وخلو من التمييز والإدراك.

        لكن من يعرف هو إلهي في نفسه.

        ضروري أن يبدي الإنسان اهتماماً بالفلسفة، أكثر مما يبدي اهتماماً بأبويه أو بالزراعة،

        نحن نعيش بسبب الشيئين الأخيرين حقاً،

        لكن الفلاسفة والمدركين هم أسباب حياتنا الصحيحة، ومنحنا الحكمة نتيجة اكتشافهم الأسلوب الصحيح للتهذيب والتأديب والتثقيف

        إن أولئك الذي يعلمون من أجل المكافأة فحسب يظهرون أنهم أسوأ من ناحتي التماثيل أو من الفنانين الذين يقومون بعملهم وهم جالسون.

        لأن أولئك، عندما يأمرهم شخص ما كي يصنعوا تمثالاً لهرمس، يبحثون عن الأخشاب المهيأة لتلقي الصورة المناسبة،

        لكن هؤلاء الأساتذة يتظاهرون بأنهم يستطيعون حالاً أن ينتجوا أعمال الفضيلة من كل طبيعة.

        لا يمكن اكتساب الفن والحكمة بدون تعليم تمهيدي،

        كما أن الأسرار المقدسة الأقل أهمية هي لإتمام توجيهها قبل الأعظم منها: هكذا يجب أن يسبق التهذيب الفلسفة أيضاً.

        عظيمة وضرورية العناية والاهتمام اللذين يلزم بذلهما للتهذيب والانضباط كمقدمات للفسلفة.

        إن الذي يكد ويجتهد، يجد دائماً، أما الذي لا يكد ويجتهد، لا يجد أبداً.

        لكن من ينشد الحقيقة ويكافح كي يعرف ما هي إرادة الله، يجب عليه أن يتذكر أن الرغبة لتعرف لا تشتمل على القدرة كي تقال،

        ليست كل الأخشاب مناسبة لهرمس.

        ذكر نفسك بأن الرجال كلهم يؤكدون أن الحكمة هي الخير الأعظم،

        لكن توجد قلة هي التي تسعى بحماس كي تحصل على هذا الخير الأعظم.

        الحكمة يجب أن تعز كوسائط للسفر من مرحلة الشباب إلى مرحلة الشيخوخة، لأنها أكثر بقاء من أي اقتناء آخر.

        لتفعل أي شيء تفعله بشكل كامل، إفهم فهماً جيداً تاماً قبل أن تتقدم للمبدأ الآخر.

        إن التعليم الظاهري هو تعليم غير سليم.

        لا يمكن تعلم الطبيعة لمبدأ الأشياء بتقييم جزء واحد من أجزاء الأشياء فقط.

        نحن لا نتعلم ونحكم في العلوم بأية نظرة عجلى مفردة، بل بفحص تام دقيق لكل تفصيل.

        يوجد خطر مميت من سوء فهم كامل للأشياء عندما يكون المبدأ مبدأ غير صحيح، لأنه في حين يبقى المبدأ الحقيقي مجهولاً، لا يمكن أن تكون أية استنتاجات لازمة كنتيجة منطقية استنتاجات منطقية.

        لا تكن نتاج رأي مزيف.

        الله والكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً هما وحدة، والعالم ومخلوقاته تمامية.

        لكي تفهم الجزء يجب أن تدرك الكل.

        إن من يعرف الشيء العالمي بشكل مناسب سيكون لديه تصور واضح عن طبيعة الخواص.

توجد ثمانية أعضاء للمعرفة:

        الحس، التصور، الفن، الرأي، التعقل، العلم، الحكمة، والعقل.

        الحس معرفة خادعة مشتقة من خلال وبواسطة الجسد.

        الحس إدراكات مضللة، لأننا نادراً ما ندرك بواسطته على نحو قويم.

        التصور فكرة عامة للروح: إنه الصفة المميزة للإنسان.

        الصفة المميزة للرجال هي إما خيراً أو شيطاناً شريراً.

        الفن عادة يتعاون مع العقل.

        التعقل عادة انتقائية من المآثر الصالحة للمصمم.

        العلم عادة لتلك الأشياء الذي يبقي الشيء عينه أبداً، مع الشبه التام.

        الحكمة معرفة للأسباب الأولى.

        العقل هو المبدأ والنافورة لكل الأشياء الخيرة.

        العقل الإلهي هو العلم الحقيقي.

        الحكمة هي علم الحقيقة الموجود في الموجودات.

        دعيت الحكمة صدقاً وحقاً هكذا: إنها العلم اليقيني الذي يلم بالأهداف الجميلة الأولى،

        وهذه الأهداف هي إلهية، باقية، ولها وجود ثابت والشيء عينه، التي بالاشتراك معها يمكن أن تسمى الأشياء الأخرى جميلة.

        يقسم السهل الانقياد إلى أقسام ثلاث: الدهاء، الذاكرة، وحدة الذهن.

        تحرس الذاكرة الأشياء التي قد تعلمناها.

        حدة الذهن هي سرعة الفهم.

        والدهاء هو القدرة على استنتاج الشيء الدال على الجهل من الذي تعلمه شخص كي يحقق فيه.

        التعقل هو الملكة العقلية للتمييز والحكم.

        العقل هو الذي يكتسب تدريجياً بفرع المعرفة لعلم الحساب، ويقدر على فهم الأشياء كلها لكنه ليس عقلاً بشكل عام.

        إذا كان هذا العقل قادراً على فهم الكل، فإن جوهره من أصل واحد مع هذه الطبيعة،

        وطبيعة الأشياء أن الشبيه يفهم بالشبيه.

        الله وهب الإنسان عقلاً كي يمكنه استعماله وليميز الحقيقي من المزيف.

        المقدرة الطبيعية والحدس كانا قبل العقل.

        الإنسان لديه حواس ست: اللمس، البصر، السمع، الشم، الذوق، والتبصر أو الحدس.

        ولديه أيضاً حاسة سابعة أخرى وهي الشيء عينه كونها الحكم على الأشياء بصورة صائبة وحصيفة.

        ضع حاسة البصر كسائق العجلة الأفضل دليلاً لأعمالك.

        العقل الحكيم مرآة الله: إنه مرافق المعبود الخاص.

        العقل الخير كورس الألوهية، العقل الشرير كورس الشياطين الأشرار.

        العقل الإلهي يفكر عمداً بشأن الجميل على الدوام.

        عديدون الذين يمتلكون تعليماً عظيماً لكنهم لا يمتلكون عقلاً.

        وفرة العقل هي أسمى وأفضل من وفرة المعرفة الواسعة.

        جمال الجسم ليس إلا جمالاً حيوانياً إلا إذا دعم بالعقل.

        سعيد حقاً من يمتلك ملكية وعقلاً، لأنه سوف يستعملهما بشكل مفيد ومناسب.

        إن اللوامة هو إنسان يظن أنه يمتلك عقلاً لكن مهمته غير مجدية،

        لأن المناظرة لا تكون معلمته بل الكارثة، مثله في ذلك مثل الطفل.

        العقل للإنسان الذكي أكثر إقناعاً من الذهب.

        العقل الموجود فيك هو نور حياتك.

        وطد العقل الأنبل كما لو أنك سائق العربة تحركها من عل.

        ستتفادى المآزق التي تنتشر على طريق الحياة إذا استخدمت العقل كهاد لك في كل مكان.

 

        إعرف على الدوام أن تلك الأشياء التي تتقنيها ولا يوجد في أعماقها قوى عقلية ليست غنى لك.

        أنت تعبد الله في الأسلوب المناسب، إذا صيرت ما يختص بالعقل طاهراً من كل رذيلة.

        اجعل دماغك يقظاً، فالهجوع فيما يخصه لديه صلة بالموت الحقيقي.

        من يتكرس بالحكمة المقدسة يمكنه أن يجعل قلبه طاهراً، وعقله شفافاً صافياً، ليستطيع الفوز بالحكمة الملكية العقلية الجميلة.

        كل أرض تكون مسكناً ملائماً للإنسان العاقل: لأن العالم كله هو البيت للروح الفاضلة الشريفة.

        فواكه الأرض تمنح في أوانها، لكن فواكه الفلسفة تنضج في فصول السنة كلها.

        لا شيء يكون خاصاً بالحكمة كالحقيقة.

        مهما يمكن أن يكون الشيء المعروف فلديه بداية ونهاية،

        البداية والنهاية هما نهاية الحدود أو التخوم:

        لكن الوسط غير محدود، ويمكن تقسيمه إلى اللانهاية ثانية، كنتيجة منطقية.

        هكذا فإن عقل الفاني لا يمكنه أن يعرف كل الذي ينبغي أن يعرف أبداً، لأن الإنسان محدد بزمن، في حين أن الله له الخلود.

        دخول الرجال إلى الحياة الحاضرة يشبه تقدم جمهور إلى مشهد عام ما.

        لأن الرجال يجتمعون هناك من كل صفة ومشرب حاملين آراء مختلفة ومتباينة أحدهم يسرع كي يبيع سلعه من أجل المال وجني الأرباح،

        لكن الآخر يتقدم كي يستطيع كسب الشهرة بإظهار قوة جسده،

        وتوجد الطبقة الثالثة من الرجال أيضاً، وهؤلاء هم العقلانيون الأحرار بالشكل الأكثر.

        إن من يجتمع هناك، يفعل ذلك، لأجل إلقاء نظرة عامة على الأمكنة، على أعمال الفن الجميلة، على الأشخاص الشجعان،

        وعلى الإنتاج الأدبي المعروض عادة في مناسبة كهذه.

        هكذا في الحياة الحاضرة أيضاً، الرجال يجتمعون معاً في مكان واحد من كل المهن المختلفة.

        بعضهم يتأثر برغبة الغنى والترف،

        ويتأثر الآخرون بحب السلطة والسيادة، ويتملك الآخرون طموح مجنون للمجد والعظمة.

        لكن الأخلاق الأكثر طهارة ونقاء هي للإنسان الذي يهب نفسه للتأمل في الأشياء الأكثر جمالاً،

        وهو المناسب كي يدعى فيلسوفاً.

        مرة ثانية، الحياة مثل الجمع الإنساني الذي يأتي محتشداً لمشاهدة الألعاب الأولومبية،

        يوجد هناك ثلاث طبقات من الزوار: الأحقر هم أولئك الذين يأتون ليبيعوا ويشتروا؛

        الزوار الذين يتلونهم هم أولئك الذين يأتون ليتنافسوا للحصول على تاج المجد والعظمة.

        الطبقة الأفضل، على كل حال، هم أولئك الذين يأتون كي يمعنوا النظر،

        الذين لا ينشدون التصفيق ولا الربح، بل يأتون ليراقبوا ما يفعل وكيف.

        وبشكل مشابه يبرز الرجال من حياة وطبيعة أخرى إلى هذه الحياة،

        مثلما يبرز الأشخاص من مدينة ما إلى حشد كامل من الناس لاجتماع كبير كهذا، وبعضهم يكبر بطبائع ذليلة، نهمين للربح أو للشهرة.

        لكن يوجد قلائل يستخفون بكل الأشياء الأخرى، ويحققون في طبائع الأشياء بشكل تواق.

        هؤلاء هم طالبو الحكمة ومقتفو أثرها: هؤلاء هم الفلاسفة.

        والفلاسفة ينشدون الحقيقة.

        حياة التأمل هي أكثر نبلاً من تلك التي تستمتع بالأشياء.

        يمكن مقارنة هذه الحياة بالألعاب الأولومبية، فكما في هذه الجمعية العامة ينشد البعض العظمة والحصول على ألقاب البطولة،

        ويبغي بعضهم الربح بواسطة شراء وبيع البضائع،

        ويذهب الآخرون الأكثر نبلاً من الإثنين إلى هناك ليس بقصد الربح ولا الإطراء.

        بل يبتهجـون بهذا المشهد اللافت للنظر البديع كلية، ولكي يروا ويعرفوا كل ما يجري.

        نهجر نحن بلادنا التي هي السماء في الأسلوب عينه، ونأتي إلى العالم، الذي يكون جمعية عامة، حيث يعمل العديد للكسب، ويعمل الكثيرون للربح،

        وحيث يوجد قلائل، الذين يزدرون حب اكتساب المال واختزانه، ويستخفون بالباطل والغرور، هم يدرسون الطبيعة،

        وهم الآخرون الذين أدعوهم فلاسفة،

        فكما أنه لا يوجد أي شيء أنبل من أن تشاهد ما يجري بدون مصلحة شخصية.

        هكذا في هذه الحياة فإن التأمل المليء ومعرفة الطبيعة هما أكثر شرفاً من أي مطلب آخر بشكل مطلق.

        الحياة هي أيضا التقدم اللانهائي، تقدم منذ عهد بعيد. حادث ننضم له عند مروره بنا.

        على طول هذا الطريق ينضم الآخرون، ويكف غيرهم عن الاشتراك العملي فيه عند مكانهم المقصود،

        وهكذا عندما نصل إلى نهاية رحلتنا نجد قلة بقيت من هؤلاء الذين ساروا معنا منذ البداية

        لذلك فالرفاق المشتركون في رحلة يجب أن يهتم كل منهم بالآخر.

        الأصدقاء هم كرفاق مشتركين في رحلة يجب عليهم أن يساعدوا بعضهم بعضاً في الطريق للوصول إلى حياة أسعد.

        العالم كنار موقدة، حيث يصلح قليلها كي يبعث الدفء في جسم الإنسان،

        لكن إذا أخذ منها أكثر مما ينبغي، فإنها ستحرقه تماماً.

        العالم مثل المسرح وعليه يؤدي كثير من الناس أدوارهم.

        الحياة عينها هي علامة المنطلق والمنتهى، مسرحية، مأساة، ملهاة، كما يختارها اللاعبون ليمثلوا أدوارهم فيها.

        هؤلاء الذين يلعبون أفضل دور، هم الفلاسفة الحكماء.

        ودورهم هو أن يتعلموا أساليب حياة الأمم كلها، وليميزوا الخير من الشر.

        العالم مشهد: الحياة تحول: أنت تأتي، ترى، ثم ترحل.

        في مسرح حياة الإنسان يحفظ لله والملائكة كي يكونوا المتفرجين فقط.
 

الفصل الثاني

النشوء والصورة

        يتحدث الحكيم عن: التحول، التطور، والتغيير، تكون الصورة والعدد، طبيعة حركة الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً، المادة والصورة، اللامستقرة للأشياء. خلود الذات، تغير مظاهر الأشياء أو صفاتها تغيراً صارخاً.

        وبما أنني راكب متن سفينة على سطح البحر اللانهائي ونشرت أشرعة مركبي كاملة للرياح،

        فلن أمتنع عن أن أخبرك قضايا ذات أهمية عظمى، برغم أنها لا يمكن أن تذهل تخيلك.

        لا يوجد شيء في العالم كله يحتفظ بشكله، لأن الكون بوصفه النظام الكامل التناغم وكل ما يحتويه ليس سوء إنتاج وأطوار العمليات التطويرية.

        كل الأشياء هي في حالة تغير متواصل، وكل شيء أحضر إلى الوجود بطبيعة تحتويه.

        نحن نتغير أيضاً، ونحن جزء من أجزاء الخلق، بما أننا لسنا أجساماً فقط بل أرواح مجنحة.

        في البدء ساد الذي لا حد له والمطلق في اتساع هائل.

        وكان المطلق خالٍ من الصورة، وأبدياً.

        أصبحت مجالات المطلق مصورة بدقة بواسطة طاقات التطور،

        ومن المطلق استنتج حالاً الزمن، الفضاء، والحركة.

        واستنبطت الصورة بحكم الحاجة، واتخذ الشكل.

        ولازمت الصورة في التحديد، والتصق العدد في الصورة، الصورة في العدد.

        هكذا يكون العدد الموجد والموجد حالاً.

        السماء كلها هي تناغم وعدد.

        هكذا يكون أصل الهندسة وعلوم الحساب.

ابتدأ الزمن أيضاً مع ظهور الصورة.

        سار الزمن عينه في حركة دائمة، مثلما يجري النهر تماماً.

لأن لا النهر ولا الساعة السريعة يستطيعان إيقاف التقدم،

        لكن، كما تدفع الموجة بمثيلتها، ولما تأتي موجة، فكلاهما يدفع بغيرهما ويدفعان أنفسهما الموجات التي أمامهما،

        هكذا الزمن يتلاشى ويتلو وهو الجديد أبداً.

لأن ذلك الذي وجد لمرة يموت، وذلك الذي لم يكن يجب وجوده...

