The material on this site is the property of Druzenet and is protected by International Copyright Law. Copyright Druzenet 2009. All Rights Reserved

Contact Druzenet Arabic Edition English Edition About Druzenet

دروزنت بالنسخة العربية

رسالتنا

اصداراتنا

مؤسساتنا

للاتصال بنا


اصداراتنا:

مجموعة معارج الروح في مرايا التوحيد - الجزء الاول

معارج الروح في مرايا التوحيد

الجزء الثالث

1422هـ - 2001م

لـ

سماحة الشيخ بهجت غيث

الحقوق محفوظة للمؤلف
الطبعة الأولى 2002

دار الضحى للنشر


المحتويات

الإهداء


 

الفصل الأول

I- كلمة البدء والختام وتمام التمام:

من عيد لعيد يحلو التجديد

فترة المخاض العسير والانقلاب الجذري والتغيير

المتسابقون والواصلون


 

II- عودة صفاء الحق لنفوس الخلق... وبشّر الصابرين:

ما بالكم يا أبناء النور تخافون أبناء الظلمة

التأملات العقلية والسبحات الفكرية

شجرة الأنبياء والرسل

العلم تذكر والجهل نسيان

النفس والإهتداء بالعقل

النفس والروح


 

III- فجر النور وفرحة العبور:

لأجلكم تنبأ آدم أبو البشر

ولا يلقاها إلاّ الصابرون

الفجر الروحي الموعود

لكم البشرى يا أبناء النور

أنشودة صلاة الفجر وليلة القدر

كنوز أسرار الحقيقية وذخائر الخلفية

الويل للمكذبين المعاندين والبشرى للمؤمنين الصادقين

إقتربت الساعة وانشقّ القمر

تمسكوا بعمة الأديان وتحرروا من أسر الزمان

العاقبة لمن آمن بالحق وثبت معه وصبر


 

IV- شمس الشموس وقمر الأقمار:

زمن الأفراق بين أهل الصدق

سعادة النفوس بإدراك المحسوس

إرادة التغيير برعاية العزيز القدير

إلى أبناء النور عبر الدهور والعصور

ارفعوا رؤوسكم يا أحباب الحق

ثمار الصبر


 

V- وجدتم لتنشدوا لحن الوجود.. لحن سمفونية التوحيد:

أصحاب النقاء الأصفياء سند الدرب وفرحة القلب

الكنز الثمين وحبات العقد القديم

النجوم البابانية والقدرة الربانية

إن كان العقل فكرة فالتنفيذ أكبر عبرة

محطة التركيز والاهتمام

يبتعد القريب ويقتبر البعيد

سلام دون نوام

فرحة المستيقظين

الكون جديد


 

الفصل الثاني: القطرات الروحية

بيل التوحيد والعبور السعيد

بهاء النور في مضيق العبور

أسرار الصنع العجيب

نور الحقيقة

إن إنسان هذا العصر لفي خسر

خلاص النفوس بمعرفة الواحد القدوس

رحلة التغيير

الصبر

مواكب الأنوار

زمن تصحيح الهجاء وتحقيق الرجاء

الصّدق في القول والعمل نبراس الأمل

النعمة والنقبمة

نعم الخالق على خلقه

إلى أهل الذوق

المظاهر المتعددة للحقيقة الواحدة

فاكهة أهل الذوق

أنوار الحق في الخلق

يبحثون في الصحراء عن ماء

طفل النور سيولد بعد المخاض العسير

أصحاب القوى الخفية

السلام المتصل بالعالم الأسمى

لكم البشرى يا أمة الإخوان وأخوة الأديان

كلما زادت المعرفة تدفقاً زادت النفس تألقاً

يا أهل الصلاح والفلاح

يقظة العقول

الحذر الحذر قبل نزول القدر وحلول العبر

لابد من إشراق صبح المؤمنين

الشجرة الكونية الواحدة

ظهرت مكنونات الصدور وتميّز أبناء الظلمة من أبناء النور

خير الكلام ما كان صدقاً وحقاً

مسلك المؤمن الصادق الواثق

بعد الظلمة نور وبعد الصبر فرج


بسم الله الرحمن الرحيم

الإهداء

        إلى ذوي القلوب المليئة بالإيمان، إلى معاشر الإخوان الذين يقلبّون أبصارهم في الآفاق بحثاً عن الحقيقة، أصحاب نعمة الأديان في كل مكان، أصحاب القوى النورانية المزوّدة بصفاء المحبة الرّوحانية، المليئة برقة الحنان.

        إلى خيرة الأحباب وأصدق الأصحاب، وقوّة الثقة وصدق الإيمان، أنّ قوّة الحق المحيطة بهذا الكون هي سند المؤمنين الصادقين أينما كانوا، ولا يمكن أن يهزموا في يوم من الأيام.

        إلى قوة الأسرار أصحاب المحبة القلوب الصافية طريق الأجيار والأحلاف الكبار أبناء النور ومسلك العبور بسلام.

إلى أصحاب المحبة، وأبناء الحياة وسلوك درب النجاة وقوة الإثبات رغم غفلة النوام.

إلى كل أخوة الأديان ومحبة الزمان، وقوة الأيام ونور السلام.

إليكم النور الضحوي الروحي المضيء بالصفاء والبهاء وسمو الكلام لسلامة الوصول بسلام الى محطة الختام.

لكم التوعية والإرشاد الخصوي الآدمي للتوضيح ويقظة العقول ولغة التعامل والتخاطر وسلام المحبين، وفرحة المستيقظين المؤمنين الصادقين أصحاب اليقظة المتجددة والمظاهر المتعددة من كل فئة وشعب ودين، تجتمع فئات التوحيد وتحتفل بأفراح العيد وسعادة الزمن الجديد وتحقيق الإمكان بقدسية المكان.

لكم جميعاً أينما كنتم السلام التوحيدي الحق المتصل بالعالم الأسمى، سلام القلوب الصافية النقية والنفوس المتصافية المعنوية، والعقول المتفهمة المستوعبة معنى الكلام.

إليكم هذه الباقة من الأزهار الروحية الضحوية والأسرار القدسية من روح المحبة الى أرواح الأحبة لترتقي في معراج إظهار الحقيقة للمحقين والتصريح عن الصرح وبيان جوهر الطريق للسالكين، لمساعدة أحباب الحق أبناء النور أهل الذوق من جميع الخلق، المتشوقين لإجتياز جسر العبور، والوصول بعد سباق المهل الى دار السلام والأمان بسلام دون نوام.


الفصل الأول

I- كلمة البدء والختام وتمام التمام

من عيد لعيد يحلو التجديد

ويتواصل الإرسال الضحوي الجديد ليقظة أبناء النور أصحاب المسلك المستقيم، والنهج القويم والمحبة والنعم والبركات وسعادة اتصال الذات بالذوات، لكم السلام وأطيب الكلام. أينما كنتم لكم الحفظ والرعاية والتأييد والصبر الجميل، لا صبر المحن والإنتظار والمعاناة، وهنا نعود لنغم جديد ومخاطبتكم عبر ضحاكم وآدمية نفوسكم بلغة التجديد فتقول لكم:

إن وجد الاطمئنان ذهب التساؤول، وإن توفر الرضى والتسليم عشتم بأمان، فالقوة فيكم ولكم والواقع يخدم نفسه، ومعركة الزمان جارية لطرد الأوهام وتطبيق النظام، نظام خالق الخلق ومكون الكون، لا نظام أعداء الحق الذين يدور بهم دولار التغيير، وهم ساهمون لا هون في سكرة جهلهم يتخبطون وفي قبور الغفلة يرقدون. قوة القوة معكم لكم المحبة وقدر المواجهة بصبر وثبات مهما انحنى الطريق لا تراجع، لا تردد لا خوف، اهتموا بأنفسكم وتعايشوا مع متطلبات الحياة، ولا تتعلقوا بصورة الغير. أنتم كما أنتم لا يطلب منكم سوى الثبات وبعض الإهمال لما يحدث، وقلّة الاهتمام وراحة البال، وعدم الإصغاء لنغمة القيل والقال، فكل الدلائل تشير لدخول العالم في دائرة الإتمام التي تلي دائرة الكمال واستيفاء الأعمال، فالتوحيد لا يثبت دون دورة  الحياة لإكمال الإفراق وظهور النور، وتلاشي الظلمات بعد الغيرة والحيرة واشتداد موجة الكفر والعصيان وضعف الإيمان. حيث انجلت الصورة أماكم كما هي بالمنظار الحقيقي، وجمعت الصور بأفكاركم ونفوسكم، فتطهرت وصفت مرايا قلوبكم من بقايا الظلمات، وأصبحتم بحالة راحة واستراحة تسيرون بقوة وثبات ليوم الإثبات، لكم قوة تحقيق الذات والتركيز على الثبات والوعي والإدراك لنقاط مهمة مجموعة بصيغة الصبر، ومرور العصر الى دهر الدهور، واجتماع حقبة الزمان لإعادة ما كان وتحقيق الإمكان في قدسية المكان، فكأنكم بالكائن قد كان،والخفي المستور قد ظهر الى الإعلان والتبيان، وهجم القدر لإظهار العبر ودارت دائرة "كن" بإرادة المكوّن حتى ارتقت وظهرت شمس الحقائق وأشرقت، وملأت الأرض بنور ربها وانكشف ستار الحجاب، وعم الضياء والبهاء في كل مكان، فسلم أهل النشأة والبقاء أهل الذوق السعداء أبناء النور من الإستتار بعد الظهور، وحدث ما كتب في سجل القانون وما سيحدث من توحيد النون بإرادة مكوّن الكون. ولا تدور الأيام فيما تبقى من مهل الزمان إلاّ لتثبت لذوي الإيمان النخبة المختارة من أهل الأديان معاني التكوين، وتظهر كل ما تخبئه الصدور وتكشف كل مستور، وتكمل مرحلة التغيير بمشيئة العزيز القدير، مرحلة الانتقال الموعود لعنوان جديد لحلول الزمن السعيد والسلام المجيد، ورسم حدود للمتسلطين وإغلاقه يأخذ كل شيء معه. وكل الدلائل والمؤشرات تبشر بالكون الجديد، ولا تدور دائرة البقاء إلاّ لتكمّل جميع الأحباء، فتصبح دائرة الصفاء والنقاء والمودة والمحبة والأخاء.