        وهكذا فإن دائرة الحركة كلها أنجزت مرة ثانية.

السبب هو سبب أساسي جوهري وهو الأكثر امتيازاً من الأسباب كلها الله.

        لذلك توجد ثلاثة مبادئ أساسية الله، مادة الأشياء، والصورة.

        الله هو الفنان، والمحرك. المادة هي الشأن المتحرك.

        والماهية هي ما يمكن تسميته الفن.

وتلك التي أحضرت لها المادة بواسطة المحرك.

هناك أشياء عديدة تظهر أشكالاً مختلفة لكنها تمتلك صورة واحدة.

        توجد صورة واحدة لكل شيء، والأشياء الأخرى ليست صوراً:

وهكذا فالأشياء كلها تكون واحدة.

        لا يوجد سوى مادة كونية مفردة، صورت منها الأشياء كلها.

        وهكذا فإن الصورة كلها مهما يمكن أن تكون أو أنها قد كانت، أو متى قد كانت أو يمكن أن تكون أو أنها قد كانت، تكون، وستكون، ليست سوى صور كثيرة العناصر أو متنوعة لمادة واحدة مفردة وللشيء عينه.

        إن الصور المتعددة المفترضة، المحتفظ بها، والمتحولة هي مواد خميرة "هيولى" بشكل كلي، وهي كذلك لدرجة النسبية والتناسب التي يصبح إبداع العدد، أو التناسب، أو الدرجة فيها مرئية.

        إن الشيء الأول في درجة الصورة هو المبادئ الخمسة الأصلية أو المواد الأولية.

        وهذه المواد الأولية موجودة في نظام، الأثير والهواء والرطوبة والنار والتراب.

        المادة هي الخميرة الحقيقية، برغم أنها عرضة للتغيير وللتطور مثل كل الأشياء، فهي غير قابلة للإتلاف.

        حتى تلك الأشياء التي يدعونها القانون، العناصر هي لا تدوم.

        أية تغييرات تخضع لها! استمع وسأخبرك بأن المواد العناصر الخمسة الأولى هي ذات كثافات تدرجية تقرر أماكنها النسبية أو مستوياتها.

        إنها من الأقل إلى الأخف ومن الأسفل إلى الأعلى، تراب وماء ونار وهواء وأثير.

        وهذه العناصر برغم أنها منفصلة في المركز بشكل بعيد،

        مع ذلك فإن كل واحد منها مشتق من بعضه بعضاً، وكل منها ينقسم من الآخر مرة ثانية.

        لا شيء يحتفظ بصورته الخاصة، لكن الطبيعة، المجددة الأعظم، تشكل الصور من الصور الأخرى أبداً.

        كن متأكداً لا شيء يفنى في هذا العالم،

        إنه لا يفعل سوى التنوع وتجديد الصورة، صورته.

        وما نسميه ولادة ليس سوى بداية ليكون مختلفاً عما كانه واحد سابقاً،

        والموت ليس إلا انقطاع عن حالة سابقة.

        ومع ذلك، يمكن للأشياء أن تتحول من هنا إلى هناك ومن هناك إلى هنا بالمصادفة، إن الأشياء كلها تبقى غير متغيرة في مجموعها الكلي.

        أشعر متأكداً أن لا شيء يبقى طويلاً تحت المظهر عينه.

        هكذا العصور أتت من العصر الذهبي إلى العصر الحديدي،

        وهكذا تبدلت حالة الأمكنة غالباً.

        رأيت بنفسي ما كان صلباً مرة وتحول إلى ماء،

        ورأيت التراب صنع من الماء ثانية.

        وشوهدت أصداف البحر مستلقية بعيداً عن المحيط،

        ووجدت مرساة قديمة على قمة جبل.

        ما كان سهلاً منبسطاً لمرة فإن الماء المتدفق المتساقط جعله وادياً،

        والقمم جرفت إلى البحر بقوة الفيضانات.

        ما كان مرة جافاً وقاحلاً هو الآن مستنقع فسيح.

        أحدثت الطبيعة هنا نوافير مياه عذبة، وأحكمت إغلاقها هناك،

        والأنهار حكرت بزلزال داخلي ما من زلازل الأرض،

        إنها انبثقت غزيرة، أو جفت، واختفت عن المرأى.

        اعتاد السكان القدماء لتلك المناطق على القول إن لوكاس كانت جزءاً من الأرض الرئيسية،

        لكن الآن فإن الأمواج تندمج حولها وتغسل كل شيء.

        وقيل إن نرانكل قد كانت جزءاً من إيطاليا إلى أن أبعدها الموج وفصل حدودها المشتركة.

        وأعاد التراب بقوة المياه المعترضة.

        إذا بحثت عن هيلايس وبوريس، اللتين كانتا مرة مدينتين من مدن أرخايا، فستجدها تحت الأمواج،

        وسيريك البحارة المدن المنحدرة إلى البحر مع أسوارها المدفونة معها.

        لأن التراب إذا كان ذا طبيعة حيوانية،

        حي ولديه العديد من ثقوب التنفس التي تطلق اللهب،

        فهو قادر على تغيير أماكن تنفسه كلما يهز نفسه،

        ويستطيع إغلاق هذه الثقوب وفتح غيرها،

        وإذا حسبت الرياح السريعة في كهوف عميقة ودفعت باتجاه الصخور بقوة واشتعلت المادة المختزنة بذرور اللهب من احتكاك الصخور،

        ستصبح الكهوف باردة مرة ثانية مع ذلك عندما تبدد الرياح قوتها،

        أو إذا كانت المواد الزفتية التي سببت النار، والكبريت الأصفر، المشتعلة باللهب المرئي نادراً،

        وحينما لا تقدم الأرض غذاءً ومساندة غنية للنار بعد اليوم بكل تأكيد،

        وعندما تضمحل قوتها بعد عصور طويلة وتشعر الطبيعة النهمة بنقص في غذائها، حينئذ فإنها لن تصبر على هذا الجوع، كونها هجرت، فستتخلى عن نيرانها.

        إذن، ألا ترى أن السنة تتخذ أربعة مظاهر مرة ثانية، في محاكاة لأعمارنا الأربعة؟

        ففي مقتبل العمر يكون عمرنا غضاً وممتلئاً بالحياة المفعمة بالنشاط، مثل الطفل الصغير تماماً،

        يزهو الكلأ المنتعش بالحياة في ذلك الوقت،

        لكنه بدون قوة جسدية وصلابة لحد الآن، ويفعم المزارعين بتوقعات الغبطة.

        حينئذ فإن كل الأشياء تكون في ريعانها والحقول الخصبة تغطيها الزهور ذات الألوان البراقة بوفرة،

        لكن لا توجد قوة في أوراق النبتة الخضراء لحد الآن.

        وبعد انقضاء الربيع، تنتقل السنة لفصل الصيف بقوة أكثر، وتصبح مثل الفتى شاباً قوياً.

        لا يوجد وقت أصعب من هذا الوقت، لا شيء أكثر غزارة في الغنى والحياة الدافئة.

        يأتي الخريف بعدئذ، مع ذهاب نضارة شبابه الأول، لكنه يكون ناضجاً ويانعاً،

        إنه طريق وسط في الزمن بين الشباب والكهولة، والشيب الرمادي ينشر ذراته على الصدغين.

        ثم يأتي الشتاء الهرم بخطوة مترنحة مرتعشة، خصلات شعره ذهبت أو أصبح يجلل لونها البياض.

        تشبه حياة الإنسان فصول السنة: كل فصائل من فصول يجلله جمال خاص.

        ولد لعشرين سنة: هذا هو الربيع، شاب لعشرين سنة: هذا هو الصيف: إنسان فتي لعشرين سنة: هذا هو الخريف، وإنسان هرم لعشرين سنة: هذا هو الشتاء.

        مهما يكن الفصل، اختر الحياة التي تكون الأنبل، فالعرف يقدر أن يجعلها لك حياة حلوة.

        خذ الحياة الأقصر والأنبل مهما كلف الأمر، بدلاً من الحياة الأطول لكن ذات الأهمية الأقل.

        تتعرض أجسامنا لدورة لا تنقطع من التبدلات،

        إن ما قد كناه أو نكونه الآن لن نكونه غداً.

        وجد وقت عندما اضطجعنا في رحم أمهاتنا بادئ ذي بدء مجرد بذور وآمال رجال.

        نمقتنا الطبيعة بيديها البارعتين حينئذ،

        لم تشأ لنا أن تتمدد أجسامنا في أجساد أمهاتنا المتكلفة بضيق..

        ثم بعثتنا من بيتنا إلى الهواء الطلق.

        هكذا ولدت إلى النور، الرضيع الغض بلا قوة جسدية،

        لكن الرضيع رفع نفسه على الأربع عاجلاً، على غرار أسلوب الحيوانات،

        بعدئذ وقف منتصباً مترنحاً شيئاً فشيئاً في أسلوب الاعتماد على الركبتين الضعيفتين، ودعم نفسه بسناد مناسب.

        بعد ذلك اجتاز امتداد سن الشباب قوياً ورشيقاً،

        وانزلق على طول الممر المنحدر للسن المتقدم. أضعف هذا وأوهن قوته الجسدية التي تمتع بها في سنواته السابقة،

        وميلون المتقدم في السن، تدمع عيناه عندما يتطلع إلى ذينك، الذراعين، اللتين قد كانتا لمرة كذراعي هرقل المتمتعين بعضلات ضخمة قوية.

        ويراهما الآن متدليتين ضعيفتين ومترهلتين.

        هيلين تبكي أيضاً عندما ترى تجاعيد وجهها المسن في المرآة، وتسأل نفسها بخوف لم وجب أنها كانت لمرتين حبيبة الضحية.

        آه يا زمن، أنت الملتهم المبدد الكبير، وأنت يا عمراً حسوداً، إنكما معاً تدمران كل شيء،

        وتقضمان بأسنانكما ببطء، وفي النهاية أنتما تستهلكان الأشياء كلها في الموت البطيء!.

        لكن لا تكن يا إنسان مرعوباً، إن الانتقال وليس الموت هو ماهية العالم،

        الحياة والتغيير هما النظام الأزلي للأشياء كلها.

        وجه الطبيعة كلها يتوهج في أوج الخلود.

        إن أعماقها الأكثر توغلاً لحيويتها خصبة بالحياة وعلى استعداد دائم كي تندفع خارجاً بقوة.

        الحياة ترى في كل مؤشر وكل جهة، ويشاهد التغيير والانتقال،

        في كل مكان تغرس بذور الحياة، حتى بين بقايا الموت.

        الوحول اللزجة تحتوي بذوراً تنتج الضفادع الخضراء، لكن بدون أطراف بادئ ذي بدء،

        غير أنها تهبها أطرافاً خصصت للسباحة ولكي تكون هذه الأطراف مناسبة لأخذ فقرات طويلة أيضاً، فالأطراف الخلفية أطول من الأمامية.

        ألا ترى كيف أن يرقات النحل حاملة العسل التي تحضنها الخلية الشمعية المسدسة الأضلاع،

        تولد مجرد أجسام بدون أعضاء، وتظهر لها الأقدام والأجنحة بعدئذ؟

        إن طائر الإلهة هيرا، الذي يتحلى ببقع نجمية الشكل تغطي ذيله،

        وطائر الإله زيوس حامل السلاح، وحمامات سيثيريا، وعائلة الطيور بمجملها.

        من سيصدق، من لن يعرف الحقائق، إن هذه الطيور يمكنها أن تولد من داخل بيضة؟

        إذا أذهلتك هذه الأشياء، فالشيء الأكثر إدهاشاً لا يزال هو التحولات المأتمية للفراشة؟

        الرمز العتيق دهراً لتحول الإنسان والخلود.

        في البدء تكون البيضة المنحوتة بإتقان رائع، ومع ذلك فهي صغيرة جداً حتى أن العين المجردة لا تراها إلا بصعوبة،

        متمددة على مهدها المورق، خالية من الحياة على ما يبدو، إنها البذرة المجردة وأمل الخلود.

        حينئذ وفي فصل الاستحقـاق تنبثق اليرقانة من البيضة، المصممـة في البيـت بشكل رائع، إنها تتغذى بـِ وتلهـو على الأعشاب الطرية التي تحميهـا وتمدها بأسباب الحياة.

        وفي أوانها القصير والجزئي الكمال، تغزل الحشرة الكادحة الشرنقة الحريرية البيضاء اللعابية في ضوء الشمس حول نفسها.

        التي ستصبح قبراً لها، والتي تطوقها أخيراً.

        تذهب اليرقانة إلى الأبد حقاً، لكنها لا تموت إلى الأبد، لأنه لا يوجد موت، بل يوجد مجرد تغيير وانتقال. هكذا تغيرت الحشرة في وقت مستحق، تحولت إلى خادرة معلقة بتابوتها المصندق من رف ورقي ما، وكأنها مدلاة في الأزلية.

        هي ميتة ظاهرياً هناك، وتخضع في الداخل لتشكيلات جبارة، الخادرة تتحول إلى يافعة.

        وتكتسب جناحين في وسط الحقول الباهتة من الشر والموت، واللذان سيرفعانها إلى أعلى برغم ذلك.

        بعد طول انتظار وفي أوان مستحق فإن اليرقانة غير قادرة على أن تسود ضد الرطوبة القوية الرائحة ونفس الربيع العطر.

        تنفجر وتتقطع إرباً حيطان التابوت الحبس الصلبة الذاوية.

        وتنبثق عندئذ الأدلة مزهوة بالنصر كالخلود، إنها الفراشة الجميلة.

        يمتد جناحاها الفائقا الجمال بشكل غير متوقع، متوازنين لطيران فوري إلى الفضاء الفسيح الامتداد.

        حلت اللحظة المنتظرة لوقت طويل أخيراً، عندما حلقت في الجو عالياً بجناحيها الهوائيين.

        المخلوقة التي كانت بيضة بادئ ذي بدء، حينئذ حشرة غريبة الأطوار، وبعدئذ شيئاً عسير الوصف والتنصنيف،

        والتي كانت نائمة نوم الموت في أكفانها على ما يبدو، أصبحت منذ ذلك الحين فصاعداً، نافعة في سعادتها العظيمة، هي رسول للأزهار التي تغذيها برحيقها ومنه،

        وهي الرفيقة للنسيمات العذاب ولقطرات المطر، لأشعة الشمس ولشعاع القمر، التي تغسل جناحيها بمحبة،

        يتدفق النهر باستمرار إلى الأمام، يملأ نفسه بنفسه، ثانية، ويتعرض لتغير دائم،

        هكذا في لا زمان ولا مكان هل يكون النهر عينه الذي كان في البداية على طول مجراه الهائج،

        وبالتالي لمن المستحيل أن تغطس في النهر عينه مرتين.

        هكذا عندما يتحرك الإنسان الفاني في مسيرة الحياة إلى الأمام.

        ليس هو الإنسان نفسه الذي كان للحظة سبقت، أو أنه سيكون لطرفة عين من الآن.

        يتغير هو مثل كل الأشياء، إلى حد بعيد بشكل دقيق لكن باستمرار،

        والذي يتغير لا يكون الشخص عينه أبداً.

        لكنه غير المادة، التي تدور في محورها وتنزلق بعيداً،

        ينمو الإنسان كثيراً حول مظهر واحد ونموذج مشترك مثلما أخمدت البارحة في اليوم، ويخمد اليوم في الغد،

        الإنسان يموت ويولد من جديد في كل لحظة من لحظات وجوده،

        ويتخلص من القديم ويلبس الجديد،

        وهكذا لماذا يجب أن يخاف الإنسان موتاً واحداً إذن، عندما مات سابقاً، وسوف يموت مرات عديدة؟

        لا يبقى أحد ولا يكون أحد باستثناء الله، الذي لا يتغير أبداً.

        وروح الإنسان مثل أصلها، لا تتغير أبداً.

        لأنه إذا لم تكن الروح الإنسان نفسه.

        أين يكون إنسان البارحة الذي مات هذا اليوم؟

        وأين هو إنسان ليوم الذي يموت غداً؟

        خذ الفكرة ومعها الشجاعة لهذا السبب، إن الحياة تخص الحي وليس الميت،

 

        والإنسان الذي يحيا لا يحتاج، إلا إذا شاء ذلك، أن يزين نفسه بثياب خلعها من مات البارحة.

        من لديه ثقة بالله لا يمتلك خوفاً من الحياة أو الموت.

        لأن القوة التي أحضرتك هي قوة إله الوجود، ومنذ البدء ستؤازرك وتبقيك.