فلتزغرد الآيات والكلمات، وتجمعكم بقوة لبزوغ الفجر الروحي الجديد، فلكم الفرحة والسعادة والإحاطة بالساعة والابتعاد عن التحديد. وقيلولة الزمان لا تعني عدم اقتراب ساعة إحقاق الحق، وإزهاب الباطل ولو كره المجرمون من جميع الخلق، ولا يسلم الآكل من التآكل ولا الجاني من العقاب ولا قيمة للباطل في جابن الحق والصواب.

فلتنعم نفوسكم أيها الأخوة الأخيار بالطمأنينة والسعادة والإستقرار مع تجاوز محطة الانتظار. فما سُلّط الزمان إلاّ ليترك الأوهام ويعيش بها الإنسان ويعلم الحقيقة بعد حين ويقطع الشك باليقين ويدرك بأن الشك والشرك وتد إبليس والشيطان دق في مكانه. وقد حان تغيّر زمانه فالاستعانة بالقوة الكبرى تعدل الميزان، وتغيّر الأحوال وتتحقق المطالب بالنوايا الصادقة وتسليم الأعمال وتثبيت مسيرة التوحيد الملزومة بالتطبيق، وتتسع موسوعة التعليم لاستيعاب الحر الصديق، وتعم دعوة إحقاق الحق بقوة اليقين لتنزيل الغشاوة عن أعين المغتشين، وكلما ارتفع مفهوم التوحيد وتقدم في الطريق المرسوم؛ كلما اشتدت الحاجة إلى أهل الحق وقوة التحقيق، لإزالة الوهم واقتران العلم بالمعلوم فلتكن الخطوات ثابتة وجريئة، متقدمة بغاية الوضوح والصراحة دون تردد وخوف، أو حسابات خاطئة لتبدل الأحوال والظروف.

فيا معاشر الإخوان ويقظة الإيمان باختلاف المكان، القوة منكم ولكم، ولا يتحقق الإثبات إلا بكم. مهمتكم كبيرة وهي تحديد وتوحيد وتركيز الخطوات، وتشجيع المتقدمين المتمسكين بحبل اليقين، والتقدم بإرادة ثابتة وعزم لا يلين بعيداً عمّا حدث وكيف ولماذا ومتى سيحدث، فالأحداث لا تحدث إلا بإرادة المحدث، والحديث عنها لا يغيّر شيئاً إلاّ بالمتحدثين الجاهلين الغافلين الذين حق عليهم القول في محكم آيات الكتاب المبين ) ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلاّ استمعوه وهم يلعبون( [الأنبياء /12]. الفشل يعميهم وطبائع إبليس والشيطان منذ القدم ترسخت وتجذرت فيهم، غرورهم وتكبرهم على الحق وشرورهم مردودة إليهم ليصطدموا بها فتدمرهم، وتمحو أثرهم الى أبد الآبدين، فما طالت الدائرة إلاّ لتستكمل كشف معاني الأسرار، وتظهر حقيقة معنى الجنة والنار ولمن عقبى الدار، وما تأجّج الصراع والنزاع، وتصاعد الأحداث والمستجدات وتفاوت الصاعقات والنكبات والمعاناة، واستبدال الأدوار وتأخير الفاتورة للآونة الأخيرة، وتنافر الأنتظار وضيق الصدور واهتزاز العالم بقوة في مضيق العبور، إلاّ لإثبات دورة اليقين، أبناء النور عبر العصور، أصحاب القوى الروحية، حقيقة قوة القوى الربانية، أبناء النور عبر العصور، أصحاب القوى الروحية، حقيقة قوى القوى الربانية، والعزة الكونية والتحكم عن بعد بمجاري الأمور.

القوة لكم إذاًَ، المحبة لديكم فكونوا دائماً سعداء واستعدوا لمواسم العطاء بإشراق الفجر الروحي الجديد، والعبور السعيد فالإيمان الصادق يصنع مثنى وثلاث، وإذا استعد السعيد فلا بدّ أن ينال ما يريد، فنظرة العجز والفقر والضعف الغيت والمرحلة الثالثة بنقاطها الأولى عادت واجتمعت، وللثلاثية عدل وإثبات وتحقيق ملاقاة الذات بالذوات، فأنتم يا أمة الحق أمام الموضوع وهو لكم، ولا يقوم ولا يتحقق إلا بكم. فعليكم امتلاك الراحة وعدم التفكير المفرط بالمسافة والحذر من القنط والضجر والتذمر والملل والإنتظار لتمام دحرجة المشاكسين، واستكمال دروس العبر للمتكبرين. فقلّوا الاعتراض على مجاري الأحداث، وروضوا نفوسكم على دوام الرضى والتسليم والاقتناع بالواقع، ولماذا وقع، واستقرار الواقع يعني نجاح قوة الخير بقوة اليقين لتلتقي نفوسكم بقواها الخفية،  وأنوارها العلوية، وتصل الى أعلى وأشرف الدرجات والمعارف والعلوم القدسية والإلهية. سر النجاح بداخلكم والمساعدة لكم، وبكم تنهض الهمم، ويرجع القدم وتستيقظ الأمم، وتُقرع أجراس العيد ويرتسم العنوان الجديد، والبحث عن سر الوجود فتأتي قصة الإثبات الملتصقة بوحدية الزمان، وتلتقي الذات بالذوات في قدسية المكان، ويعلم العالم حقيقة الحق المعبود الموجود، المليء لآل توحيده بكل موعود.

فترة المخاض العسير والانقلاب الجذري والتغيير

) ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكّرون( [الواقعة / 62]

وتحتفظ الروح بالخيط الرّفيع الذي يربطها عبر مسيرتها وصيرورتها من الكينونة الى الدّينونة، وتمرّ بمختلف الحالات والتقلّبات، وكل ما تأخذه من خلال مسافرات وتقلباتها نتيجة تجاربها وخبراتها، وخلاصة واقع فيض الإدراك المتحرك والمتأصل في نفس فطرتها، هو ذلك العلم المخزون في لا وعي حافظتها، وقناعتها المأخوذة من التجربة والخبرة القديمة، والحقيقة الأحدية للكلمة الأزلية، المستجدّة منذ البدء باتصال ذلك الخيط الرفيع من الروح بذاكرة الإدراك والوعي الأعظم للعقل الكوني، المطلق الدال على الله في الذات الحقيقية لكل شيء في دائرة الوجود الأحدية.

فالعقل هو رئيس جميع المبدعات والمصورات والمثلات التي تحته، وهو ممسكها ومدبرها، كما أنّ الطبيعة تدبر الأشياء التي تحتها بقوة العقل الذي يدبّر الطبيعة بالقوة الإلهية لكونه يحيط بالأكوان الطبيعية، وما فوق الطبيعية كلها بفيض المعلّ، الخير المحض، واجد الوجود، المنزّه عن الحد والمحدود، الذي أفاض على العقل جميع الخيرات والبركات وعلى سائر الكليات بتوسط العقل الأسمى الأجل الفائض بالصور والمثالات. فكل شيء في دائرة الوجود موجودة صورة في العقل، ولا سبيل لتوهّم شيء خارج عن المبدع الأصل. كذلك قيل بأن سبيل الفكرة الى ما فُقِد وليس الى ما جُهِل، وسبيل العلم الى ما وُجِد وليس الى ما عُدِم. والعلم تذكر والجهل نسيان، وبذلك جاءت الحكمة الفرقانية تفصل الآيات لقوم يفقهون ويعلمون ويتذكرون ويعقلون، وغير ذلك من التركيز في الخطاب على أولي الألباب الذين نخاطبهم في ضحى المعرفة، ونخصهم ونميّزهم ونعّرفهم بأهل الذوق، أخوة الإيمان وأمة الإخوان.

يسموا الكلام في المخاطبة الروحانية من عين العقل لترسيخ قواعد الإيمان، وتوضيح معالم الزمان، زمن الإنبثاق ورجوع الفروع الى الأصول، وعودة العاقل لتذكّر المعقول،زمن محو الباطل من قلوب الخلق، وغياب غياهب الظلمة من آفاق هذا الكون وظهور أنوار الحق، بل ظهور مظاهرة الحق المنبثقة من كنوز نعمة الأديان، ليعلو صوتها وترتفع راياتها في كل موضع ومكان كما كانت منذ نشأتها الأولى ستعود بإرادة العزة الكونية، ويتجلى الحق بأنواره الأحدية، وهياكله القدسية في مشرق شمسه الناسوتية، وكل شيء له حكمة وأوان.

فالأيام تدور وتدور عشية التاسعة والتسعين(1) من زمن بلوغ حضارة القرن العشرين، قمة الارتقاء المادي والتخلّف الروحي بعد دورة الدهور والعصور وصولاً الى النقطة المحددة عند مفصل التغيير وبزوغ صبحة الألفين، وانتقال العالم من فترة الظملة الى فجر النور. فالبشرة لكم يا أخوة الإيمان، يا كنوز نعمة الأديان، العارفين بمجرى الزمان، المتجذرين في أرض البركة المبارك حولها في حكمة الفرقان، فأنتم أهل الذوق والتذوق لأحسن القول الثابت في مجالي العقول، كنتم خير أمة أخرجت للناس في خير أوان، وأفضل العالم في أفضل زمان؛ طيّبوا نفوسكم وارفعوا رؤوسكم أينما كنتم، بوركتم وسلمتم من جولة الأبالسة والشياطين وتسلط المعتدين والظالمين، المتكبرين على الحق المغرورين اللاهين الراقديم في قبور الغفلة، التائهين في صحاري سراب الأوهام والأحلام، الغارقين في مستنقع تفاهات وملوثات هذا الزمان الذي صنعه إنسان هذا العصر فأصبح في خسر إلاّ أنتم الذين آمنتم منذ نشأتكم الأولى، وعملتم الصالحات بإصلاح مصابيح عقولكم لرؤية أنوار الحق، وتواصيتم بالثبات والالتزام بالأمانة والصبر في زمن يكون فيه القابض على دينه وإيمانه كالقابض على الجمر حيث يهجم زمن المفاجآت وخرق العادات.

فلا بد من انتظار الفرج بعد الضيق، ولا بدّ من التحلي بالصبر والشجاعة وقوة الإرادة والإيمان، والعزم والتصميم للتمكن من عبور المضيق رغم كل الصعوبات والمعاناة، ورغم اشتداد ظلمة آخر الليل في التاسعة والتسعين وما بعد الألفين من هجوم فترة المخاض العسير، والانقلاب الجذري والتغيير، ومفصل الفصل والحسم وتقرير المصير، ولا أحد يستوعب معنى هذا الزمن من أهله ويتذكر إلاّ النفر اليسير من أولي الألباب أهل الذوق والمحبة والشوق، أصحاب المعرفة والخبرة، العارفين بسر السرين، والمستبصرين بنور النورين، العالمين بالنشأة الأولى واستحقاق عودة معجزاتها وبراهينها، ودلالاتها التي تتسارع وتظهر

وتنكشف في هذه الفترة الكبرى، الفاضحة للأمم أعظم الفترات، فترة اهتزاز الشجرة الكونية بقدرة العزة الإلهية، لغربلة العالم أجمع من كل أمة  وشعب، وطائفة ودين تحقيقاً للوعد المحتوم، والأجل المعلوم لتمييز العالمين والإفراق بين المبطلين المنافقين المشككين، والمحقين الصادقين الواثقين.

ومن ثمارهم تعرفونهم، فأنتم الثمر الناضج لشجرة كون الكيان، يا من نخاطبكم دائماً بأخوة الإيمان، وأمة الإخوان، أهل الذوق على مائدة الحق في ضحى معرفتكم واستعادة سعادتكم ويقظتكم الروحية، والفوز بالسعادة الأبدية ومملكة المعارف الإلهية في زمن عولمة الحضارة المادية، وانشغال العالم بالنعم عن المنعم، والغرق في ظلمة الغرائز والشهوات والأطماع والإنزلاق في هاوية الدمار والخراب والإرهاب وتهجم وتسلط القوى الإبليسية الشيطانية مستشعرة فراغ مدتها واقتراب نهايتها.

فالبشرة لكم يا أخوة الأديان يا أهل النور والتوحيد والإيمان، أبناء الحياة وقوة الثبات في مسيرة الاثبات حتى تحقيق الإمكان في قدسية المكان واحقاق الحق بقدرة خالق الخلق ولو كره الظالمون المعاندون.

المتسابقون والواصلون

لا تزال النفوس الآدمية المتجوهرة بطبائع العقل الولية ترتبط بأصلها وشعاعها المضيء، بأنوار مشارق الشمس الأحدية، وتنعم بالسعادة العقلية وقوة الإيمان المستمدة من نعمة الأديان، وتجدّ لإستكمال سعادتها، وبلوغ غايتها، وعودتها إلى ربها راضية مرضية، بعد قطع المفاوز الكونية في رحلة الزمان والمكان بقدم الروح اللطيفة المسافرة عبر هياكل الأجسام الكثيفة، من سواحل البدايات الى شواطئ النهايات، من الكينونة إلى الدينونة، وقد اقتربت ساعتها وحقّت حاقتها، ولاحت علاماتها وظهرت دلالاتها فأين المفرّ لهذا الإنسان الذي حمل الأمانة وكان ظلوماً جهولاً الإنسان ) كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر يُنبّأُ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر( [القيامة /11- 12- 13]، فيا بني البشر، أبناء آدم المتأدّمين بشريعة آدم التوحيدية الواحدة حان الوقت لتنهضوا من غفلتكم، وتستيقظوا من رقدتكم، كفاكم نوماً وسباتاً وأوهاماً، ولهواً ولعباً وصراعاً وخصاماً، فأين أنتم من دورة الزمان واقتراب عقارب ساعة الألفين، معلنة اقتراب موعد عودة مسيح الأمم، ألا تسمعون الضجّة عالية في كل مكان فهل أصلحتم مصابيحكم بزيت المعرفة والايمان، وتيقّظتم قبل وقوع الحدثان أم ستهجم الساعة عليكم وأنتم لا تعلمون وتأتيكم بغتة وأنتم عن ورودها غافلون؟