        طول الحياة، وفي الموت، وما وراء الحجاب.


الفصل الثالث

الروح والتحولات

        يتحدث الحكيم عن: الله، روح العالم، أو العقل، روح الإنسان، الثلاثية، ألوهية الإنسان، أسبقية الروح، كثافة أرواح العادلين، قدر ومصير أرواح الفاسقين الممزقة، أرواح الحيوانات، الموت الفاني، تفاهة الترف أثناء الدفن، دورة الولادة، الانتحار، تهذيب قوة الروح، وعن التحذير ضد تمزيق الروح.

        في البدء كان الله، ومع الله في البدء كانت روح العالم "العقل".

        كون العقل الدفق الأبدي لجوهر الله ذاته، والذي بواسطته نظم الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً.

        لهذا السبب، إن روح العالم أزلية ولا تموت أبداً.

        لم تتواجد الروح بدون عقل ولا الجسم بدون صورة بشكل مشترك على الإطلاق.

        ولم يكن لدى أحدهما نشوء أو بداية.

        لكن بعد أن شاركت الروح في العقل والتناغم، وكونها جعلت عاقلة بواسطة الموافقة أو التناسب، فإنها أحدثت تغييراً في المادة،

        وكونها أقوى من الحركات الأخيرة جذبت وحولت هذه الحركات إلى نفسها.

        هكذا فإن جسم العالم رسم صورته الأصلية عن الروح.

        وأصبح مطابقاً لها وشبيهاً بها.

        صاغ الله روح العالم بثلاث مقومات التماثل، الفارق، والوجود.

        وروح العالم ليست مفصولة حقاً بل إنها تزداد بشكل مستمر.

        كونها الدفق الأزلي لماهية أو لجوهر الواحد الكل.

        جذبت روح الإنسان خارج روح العالم، كونها جزءاً من ذلك المصدر،

        وعندما أحدثت حياة أرضية جديدة: كونها هبة الله المباشرة، عن نفسه.

        جذبت الروح إلى الجسم بنغم خالد روحي في وقت واحد، واحتجزت في الجسم بجذب إيقاعي.

        إن روح الإنسان كونها جزءا من روح العالم، هي صورتها الدقيقة الواضحة، كونها صورة الله،

        وهكذا فإن الإنسان عندما يكشف الروح فإنه يكشف الله.

        وجدت روح الإنسان منذ البدء بدون الشعور بالذات، وقبل إيجاد الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً.

        أتت إلى الحياة الحاضرة من أجل تحقيق الذات، من أجل الخبرة، والتعليم.

        وأصبحت في الحياة الأرضية شاعرة بالذات وتذكر الانطباعات الأرضية بادئ ذي بدء.

        بما أن الله صاغ روح العالم من ثلاثة مقومات أساسية.

        هكذا فعل مع روح الإنسان الثلاثية، ولديها أيضاً التماثل، الفارق، والوجود.

        الروح لا ترى بالعين لكنها تشترك في الاستنتاج المنطقي والتناغم.

        وتقتني عقلاً، متبصراً وتبصراً، وقوة هنا وفي الآخرة.

        توجد حركتان واحدة للجسم، وهي حركة غير عقلانية، والأخرى للروح وهي النتيجة للاختبار المدروس،

        إن الذي يكف عن الحركة يكف أيضاً عن الحياة.

        روح الإنسان ثلاثية.

        تنقسم روح الإنسان إلى حدس "عقل فياض"، "عقل أو رشد"، "PHREN" وعقل أو مقدرة عقلية "THUMES".

        إن الجزء الذي يسجن في الجسم يسمى الروح:

        لكن الجزء الأكثر فعالية يدعى مقدرة عقلية، وتفكر العامة أن الروح توجد فيهما.

        كما تتصور العامة أن الصورة المعكوسة في المرآة هي في تلك بشكل مماثل.

        لكن الرجال الأكثر ذكاء الذين يعرفون أنها خارج هذين الجزئين، يسمونها الروح الحارسة أو نصف إله،

        "وهي كالخيط الفضي المعدني، ترفع وترشد الجزء المساعد من الروح".

        لهذا السبب فإن تلك النجوم التي تراها مطفأة، تتخيل أنها أرواح أولئك الذين تكون جواهرهم كلها غائصة في الأجسام.

        وتلك التي تستعيد نورها وترتفع من أسفل،

        والتي تخلصت من الضباب والظلام الذي يكتنفها، كما لو أنها كانا خزفاً وغباراً.

        هي هكذا كأنها انسحبت من أجسادها بعد الموت،

        أما تلك الأرواح التي حملت إلى أعلى فهي الحارسة للرجال الحكماء والفلاسفة،

        الهواء كله يمتلئ بالأرواح: الكون كله بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً مخترقاً بالروح.

        يوجد خير سماوي متناسب مع كل درجة من درجات الفضيلة،

        وتوجد للأرواح مرتبات ودرجات مختلفة، طبقاً للجسم النير الذي تتدثر به.

        السعادة الأسمى تخص الروح التي استعادت ذاتها فقط، وذلك باتحادها النهائي والجوهري مع العقل،

        والتي أصبح جوهرها، المتغيرة طبيعته جوهراً روحانياً كلياً.

        أنه لمن الضروري أن ترفع هذه الروح إلى معرفة الحقائق الكلية العالمية،

        ووجب أنها وجدت، كما يكون ممكناً لها، المبدأ والنهاية للأشياء كلها.

        حينئذ بما أنها وصلت لهذه الدرجة العالية من الكمال، كونها جذبت إلى هذه المنطقة غير القابلة للتغير التي يكون عنصرها الأثيري غير خاضع أبداً للحركة الهابطة للنشوء أو الولادة، تستطيع أن تتحد بواسطة معرفتها بالكون كله. وأن تعكس في وجودها كله النور الذي لا يتفوه به، "لأنه أقدس من أن يذكر".

        النور الذي معه موجد الموجودات الله ذاته يملأ الاتساع بدون انقطاع.         

        الروح مشتركة في المقدرة العقلية العقل أو الرشد، والتناغم، ليس عمل الله وحده فقط، بل هي جزء منه،

        إنها ليست صنعة الله فقط بل هي مولدة به،

        لذلك فإن الإنسان ابن الله، وله الله أب أيضاً.

        قال أورفيوس: يا من فنك طفل الأرض والسماوات المرصعة بالنجوم.

        إن روح الإنسان أزلية، غير قابلة للتحلل لأن لا بداية لها.

        كانت مع الله منذ البدء، قبل أن تنشأ السموات أو الأرض.

        لم تخلق روح الإنسان خلقاً بسبب أنها تحرك نفسها، إن لديها حركة أبدية ثابتة.

        لقد سبقت الجسم الذي تسكنه، لأنها وجدت قبل أن كان الجسم.

        الله لم يصنع الروح أدنى من الجسم، كلا ولم تكن تابعة له.

        الله صاغ الروح متفوقة على الجسد بأسبقية الأصل وفي القوة.

        بما أن روح الإنسان لم يكن لها بداية أبداً، بل كانت مع الله منذ البدء، لهذا فهي لا تمتلك نهاية على الإطلاق.

        قدرها هو اتحاد أولي ونهائي مع الألوهية، مصدرها الأصلي.

        ليس ممكناً أن الذي يولد في الزمن يجب أن يوجد على الدوام.

        كلا ولا ذلك الذي لم يمتلك بداية يجب أن تكون له نهاية أبداً،

        لكن الروح، التي لم يكن لها بداية، توجد للأبد.

        إن روح الإنسان خالدة: الجمال والموسيقى هما الجناحان اللذان يرفعانها نحو السماء.

        سحر الموسيقى، ابتهاج الحب الغامر، وجذل الإحسان،

        ليست سوى علامات متفرقة من علامات نغم الروح.

        روح الإنسان أزلية: عندما تترك الجسد فإنها تنسحب إلى روح العالم.

        خارج الذي كانت ممتدة منه، والتي توجد من الطبيعة عنها معه.

        إن جزء الروح الأطهر هو ذلك الجزء الذي يترك الجسد: الإنسان نفسه.

        لا يكون الإنسان أي شيء آخر إلا الروح.

        كل منا روح، وليس جسم، الذي هو تابع الروح فقط.

        الجسم حصان الروح الممتطية له.

        الجسم وثاق الروح، بينما يحيا الإنسان:

        عندما يموت الجسد، تترك الروح، أثراً باقياً يحتوي على سجله الخاص به، لأن الروح تحتوي على نقشها الخاص بها.

        في حين أن الاجسام كلها سريعة التأثر وقابلة للقسمة إلى ما لا نهاية،

        الله المطلق وحده والروح الأزلية يستطيعان الولوج من خلال الحجاب، لا أحد يقدر على إعاقتهما.

        لا تعطي روح المتوفين طيفاً أو سنة.

        لكن الأرواح التي حررت بالوفاة ترتفع إلى الأثير النقي، مع تطابق مفردة، فارق، وجود وقوة،

        وتكون كأنفس من نور، منيعة من الأذى، وزائدة في النمو والقوة خلال الأزلية.

        إن الروح كونها دفق الله هي طاهرة نقية غير قابلة للفساد،

        ليست لديها أهواء، ولا يمكن أن تصبح مدنسة أبداً أو تصبح فاسدة،

        ومن ثم، غير قادرة على فعل الذنب ولا عرضة للعقاب.

        الروح شرارة الألوهية، تمتد في الجسد كبذرة صغيرة جداً،

        يمكن صنعها لتتوهج، لتزدهر وتزدهر طبقاً للعناية الإلهية الممنوحة عليها.

        إن روح الشخص تتألق من خلال وجهه.

        إن روح الإنسان كونها بين الأنفس التي تفكر ملياً في الجوهر الإلهي، وبين تلك الأنفس التي لا تقدر على التأمل مليا فيه،

        تستطيع أن ترفع نفسها إلى الواحد، أو تغرق نفسها في الآخر.

        الروح أعظم اقتناء يقتنيه إنسان، كونها نفسه الحقيقة "الذات" وهي اهتمامه الأول والأكبر.

        العناية بالروح وبجسمها النير هي في ممارسة الفضيلة، في اعتناق الحقيقة، وفي الإمتناع عن كل الأعمال النجسة.

        الخوف من الموت يجعل الإنسان إنساناً حزيناً بسبب جهله لروحه.

        آه يا جنس الرجال، يا مذهولين بالخوف المرتعش من الموت،

        ألا تجزعون من نهر الجحيم الرئيسي، من أسماء ضلالية وخالية من المعنى. من حشو الكلام الذي يخترعه الشعراء،

        ومما ينسجون فيه كلاماً عن المعاناة الخرافية التي لم تكن أبداً؟

        أما فيما يخص أجسادكم، سواء إذا كانت المحرقة المشتعلة، أو إذا كان الزمن الطويل المنقضي مع قوته الممتدة اللانهائية فلسوف يتلفانها.

        لكن كونوا متأكدين أن لا شر يمكن أن يحدث لإنسان مقسط في هذه الحياة وبعد الموت.

        أرواحنا خالدة باقية، أزلية أبداً عندما تركت مستقرها السابق،

        تحيا حياة في مساكن جديدة وتقطن في الأجسام التي تلفها،

        الأشياء كلها تتغير وتتبدل، لا شيء يموت 

        النفس تطوف، تأتي إلى هنا الآن، هناك حيناً، وتحتل أي هيكل يسرها.

        تتقدم نحو وجودها الأزلي أبداً لكنها لا تهلك على الإطلاق.

        بل لا تزال النمو عينه،

        هكذا أعلم أن الروح هي الشيء عينه كما للإنسان.

        لهذا السبب، خشية أن يتغلب الهوى على تقواك، أحذرك كمتنبئ.

        لا تكره أرواح المخلوقات الشقيقة على إخلاء مكانها بقتل آثم،

        ولا ترض حياة على حساب حياة أخرى.

        لا تخش الموت، ولا ينبغي أن يكون الموت شراً بأي حال.

        ولا تخش الشيخوخة باعتبارها خروج من الحياة الحاضرة، بل اعتبرها البداية لحياة مباركة.

        الموت والتحلل ليسا جزءاً من العملية الطبيعية للتغير والتحول.

        اللذان يخصان الموجودات غير الحقيقية، وليس للموجودات الحقيقية.

        هذه العملية، التي تجدد الأشياء كلها بواسطتها وتعاد إلى التوازن.

        إنها عملية نافعة، وبدونها لا يمكن وجود تقدم.

        وهذه العملية تسوي الأشياء كلها وتحضر الكل إلى التوازن مرة ثانية، إنها تجدد الأشياء جميعاً.

        ترتفع الروح إلى الأثير النقي، ينحل الجسم إلى العناصر للأبد.

        لهذا السبب لا تتخذ صناديق من خشب السرو كتوابيت، ولا تبن أضرحة من الرخام أو الحجر،

        ولا تنشد الاحتفاظ بالجسم المهجور إلى الأبد، إذ ذلك يصبح مشهداً غريباً للأعصار المستقبلية.

        بل عليك بالأحرى أن تراقب الطقوس الدينية المفيدة لأورفيوس بتبجيل.

        لا تسرق الأحياء كي توقر الأموات، خشية إغراء الأحياء كي يسرقوا الأموات.

        إن الترف شيء عاق ومظهر كاذب وأجوف، عندما يتحد مع الموت.

        إبتعد بنفسك عن العرض المأتمي والمهرجاني، تجنب التفاخر والألحان الجنائزية الحزينة، والتوسلات الطويلة.

        وما عليك أن تنفق هنا إلا القليل.

        لم تسرف على الجنازة كل ما لا يجب منحه إلا الجزء اليسير؟

        إذا اعتقد شخص كهذا أن الروح وحدها هي الذات الحقيقية، فالنواح مرفوض على مغادرتها إلى الله.

        لأنه ليس مكتوباً، على إنسان أن يصبح إلها.

        الفن إله خالد، هو لا يفنى.

        الموت للجسد فقط وليس للروح، فالروح هي أزلية باقية.

        الموت انفصال الروح عن الجسد: إنه عتق الروح من البيت السجن - .

        إن حرية الروح من الشرور والمآسي كلها.

        وبعد تجريد الروح من جسدها الفاني، تصل إلى الأثير نقاء،

        ستتأله، خالدة، غير فانية، ولن يكون للموت سلطة عليها.

        إن أرواح المقسطين في يد الإله، والموت لا يعذبها.

        بل ستتألف كشعاعات النور النقي وتكون قوة عظمى.

        ولها السلام الأزلي.

        هكذا هي الحالة مع المقسطين الذين يحتفظون بأرواحهم إلى النهاية،

        لكنها ليست كذلك مع الظالمين الذين يفترقون عن الروح قبل النهاية.

        إن المادة والصورة لا تفيض واحدتها في الأخرى تلقائياً.

        لأن موضوع مادة واحدة لا يتلقى الصورة للمادة الأخرى بدون شيء ما يطبعها انطباعاً قوياً.

        عندما تغادر الروح إنساناً، لا يصبح الجسم نحاساً أو حديداً.

        كلا ولا يصنع الصوف من الحجر.

        يوجد مصدر ثالث يوحدها: وذلك المصدر هو الإله.

        الروح مرتبطة بالجسد بواسطة الجذب لنغم إلهي،

        وإذا لم يظهر الأمين علامة للفضيلة، بل يودع نفسه للتحلل والانحلال الخلقي.

        فإن الجسد لا يعود مسكناً ملائماً للروح الطاهرة بعد اليوم،

        ويحطم الجذب الذي يربط الروح والجسم،

        وتفصل الروح خلال الحياة الفانية بعنف، وتتقهقر في روح العالم،

        لكنها تصبح بدون هوية شخصية أو تباين، كي تنتظر قدراً أسعد هناك.

        إن من يطرد إنساناً حكمياً من الجسم ظلماً، يمنحه فائدة بجوره هذا.

        فالحكيم المطرود يصبح متحرراً من القيود، كما كان.

        وسيستمر الرجل التعيس الشقي، المرحوم من الروح، في الحياة إلى نهايته المقررة،

        وعندما يموت لا يترك وراءه أثراً باقياً ولا ذكرى كي يسجل بقاءه الدنيوي.

        إنه رجل ميت حقاً، ممحي من كتاب الأحياء، وذاهب إلى النسيان الأبدي وكأنه لم يعش قط.

        فالروح هي الإنسان نفسه، وأثره الباقي الوحيد، وهي التي تنجو من الفناء.