ألا تشعرون وترون كيف تضج الأرض من كثرة جور إنسان هذا العصر؟, وكيف يعلو الباطل وتشتد ظلمة آخر الليل التي تسبق طلوع الفجر؟، وكيف يفاجئ الزمان أهل الشرّ والعدوان بمحنه ومصائبه؟، ويخرج لهم المخبآت من أهواله وعجائبه بعد الإمهال الطويل عبر الدهور والعصور، واقتراب الوقت المعلوم والوعد المحتوم كما جاء في محكم آيات كتاب الإشراق والنور في قصص وحكايات ما قد سلف من الأزمان والدهور تعريفاً لأولي الألباب بوحدة العائلة الآدمية، ووحدة الكلمة الأزلية في الأولين والآخرين من كل الأمم والشعوب، والحضارات والديانات، تردد على مسامعهم بكل الألسن واللغات الشرقية والغربية وكأنها بفم واحدٍ كلها نطقت بالكلمة السواء التي ضجت بها الأرض والسماء!، وهي الأمّانة التي حملها الإنسان وكان ظلوماً جهولاً، والأمانة هي هي كلمة الحق. والأنبياء والبشر هم هم أيضاً خلقاً بعد خلق، خلقوا على صورة خالقهم ليعرفوا نوراً في مرآة ذاتهم، وحقاً وعدلاً وأمانة في أعماق سرائرهم وضمائرهم، يجب حفظها بصدق وإخلاص، وتأديتها في كل حركاتهم وتقلباتهم، وتعبداتهم وما خلقوا إلاّ لغرض معرفتها، والسعادة بنعيم جنتها كما أشار بذلك الحقّ المبين على لسان من أرسل رحمة للعالمين ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون( [الذارياتت/56] (أي ليعرفون). ثم قال: أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وإنكم إلينا لا ترجعون( [المؤمنون / 11] فقد حصحص الحق لكل ناظر بعين العقل الى الحقيقة الواحدة المكنوزة في نعمة الأديان، وتوضحت معالم هذا الزمان الذي صنعه الإنسان المكنوزة في نعمة الأديان، وتوضحت معالم هذا الزمان الذي صنعه الإنسان، وأشرقت في سموات قلوب المؤمنين الموحدين الأنوار من شموس عالم الأسرار، وتفتّحت أبواب العناية الإلهية، وظهرت شمس الغيب في أفق القدرة القدوسية، وأضاءت أبواب العناية الإلهية، وظهرت شمس الغيب في أفق القدرة القوسية، وأضاءت سبل أبناء النور أهل الذّوق، والتوحيد والإيمان أهل البركة والخير والسلام، شعب الشعوب السادة الأحرار الأخيار الأبرار، والشعلة التي تنبر الديار وتبعث الأمل والسعادة والإستبشار بانتصار الحق، وعلو ك لمته التي لا بدّ للبشر من العودة إليها لاستعادة أمنهم وسلامتهم وراحتهم وسعادتهم بعد التجربة الصعبة، والمعاناة من ذروة الشدة والضيق، وبلوغ كبراء هذا العالم ومترفية وطغاته قمة مغامراتهم الشيطانية المشرفة بهم على هاوية الشفر العميق، فلا بدّ لكم يا أبناء النور من استعادة زمام المبادرة، والتحلّي بالشجاعة والإقدام، والتحرّر من الأوهام وترسيخ الثقة والإيمان بأن العزة الإلهية المحيطة بهذا الكون بقوة خفية لا يمكن أن تتخلّى عنكم، ولا يمكن أن يتحقق وجودها ويظهر فعلها إلا بكم ومنكم، فانهضوا يا أخوة الأديان ويا أمة الإخوان، واخرجوا من كهوفكم وتحرروا من أوهامكم وخوفكم، وثقوا بأنكم على برّ الأمان لأن الثقة عامل تأثيري مهمّ جداً في حياة الإنسان، وفقدان هذه الثقة يجلب الشكوك ويدخلها في القلوب فتتشتت العقول، وتضعف الهمم، وتخفّ الإرادة ويتلاشى الإيمان، يجب أن تثقوا بأن الغلبة في النهاية للخير، وأن السوء والشرّ مهما بلغ فلا بدّ من التغلّب عليه وإخماده وهزيمته، في ساحة الميادان، مكّنوا ثقتكم بالحق وعيشوا بالشعور الدائم، إنكم به محفوظون، وهو رقيبكم وحسيبكم وراعيكم، وحاميكم وهاديكم توكّلوا عليه يكفيكم واستعينوا به يغنيكم، انظروا إليه في ذات ذواتكم بعين صفاء عقولكم لتتعرّفوا على روح أرواحكم، وأصل أصلوكم وداوموا بقوة اليقين على قرع باب الغرفة السرية في أعماق لفائف قلوبكم، وأفئدتكم لتشغيل العقل الباطني في الإحساس اللاإرادي وإحداث صدمة إشعاع ذاتية تقوي القلب، وتفجر طاقات الذاكرة المفقودة للعقل المفارق، فتعلم الهمة المؤثرة لاستعادة الاتصال بالنور الكوني بواسطة الخيط الرفيع الذي يربط أرواحكم بأصلها، فتشعر القلوق بالقوة والشجاعة العالية التي تدخل وتتغلغل في جميع أنحاء الجسم، وتملأه قوة ونشاطاً وإحساساً بالثقة بالنفس، والرغبة والتصميم والصّبر والصمود والثبات، مع امتلاك الإرادة والقدرة لتحقيق الأهداف وتجاوز المصاعب مهما تعاظمت، ومن هنا يتحقّق القول المحكم المأثور المليء بالحكمة والنور إن الموحد المؤمن الديّان في توحيده وإيمانه، وثقته بالحق، شجاع غير جبان ومن هنا بداية طريق التحرر من مجسمات الأوهام والأحلام، والأباطيل الشيطانية المبنية على فراغ وعدم موهوم ليس له وجود إلاّ في العقول والقلوب الخاوية من المعارف اليقينية، فالعدم مضادّ للوجود، وسبيل يستدرج الى الإنكار والجهل والجحود، والإنسان عدو ما يجهل ومن هنا جاءت محنة الخلق عندما أضلّهم إبليس، وزيّن لهم الجهل وأغرقهم في ظلمة الحقد والكراهية والبعد عن الحق ومن هنا وقعت المسؤولية على الخلق، وقامت عليهم حجة الأديان وتباينوا في درجات السبق، فوصل السابقون المؤمنون الموحودن الصادقون، وقصّر الشاكّون الملحدون المكذّبون فخاطبهم الحقّ لجهلهم بمعرفته وعرّفهم بأنهم على كثرتهم ليسوا أهلاّ لطاعته ومعرفته ومحبته.

) لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون( [الزخرف /78]، ولم يكن قد غاب عن أذهاب البشرية صدى صرخة العقل الكوني، آدم الصفاء مسيح الأمم حجاب العزّة الإلهية الناطق بكلمة الحق الأزلية "أعرفوا الحق والحق يحرركم".

فيا أمة العارفين المستضيئين بأنوار الشمس الأحدية، المتجذرين في كل الأمم والشعوب والأديان، المجتمعين على مائدة الثقة والإيمان، كيف تنامون والعرس في داركم؟ هبوا فقد جاء دوركم، أميطوا عن نفوسكم اللثام، وتحرروا من كل الأوهام، لا خوف عليكم أيها الأحباء يا معشر الإخوان، أنتم منبت الأرض الزكية أبناء آدم وحواء، بكم ترقى الأمم وبنوركم تشع وتزدهر، وتظهر وتشعر بالخير والسعادة، والنور والضياء المنبثق كشعاع الشمس المتألق المليء بالجوهر الصافي، الخالي من الشوائب، ينير الخلائق ويشعرهم بالأمن والطمأنينة والسّلام. اعملوا على توحيد كلمتكم ونشر تقواكم يا نعمة الأخبار ويا نسمة رقيقة، مليئة بالأسرار، عيشوا الواقع أيها الإخوان، ولا تتذمروا من مشاكل الزمان، وتعلّموا من دروس الحياة الصّبر والصّمود، وتمكين الثقة بالحقّ والثبات، وانتظروا قليلاً لتنظروا بعيونكم مجازاة الأشرار وسقوط عروش الظالمين والطامعين، والمرتدّين المعتدين والمفسدين المغرورين، المتجّبرين الطغاة الكبار والصغار، فلا بد من هجوم الساعة التي لاحت دلالاتها، وظهرت علاماتها، ولا يفوز في نهاية مفاوز السباق إلاّ الضُمُر العتاق، أهل الصبر والصدق والثقة والإيمان، فرسان الميدان في كل عصر وزمان، هم الغالبون في نهاية النهايات ولهم قدس الأقداس، ومقر الاستقرار وعقبى الدار كما وعد بذلك الكتاب المبين عباده المحقين، أهل الذوق المستبصرين الواثقين بالحق اليقين ) لهم دار السلام عند رقهم وهو ويلهم بما كانوا يعملون( [الأنعام  / 127]، وقال مخاطباً الشاكين الجاهلين الملحدين ) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون( [الأنعام / 135].

) إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين( [الأنعام /134].


II- عودة صفاء الحق لنفوس الخلق... وبشّر الصابرين

ما بالكم يا أبناء النور تخافون أبناء الظملة

سلام عليكم، إخواننا الطيبين الخالدين في جنة الإيمان أهل الذوق نعمة الأخيار، أمة العارفين الأمجاد الأطهار، الناهلين ماء الحياة من أباريق الرحمة الحقيقية الصافية المتجذرة في عقول العارفين المتذوقين من أطباق النعمة وخبز الحياة الدائمة على مائدة حقيقية الإيمان، الجوهر الكامن في نعمة الأديان وفي كل عصر وزمان، وموضع ومكان من هذا العالم المترجف أمام عواصف التغيير التي هبت مؤذنة بانتهاء عصر الظلمة، وقـدوم عصر النور ) وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً( [الإسراء /81]. فالبشرى لكم يا أمة الإخوان وأخوة الإيمان. بكم ترقى الأمم، وبعلمكم تزدهر وبنوركم تشع من جديد، وينتصر الخير وينهزم الشر، سلمتم ودمتم دائماً شامخين متفهمين متبصرين مدركين أهل العزة والتكريم، شعب الشعوب الكريم والثمر الناضج من الشجرة الصالحة (زهور النرجس والياسمين أنوار بصائر الملهمين) الفروع المنبثقة من الأصول الراسخة لشجرة كون كيان الأكوان الأزلية، المليئة بالثمار القدسية لمقامات الجمع والفرق والتفصيل،  والاتحاد والأسماء والصفات لمبدع ذاته، المنزه عن مبدعاته ومصنوعاته بحقيقة التنزيه، المتعالي عن الوصف والتشبيه لا شيء مثله وهو السميع العليم.

أنعم عليكم وأنار رياض قلوبكم فأثمرت أشجار حقيقية، وزكت أراضي نفوسكم وتفتحت بورود حقائق العلم والحكمة الفرقانية، وأشرقت في سماوات عقولكم أنوار شموس العلم والمعاني لأسرار الآيات القدسية.

فليت الخلق يتفكرون في أسرار ظهور الحق، "وهل يستوي أصحاب الكفر والجحود وأصحاب الإيمان والتوحيد؟".

سيروا في الطريق السليم والنهج القويم والحق دليلكم وهاديكمم، وبنوره مبصركم، سلمتم من الزيغ والانحراف والأهواء المضلة، ولزمتم الطريق المستقيمة من كل علّة، بإمكانكم وتوحيدكم وصدقكم عرفتم وإلى ما أردتم وصلتم، فتقدموا برعاية العزة الإلهية والقدرة الكونية، الخافضة لأعلام الباطل وأهله الظالمين المعتدين، الرافعة لراية الحق لتعود كما كانت في البدء خافقة في سماوات قلوب الخلق. لكم البشرى يا أهل الذوق والمحبة والصفاء والنقاء الأخوة السعداء في نطاق واسع من الضياء. أنتم المستقبل وأنتم العهد الجديد المقبل بالتغيير والتجديد. فما بالكم يا أبناء النور تخافون أبناء الظلمة؟ فقد حصحص الحق وتميّز الخلق، وهجم زمن معجزات بدء التكوين ليكشف ما في الصدور، ويقرأ ما في السطور من آيات النور عشية و: ) العصر إوّ الإنسان لفي خسر( , )إلا أنتم يا من آمنتم وعملتم الصالحات وتواصيتم بالحق وتواصيتم بالصبر (.

فلم يبق إلا القليل لترتفع راية الحق فوق جميع الأمم، وتبقى خفاقة بنور دائم مع آلة الزمن، فيا أمة العارفين المتجذرين في كل أمة وشعب وطائفة ودين انبثقوا كشعاع الشمس يراه جميع البشر دائماً ظاهراً نقياً طاهراً، فيا لدهشة الأيام وسعادتها وعزتها إذا تحررتم من الأوهام، ووصلتم الى محطة الختام بسلام.

بكم ترقى الأمم وبعلمكم وفهمكم تزدهر، وبنوركم تظهر ويتحقق الحق، ويزهق الباطل ويضيء الكون أمامكم بنعمة الأزلي القدير.

برج البروج المتألق بالسمو والعروج على شاشتكم يزهو، ويلمع في زمن الإفراق بين أتباع الظلمة المنحدرين الى الدرك الأسفل، واتباع النور المنجذبين بقوة الانتساب الى عالم العقل الأرفع.

أنتم وسام الحق على صدر هذا الزمن المتدهور على صدر هذا الزمن المتدهور الذي ساء بشدة لدرجة أنّ العبد نسي المعبود، وتوافقت على العصيان والطّغيان نفوس أهل الكفر والإنكار والجحود. فالوصية مكتوبة منذ ألفي عام، مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الصغرى، فليس للموت الثاني عليه سلطان، فالقدر مكتوب والأحداث مكررة ومنوعة بشتى الألوان والأقنعة، وكل شيء له حكمة وأوان, والدقائق الزمنية معدودة لبداية النهاية لهذه السنة التاسعة والتسعين بعد تسعة عشر قرناً مليئة بالتغيرات والأحداث والمفاجآت، لكن الباطل مهما علا واشتعلت ناره وطغت أخباره وارتفع سقفه ليصل الى النقطة المعلومة ويلغي النهاية المحتومة فيسقط على رؤوس أهله عند بلوغ نهايته، وانتهاء جولته وتمام نظرته.

        لكم المحبة، أيها الأخوة الأصفياء الأتقياء الأمناء، يا أمانة الحق ويا كنوز الأسرار ونعمة الأخيار، يا أمل الروح الصافية الصادقة، ونبراس النور المضيء في الأقطار. أنتم رسل المحبة والسلام في أربع زوايا المعمورة وأقاصيها من مشرقها لمغربها. لكم أيها الأحباء بسمة الأمل وتحية المستقبل بصفاء الإضاءة القدسية لتشع في أعماق نفوسكم الشريفة وقلوبكم الشريفة وقلوبكم النقية الكلام بصفاتكم الطيبة وسيرتكم العطرة لا ينتهي، والشرح يطول، يا أكاليل الزهور وشذاها وأريجها الطيّب المالئ الكون بالنور والعطور، رغم تصاعد دخان حضارة الحريق والتمزيق في زمن الخراب والإرهاب والدمار، واقتراب نهاية كل قوى الغرور والتسلط والاستكبار.

        فلا بد لظلمة آخر ليل الباطل أن تذهب الى غير رجعة، ولا بد من تفتح مصابيح العلم واليقين في صدور المؤمنين الموحدين، أهل الذوب المتذوقين حلاوة نعمة الأديان لتتقدس صدورهم بالحق وكلمته الأزلية، وتتطهر من أدرانها وشوائبها ومن رواسب عالمها المظلم، وتتدبل أراضيها لتصبح محلاًّ لظهور الأسرار الأحدية، وبروز جواهر حقيقة الهوية بقوة التوكل، وترسيخ الثقة وتعميق الإيمان بحتمية انتصار الحق، ونهوض قوته في مواسمها الألفية لإخماد همجيّة الظنون والأوهام وملء الأرض عدلاً وقسطاً بتجلي أنوار شموس العلم والمعاني الروحانية، وظهور أسرار الحروف والكلمات بغير حجاب لأولي البصائر والألباب. وهذا هو سر التبديل والتغيير في قوله تعالى ) يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات (. فإذا الناس بخلق ومفهوم جديد لمعنى التوحيد واشراق ضحى شمس الحقيقة أسرار الحكمة الفرقانية لمعاني يوم العيد وأصباح لياليه العشر لذلك الفجر، فجر الوقوف بعرفات اجتماع الأحبة بمعنى الإخلاص وصدق المحبة.

        والشوق لإشراق صبح الحق وزوال ليل الباطل، ببركة ليلة القدر والفجر ونور ضيائه اللامع المتألق المضيء بشدة وقوة حاء ميم الحاوية كنوز أسرارها التسعة والتسعين، هي حقاً كما وصفها الحق إنها خير من ألف شهر، وسلام حتى هي حتى مطلع الفجر، فجر عودة اشراق صفاء الحق في نفوس الخلق وبشّر الصابرين.

التأملات العقلية والسبحات الفكرية

إن ما نسميه موتاً ليس إلا تبديلاً لما يباد ويفنى كي تتجدد الآلة، وتستمر الخدمة ويتحقق الغرض من الحياة الأبدية لما لا يُباد ولا يفنى. أي للروح الحية الدائمة التي لا تموت، كما شاءها مبدعها الحي الأزلي الذي لا يموت.

*  *  *

بالتأملات العقلية والسبحات الفكرية نستمد فيض الأنوار من قوالب الحروف التي تألقت في معجز الآيات القرآنية التي تحدثت عن كل شيء كان، وكل شيء سيكون الى ما لا نهاية.. ) وكل شيء أحصيناه في كتاب مبين ( .. وقد خاطبت عقولنا وأخرجتنا من الظلمات إلى النور، أي من جهنم الجهل الى جنة المعرفة، ومن عذاب الغفلة والموت في الجاهلية الى العلوم والمعارف العقلية.

*  *  *

بأمر (كن) خرج الحي من الميت، أي خرج كل شيء من لا شيء، بأمر مبدع الأشياء الذي ليس كمثله شيء، وخرج كل موجود حي الى دائرة الوجود بالأمر متماثلاً بالكنز الذي كان مخفياً، فأراد أن يعرف فخلق الخلق فبه عرفوه.

*  *  *

خلق الله سبحانه الإنسان على صورته، وخصّه بنعمة العقل، وفضّله على جميع المواليد والمخلوقات والأنواع، ورفع منزلته واصطفاه من بين خلقه، وأطلعه على عالم الإبداع، وجعله مثلاً أعلى لجميع الخلقة الجسمانية والروحانية... فكان الجزء الذي انطوى فيه سر الكل.

*  *  *

من حضارة عالم العولمة زالت آثار شموس الحق والحقيقة، ومحقت أشجار المعرفة والهدى وتفرق الناس شيعاً شأنهم بأيدي جهلتهم، وألهتهم رياسة الحياة الدنيا وأغرتهم وشغلتهم شهواتهم، فاتخذوا آلهتهم أهواءهم، فأصبحوا موتى ضلال في ظلام قبول الغفلة حول جيف أنفسهم.

*  *  *

لا بد من صحوة تعيدنا إلى حق حقيقيتنا، وتوجهنا إلى معرفة ذواتنا، فنتمسك بالعروة الوثقى، ونفك قيودنا من أسر المادة ونعلم أن المال واللباس والزينة هي التقوى، ذلك أفضل وخير عقبى.. "وهل يحسب الإنسان أن يترك سدى!".