        لذلك من يمكنه أن يعوض فقدان الخلود؟

        الروح التي توضع في وجود فان تبقى مع روح العالم، بدون هوية شخصية، إلى أن تجذب ثانية كي تمتد إلى جسم أرضي ما في واحد من أجسام العوالم،

        وتستمر دورة الولادة إلى أن تحمل انطباعاً قوياً للهوية الشخصية أخيراً.

        لكن أرواح العادلين تتقدم نحو الله.

        برغم أن الموت نعمة، فمن المحرم على إنسان أن ينهي حياته.

        إن سبب ذلك، تعليماً سامياً، ليس من السهل فهمه.

        وهو أن أرواحنا مرتبطة بالبيت السجن للجسد، إلى أن تنجز أغراض الله.

        وليس لنا الحق أن نهرب من السجن إلى أن يعطينا الله إشارة لذلك.

        يوجد تعليم يهمس سراً وهو أن الإنسان سجين، وليس له الحق أن يفتح باب السجن ويولي الأدبار.

        الله حامينا،

        الروح نغم، والجسد سجنها.

        لا ينبغي أن يترك أي إنسان موقعه أو مركزه في الحياة بدون أمر قائده. الله هو ذاك القائد.

        الله ليس له مكان على الأرض أكثر ارتباطاً بطبيعته من الرح الطاهرة المقدسة.

        بما أن جذور طبائعنا موطدة في الله، الذي أحدثنا منه، يجب علينا أن نلتحم بجذرنا بشكل متماسك،

        فجداول المياه، وينابيع الأرض الأخرى، عندما تقطع مصادرها، تصبح جافة وفاسدة.

        كما أن الأرض يجب حرثها بجد من قبل من يرغب أن يحصل منها على الفاكهة الأكثر امتيازاً؟

        هكذا يجب بذل العناية الأعظم بالروح، كي تنتج فواكه جدية بطبيعتها.

        إن الذي يكدح ويدرس كي يعمل لخير روحه هو إنسان حكيم وحبيب الله، بقدر ما يكدح الآخرون من أجل الجسد.

        تعلم كيف تنتج أطفالاً خالدين، لا كالذين يجهزون حاجات الجسم في سن الشيخوخة.

        بل كالذين يمكنهم تغذية الروح بالغذاء السرمدي.

        من الضروري أن تبحث عن تلك الزوجات والأطفال الذين سيبقون بعد إتمام التحرير من الحياة الحاضرة.

        بما أننا نحيا بسبب الروح، ينبغي القول إننا نحيا جيداً بفضيلتها.

        تماماً بسبب كوننا نرى بواسطة العينين، فنحن نرى جيداً بواسطة فضيلتهما.

        اختر أن تكون قوياً في الروح بدل أن تكون قوياً في الجسم.

        الغذاء الوافر الكثير يضر الجسم، لكن الجسم يصان عندما تكون الروح مهيأة بأسلوب ملائم.

        تضاء الروح بتذكر الألوهية.

        شدد على القول إن من لديه حكمة هو الإنسان الحقيقي.

        حيث أن الذي يكون حكيماً يقطن فيك، هناك يكون خيرك أيضاً.

        إن الذي يحب الخيرات للروح سيحب الأشياء الأكثر إلهية.

        لكن الذي يحب الخيرات بسكناها الزائل سيحب الأشياء الإنسانية.

        عود روحك على كل الذي يكون عظيماً في الألوهية بعد استيعابها.

        وروحك حينها استوعبت شيئاً ما عظيماً عن نفسها.

        الذي لا يضر الروح لا يضر الإنسان.

        الموت لا يدمر الروح بل تدمرها الحياة الشريرة.

        التصرف الشرير هو أذى وأسى للروح، لكن الظلم والعقوق موتها.

        كما أنه لا يمكن شفاء الجسم من المرض إذا تم الكتمان عنه أو الثناء عليه،

        هكذا أيضاً، لا يمكن تطبيق العلاج كي يسكن الروح المطوقة،

        التي تمت حراستها وحمايتها بشكل سيء.

        كما أنه أفضل لجزء من الجسم الذي يحتوي مادة قيحية كي يتم كيه، بدل استمراره في حالة سيئة.

        هكذا أيضاً من الأفضل للرجل الفاسد أخلاقياً أن يموت من أن يعيش، ويعتق روحه من عبوديتها في أقرب وقت.

        إن الذي يطرح الروح من جسمه ظلماً يؤدي منفعة لها بجوره.

        لأنها تصبح متحررة من جحيمه.

        حافظ على روحك، إلى النهاية، وكذلك في صداقاتك،

        إسع في المآثر والكلمات كي تحض وتنصح أصدقاءك كي يقووا المزيج الإلهي.

        ألا وهو اتحاد الجسم والروح، والمشاركة للروح العاقلة والإلهية،

        ولا تسع كي تفصل الله في داخلها عنها بعنف.


الفصل الرابع

الله وقانون الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً 

        يتحدث الحكيم عن: الله، الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً، طبيعة ووحدة الله، اسمه وخواصه، التصور الوطني عنه، العقل والصور، الوجود الحقيقي وغير الحقيقي، خداع الحواس، طبيعة وتطور الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً، ويتحدث عن: كماله، الاكتفاء الذاتي والبقاء الثابت، فهم النهاية في البداية، الوحدة للواحد والكثرة ويشرح طبيعة الجوهر الفرد وحكمة العدد.

        يصدر الكل من الواحد: الكل واحد وهو السبب الأول لكل موجود.

        يوجد إله واحد لا غير: وحدة كاملة، غير منقسم، وغير متغير.

        الله يتضمن الكل ويحرك الكل، وهو واحد لا غير.

        الحياة كلها واحدة، والله واحد أحد.

        يميل الإنسان كي يجعل الله في صورته، ويعطي الله كل جنس من أجناس البشر صفاته المميزة،

        هكذا يجعل الأثيوبيون آلهتهم سوداء، ذوي أنوف فطساء أمثالهم،

        ويجعل التراقيون آلهتهم جميلة ذوي شعر أحمر وعيون زرقاء:

        ومن يستطيع الإخفاق كي يميز آلهة اليونانيين الوطنية؟

        أي أغبياء هم هكذا فانون!

        دعنا نتأمل الله ملياً!

        الله ليس له أجزاء وهو في كل مكان على قدم المساواة: ذات صافية نورانية.

        ليس له شبه بصورة الإنسان الجسدية، ولا أفكاره كأفكار الإنسان.

        الله نور غير قادر على تلقي ما هو عكسه، أي الظلمة.

        الله عقل في كل مكان، وذكاء، وقدرة كلية،

        يحكم الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً، يحكمه بالعقل والتبصر بدون حرج.

        يدرك بالإدراك الحسي، وهو لا يفكر فقط بل يرى، ويسمع في كل مكان: وهكذا هو قدر وقضاء روح الإنسان.

        الله ذلك الذي يكون واحداً، لديه مصدره من ذاته الخاص به، وهو ذو وجود منفرد،

        وجوده وجود واحد فقط خير بالكمال.

        بما أن الله هو هو منذ البدء، هكذا هو ليس له نهاية، كونه خالداً وأزلياً.

        الوحدة هي الله، والله وحدة، لذلك فإن الله غير منقسم، وغير متغير.

        لا تبحث عن اسم الله، لأنك لن تجده.

        إن كل شيء يسمى، يتلقى تسميته من الذي يكون أفضل منه وأجدر من نفسه،

        وهكذا فالذي يسمي هو شخص واحد، وآخر يسمع.

        لهذا السبب من هو الذي سمى الله؟

        على كل حال، الله، ليس اسم لله، بل إشارة وتبيين لما نتصوره عنه.

        الله موجود: يميل جداً نحو الجنس البشري، يعاينه ولا يهمله.

        الله ليس سبب أي شر.

        الله خير، لهذا السبب الخير يأتي من الله فقط.

        الرجال يتصرفون بشكل يثير السخرية في بحثهم عن الخير في مكان آخر غير الله.

        الله حكيم ولا يخظئ: لهذا السبب، لا شيء أحدثه الله يكون عديم القيمة باطلاً.

        الغضب غريب عن الألوهية: بما أنه ينشأ من الحالات المضادة للإرادة.

        الله موجود منذ البدء، لذلك، لا شيء يسبق على وجوده.

        هو الله الجوهر بادئ ذي بدء، وصيغت روح العالم من فيضه.

        إن العقل الذي صيغت الموجودات كلها منه وبواسطته، كذلك نظمت ومدت بأسباب البقاء.

        الموجودات كلها من مادة واحدة، هكذا هو الله في الكل، حول الكل، فوق الكل، وممسك الكل.

        الله وطد الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً بواسطة فيض من ذاته، ومع ذلك يبقى الله منفصلاً.

        إن الأشياء كلها هي صور أو تحولات للمادة عينها وقابلة للتبادل بشكل مشترك.

        صيغت العناصر الأربعة الأولى الأصلية من المادة عينها بواسطة العقل، وفي نظام:

        إنها الأثير، الهواء، الرطوبة، والنار، وأحدث الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً من هذه العناصر:

        وأوجدت النجوم والكواكب في وقت.

        وأوجدت الأرض، وبدأ الزمن.

        أصبح الفضاء الأثيري ممتلئاً بعوالم لا تحصى في دورة الزمن، الكل ذو جمال ونظام متفوق،

        وهكذا فالعالم كله يمكن أن يسمى الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً، بسبب جماله ونظامه.

        إن إلقاء نظرة شاملة على السماء كلها وعلى النجوم التي تدور فيها، هو شيء جميل حقاً، خاصة عندما نتأمل ملياً نظامها.

        فالسماء، والنجوم استمدت جمالها ونظامها بواسطة مشاركة الجوهر الأول المفهوم.

        لكن ذلك الجوهر الأول هو طبيعة العدد والفكر، تلك المبادئ الأساسية المسببة، التي تعم الأشياء كلها،

        وطبقاً لما تكون كل هذه الأجسام السماوية منظمة بشكل رائع، ومرتبة بشكل مناسب.

        إن الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً ليس له علو ولا عمق، بل إنه لا نهائي في امتداده.

        يقول الحكماء بأن جماعة واحدة تشمل السماء والأرض، والله والرجال، والصداقة والنظام والاعتدال والحق،

        ما يدعوه الحكماء هذا هو الكون كله بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً، أو عالماً منظماً.

        الصور التي تتخذها المادة هي صور مختلفة، غير مستقرة، وتخضع للتغيير بشكل مستمر.

        لكن المادة غير قابلة للتلف وهي أزلية.

        كل صورة تتخذها المادة هي صورة كاملة بشكلها، لأن كل الذي يأتي من الله هو تام وكامل.

        تأمل ملياً: إن الألوان التي لقوس قزح هي سبعة ألوان،

        برغم ذلك يمكن إنتاجها كلها من ثلاثة ألوان، ويمكن احتواؤها كلها في لون واحد، ومع ذلك فإن صورة كل منها هي صورة تامة.

        لأن الصور كلها اشتقت من مادة مفردة، الشيء الذي يبدو لحاسة واحدة يمكن جعله واضحاً لكل الحواس الباقية،

        هكذا فإن الذي يمكن سماعه يمكن رؤيته، وما يستطاع رؤيته يستطاع سماعه، وما يمكن سماعه يستطاع لمسه.

        لكن الذي تعتبره الحواس شيئاً حقيقياً هو باطل في الحقيقة، والحواس خادعة.

        لأن ما يمكن إدراكه بالحواس يخضع لتغيير متواصل.

        الأشياء الروحية لا تتغير وهي حقيقية لهذا السبب،

        وهذه الأشياء الروحية يمكن رؤيتها بالعقل فقط، من خلال وبواسطة فروع الحساب.

        دون جيداً الفرق بين الأشياء الحقيقية والأشياء الباطلة، بين القيم الحقيقية والمزيفة.

        الله حقيقي، وتأتي بعده روح العالم، روح الإنسان والبقاء الكوني،

        كون هذه الموجودات فيضه، فهي موجودات حقيقية، هي روحية مع ذلك.

        الأشياء الأخرى كلها باطلة، برغم أنها أشياء مادية ومرئية، إنها صور متغيرة أبداً.

        بل هي غير ثابتة، عرضة للتحول، للتبدل، وللتطور، إنها ستتحلل وتفسد، لكن الموجود الحقيقي لا يزول أبداً.

        الموجودات هي طبائع غير مادية وأزلية، ولها قوة فعالة، مثل الجواهر الروحية 

        لكن الأشياء الباقية هي موجودات جناسية فقط، وهي هكذا معينة من خلال اشتراك الموجودات الحقيقية،

        وهكذا هي صور مادية وفانية، تتولد وتفسد ولا تكون صوراً حقيقية على الإطلاق.

        الحكمة هي علم الأشياء التي تكون موجودات بشكل مناسب، لكن ليس لتلك الموجودات التي تكون هكذا جناسية.

        إن الطبائع الفانية ليست أغراض العلم ولا تقبل معرفة ثابتة،

        بما أنها موجودات لا حصر لها ولا تدرك بالعلم،

        وتكون، كما كانت، غير موجودات، عند مقارنتها بالعالميات،

        وهي غير قادرة على الوجود المحدد بالتعريف بشكل مناسب.

        لهذا السبب، نحن نرى ونسمع الأشياء كلها من خلال وبواسطة العقل: كل الأشياء الأخرى هي صماء وعمياء.

        لذلك لا شك في حقيقة الوجود، مع أنك لا تقدر على أن تراها، أو تسمعها وتشعر بها، وتتذوقها، ولا أن تلمسها.

        فالحيوانات، الطيور، والأسماك، ترى، تسمع وتشعر بالأشياء الموجودة.

        لكنها محدودة الإدراك.

        الأشياء كلها يمكن إدراكها وفهمها من خلال وبواسطة العقل والروح.

        إن ذلك يتم بواسطة فروع علم الحساب والتأملات الملية،

        التي هي المتوسطات بين الحقل الفيزيائي والحقل الروحي،

        وهي أن كل الأشياء التي لا تدرك بالحواس يمكن رؤيتها بالعقل.

        هي مثل الأجسام لديها بعد ثلاثي الحجم، هي مفاهيم مجردة،

        كدرجات الإعداد للتأمل الروحي في الأشياء الموجودة حقاً.

        التي لا تبقى طريقتها وحالتها في الحالة عينها أبداً.

        لرغبة منها في الغذاء النفسي الحقيقي.

        لذلك، يمكن أنه كان لديها مقدمة فنية للأشياء الموجودة حقاً بوسائط العلوم الحسابية هذه.

        وهكذا فأنت سترى وتسمع روائع لا توجد للحواس من خلال وبواسطة عقلك وروحك.

        مثل شدة الحساسية وتبادلاتها للأشياء.

        الماء النقي بواسطة الظلام، النفس بواسطة المادة،

        والحقيقة تعم الأشياء كلها.

        إن الكون نظام كامل متناغم هو لا نهائي.

        إذا كان الكون محدوداً بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً، وإذا كانت الأسباب المحدثة له محدودة، يتبع ذلك أن الكون هذا سيكون محدوداً بشكل مماثل.

        لأنه حيث تتزامن الأسباب، يجب أن يظهر التأثير هناك أيضاً، دع الأسباب أن تكون ما ستكون سواء إذا كانت ذرات أو كانت عناصر.

        إن كل شيء يحدث بسبب وتأثير، الأسباب الأول موجودات روحية.

        لكن تلك الموجودات التي تسبب بواسطة حالة أو مشاركة تصبح مواد مادية.

        الأرض مادية بواسطة هذه الوسائل.

        إن الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً صاغه الله، من خلال وبواسطة العقل، وكون الكون مادياً، فهو باد للحواس،

        لكنه معرض للتحول بطبيعته.

        إن هذا الكون لن يزول، كونه موقى بعناية الله.

        في حين أن المادة كلها والوجود يتغيران بشكل متواصل، فإن المادة عينها لا تفنى ولا تدمر.

        إن العالم غير قابل للدمار. العالم يبقى أزلياً.

        لا يمكن لأحد أن يدمر العالم، كلا ولا يقدر على أن يدمر نفسه تلقائياً.

        ولا يستطاع إيجاد قوة أعظم من نفسه قادرة على أن تدمره، لا من داخله ولا من خارجه.

        إن الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً يكون كاملاً، وكونه كاملاً يجب أن يكون كاملاً داخل كينونته.

        ولا يمكنه أن يكون كاملاً إذا كان ناقصاً أبداً في أي زمن،

        ولا إذا كان يعوزه أي شيء في أي زمن، أو إذا وجد فيه عيب، أو إذا احتاج لأي شيء كي يسد حاجته.

        إن الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً لا يمكن أن يكون كاملاً وتاماً إذا لم يشمل داخل نفسه كل الموجودات وكل الأشياء،

        كلا ولا يستطيع أن يعطي شبهاً حقيقياً لأصله ونموذجه إذا لم يكن الشيء المسبب الواحد هو ذو الكمال الأكمل.

        لهذا السبب فإن الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً يحوي كل شيء ضروري داخل نفسه.

        ويحوي الأجوبة عن الأسئلة كلها وشفاء لكل مرض.

        لذا لا يمكنك أن تكون في عوز لأي شيء قد تحتاجه في حياتك.

        إن هذه الأشياء التي يحتاجها الجسم بشكل ضروري هي سهلة المنال بدون عناء وجهد،

        لكن الأشياء الناقلة هي أغراض الرغبة التي تخص الرأي المنحرف وليس الجسم.

        إن الذي يظن أن الله يوجد لكنه لا يتولى رعاية أي شي، لا يختلف في أي وجهة نظر عمن لا يعتقد بوجود الله.

        الرجل الشرير لا يؤمن بوجود عناية إلهية.

        من الفضل أن تحيا متمدداً على الحشائش، مقتصراً على ما أعطاك الله، بدل أن تتمدد على سرير ذهبي والقلق يسيطر عليك.

        الكون لأنه نظام كامل ومتناغم، فإن نهاية الأشياء كلها خلقت مع بدايتها:

        إن آخر ما وجد هو متولد من موجود سابق.

        في بذرة هذا الكون توجد بذرة الأشياء كلها التي كانت وتكون، وستكون، وكل بذرة منها تنبثق تفتحاً في الفصل الصحيح.

        وكما قال أورفيوس: البيضة كانت قبل الطير.

        الرجال الأوائل احتووا داخل أنفسهم أنواع البذور لكل الأجيال المتعاقبة.

        لكن الله ذاته هو الينبوع حيث تنبثق الأرواح الإنسانية كلها.

        لا شيء ف يالعالم يكون جديداً بالكلية، إن الأحداث عينها تحدث مرة ثانية.

        الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً هو ذو اكتفاء ذاتي.

        إن لديه داخل نفسه الأشياء التي يحتاج إليها، يتغذى، يمتلئ مرة ثانية، ويزيد في نفسه،

        لكن الأجزاء الأخرى تتغير بشكل متبادل.

        الله هو البداية والنهاية للوجود كله. الله يطوق الإنسان وكل الأشياء الأرضية.

        الله، الرئيس العالمي، يكون وحده، إنه وحده واحد، ولا نظير له.

        توجد وحدات ذات أزواج في كل الآخرين، الأجزاء التي يمكن أن تعرف، توفق، وتوحد بواسطة تطبيق مبدأ الاعداد.

        تأتي الكثرة من الواحد، لكن الكثرة معاً تشكل وحدة، التي هي الجوهر الفرد.

        إن الوحدة والجوهر الفرد لديهما صلة طبيعية، لكنهما يختلفان برغم ذلك.

        الجوهر الفرد هو المبدأ الأساسي للأشياء، لكنه يختلف عن الواحد، الذي هو الله،

        تدل النقطة الأساسية ضمناً على جوهر فرد متقدم، والله بدون سابق أو بداية.

        الواحد أفضل جوهر فرد، هكذا نسمي الله الجوهر الفرد العظيم، لأنه لا يوجد سابق له،

        وندعو نحن الجوهر الفرد عرش الله، كأنه ممثلاً سلطانه وسيادته.

        بما أننا لا نستطيع تمثيل الله، لكن بشكل رمزي فقط،

        يستعمل الجوهر الفرد كي يمثل عرش الله ولقد وضع في المركز السماوي.

        ونحن نرمز إلى هذه السلطة بواسطة رسم تصويري لنقطة وضعت داخل دائرة أو داخل مثلث متساوي الأضلاع.

        وذلك كي نضرب مثلاً على وحدة الجوهر الفرد وأبديته بشكل متساو، هذه الأبدية التي ليس لها بداية لسنين ولا نهاية لأيام.

        وبشكل مماثل نحن نضع الجوهر الفرد كرأس المثلث الرباعي.

        هذا بسبب أن الجوهر الفرد أو النطقة الأساسية هي المصدر والسبب للنظام العددي بمجمله،

        إن الجوهر الفرد للعدد هو المصدر المكرس لعبادة الآلهة، ومنه تنبعث الفضائل وتوثق،

        ومعه يستطيع العنصر الرباعي التكافؤ، الأم العالمية، التي تحدث الأشياء كلها وتختفي في أعماقها العشرة الخالدة، المشرقة في كل الأمكنة.

        كما أن الله يكون سبب الأشياء كلها، كونه الخالق الأوحد والعظيم الذي يعتمد كل شيء عليه.

        كذلك فإن الجوهر الفرد يمثل المبدع الأعظم والخير، ويمثل وحدته اللامقسمة.

        الجوهر الفرد هو البداية للأشياء كلها.

        كما أن النقطة هي البداية لخط، الخط لسطح والسطح لمجسم، يشكل جسماً.

        تعني النقطة جوهر فرد أو واحد متقدم، وهكذا فأنها الأساس للأجسام في الحقيقة.

        وتنشأ كلها من الجوهر الفرد أو الواحد.

        الجوهر الفرد هو المبدأ والأساس للأشياء كلها: من الجوهر الفرد إلى الرباعي غير المحدد، كما أن المادة تابعة للسبب، الجوهر الفرد،

        وأتت الأعداد من الجوهر الفرد ومن الرباعي غير المحدد،

        وأتت من الأعداد، النقط، ومن النقط، الخطوط، من الخطوط، السطوح، ومن: الأثير، الهواء، الماء، النار، والتراب،

        والتي يتألق من جميعها الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً وهي تتحول وتتغير بشكل كلي.

        ينقسم العالم إلى قوتين متضادتين:

        الواحد أفضل جوهر فرد، نور، حق، تساوي، ثبات، واستقامة،

        أما الآخر رباعي أدنى: مظلم، متروك، غير متساو، غير مستقر، ومتحرك.

        يقطن الجوهر الفرد في نخم الموضوع، في حين أن الواحد يسكن بين الأعداد "الألوهيات"..

        الإثنان يوجدان بين الأشياء التي تعد، في حين أن الرباعي غير محدد.

        يعبر الجوهر الفرد عن المساواة والقياس: الرباعي عن الإفراط والنقص.

        لا يمكن أن يقبل الوسط والقياس بالأكثر أو الأقل:

        بينما يقبل الإفراط والنقص بذلك، وهما اللذان يتقدمان إلى اللانهائي.

        لهذا السبب يدعى الرباعي غير محدد،

        منذ ذلك الحين بسبب أن التضمين للجوهر الفرد والرباعي يوجد كله، فإن الأشياء جميعها تشير إلى عدد.

        تشبه الأشياء كلها إلى عدد: الأشياء جميعها تنسجم وتتطابق مع عدد.

        الرباعي هو القاعدة الوحيدة للطهارة: ومع ذلك فهو ليس مزدوجاً، ولا مزدوجاً بالتساوي، حتى ولا غير مزدوج بالتساوي.

        الرباعي رمز الجلد والشجاعة.

        نتعلم بواسطته أن الإنسان يجب أن لا يفعل الخطأ، ولا ينبغي أن يمارسه، كما يجب عليه أن يدرك عواقبه وسيئاته.

        الجوهر الفرد رمز الحب، والصداقة، ونتعلم منه التسامح مع الذي أنزل الأذى بنا:

        لأنه قد يتحول شخص ما لتعتبره أخاً، ثم ألا يستحق إنسان عادي اهتماماً أكثر مما يستحقه الحيوان؟

        ألن يتغير إلى شخصية ألطف بالمعاملة الحسنة المناسبة؟ وبرغم ذلك فهو لا يتخلى عن فظاظته بشكل كامل.

        العدد هو الشيء الأكثر جذرية من الأشياء كلها، يترتب على ذلك سمو الأشياء الممثلة بالعدد.

        بواسطة العدد يعبر عن النظام المفهوم، الذي يدرك الكثرة للصور العقلية.

        العدد هو الحاكم للصور والأفكار، وصلته سببية بالألهوهية.

        إلى المعبود الأكثر قدماً والحاكم المتكلف العدد هو الشريعة، هو العقل الاصطناعي، وهو العقل العقلاني أيضاً.

        وهو التوازن الأكثر استواء لتركيب وتولد الأشياء كلها.

        العدد يحتوي سر الأشياء، والله هو التناغم العالمي.


الفصل الخامس

الإنسان

        يتحدث الحكيم عن: الإنسان وعلاقته بالله، ثلاثية، طبيعة الإنسان، صلته بالطبيعة كلها، الإنسان كعالم صغير، الفكرة الخاطئة لولادة الخطيئة والإدانة العالمية لها، تطور الإنسان، اكتسابه للعقل والإرادة الحرة، الإنسان كابن لله، طبيعة الخير والشر، نسبية الأشياء كلها، القيم، القوانين الكونية والإنسانية، والعدل، وبحث وينصح ويحذر الإنسان كي ينشد الحياة الوافرة.

        لنسأل بعد كل ما قلناه، أيكون الإنسان سيد الأرض؟

        إن الإنسان ثلاثي، كونه مركباً من روح، عقل، وجسد.

        الروح إلهية، جزء من الله، الجسم مادي وفان.

        العقل يرتبط بـ ويشترك مع الجسم والروح كليهما.

        يتماثل الإنسان مع الطبيعة كلها على نحو مضاعف من خلال وبواسطة جسده وروحه كليهما.

        يشترك في الألوهية بواسطة روحه التي يستمدها من الله مباشرة،

        ولديه صلة الله، بالروح كلها، وبالنالس جميعاً ذوي الروح.

        ولديه صلة بواسطة جسده الفاني مع كل مخلوق قد كان ويكون، وعلى وشك أن يكون.

        فجسمه مؤلف من العناصر عينها، التي يتألف الكون منها بوصفه نظاماً متناغماً كاملاً.

        هذا الكون الذي صاغ وأبقى على أجسام المخلوقات الحية الأخرى لأزمنة خلت.

        هذه المخلوقات التي عندما تحللت أجسادها، عادت إلى حالتها الأولية.

        قدر أن يتبع الجسم الإنساني الفاني اليوم دورة التغيير الأزلية.

        وأن يصبح الدائرة للأشياء الحية الآتية.

        الإنسان عالم صغير، بسبب أنه خلاصة وافية للعالم:

        ليس بسبب أنه مثل الحيوانات الأخرى، "حتى على الأقل منها" يتألف بواسطة العناصر الخمسة.

        بل بسبب أنه يحتوي كل قوى العالم.

        يشمل العالم الله، العناصر الخمسة، الحيوان والنبات، التي انبثقت من الله.

        تحتوي هذه القوى كلها في الإنسان.

        على كل حال، الإنسان في كل هذه القوى، هو أدنى بالمقارنة مع القوى الأخرى.

        العالم متضمناً الله، الإنسان أدنى من الله.

        بما أن الإنسان يتركب من قوى مختلفة، فلديه حياة صعبة كي يحياها.

        العناصر كلها تعمل بشكل غير منقطع:

        لا يوجد تقطع مع الله أو فترة استراحة، ومع الأشياء القريبة له في الفكر والعقل، الأشياء كلها تتغذى ليل نهار،

        في حين أن الأشياء الأخرى جميعاً، تحكم بطبيعة واحدة فقط، يحكم الإنسان بعديدها.

        يجذب الإنسان بكل القوى المختلفة التي يحتويها.

        لكن من يكون مثل سائق المركبة الخبير المحترس، فإنه يهذب العنصر الإلهي داخل نفسه،

        وسيكون قادراً على أن ينتفع بالقوى الأخرى بواسطة مزج العناصر، بقدر ما يكون ذلك ضرورياً.

        هناك يلازم الإنسان الكمون، لديه قوى طبيعية ونفسية مجانسة للألوهية.

        إن الوجود هو طبيعة وعلمية لا يدري الإنسان بهما، وذلك ناشئ عن جهله.

        يستطيع الإنسان أن يكتشف قواه بواسطة معرفة الله ومعرفة النفس،

        ومعرفة ماهية روحه، أي متى أتت، ومتى تذهب.

        يحقق الإنسان السيادة على القوى الإلهية على قوة العدد، وعلى الفن الإلهي، بنسبة الدرجة التي يحقق هو فيها السيادة على نفسه، بواسطة الحكمة،

        والتي يقدر فيها على التحادث مع الله وعلى تلقي المعرفة الكاملة للحقيقة كلها.

        يخبر اللاهوتيون قصة أن التيتانيين العمالقة الهائلين ومن أجل جريمتهم التي ارتكبوها بحق الآلهة.

        دمروا تدميراً ولم يعد لهم وجود، بصاعقة زيوس، وأن الجنس البشري انبثق من رمادهم،

        وأن الجنس البشري جنساً إلهياً بسبب أن أسلافهم العمالقة التيتانيين، التهموا الإله الشاب زاكريوس.

        لكنهم تحت الإدانة العالمية كي يقاسموا الجحيم أبدياً لأجل الخطأ الذي ارتكبه أسلافهم.

        وهكذا فإن الجنس البشري، بسبب خطيئة أسلافهم الأصلية،

        موصوم بالخطيئة منذ الولادة، ويبقى في حاجة للإله ديونيسوس، للتخلص من الخطيئة وعواقبها.

        إن هذه القصة هي أسطورة واختلاق وبهتان كي يستهلكها السوقة والجهلة، ولإغناء من يمكن غفرانه والصفح عنه.

        الإنسان لم يسقط أبداً لكنه ارتفع على الدوام.

        الإنسان الفاني هو إحداث للتطور انبثق خلال الدهور الفسيحة بشكل صغير جداً، إلى الصور الأسمى. إنه لا يزال يخضع للتطور والتغيير، مثل كل الأشياء الأخرى، وسيستمر كي يفعل ذلك حتى نهاية الزمن.

        من الواضح لكل عاقل أن الإنسان الفاني لم يكن باستطاعته امتلاك نشوئه في صورته الحاضرة.

        لأنه لم يكن له عون، وكان بقاؤه مستحيلاً.

        فنظام الأشياء وتربيتها أن تبنى صورة على صور أخرى.

        إن مهد الإنسان كان العمق العظيم، فالرطوبة هي مبدأ الحياة المفعمة بالنشاط.

        الإنسان تطور من الشكل السمكي بادئ ذي بدء، ثم تغير تدريجياً خلال عدة مراحل ليصبح إلى ما هو عليه الآن.

        هكذا فإن الإنسان لم يسقط أبداً من حالة أعلى إلى حالة أدنى،

        بل إنه ارتفع من درجة أدنى إلى درجة أعلى بشكل دائم.

        كلا ولم يكن الجنس البشري تحت الرداءة العامة.

        ستكون الحالة كتلك غير منسجمة مع طبيعة الله.

        الله يميل بعطف نحو مخلوقاته كلها.

        الله لا يدين أحداً. على الأصح الإنسان هو الذي يدين نفسه.

        لم يقدر لأحد أن يعاني في الجحيم بشكل دائم من أجل جرائم لم يرتكبها،

        لكن العديد أجبروا كي يقاسوا العواقب الطبيعية لأخطاء سلفت في هذه الحياة.

        تدخل هذه المعاناة تحت المبدأ العالمي للعلة والمعلول.

        كان الإنسان بدون عقل، عند بدء وجوده، ولديه غريزة كهاديه الوحيد.

        لكنه عندما حرر نفسه من السجن المائي اكتسب العقل بشكل تدريجي.

        هكذا انبثق الإنسان من الماء بعقل مظلم جاهل إلى عالم النور.

        الظلام بطيء كي يفهم النور، لأن كل شيء يظهر مظلماً للعقل، الغير المنور بالعمل والمعرفة.

        العقل هو النافذة التي يرشح نور المعرفة من خلالها.

        العقل الخلاد للإنسان هو أكثر امتيازاً من طبيعته الحسية غير العاقلة.

        تماماً مثلما تكون الشمس أكثر امتيازاً من النجوم.

        الله وهب الإنسان العقل كي يمكنه استعماله ليفتح الفكر إلى عالم النور.

        وليأخذ موقعه الرفيع بشكل يليق به كابن لله.

        يا أيها الناس ذوي الروح، أنتم أطفال النور.

        لكن الله يكشف حكمته بشكل بطيء وبدرجات، كما يجهز الإنسان نفسه كي يتلقاها.