*  *  *

حال كبراء هذا العصر أنهم سكارى بخمرة كبريائهم، وبما تهواه أنفسهم من حضارة مزعومة، وعلوم مادية مختلفة خالية من المعارف الروحية. وكل شيء لا روح فيه فهو ميت، ولا بدّ من دفنه عاجلاً أم آجلاً، ولا بد من العودة على بدء كما جاء في سورة الأنبياء ) يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً إنا كنا فاعلين(

*  *  *

الإنسان هو منذ الأزل وإلى الأبد، فهو الذي خصّه بكمال الخلقة، فكان على صورته وجعله خليفته في أرضه، وسلّطه على دون من خلقه، واصطفاه لقربه موضعاً لأمانته، فحملها وكان جهولاً بها ظالماً لنفسه، وما تلك الأمانة سوى معرفة خالقه كما توضح الآية الكريمة )وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ( أي ليعرفون، والحياة بلا معرفة كالموسيقى بلا إيقاع.

فكما أن غاية الشجرة هي الثمرة الطيبة، حيث إن الشجرة التي لا تثمر ثماراً طيبة تقطع وتلقى في النار، هكذا المعرفة في غاية العلم، لأن كل علم لا يوصل الى المعرفة ولا يرقى الى لطافة عالم العقل يبقى في حضيض كثافة عالم الطبيعة والجهل، ولا يثمر الشيء ولا يلد إلا نوعه وشكله، فلكل طبع يجتذب بالإيداع والتماثل الى طبعه وأصله.

لماذا خصنا خالقنا بنعمة العقل؟ هل لنتعلم ونشقى بعلمنا ونبقى في ظلمات كثائف السفليات، أم لنرتقي بعلمنا إلى معرفة مفيضها ومبدعها، خالقنا وخالق الأرض والسموات، وهو سبحانه الذي أحسن لكل شيء خلقه ثم هدى!

أينما قرأت وتأملت بعين العقل والمعرفة فثم نعمة الحقيقة الأزلية بالمعرفة في قوله: "أعرفوا الحق والحق يحرركم" تماماً كما تقول الآية القرآنية الكريمة: ) وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون( أي ليعرفون.

إن ما يتفجر في هذا العالم من شرور وأحقاد، وحروب ومظالم ومفاسد تكاد تضج الأرض من كثرتها، يثبت بأن العارفين المشار إليهم في كتاب هم المختارون من كل الشعوب والأمم، والمذاهب والأديان، وهم صفوة العائلة الكونية، والخصاصة من أثمار الشجرة الآدمية هم العارفون بالحق الواصلون إلى تلك السعادة بالمعرفة من جميع الخلق.

شجرة الأنبياء والرُسًل

الصوفيون القدماء قالوا إن العارف، إذا بلغ مقام المعرفة، تحصل له روحان: روح قديمة أزلية الهية لا يجري عليها تغيير واختلاف بها يعلم الغيب ويفعل المعجز، وأخرى بشرية عليها التغيير والتكوين.

*  *  *

المهتدون هم الذين سلكوا سبل العلم وصولاً الى المعرفة فاجتنبوا ثمار الحياة الدائمة من تلك الشجرة المباركة، شجرة الأبنياء والرسل والحكماء، وهم الذين يشكلون ذاتاً واحدة ونفساً واحدة، وروحاً واحدة، بل وجسداً واحداً وفماً واحداً ينطق بأحدية التوحيد، وسمو صمدانية التجريد.

*  *  *

لا فرق بين البيان الإنجيلي، وما تبعه من الوضوح والإشراق القرآني في بشارته لرسوله الكريم (ص) في قوله: ) إن الذين يبايعوننك إنما يبايعون الله( والعارفون هم الذين ينعمون بثمـرة المعرفـة التي يجتنبونهـا من كل علم ويستمعون القول ويتبعـون أحسنه، ).. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب( [آل عمران /7].

*  *  *

 وما الأمر في كل الكتب المقدسة والرسالات السماوية إلا واحد، والبرهان في قول الكتاب العزيز: )لا نفرق بين أحد من رسله( وإن كان لكل منهم هيكل معين مرسوم وزمن معلوم وشأن مقرر ولا إعلان مقدر.

النفس البشرية هي وعاء الخير والشر من حين فطرتها، وهي ميالة الى تحقيق ما في ذاتها في الحالتين، فأيهما غلب عليها عبر حيواتها الدنيا، وتقلباتها انطبعت بطباعه وتعودت عليه.

*  *  *

لكل نفس ما ألفته وما تعودت عليه ومارسته فأصبح طبعاً لها. فإذا ألفت الأشياء الحسية والمركبة المتكاثرة والمتضادة، وانخدعت بسرابها، وتاهت في ضلالها وظلامها، وخساستها وانسفالها عدمت نور العقل وانفصلت عن أصلها العلوي، وانعكست وارتكست في كثافة عالمها السفلي.

*  *  *

أما النفوس النورانية المتجوهرة بطباع العقل فتسلك طريق التوسط والاعتداء وتميّز بين الحرام والحلال وتأخذ حقها من الدنيا الفانية ولا تنسى سعادتها بالآخرة الباقية.

العلم تذكر والجهل نسيان

بذلك جاءت الحكمة الفرقانية تفصل الآيات لقوم يفقهون ويعلمون، ويتذكرون ويعقلون، وغير ذلك من التركيز في الخطاب على أولي الألباب الذين نخاطبم في ضحى المعرفة، ونعرفهم بأهل الذوق، أخوة الإيمان وأمة الإخوان.

*  *  *

لا بد من انتظار الفرج بعد الضيق، ومن التحلي بالصبر والشجاعة وقوة الإرادة والإيمان، والعزم والتصميم للتمكن من عبور المضيق رغم كل الصعوبات والمعاناة، والصبر على اشتداد ظلمة آخر الليل في التاسعة والتسعين لإستقبال صبحة الألفين، فترة المخاض العسير والانقلاب الجذري والتغيير.

*  *  *

العقل هو رئيس جميع المبدعات، والمصورات والمثلات التي تحته، وهو ممسكها ومدبرها كما أن الطبيعة تدبر الأشياء التي تحتها بقوة العقل الذي يدبر الطبيعة بالقوة الإلهية، لكونه يحيط بالأكوان الطبيعية، وما فوق الطبيعة، كلها بفيض المعل، الخير المحض، واجد الوجود، المنزه عن الحد والمحدود، الذي أفاض على العقل جميع الخيرات والبركات وعلى سائر الموجودات بتوسط العقل الأسمى الأجل الفائض بالصور والمثالات.

*  *  *

الأيام تدور وتدور عشية التاسعة والتسعين من زمن بلوغ حضارة القرن العشرين، قمة الإرتقاء المادي، والتخلّف الروحي لإنسان هذا العصر بعد اكتمال دورة ما سلف من الأزمنة والدهور والعصور، تدور تلك الأيام وتدور لتصل الى النقطة المحددة عند مفصل التغيير الألفيني وانتقال العالم من فترة الظلمة الى فجر النور، فالبشرى لكم يا أخوة الإيمان، يا كنوز نعمة الأديان، والعارفين بمجرى الزمان، المتجذرين في أرض البركة المبارك حولها في حكمة الفرقان.

*  *  *

إنه زمن إحقاق الحق وإعزاز أهله، وإعلاء كرامتهم ورايتهم بين الشعوب والأمم، وإزهاق الباطل وإذلال فراعنته وطغاته المستكبرين الظالمين، واسقاطهم من أعالي القمم.

إنها نعمة للمحقين الطائعين المعترفين المتواضعين، ونقمة على المعاندين المنكرين المتكبرين الأشراء، كما وعدهم الحق وذكرهم وأنذرهم في الكتاب المبين ) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ([غافر /52] )إنه لقول فصل وما هو بالهزل، إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً فمهّل الكافرين أمهلهم رويداً ( [الطارق/ 13 17].

*  *  *

من ثمارهم تعرفوهم، فأنتم الثمر الناضج لشجرة كون الكيان، يا من نخاطبكم دائماً بأخوة الإيمان وأمة الإخوان، أهل الذوق على مائدة الحق في ضحى معرفتكم، وسعادتكم بعولمة نعمة المعرفة الروحية بنور العقل، والفوز بالسعادة الأبدية ومملكة المعارف الإلهية في زمن عولمة الحضارة المادية، وانشغال العالم بالنعم عن المنعم، والغرق في ظلمة الغرائز والشهوات والأطماع الإبليسية الشيطانية.

*  *  *

النظام الكوني الذي رتبه المكون جل وعلا في أفقه الأعلى عندما أصدر "كن" اقتضى إتمام الخلقة وإحكام الصنعة في ارتباط اللطيف بالكثيف. فاللطيف هو العالم الروحاني البسيط والكثيف هو العالم الجسماني المركب. فما لطف إلى عالم العقل يرقى وما كثف في عالم الطبيعة يبقى.

*  *  *

سبحان من لو كشف عن قلوب خلقه الغطاء لرأوا في كل مخلوق فماً يسبح ذاته، وعيناً تنظر منه إليه. وسبحان من جعل لكم مخلوق طريقاً إليه، وفي كل روح نوراً منه، هو الحق تبارك وتعالى خلق الإنسان على صورته، وأحياه بالروح، جذوة من نسل نوره، يهتدي بها الى معرفته بذاته من ذاته.