        لأنه لكل معرفة وقتها.

        الأساس للحياة هو على مقربة من القلب، لكن الأساس للعقل والرشد في الرأس.

        يكمن الخطأ في الانحراف عن الرشد الصحيح، أو في مناقضته.

        إن سبب الخطأ هو الجهل.

        إن الجهل بحقائق الخير يقود إلى الضلال.

        من المستحيل أن يفعل الإنسان العاقل الخطأ.

        ينتج الجهل الأغلاط وتنشد المعرفة الانسجام.

        إن فقد الغاية "خطيئة" لهذا السبب فإن ذلك جهل بطبيعة الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً في نور العدل،

        بالجهل يخفق الإنسان في إدراك المبادئ الصحيحة والقيم الحقيقية التي تحكمه،

        ولذلك لا نفهم القياس ولا حد القياس.

        يأمل الإنسان في الأشياء التي لا يجب أن يأمل بها لجهله،

        وينشد الأشياء التي لا ينبغي عليه إيجادها،

        ويتوقع كي يتلقى الأشياء التي لن يتلقاها.

        هكذا يرمي حياته خارج التوازن، يضلل ويحبط نفسه ويقوض ثقته بالله.

        إنه يدين نفسه بجهله لمبادئ الحياة.

        تذكر الله لا يدين أي إنسان، الإنسان يدين نفسه.

        الله ليس السبب لأي شر.

        الرجال يتسببون بلايا مختارة لأنفسهم، برغم أن الخير بالقرب منهم لا يرونه ولا يسمعونه.

        قلة هم الذين يعرفون كيف يتخلصون من الشرور. هكذا يكون القدر الذي يعمي فهم الفانين.

        تنشأ الشرور من الذنب وحده، في حين أن الله هو سبب الخير وسبب أية منفعة، ومع ذلك نتجاهل إحسانه، ونحيط أنفسنا بشرور معتمدة في الوقت نفسه.

        وهكذا يلوم الفانون الآلهة كما لو كانت هي الأسباب لشرورهم، حسبما يقول الشعراء!

        برغم هذا فإن الفانين لا يقاسون البلية من القضاء والقدر بل بسبب جرائمهم.

        لقد كون العالم بروح، ويحكم برشد وعناية إلهية.

        إن الكون بوصفه نظاماً متناغماً يحكم بقوانين ثابتة، غير متغيرة، ولا تخطئ قط من البداية وإلى الأبدية كلها،

        والتي بها وبواسطتها يحضر الوجود كله إلى التناغم والتناسب، إلى النظام والتوازن.

        الحكم الخالد للكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً هو التطور، النظام، والتناسب.

        القوانين الإلهية المتحركة ذاتياً إلى الأبد أوجدت كي تحضر الأشياء كلها إلى القياس، ولتعيدها إلى التوازن.

        إن الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً ومبادؤه التي تحكمه هي كلها هندسية متناسقة ومتناسبة.

        لأن الله هو الاختصاصي الكامل بعلم الهندسة، وهو الذي يعبر بأشكال هندسية بشكل متواصل.

        إن ما يفيض إلى الداخل يتدفق إلى الخارج، وما يفرغ يمتلئ، وما يستبدل يعاد.

        كل الأشياء لديها المتمم لها، وهو الذي يعدل ويعيد الأشياء إلى التوازن.

        ولا يوجد شيء صحيح أو خطأ لم يحضر إلى التوازن الدقيق بواسطة العدل الجزائي.

        بما أن الله كمال، فالكمال مقياس الأشياء ويجب أن يكون هدف الرجال.

        إن الكمال بسبب نوع شكله الفريد الخاص هو المقياس لكل شيء.

        الكمال في أية صورة يعني المساواة والتوازن والحرية من الإفراض والنقص.

        تأخذ الأجسام الطبيعية كلها الشكل الدائري، بسبب أن تناسب المساواة هو في الحركة الطبيعية،

        لأن كل شيء يتحرك في تناسب:

        وعندما يحدث التناسب للمساواة هذه ينتج دوائر وأجساماً كروية، وهو الوحيد الذي يفعل ذلك،

        بسبب أنه يدور على نفسه.

        لهذا السبب، فإن كل شيء داخل كل صورة هو نسبي، وهو في درجة متناسب وملائم.

        بشكل مماثل، فإن كل شيء في الكون نفسه بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً هو نسبي، وهو في درجة متناسب وملائم لكل شيء آخر.

        الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً هو وحدة، إنه تشكيل من الكل الصور في داخله.

        وهكذا فكل صورة تكون واحداً لكثرة وجزءاً من وحدة، وهي متصلة بكل المقومات الأخرى للوحدة.

        كذلك فكل صورة لديها قيمتها المحددة والمميزة الخاصة النسبية داخل نفسها.

        وهي متصلة بالقيم لكل صورة أخرى،

        كل صورة في درجة، في نسبة، وفي ملاءمة،

        والقيم نسبية لكل الصور بشكل مماثل كما هي بين أنفسها، وهي كذلك في درجة ونسبة.

        لذلك فإن كل صورة يحكم عليها طبقاً لقيمتها النسبية.

        لا شيء كائن يكون طاهراً، بقدر ما يشترك التراب بالنار، النار بالهواء، الهواء بالماء، والماء بالنفس.

        بشكل مماثل، يشترك الجميل في المشوه، العادل في الظالم،

        هكذا يمكن للدوافع الإنسانية من هذا المبدأ، أن تحول في كلا الاتجاهين بواسطة الاتجاه المناسب.

        كون كل شيء نسبي وكل نوع لديه قيمته الخاصة، كل في درجة،

        يمكن لأي شيء أن يكون صالحاً في وقت واحد أو فصل واحد أو أن يكون أخرى، كل في درجة.

        تشبه الأشياء الوضيعة بالأشياء السامية:

        توحدهما قواهما التي لا تقهر كي ينتجا شيئاً واحداً منفرداً، الشيء الأكثر إدهاشاً من كل الأشياء الأخرى،

        وكما أن الأشياء تنبعث بإرادة الله الواحد المنفرد،

        هكذا فإن الأشياء كلها مهما كانت يجب أن تنشأ بواسطة هذا الشيء المنفرد بواسطة سلطة ذات طبيعة علامية.

        لا يوجد شيء ذو طبيعة طالحة أو شريرة في نفسه. الخطأ في أسلوب الاستخدام.

        يكمن الذنب في الخطأ أو في الاستخدام غير المألوف.

        إن أشياء كثيرة هي جيدة جداً في طبيعتها، تصبح سيئة عندما تفعل في غير وقتها.

        الملذات غير المألوفة تنشئ الآلام.

        بشكل مماثل، فإن الأشياء الجيدة تصبح سيئة بواسطة الإفراد أو النقص في استخدامها.

        تتحول الأشياء الأكثر مسرة، وكل ما يتجاوز حده ومقياسه إلى الأقل بهجة.

        قيل إنه يوجد وسط بين الخير والشر، إنه الذي لا يكون خيراً ولا شراً.

        يمكن أن تشبه الدول بخطوط ثلاثة متحدة الأطراف، وتشكل مثلثاً يضم حداً واحداً قائماً،

        الخطوط كونها أربعة، ثلاثة، واثنان، هكذا واحدهما يكون كخط رابع إلى ثلاثة، والآخر كثلاثة إلى اثنين.

        ويكون الخط الثالث الآخر الوسط الحسابي بين الاثنين والأربعة.

        من هنا، فإن المسلك الوسط بين المتطرفات، واعتدال الأهواء،

        هو الشيء المثالي للخير ويجلب السعادة للجميع.

        أنشد القيمة الحقيقية للأشياء كل، ها، وتنعم بكل هبات الله طبقاً للاعتدال.

        العالم وأعمال الطبيعة كلها جيدة وصالحة، كذلك تناسب النظام، الجمال والتناغم.

        إن العيوب، الأخطاء، والشرور التي وجدت أبداً كلها في العالم، إنما أدخلت إليه بالإنسان فقط.

        إنها خدع القعل الناقص الفاني في انبثاقه من الظلام إلى النور،

        وهي أعمال الجهد الفردية، التي تكون الشيء عينه، خرافة.

        لا يوجد شيء تابع للعالم الذي يكون شراً، أو سيئاً، أو خطأ في نفسه بشكل طبيعي.

        إن كل شر أحدثه اعتقاد الإنسان الخاطئ، أو استخدامه الجاهل للقوى.

        إن الأشياء كلها التي تكون طاهرة بشكل طبيعي تبقى طاهرة برغم إساءة الإنسان استعماله لها.

        وهكذا فكل شيء ملازم للشر يكون نتيجة عقل الإنسان.

        كل شيء يكون خيراً للطاهر في عقله وكل شيء يكون شراً لدى الشرير.

        إن كل الأشياء التي لا تشكل نظام العالم الطبيعي هي إبداع وإنتاج عقل الإنسان.

        انبثقت من مصدر غير كامل على الإطلاق، إنها أشياء اصطناعية وغير طبيعية، وناقصة في نفسها.

        يوجد بعض هذه الأشياء الاصطناعية جيدة بشكل نسبي، وأخرى جيدة كذلك بسبب أنه يعتبرها هكذا.

        ويوجد بعضها سيئة في طبيعتها بشكل أكيد، وبعضها الآخر سيئة بسبب أنه يظن أنها سيئة فقط.

        إن الأشياء الخيرة والشريرة في هذا الحقل هي حالات العقل بشكل واسع لهذا السبب، هس نسبة وأمور ذات درجة على الدوام.

        لذلك إفحص كل القضايا في نور الحقيقة الصافي، واحتفظ بحكمك عليها إلى أن تتحقق من الخواص كلها.

        وقرر في أية درجة نسبية تكون الأشياء هذه.

        تأمل ملياً التمييز بين القانون الإلهي والقانون المصاغ بالإنسان.

        إن القانون الكوني أو الطبيعي، هو القانون الحقيقي فقط، وبالتالي فهو القانون الإلهي الوحيد.

        كل مبادئه المادية هي مبادئ صحيحة وشرعية بشكل رئيسي، التي لا يمكن أن تكون مبادئ مطلقة هي مبادئ القانون الإنساني.

        يغرس القانون الإلهي نفسه في العالم ويعلن نفسه للخلق جميعاً.

        إن أولئك الذين يفهمون ويهتمون بوصاياه، يكلمون أنفسهم ويصلون إلى الحياة الوافرة.

        أما أولئك الذين يتجاهلونه أو يهدمونه، إنما يفعلون ذلك على عاتقهم ويدعون على أنفسهم القصاص الملائم.

        الجهل بالقانون الإلهي خطأ جوهري بل إنه الإثم الحقيقي.

        في حين أن الخطأ المتصل بخرق ومخالفة القوانين الإنسانية بشكل دقيق يوجد في العقل فقط،

        القوانين الإلهية هي مبادئ العالم الحية، وهي التي تثبت الحياة عينها،

        وتقتني قوة متأصلة كي تقوم بالتغيير في الصورة والمادة، ولتعزز نفسها.

        بواسطتها يتكامل الكون كله، وينسجم معها بشكل طبيعي كل ما يتضمنه العالم.

        أبدع العالم كله كي يتناغم ويتألف مع نفسه.

        القانون الكوني قانون كامل، عالمي المدى ويتصل بالأشياء كلها المحتواة داخل النظام الطبيعي للأشياء،

        إنه يتصل بالحي والميت، بالخالد والفاني، بالروحي والمادي،

        لكن ليس لديه معرفة بالحالات الاصطناعية المتأثرة بالرجال، ما عدا نطاق الحالات التي تشمل المبادئ الطبيعية.

        وهكذا فإن القانون الإلهي يدرك أعمال وسلوك الرجال بقدر ما تشمل المبادئ الطبيعية للعدل.

        لكنه لا يقلق نفسه بالتنظيمات الاعتباطية الاصطناعية التي تخص الرجال على نحو صرف.

        إن كل قانون طبيعي أو إلهي يكون قانوناً روحياً ومادياً حالاً وذلك في الطبيعة الفعلية للأشياء،

        وهكذا فإن كل قانون طبيعي مادي يكون قانوناً مناقبياً، وكل قانون طبيعي مناقبي يكون قانوناً طبيعياً.

        القانون الكوني لديه خصوصية وهي أنه لا يعتم على أي مصدر آخر للقوة لوضعه موضع التنفيذ.

        إنه مشرع، فاحص، حاكم، قاض، ومنفذ في الحال، كونه قانون كلي السلطة.

        يعوض العدل الإلهي بشكل دقيق، وهو ليس تبريري على الإطلاق.

        يعوض بسبب أنه يكافئ على الإخلاص والالتزام، كما أنه يقاصص على الخرق والمخالفة.

        العدل الإلهي ليس تبريرياً بسبب نزاهته، وبسبب غياب العناصر الشديدة الغضب والثأرية منه.

        الكل متساوون داخل محيطه.

        كان خرق للقانون الإلهي يلاحظ ويفتش بشكل محتوم، بصرف النظر عن المعرفة، أو الجهل، الدافع أو القصد، الطريقة أو الأسلوب.

        المبدأ الخالد للعدل الإلهي هو أن يلازم البدء بعمل أو معرفة النتيجة المتعادلة في كل حالة،

        والحالة يعوض عنها بشكل ناجح، على نحو خاص مناسب وفي درجة متناهية.

        وذلك أثناء الوجود الحالي.

        إن الحكم الأولي للعالم يكون التناسب والتناغم، النظام، المساواة، والتوازن،

        التي يحفظها ويقيها القانون الكوني للأبد.

        يتوجب على من سيمتلك الحياة الوافرة إذن،

        أن يوجه نفسه إلى معرفة الأشياء، وأن يفهم الخير الموجود بقربه.

        أكثر من ذلك، يلزمه أن يعرف ويفهم الأشياء هذه كلها طبقاً للعدل والحقيقة.

        هكذا كي يميز القيم الحقيقية من القيم الباطلة والسبب الصحيح من السبب المزيف، وأن يصل إلى توازن وقياس واجب الإداء.

        ينبغي عليه أن يعرف المبادئ الإلهية التي تنشط الأشياء كلها،

        ذلك كي يمكنه أن يعمل وفقاً لها، وأن لا يعمل عكسها.

        وهكذا فهو لن يختط المستحيلات، أو يضلل أو يخيب نفسه ويخيب الآخرين بعد اليوم،

        كلا ولا يذل نفسه بمحنة وبلاياه، بل يمكنه أن ينقذ نفسه من الشر.

        نحن اخترنا قسمتنا، ونحن نكون حظنا السعيد أو السيء.

        نحن نكون أطفالنا.


الفصل السادس

الحقيقة

        يتحدث الحكيم عن الحقيقة، يعلن أنها صوت الله الوحيد، ويؤكد أن لا إنسان بحاجة لأن يخدع فيما يتعلق بإرادة الله، ويحث الإنسان على أن يتكلم الحقيقة، ويعلق شرحاً على النبوة والألوهية.

        الله هو الوحي وهو الحقيقة المطلقة مدثراً بالنور.

        الحقيقة كاملة وعظيمة إلى حد بعيد إذ إن الله سيصور نفسه مرئياً للرجال،

        لذلك سيختار نوراً لجسده وحقيقة لروحه.

        الشيئان الأفضلان اللذان أعطيا للرجال من العلى، هما حب الحقيقة وحب فعل الخير.

        الحقيقة الأزلية هي صوت الله الجبار: الرجال في كل الأعمال يفهمونه بشكل متساو،

        لأن الحقيقة كالموسيقى، إنها لغة عالمية. الله ذاته لا يدرك أي شيء آخر سواها.

        من المستحيل أن يكذب الله، أو يخطئ، أو يخدع.

        لأنه كما أعلن، إذا قام الآلهة بفعل الغش فهم ليسوا آلهة.

        الله يتكلم بصوت الحقيقة فقط، إنها صوته الوحيد.

        لا باطل ولا خداع عنده.

        الله لا يحتاج لإنسان كي يعلن إرادته.

        أعلنها هو ذاته في الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً منذ بدء الأزل.

        الله يكشف معناه إلى العاقل بواسطة أعماله وبدون أي صوت.

        إن الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً يعلن حقيقته ويسمع بيانه. إن أفعاله تنبئ عنه.

        كما في أعلى، هكذا في أسفل، كما في أسفل، هكذا في أعلى.

        لا يوجد شيء مخبأ لا يمكن كشفه.

        الحقيقة مفتاح الأسرار كلها.