*  *  *

كل شيء يسعى إلى غايته، وكل سبب يتبع سببه وكل فرع يعود إلى أصله، ويحن بفطرته الى جنسه وشكله، واللطيف جوهر شفاف قائم بذاته، متسرمد بالبقاء لتمام جوهريته مشارك لمبدعه في ديمومته وأزليته. والكثيف مركب محتاج إلى أجزائه، وهو حصيلة تأثير كل جزء في الآخرة، وهو غير قابل للديمومة والبقاء بذاته بل بدوام الحركة والسكون في دائرة التحليل والتركيب، والموت والولادة والوجود والفناء والسعادة والشقاء.

*  *  *

أهل الذوق والفهم والإيمان واليقين، هم أهل الإستقامة والصدق من جميع الخلق في كل أمة ومذهب ودين، صفوة العائلة الإنسانية وثمار الشجرة الكونية، جلساء الحق على مائدة النفوس المطمئنة الراضية المرضية التي استضاءت بنور ذات قدسيتها، وسعدت بجمال كمال إنسانيتها، وأسعدها الحظ ببلوغ تلك المقامات في خلوات الجذبيات والتجليات.

النفس والإهتداء بالعقل

النفس البشرية مرآة قابلة للصور التي تعرض عليها من نور العقل، ولوح يظهر ما يكتب عليه بقلم القدرة. فإذا كانت المرآة صقيلة جوهرية شفافة، خالية من شوائب الصدأ وغبار الكدر، ظهرت عليها بجلاء الصور المتغيرة الزائلة التي تشاهدها في عالم الحس، وتراءت لها ممثولاتها الثابتة الدائمة في عالم العقل.

*  *  *

فلكل نسخة أصل ولكل مثل ممثول، وتستدل النفس على لاممثول بواسطة المثل المحسوس الملموس، كما يستدل الناظر إلى الصورة على المصور لتلك المنتشرة في سائر أنحاء جسمه كما ينتشر الزيت في السراج والفتيلة.

*  *  *

إن مجموعة المشاعر الحسية والشهوات، وهواجس الفكر التي تعمل لتوفير العيش والرفاه والرقي والتقدم في كل ما يختص بحياة  الإنسان الدنيوية، إن كل ذلك من عمل النفس الحسية التي تطلب، كما سبق، كل ما تشتهيه وتريده وتألفه من العقل، وتلح عليه لتلبية رغباتها وتستحثه على ذلك، فإذا تعودت على استخدامه وإرغامه دائماً على فعل ما ترغب وتريد، يصبح العقل آلة طيعة لهذه النفس، وخادماً خاضعاً خانعاً لا خيار له سوى ما عودته عليه سيدته المتحكمة بمملكتها الصغيرة التي هي الجسم، تأمره وتنهاه، فيتحول بالعادة والممارسة من سيد آمر الى عبد مأمور.

وفي هذه الحال يعتاد العقل على الإنصياع والخنوع للنفس، والعمل في حلقها الحسي الكثيف التي تعيش به، وتألفه وترسب في ظلمته وثقله، وتتكبل بقيوده وقوانينه ومعاملاته وتركيباته التي لا نهاية لها، عندئذ تتعدد أعمال العقل ومهماته، وتكثر بحيث يعجز رغم طاقاته وإمكاناته عن النهوض بالأعباء المسندة إليه. ويعمل جاهداً ليل نهار، وكلما عمل وأنجز زادت أمامه هموم الأعمال المطلوبة منه، فيبقى غارقاً في بحر العجز والحيرة.

*  *  *

أما إذا تعودت هذه النفس ذاتها على الإعتدال والإنصياع لأوامر العقل، وأصغت إلى مشورته ونصحه وخبرته، في جميع الشؤون والشجون المرتبطة بعالمها ومملكتها، فحينئذ ترى هذه النفس ذاتها مرتاحة مطمئنة هادئة، متصلة بأصلها ومبدعها، مهتدية بنور العقل زوجها وسيدها ومرشدها ومدبر مملكتها وواهبها الشرف والعز والسمو والرجوع إلى حقيقة ذاتها المبدعة منذ الخلقة الأولى، تلك الذات الجوهر، الصوري، المصور، المتحرك، المحرك، الحي، العاقل، المميز، المتجه إلى معاني إرادته ومتطلباته، ذو الأخلاق الشريفة الخيرة السامية التي هي العدل والحكمة والجود والرحمة، ولا تفريق بين الروح الجزء الإلهي في الإنسان وبين العقل الذي بنوره يدرك المخلوق الذات اللطيفة للخالق في ذاته.

أما إذا كانت هذه النفس الحسية، كثيفة، شهوانية، طمست مرآتها بطبقات الصدأ والكدر فأظلمت وانعكست وأبلست، وأصبحت أسيرة شهواتها البهيمية، لوحها أسود مظلم لا يتلقى إلا ظلام الصور الكثيفة التي انقطعت عن أصلها، وانفصلت عن ذاتها الحقيقية اللطيفة، وعدمت نور العقل، ونسيت عالمها الأسمى، كأنها لم تكن تعرفه لما أحاط بها من ظلمة الجهل، فأنكرت خالقها، وأكلت من ثمار شجرة الزقوم الموصوفة التي طلعها كأنها رؤوس الشياطين، وماتت بإنكارها ميتة أبدية. وهذا ما أشار اليه الكتاب العزيز في قوله واصفاً أصحاب هذه النفوس) إن هم إلا كالأنعام بل أضل سبيلا   (.

*  *  *

في عمق المفهوم التوحيدي للأديان السماوية هذه كلها مظاهر البدء والختام، والأول والآخر، والظاهر والباطن للأمر الواحد، والكلمة الواحدة جوهر الدعوات والرسالات التي أنزلت على ألسن الأنبياء والرسل في مختلف الأزمنة والعصور.

فكلهم مطالع قدسية، وشموس إلهية، أشرقت بأنوارها على الشجرة الكونية، ودعت العائلة البشرية الى جنة القرب والإيمان، وأضاءت سبل الدخول إلى المدنية الأحدية، كأنها، مع اختلاف أزمنتها وألسنتها وهياكل ومنازلها، نطقت كلها بكلمة واحدة من فم واحد لغرض واحد في كون واحد )وما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة(. نطق الكتاب بهذه الآية، وبكثير من مثيلاتها التي تدل على الحقيقة الواحدة التي تعددت مظاهرها، وتفرقت أعراضها التي غلّفت جوهرها، فقصرت عن إدراكها الأفهام والعقول وتاه الخلق وضلوا عن الدليل والمدلول. وغرقوا في ظلمة جهلهم وحسبوا أنهم مهتدون.

*  *  *

المؤمنون هم الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وهم أولئك السابقون، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وهم الذين نعمت أرواحهم بمعرفة شجرة الخلود، فأصبحوا أثمارها وطابت أنفاسهم باستنشاق عبير الرائحة والرحمة من أزهارها، واستضاءت نفوسهم بنور ذات قدسيتها، وسعدت بجمال كمال إنسانيتها، وأنار الحق بإشراق شموسه بيوت قلوبهم، وأذن أن ترفع ويذكر فيه اسمه.

*  *  *

الكلمة الطيبة دائماً والخطاب لأولي الألباب ولقوم يفقهون ويعلمون ويعقلون، وللذين آمنوا بالحق سبحانه أولاً وآخراً، وباطناً وظاهراً في حكمة الأديان الموحدة في جوهرها رغم تعدد مظاهرها في الأولين والآخرين، فتسمح آذان قلوبهم ترجيع الكلمة الواحدة في كل عصر وزمن، وتطمئن بها نفوسهم  ) ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون ( [النحل /2]، وقال أيضاً وقوله الحق مشيراً الى الروح القدس الذي هو أمر اللهوكلمته ووجهه وبابه وأمين سره الذي تنزه به وأحبه قبل إنشاء العالم  )قل نزل روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين ( [النحل/102].

النفس والروح

كثيراً ما يقع الإلتباس ويحدث الخلط في الكلام عن النفس والروح، والفهم الدقيق لذلك يقتضي التمييز بين النفس الأزلية الجوهرية التي هي الروح، والنفس النباتية أو الحيوانية التي ينمو بها الجسم ويتطور من حال الى حال، وهي الحياة الطبيعية للمواليد التي تخضع لأحكام المدبرات والإجرام السماوية، والغذاء والهواء والبيئة، وما إلى ذلك من مؤثرات وقوانين طبيعية تتحكم بالمادة زماناً ومكاناً.