        إن روح الإنسان ذات أصل إلهي، ومن ثم يمكن أن توجد قوة نبوية حقيقية فيها،

        لكن النبوة الحقيقية يجب أن تأتي من الروح، ترشها النفس الحقة.

        التأكيد الحقيقي فيما يخص الله هو تأكيد الله، لكن التأكيد الباطل لا يمكن أن يكون.

        يمكن وجود الألوهية الحقة، لكنها تأتي من الحكمة المؤسسة على قواعد علم الحساب.

        ولا تأتي من الإرشادات، الرموزات، والكهانة.

        الإنسان لديه داخل نفسه معاني أكيدة لكشف المغالطة ولإقامة الدليل على الحقيقة وبرهنتها.

        أليس الدليل العقل؟ يمكننا الوثوق بالعقل إذن؟ العقل خالد، ويفنى كل ما عداه،

        لأنه إذا نشد أي إنسان الحقيقة بجد وعناية في ضوء العقل، سيعرف عن العقيدة سواء إذا كان مصدرها العقل أو الإنسان.

        كل شيء يكون باطلاً أو خطأ لا يمكن أن يصدر من الله.

        الحقيقة تظهر نفسها بوضوح.

        بما أن الله يمثل الحقيقة بشكل أزلي، هكذا أبناء الآلهة ينبغي عليهم أن يتكلموا الحقيقة على الدوام.

        تكلم الحقيقة أو لا تقل شيئاً على الاطلاق! لا تخدع أي إنسان كي تهلكه، لا تخدع نفسك.

        يجب على كل إنسان أن يدرب نفسه كي يكون جديراً بالاعتقاد بدون قسم.

        ينبغي أن نعلم أطفالنا كي يتكلموا الحقيقة كأنها الواجب الأكثر قداسة،

        الكذب يخص العبيد الأرقاء ويكرهه الرجال.

        لا تخبئ نور الحقيقة تحت مكيال الحبوب.

        من يخبئ الحقيقة يدفن الذهب. إخفاء الحقيقة يشبه دفن الذهب.

        العطيتان الأنبل التي وهبتها السماء للإنسان هما: لتتكلم الحقيقة، وتفعل الخير.

        هذان الشيئان الإثنان يشبهان أعمال الألوهية.

        إن قول الحقيقة يعظم الإنسان حتى العبادة.

        يبحث عن الحقيقة بعقل طاهر من الأهواء الجسدية.

        ستختبر اتحاد الله الخالد مع الإنسان الفاني، عند انتصارك على الأشياء الشريرة.


الفصل السابع

الدين

        يتحدث الحكيم عن: الديانات الأولومبية والأورفية، مزاعم هيئة الكهنوت، طبيعة التعليم البسيط والتعليم المعد لفئة قليلة والمفهوم بها وحدها، يتحدث عن: صيحة العقل المقدس، الكهنة، الهياكل، الصور، العبادة الوثنية، رقيات الحظ، الأضاحي، الأسرار المقدسة، الهبات، التقدمات القربانية، العنف نحو الحيوانات، الطقوس التطهيرية، ضروريات الخلاص، الجانب العلمي للتعليم الخرافي، الطبيعة الحقيقية للخرافة، وعن العبثية للتضحية التكفيرية، ويشجب الآلهة الخيالية.

        كما أنه توجد ثلاثة أفكار إلهية وثلاث مناطق واضحة، هكذا توجد كلمة ثلاثية،

        فالنظام الكهنوتي يبرهن نفسه بواسطة الثلاثة على الدوام.

        هي الكلمة البسيطة، الكلمة الكهنوتية، والكلمة الرمزية.

        وتعلن هذه الكلمات بطريقة أخرى، توجد الكلمة التي تعببر، الكلمة التي تكتم، والكلمة التي تدل.

        يكمن الذكاء الكهنوتي كله في المعرفة الكاملة لهذه الدرجات الثلاث.

        مرة ثانية، إن العقائد السرية المقدسة نوعان اثنان: العقيدة التي يفهمها الجمهور، والعقيدة المعدة لفئة قليلة والمفهومة بها وحدها.

        تكشف العقيدة الأولى إلى العامة، إلى الجهلة، إلى السريعي التصديق، وإلى العرضيين بشكل حر.

        أما الثانية فهي عقيدة سرية يحتفظ بها للمختارين وتحجب عن العامة والدنيونيين.

        لأنه لا ينبغي أن يعرف الكل جميع الناس بشكل مسبق.

        إني أوجه كلامي إلى المختارين الآن.

        إذا كان هذا التعليم ليخفي عن الدنيويين لجهلهم، فذلك هو الشيء المناسب.

        ليكون أولئك الذين تثقفوا بصدق مشاركين في هذا التعليم بشكل واضح،

        ولكي يمكن للدنيويين أن يتألموا في الوسط لما يستمعون له،

        نتيجة لعدم تلقيهم أية بهجة ومسرة من ذلك، لأن التعاليم المحجوبة عنهم هي ما وراء فهمهم وإدراكهم.

        تذكر أن الله مقدس: لا تتحدث بشأنه باستخفاف، ولا تتكلم عنه بكلمات كثيرة.

        أن تستخدم كلمات كثيرة جداً عندما تتكلم عن الله، فذلك ينتج جهلاً بالله.

        إنه لشيء خطير، والخطر ليس صغيراً، أن تتكلم عن الله حتى أشياء حقيقية.

        لا تتكلم عن الله لكل إنسان، ولا تتجزأ أن تتكلم عن الله إلى الجمهور.

        ولا تتجزأ أن تتكلم عن الله إلى الشخص الفاسق المنحرف.

        ليس أماناً على الإطلاق أن تتحدث فيما يختص بالله مع الرجل ذوي الآراء الباطلة،

        الخطر عظيم بشكل متساو في التحدث عن أشياء كهذه إما مغالطة أو حقيقة.

        لا تناظر بشأن الله، لأن الله لا يحتاج إلى دفاع. بجل دينك. احترم دين الآخرين.

        يكمن الدين الحقيقي في معرفة الله، معرفة النفس، واتباع الله.

        الحقيقة هي الوسيلة الوحيدة للتنوير، النفس الحقيقية هي المعلم الوحيد.

        لا يمكن أن يوجد دين أسمى من الحقيقة نفسها.

        من الواضح أنه يجب علينا أن نفعل الأشياء التي تسر الله.

        ليس من السهل أبداً، على كل حال، أن يعرف إنسان هذه الأشياء.

        إلا إذا حصل على المعرفة من ذلك الذي سمع الله.

        أو أنه سمع الله ذاته، أو حصل عليها من خلال وبواسطة فن إلهي.

        العقول المقدسة هي عقول مقدسة حقاً فقط بقدر ما تكون حقيقة صدقاً وتتطابع مع الحقيقة كلها.

        من المستحيل أن يصدر الباطل، أو الخطأ، أو الخداع عن الله،

        الله قادر على كشف الحقيقة،

        الله كشف ذاته إلى الإنسان بالفهم، وفي العالم كشف نفسه بكل المبدعات.

        حقيقة مكتوبة في الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً وليس في كتب الرجال.

        لا يكون حكيماً من يتطلع إلى أسفل... إلى الأرض.

        يرى المدى الأقصى للأرض عند أقدامنا، لكن اللانهاية تتمدد تحت جذورها.

        الأشياء كلها تتبع السماوات.

        كما أعلى، هكذا أسفل، كما أسفل، هكذا أعلى.

        أعرف الله! أعرف نفسك!

        يجزم الكهنة والشارحون الكبار أنهم يعرفون إرادة الله،

        ويعرفون أنهم وكلاء وممثلو الآلهة على الأرض، مع قوة فوق السماء والجحيم.

        يعلنون أن أنفسهم هي المستودع للعقل المقدس، أو للكتابات الإلهية الموحى بها،

        التي فيها تكشف كل الأسرار الرهيبة والمقدسة عن الآلهة والطبيعة.

        وهم لديهم سلطة كي يباركوا ويعلنوا، كي يعفوا عن الآثام ويطهروا الأرواح.

        وليعلنوا القصاص عن الآثام على الأرض وفي المناطق الجهنمية.

        الله لم يعين أوامر مقدسة في أي زمن على الإطلاق،

        الأمر المقدس الملزم الوحيد هو أمر الرجال الأطهار.

        الروح الواسعة المعرفة العفيفة الحكيمة هي المنبئة لحقيقة الله.

        إن الإنسان الجدير بالله هو إله بين الرجال.

        الله ليس بحاجة إلى كهنة أو خدم كي يساعدوه في حكم العالم،

        لأن الله يكون الأشياء كلها في الحال بواسطة مقدرته المباشرة.

        لكن تعاون القوى الإلهية الثانوية معه شيء ضروري لاشتراكه الماسب بواسطة الكائنات المختلفة التي يحتويها العالم.

        الوثاق بين الله والإنسان وطيد جداً وأزلي ذلك أن لا شيء يستطيع أن ينحشر بينهما.

        ومن ثم لا يوجد متسع لوسيط بين الله والإنسان، ولا يحتاج لأي شخص للقيام بذلك،

        كل إنسان يقف وجهاً لوجه مع الله وهو في علاقة مباشرة به.

        النجاة هي مسؤولية لكل فرد ولا يمكن أن يقوم بها شخص آخر.

        كل إنسان كاهن على نفسه بالطبيعة وكاهن سام على أسرته.

        الهياكل المبنية بالأيدي الترابية لا تمنح الله مجداً، بل هي نصب تذكارية غير مستقرة لغرور الإنسان.

        كل الهياكل التي يتباهى بها الإنسان والمشيدة خلال العصور، تصبح خرائب وسخرية مهينة وغباراً مخيباً للآمال مع الزمن.

        روح الإنسان أكثر متانة من أي بناء مشيد بأحجار الصوان والمرمر الأصلب.

        الهياكل تتفتت تراباً وتختفي، لكن روح الإنسان تبقى إلى الأبد.

        الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً هو هيكل الله الحقيقي، لا يستطيع أي هيكل أرضي أن يحتويه.

        المكان الملائم لعبادة الله هو حيث لا يمكن لعقل الإنسان أن يتشوش فيه.

        أنت تمتلك في نفسك شيئاً ما شبيهاً بالله، لهذا السبب استخدم نفسك كهيكل لله.

        إذا بنيت هيكلك سيدخل الله، إذا أبقيت على هيكلك مقدساً ستسكن نفس الله فيه.

        ستكرم الله التكريم الحق، والمتوجب عليك، ولكن لا تدع الفضل على الله، إن ذلك غباء.

        الإنسان الحكيم هو الكاهن الحقيقي، محب الله، وهو البارع في تأدية الصلاة.

        إن ذلك الإنسان يعرف كيف يعبد، وهو الذي يبتدئ بتقديم نفسه كأنه الضحية.

        إنه يصوغ روحه في صورة إلهية.

        ويزود عقله كأنه هيكل لتلقي النور الإلهي.

        أينما ننظر، سواء إذا نظرنا في الهياكل، في الأيكات، في البيوت، أو على طول الطرقات،

        نرى التماثيل، الأصنام، الصور، والتماثيل الصغيرة للآلهة وللأشياء الأخرى المقدسة.

        العامة تنحني لها إجلالاً، تعبدها، وتقدم التبجيل،

        مفتخرين في إذلال ذواتهم،

        عليهم أن يعرفوا، لكن لا يبدو أنهم يفكرون،

        بأن هذه الأشياء المقدسة كلها ليست سوى مخلوقات عقل الإنسان ويديه.

        يوجد معتقد خرافي آخر منتشر بين العامة الجهلة،

        وهو أن يتزينوا ويحيطوا شخصياتهم بشكل دائم بالعقود، الخواتم، الأساور، الحجابات، والتعاويذ التي تحمل كلها صورة الآلهة،

        هم يعتبرون أن هذه الحلى الصغيرة مقدسة بسبب أن الكهنة باركتها،

        ويعتقدون أنها فعالة في جلب الحظ السعيد واتقاء الأشرار.

        إن الرموز مضيئة ومثقفة، لكن الصور غشاشة وتميل إلى المعتقد الخرافي.

        التشخيص والصور تنتج وثنية، الآن أو غداً.

        لهذا السبب لا تفكر بالله أو تحضره في صورة إنسان، أو حيوان، أو أي مخلوق آخر.

        كلا ولا تقتن أو تلبس أي صورة منحوتة، مصورة باليد أو مصاغة عن أي معبود أو أي شخص مقدس.

        لا تلبس صورة لله على خاتم.

        اعتبر أغراضاً دنيئة كهذه أنها أغراض عاقة ذلك كي تشبهها بالأغراض الأعلى.

        أبق على معابدك، مصلياتك، بيوت سكناك، وطرق عبادتك المقدسة،

        ابق عليها حرة ونظيفة من كل التماثيل، الصور، وأطياف الأشخاص والأشياء المقدسة.

        الأشخاص ذوو الأفكار الصالحة ليسوا بحاجة إلى مثل هذه الأشياء كي تذكرهم بالألوهية،

        أو لكي تثير الأفكار النقية في داخلهم.

        يجب أن لا يعبد الناس الآلهة أو يصلوا لها أثناء الرحلة،

        بل ينبغي عليهم أن يذهبوا من بيوتهم إلى الهياكل مباشرة وعقولهم معدة لذلك الواجب.

        لا تعط إسماً لأي إله فذلك هو العمل الأكثر عقوقاً في حد ذاته.

        إنه شيء غير متسم بالاحترام كي تذكر أو تسمي أي إله باسم.

        ما عدا تلك الأسماء لأبوللو الإلهي، التي هي وحدها أسماء طاهرة وغير مشوهة.

        هياكل الآلهة كلها مسالخ، وتفوح من مذابحها رائحة الدم القوية.

        تجلب "الآلهة" عجلاً بدون شائبة وذي شكل تام إلى داخل هيكل ديونيسوس.

        مخططاً شرائح وقرونه مطلية بالذهب، ويوضع أمام المذحب.

        يعلن الكاهن الشارح أن أولئك الذين أطلعوا على الأسرار الديونيوية المقدسة يفوقون مقاما الرجال الآخرين في الحياة الحاضرة ولهم المكان المفضل في المجد الأزلي. ويعلن الكاهن الشارح أنه بالمشاركة في الأسرار المقدسة التي على وشك أن تقام.

        فإن المطلعين عليها سيصبحون واحداً مع الإلهيين المقتولين ظلماً ومع من بعث حياً، ويكونون "آلهة" (BAKCHOI).

        حينئذ فإن الكاهن بالصلاة، بالرقيات، وبالإشارات الرمزية الباطنية، والمرتدي ثوب الجزار،

        يضطلع بمهمة تحويل العجل إلى الشخص المقتول والإله المرفوع.

        هكذا يقدم إلى الـ BKCHANTEA ضحية إلهية قربانية بتلك الوسيلة.

        يسمع العجل المسكين صلاة الكاهن، غير عارف ما تعنيه،

        ويراقب وجبة طعام الشعير مذرية بين قرنيه،

        "وجبة الشعير التي تعب كثيراً كي ينتجها" وبعدئذ يبتلى بالذبح، ويلطخ السكين بدمه،

        العابدون ينفضون على الضحية المقتولة من الجبال القريبة مثل الوحوش الضارية.

        يمزقون لحم الضحية المرتعش بأيديهم العارية اربا،

        وفي نشوة مسعورة يأكلون لحمه ويشربون دمه.

        في غضون ذلك يمزق الكاهن الأحشاء في صدر الوحش الحي، ويراقبها بعناية.

        وينشد كي يكتشف الأهداف السماوية فيها.

        النصراء المتحمسون الورعون يعلنون اعتقاداً أنهم بأكلهم لحم العجل وشربهم دمه، ما هم إلا آكلو لحم الله وشاربو دمه، ويصبحون ممتلئين بالله،

        ويصلون بتلك الوسيلة إلى حالة الابتهاج الغامر المقدس أو الإلهام الذي يجعلهم يقدرون بلوغ النبوة.

        يؤكدون أنه يمكنهم الوصول إلى أبعد من ذلك ألا وهو الاتحاد مع الله بواسطة الشعائر الدينية الأورفية،

        بما في ذلك الاتصال الجنسي، الأكل والشرب، وسماع الموسيقى الصاخبة وممارسة الرقص المسعور.

        وهكذا فهم ينهمكون ليل نهار في القصف واللهو المعربد في أيكات يعتبرونها مقدسة.

        إن العبادة الطاهرة يمكن تقديمها في مذابح غير ملطخة بالدماء أبداً.

        لا تجلب ضحايا للتضحية، الله ليس بحاجة لها.

        لا تقدم الضحايا والهبات تكريماً لله، كلا ولا يمكن أن يبجل الله بالعطايا المقدمة في الهياكل.

        إن تضحيات الأغبياء طعام النار.

        والعطايا التي يقدمونها في الهياكل ذخائر مدنسة.

        تذكر دائماً عندما تعبد الله، في الهياكل، أو في هيكل قلبك،

        تذكر أن الله، إذا كان إله حقاً، لا يفعل شيئاً يحتاجه ولا هو يحتاج لشيء.

        لكن ما يكون واجب الأداء هو ثناء وشكر الإنسان لله.

        لهذا السبب أظهر إقرارا بالفضل لله وللرجال الأخيار.

        الله ليس في عوز لأي شيء حقا: لكن الإنسان العاقل في عوز لله فقط.

        لهذا السبب فالذي ليس في عوز إلا للأشياء القليلة فقط، وللضرورية منها، يضاهي لمن يكون في عوز لأي شيء.

        يبغض الله الأشياء الدموية: وإهراق الدماء، ويبغض تدنيس الأشياء الأكثر سموا.

        وكما يقول أورفيوس، الدم هو الحياة، إنه هبة الحياة من الله في الأعالي.

        من أجل ذلك لا يجب إهراق دم أي مخلوق بدون حاجة ملحة لذلك.

        الحيوانات لها الحق كي تحيا تماماً مثلما يمتلك الرجال هذا الحق.

        وبأقل من هذا بكثير لا ينبغي على أخ أن يهرق دم أخيه، أو أن يشترك في حرب أهلية،

        لأن هذا العالم بغيض في نظر الله والإنسان.

        وكما قيل منذ زمن سحيق، محرم على أي إنسان أن يؤذي إنساناً آخر، أو أن يتصرف بعنف نحو الحيوانات.

        إن التقدمة الوحيدة المقبولة لله هي القلب الطاهر والحياة العفيفة.

        ذات لله، يمكن عبادتها في روح وفي حياة صحيحة فقط.

        الروح الملهمة بالله توحدنا به بشكل متين، لأنه من الضروري ويجب أن يقترب الشبيه من الشبيه.

        في عبادة أم الآلهة العذراء، وعبادة آلهات الحب،

        يعتبر شيئاً مقدساً ولو أنه مرة على الأقل في حياتها،

        يجب على كل امرأة أن تقدم نفسها في الهياكل أو في الأيكات المقدسة،

        إلى أي إنسان كان يرمي إليها فضة أكان أبوها، ابنها، أخوها، أو أي غريب عنها،

        وأن يضع ثمن فضيلتها على المذبح كشيء هو الأكثر تقدمة تقبلها الألوهية.

        إنه لشيء معلن ومقبول من الإنسان أن يعرف أمه، ابنته، أو أخته،

        إذا فعل ذلك بالقداسة ضمن مناطق مخصصة لعبادة الآلهة للمشاركة مع المعبود وتبادل الأفكار.

        إنه عقوق أن يقيم أي شخص علاقات جنسية بمعزل عن العلاقة الزوجية.

        يجب أن لا يقيم الرجال أية علاقة جنسية إلا مع زوجاتهم،

        والنساء يلزمهن أن لا يقيموا علاقة جنسية مع أي شخص سوى رجالهن.

        لا إنسان ينبغي أن يقيم علاقة جنسية مع أمه، ابنته، أو أخته،

        لا في الهيكل أو في المكان العام، أو في أي مكان آخر.

        إنه شيء عاق أيضاً كي تولد امرأة في هيكل أو أن تذهب إليه قصد الموت.

        رسل أورفيوس يطوفون من مدينة إلى أخرى وينتشرون في الشوارع والأماكن العامة،

        معلنين أن الرجال جميعاً خلقوا في الخطيئة ويخضعون للإدانة والعذاب الأبدي في الجحيم.

        بسبب الجرائم التي ارتكبها أسلافهم، الجبابرة، ضد الآلهة،

        وهكذا، فهم يخصون الرجال كلهم كي يبقوا بحاجة لرحمة الآلهة بشكل دائم، للخلاص من الخطيئة،

        ولرحمة ديونيسوس بشكل خاص.

        إنهم يقدمون شعائر دينية سرية للتخلص من عقدة نفسية، بإفساح المجال أمامهم للتعبير عن أنفسهم تعبيراً كاملاً بالوسائل التي يمكن للرجال بواسطتها أن يتطهروا من الخطيئة،

        وأن يتخدوا بالله ويحصلوا على الخلاص الأبدي.

        بعدئذ تأتي معظم أسرار الدين للطائفة نفسها التي تعرض بيع الخلاص بباعث أقل طهارة.

        يأتون إلى أبواب أولئك الذين لديهم الثمن الذي يحتاجون إليه.

        ويعدونهم بالعتق من خطاياهم وخطايا أسلافهم بالتضحيات، الأغاني الزفيرية، والشعائر الدينية المقدسة،

        وتثبت هذه التسولات سلطانهم وقوتهم بواسطة هذه الاعتقادات للعقل المقدس، التي يحملونها معهم.

        إن المشاركة في الشعائر الدينية وفي الاحتفالات، لا يمكنها أن تجعل الرجل الشرير إنساناً خيراً أبداً،

        بأكثر مما تستطيع جعل الرجل الفقير غنياً، والرجل الأمي متعلماً، أو أن تجعل الرجل الميت حياً.

        إن الشعائر الدينية السرية أو الشعائر المقدسة هي بدون فعالية كي تجعل النجس طاهراً.

        أو كي تمنح حياة روحية أفضل لذلك الذي لم تكن لديه هذه الحياة في الحقيقة.

        توجد الطهارة وحدها في نظافة القلب والعقل التي هي نتيجة الفضيلة.

        يستمر الخلاص ويبقى في كمال طبيعة الإنسان فقط،

        هكذا يأتي الخلاص لكل إنسان أكمل طبيعته بالأفكار الخيرة، بالكلمات الصالحة، وبالمآثر الجيدة.

        تعتمد نجاة الإنسان من الشر على الفضيلة والحقيقة.

        قيل إنه عندما لا يجدي الاحتكام إلى العقل والضمير والعدل فمن الضروري أن تلجأ إلى الآمال الخرافية والتخوفات المظلمة والعقول العرضية كي تستميل الجاهل والمنحرف ليحجما عن العنف، وعن انتهاك القانون، والظلم، طبقاً لذلك يوعد الجهلة وأصحاب العقول الساذجة بآمال ذات سعادة عظيمة أبدية في الجنة، ولأولئك الذين يلطفون غضبهم ويحجمون عن انتهاك القانون وعن الظلم،

        وتعرض التهديدات والإدانة الأبدية والتعذيب الجسدي المرعب في الجحيم لأولئك الذين لا يفعلون ذلك.

        هكذا يعلم الكهنة الكبار.

        إذا كان إنسان نكد المزاج ومستعص على التعلم والانقياد، دع القصاص الذي سيأتي به القانون والعقل أن يلاحقه،

        جالباً معه المخاوف الممتدة أبداً، تلك المخاوف التي تنشأ في السماء أو في الجحيم، وكيف أن القصاص الذي لا يرحم يقام للأشقياء في أسفل،

        كما أنه يجلب معه التهديدات الهوميروسية القديمة ، للثأر من الخبثاء ومن أولئك المدنسين بالجريمة.

        لأننا كما نعيد الأجسام إلى الصحة بواسطة المواد السقيمة بعض المرات، إذا لم تلن هذه الأجسام بالمواد الأكثر صحة،

        هكذا إذا لم يهتد العقل بالرشد الحق، نكبحه بالتضليل.

        سيكون غريباً حقاً ذلك القصاص المتطلب إجراؤه،

        تدخل أرواح الجبناء إلى أجسام النساء اللواتي يملن إلى السلوك المهين،

        ويمكن إنزال العقاب بتلك الأرواح الملطخة بالدماء بإيلاجها في أجسام أنثى الخنازير وذكورها،

        أما أرواح ذوي العقول الخفيفة والمستهترين فإلى أشكال الطيور الطائرة.

        وأرواح أولئك الذين لا يعملون، ولا يتعلمون، ولا يفكرون بأي شيء، فإلى أجسام الأسماك الكسلى.

        علاوة على ذلك، وبين تقمصاتهم، فإن أرواح جميعهم ستقضي فصولاً في الجحيم،

        ستقضي هناك كي تحرق بالنار وبالحجر الحاد بشكل دائم،

        أو تستبقى معلقة في ألم مبرح وعذاب شديد، مثل تلك الأرواح التي كتبت كتابات ملفقة عن الآلهة،

        أو يكون عقابها أن تغمر في الوحول اللزجة إلى ما لا نهاية.

        وهكذا، فقد تم إيضاح دورات العصر الأزلي للضرورة.

        فالحكم يقام بعدل في الآخرة،

        حيث تقيم الأرواح وجواهرها، والطبيعة الأولى للكائنات بشكل دقيق.

        هكذا تكون الطريقة البسيطة لكبح الرجال عن عمل الظلم، الخوف من العقاب،

        إنها الطريقة التي يمكن تعليمها للجهلة الفاسقين،

        فالخوف يقدر غالباً على إخماد الظلم وطمسه.

        إن الخرافة مهينة، كونها نتاج الجهل، الخرافة أسوأ من الإلحاد.

        الإلحاد هو خداع العقل، الخرافة هوى ناشئ عن التعقل الزائف، وتجلب الخوف.

        الموت هو الحد المعين للحياة البشرية، لكن الموت ليس حداً معيناً للخرافة.

        الخوف تقفز فوق تخوم الحياة إلى الجانب الخلفي للستار،

        وتجعل الخوف يحيا أطول ما تحيا الحياة، وتلحق بالموت التصور للويلات التي ليس لها نهاية.

        الخرافة شر ليس أقل شراً من الإلحاد،

        لكن دع الجميع ينتبهوا إلى أنهم عندما ينشدون الهروب من الخرافة.

        دعهم لا يتخطون الدين الحق كيلا يسقطوا بتهور إلى الإلحاد.

        توجد خرافة واحدة يمكن تشجيعها لنيل الفضيلة، مع أنها خرافة غير صحيحة.

        وهي أن وضع الرجال والنساء النبيلات بين الآلهة كان إحساناً إلى الجنس البشري.

        لكن من الأفضل اعتبارهم كأنهم رجال ونساء مبجلات بكل بساطة،

        أولئك يجب تقليد حياتهم الفاضلة، لكن بدون عبادتهم أو الولع بأي منهم.

        في الدين الطاهر وغير المشوه ينبغي عبادة الخالق وليس المخلوقات.

        إلى الله يجب تقديم الشكر الواجب الإداء على ما خلق وأبدع بامتياز.

        إن ما قلته لك فيما يخص هذه القضية والقضايا الأخرى،

        هو عقيدة سامية، والأكثر غير مجهزة كي تتلقاها.

        من ناحية ثانية يجب تكريم الآلهة الأولومبية وعدم إهمالها:

        ليس بسبب أن أيا منهم يوجد حقاً، أو أنه وجد قط،

        أو أن أي شيء من الأشياء المختص بهم حدث في الحقيقة:

        بل سبب أن عبادتهم ركزت وعينت بالقانون.

        "القانون الذي لا يقيد حرية الرأي الشخصي"،

        ويلزم الرجال جميعاً أن يدعموا القانون ويجتنبوا المتمرد عليه.

        مهما اعتقد الرجال أو فكروا فهم لا يقدرون على تغيير الحقيقة الهندسية،

        ولا أن يجعلوا ما هو باطل حقيقة،

        أو أن يجعلوا ما هو حقيقة باطلاً،

        كلا ولا تستطيع عقيدتهم وفكرهم أن يغيروا قدر الله النهائي فيما يختص بروح الإنسان.

        إن الدين الشعبي، مثل كل الديانات الأخرى في الكون بوصفه نظاماً كاملاً متناغماً، هو دين تطوري.

        ويعكس حالة التنوير للأزمان.

        إن مثل كل الأشياء الأخرى، يتطور تدريجياً طبقاً للاستعداد،

        لا يمكن جعل الدين الحق والحقيقة مزدهرين وراسخي الجذور،

        قبل زمنهما عندما أعد العقل الإنساني كي يتلقاهما.

        لا يمكن إجبار الإنسان كي يعتقد في ما لا يكون مهيأ للاعتقاد به.

        الحكمة تأتي في أسلوب منظم بالتعليم والإرشاد فقط.

        لذلك في تعاملك مع الدين المرسخ بالقانون 

        لا تعارض الكثرة، لا تثر عاصفة، وتجنب العنف.

        عندما تسمع بالعقائد الباطلة، كن صبوراً، كن لطيفاً.

        لا تحاول تنوير الغبي، كلا ولا ترم لآلئ أمام الخنازير،

        خشية أن تفعل أذى ثابتاً لقضية الحقيقة والحكمة.

        إن مثال الحياة التي يحياها العاقل هو الدليل الأفضل للحقيقة.

        لهذا السبب، عندما تسمع الاختلافات التي يخبرها الكهنة بشأن الآلهة،

        بشأن تطوافهم، تقطيعهم إلى قطع صغيرة، وبشأن حوادث مؤسفة عديدة ومماثلة كهذه،

        وبشأن المنافع التي يمكن أن يستمدها الجنس البشري من ذلك،

        إن سمعت ذلك لا تفترض أن أياً من هذه الأشياء حدث أو فعل في الأسلوب المسرود.

        مستحيل أن يجرد الله نفسه من ألوهيته، إذا كان إلها حقا.

        وأن يأخذ لنفسه شكل الإنسان، الحيوان، الطير، أو شكل أي مخلوق آخر.

        أو أن يقاسي الموت، كأنه يتصل بالآلهة، زاغريوس، ديونيسوس، وأورفيوس.

        بسبب أن الله إلهي، فمن المستحيل أن يموت أبداً،

        لا شيء يمكن أن يحدث ضد إرادة الله.

        على كل حال إن ما تحتويه الأساطير هي رموز عن الحقائق الإلهية،

        التي يمكن أن يتبينها العاقل ويدركها لمنفعته.

        لهذا السبب، يجب علينا أن نثبت الآلهة، إلى حين يأتي عصر يكون أكثر تنويراً،

        ليس لكي نعبدها حقاً،

        بل لنميز ونتبين، من خلال وسائطها، عمل الطبيعة وحقائق إلهية ومبادئ كهذه "كما نميز ونبين الأشياء في المرايا الأصفى" مثلما يمكن أن تمثل بواسطتها،

        مدركين ذلك الذي يكون إلهياً، كونه أداة وفعل الله الذي ينظم الأشياء كلها،

        ومؤدين عبادتنا الحقيقية إلى المبدع وليس إلى المبدعات.


الفصل الثامن

العبادة

        يتحدث الحكيم عن: التقدم إلى العبادة الحقيقية، الاتحاد الروحي بالله، وحدة الحياة والدين، علاقة الله بالإنسان، دونية الأبطال، العلاقة بين الرجال الحكماء والله، فكرة الصلاة، العناية الإلهية الكلية، الأمانة العقلية، تذكر المتوفين، فكرة الامتناع عن ارتكاب الإثم، الاستبطان، الاعتراف، الإصلاح، الغفران، الصلح، تأمل الله ملياً، الابتهال عند الطعام، ويتحدث عن وصايا أورفيوس المستودعة.

        يكون الإنسان في وضعه الأفضل عندما يتجه نحو الله، كلا وليس الله أبداً ببعيد.

        إذا كان عملك خارجاً عن الاتصال بالله وعن عنايته، فأنت الذي فضلت نفسك عن الله، وليس الله هو من حول نفسك عنك.

        اعتبر أن الوقت الذي لا تفكر فيه بالله كله خسارة لك.

        لهذا السبب فكر بالله غالباً وأكثر مما تتنفس.

        علاوة على ذلك، اتبع الله!

        الله أحد.

        توجد حقيقة واحدة.

        وحدة واحدة تشمل السماء والأرض.

        الحياة واحدة كلها، والله أحد.

        الحياة والدين هما واحد، لا انفصال بينهما.

        عبادة الله واحدة: ولن تكون شراً،

        توجد طريقة واحدة فقط: أن تتبع الله!

        نهاية الحياة هي أن تحيا بانسجام مع الله.

        الحياة السعيدة الحقيقية هي حياة الاعتدال:

        التي تنظم فيها إرضاء الرغبة بالاعتبار للعدل والاعتدال.

        إن مستلزم الحياة المعتدلة ال