*  *  *

هذا هو حال المملكة الصغيرة أو الجرم الصغير (أي الإنسان) الذي انطوا فيه سر المملكة الكونية أو العالم الأكبر. يتناغم النظام ويستقيم ويتكامل بانصياع النفس لأمر العقل أما في حال المعكوس فيصبح كحال البيت الذي يغلب فيه أمر الزوجة فتصبح سيداً، ويضعف فيه شأن الزوج ويهزل رأيه فيتحول عبداً. والنتيجة تتأتى أو المحصلة لهذا الصراع ينتهي بغلبة الزوجة على زوجها، هي نفس النتيجة التي تتأتى من غلبة النفس على العقل، فتصبح عندئذ بهيمية شهوانية متطلبة راغبة في الإفراد والاندفاع متحللة من كل القيود، هائمة وراء إشباع أحاسيسها المضطربة في آلاتها وجوارحها كالنار الملتهبة. وكما قيل: كل نار تطفأ ونار الشهوة لا تطفأ. وهنا يمكن خراب المملكة الصغيرة ممثول الجسم والكبيرة ممثول العالم بأسره، كما يحصل فيما يسمى عصر الرقي والحضارة والعولمة التي تكاد تؤدي بالإنسان وتذيقه شر ما تهواه نفسه وبئس ما صنعته يداه.

*  *  *

لا عجب من انقسام العالم الى قسمين لا ثالث لهما من جميع المذاهب والأديان والأمم والشعوب التي تؤلف العائلة الإنسانية بكل فرد فيها كائناً من كان، وفي أي مكان وزمان، ومهما تنوعت وتعددت واختلفت حضاراته وثقافته، وهوياته وتوجهاته وانتماءاته، ولغاته وبيوت عبادته في ظل هذه الشجرة الكونية الواحدة وحقيقة قطوفها الدانية من الخير والشر، مهما بدت مظاهر أغصانها وأزهارها وأوراقها وأثمارها فهي لا تثمر في واقع تكوينها ونشأتها وحق حقيقتها سوى ثمرتين لا غير: ثمرة جبنة المعرفة والإقرار، أو ثمرة جهنم الجحود والإنكار، فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها.

*  *  *

إن أعمى القلب لا يهتدي إلى نور المعرفة، ولا يقبل منك أن يشكرك إن أنت هديته الى الكلمة السواء، ولا يفقه معناها تماماً، كما لا يشكرك أعمى العين على مرآة تهديه إياها. فالعين الصحيحة هي سراج الجسد الذي يرى في عالمه الحسي الأدنى، والقلب السليم هو سراج الروح الذي تدرك به عالمها العلوي الأسمى. كما إن العقل يتلقى الصور من أنوار السراجين، ويعمل على فرزها وتحليلها والتفكير بدقائقها ورقائقها وحقائقها ليصدر حكمة ومشورته ونصيحته فيما هو النافع والضار، والخير والشر، والدائم والزائل، والعالم والجاهل، والحق والباطل، إلى آخر ما هنالك من عمليات تحليل عقلية وسبحات فكرية في تجليات الخلات وتشكل النورانيات، ومقارنة المثل الكثيفة المادية المرئية وتشكيلاتها وهياكلها، وصورها المحسوسة السائلة الزائلة المتغيّرة الأغراض والأشخاص والأنواع، بمثالاتها اللطيفة المعنوية، وصورها وتشكيلاتها الحقيقية الدائمة الأبدية، كما تشكلت في قوالبها في عالم الإبداع حيث أصبح كل علوي عرشاً لكل سفلي.

*  *  *

إن الحديث عن الإبصار والعمى لا عن الأعين الشحمية، وما تتأثر به من ظلام ونور، بل عن المعارف العقلية والأنوار الإلهية التي تمتلئ بها، أو تخلو منها القلوب في لفائف الصدور. فالقلوب هي المرايا التي وضعها الخالق في المخلوق على صورته، وجعلها مساقط لأنواره ومحافظ لكنوز أسراره. فإذا كانت رياض تلك القلوب صافية نيّرة تلقت الأنوار وامتلأت بالأسرار، وفاضت بالمحبة والصدق والخير، فسمت بأصحابها إلى السعادة القصوى وجنة المأوى. وإذا كانت كدرة مظلمة وامتلأت رياء ونفاقاً، وفاضت بالخبث والحقد والشر، وانعكست وارتكست، ورسبت بأصحابها في قعر الجحيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

*  *  *

إن أولئك الذين ينبت الأفك في قلوبهم، قيسقونه بماء الضلال، قد أظلمت مرايا نفوسهم، وتاهوا عن الحق والحقيقة وألهتهم رياسة الحياة الدنيا، واتخذوا آلهتهم أهواءهم وتقلبوا في الآفاق وهم ميتون، ذلك بأنهم آمنوا ثم كفـروا فطبـع على قلوبهم فهم لا يفقهون. ) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فأحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون ([المنافقون / 3-4].


III- فجر النور وفرحة العبور

لأجلكم تنبأ آدم أبو البشر

السلام على أحباب القلوب، أهل الذوق الأصفياء الأنقياء، زهور الأمل والرجاء والورود البيضاء التي تزين حدائق القرية الكونية، وتملأها طيباً وعطراً وضياء كما تزين النجوم الزاهرة السماء وتنير أرجاءها رغم شدة الظلام الحالك الذي يسبق بزوغ الفجر، هكذا تبدو صورة هذا العالم المهزوز على بوابة دخول الألفين يرتجف بين صاعقتين كالمريض الذي يعاني سكرات الموت على وشك السقوط إنه حقاً زمن هجوم الكوارث والفتن والمحن، واشتداد غارات الغضب المزدوج على إنسان هذا العصر من ذاته لذاته غروراً وعنواً واستكباراً، ثم من خالقه عليه تأديباً واعتباراً واستشعاراً، كأنها تقول بلسان المؤمنين الصادقين المستيقظين: أما أن لهذه البشرية أن تستيقظ وتبتعد عن السقوط في شباك الشيطان الذي يطلب المزيد من الإتباع؟ فلا بد من استمرار حملة التوعية الإلهية لإيقاظ العالم وتذكيره بخالقه، وبقدرته وعزته وعظمته التي تصغر أمامها كل القوى الموهومة، وتتحطم تحت ضرباتها كل مباني هذه الحضارة المزعومة.

لقد حدث الكسوف فتوهمه علماء هذا الزمن مصدر رعب لما ينتظرون، ونذير شؤم وخراب ودمار وخوف مما يتوهمون، فأخطاب حساباتهم من حيث التوقيت الدقيق، وتضاربت آراؤهم في فهم النبؤات ورصد التغيرات والتوقعات واستولى عليهم الخوف والقلق والرهبة من حدوث الرجة الكبرى، والمحنة العظمى التي بها يمتحنون. فهل يستيقظون من سباتهم العميق أم يحق عليهم القول: )ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ( [الأنبياء / 2] ) خلق الإنسان من عجل سأرويهم آياتي فلا تستعجلون( [الأنبياء /37].

أتت آية الكسوف وأثارت في العالم الرعب والهلع والخوف وتتابعت بعدها ثورة غضب الطبيعة، زلازل وهزات وبراكين وعواصف وفيضانات، وفتن وصراعات، وفناء مباغت ودمار وخراب، وقتل وتشريد وظلم وجور، وإرهاب وعذاب وكل أشكال ومظاهر الآيات والتنبيهات والتحذيرات للتذكير بما حل بالأولين من الزمن الغابر لما عصو من أمر الحق الصادق الصابر وبالوصية المختومة التي اقترب موعد فك ختومها، وتوضيح مضمونهاومفهومها، وتصحيح قراءة كلماتها، وظهور براهينها وآياتها من القوة إلى الفعل تذكيراً للخلق باقتراب ساعة إزهاق الباطل، وأحقاق الحق، وحسم معركة النهاية بين الخير والشر المتصارعين منذ بدء التكوين وصولاً الى مفصل الألفين، وفتحت دفاتر تسديد الديون المتراكمة وارتفعت صيحة أبناء النور مذكرين بصرخة مسيح الأزمنة والعصور )اعرفوا الحق والحق يحرركم  (ما يتذكر إلا أولوا الألباب.

أنتم يا شيوخ العارفين، وذروة العاقلين المبصرين المتأملين مجريات الأمور، القارئين أسرار خفايا الحكمة الإلهية وتلويحاتها ورموزاتها، بمختلف ألسنتها ولغاتها وعبر الأزمنة والعصور، المتحققين استحقاق الوعد المحتوم والزمن المعلوم، لإنتقال العالم من عصر الظلمة الى عصر النور. ولا مجال للشك والحيرة والقلق والضياع بين السطور. فقد أزفت الآزفة وحصص الحق وتميز الخلق، وحقت عليهم آيات الكتاب المسطور: )ولقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون ([ الزخرف /43]. فالويل كل الويل للمتكبرين الحاقدين، الراقدين في قبور غفلهم ذوي النفوس المشوهة المظلمة بتراكم سحب الذنوب على مرايا القلوب، قلوب سلبت جواهرها وأخليت من كل محبة وأمل ورجاء، فأصبحت كالصخور الصماء، وأصحابها كالخشب المسندة تعجبكم أجسامهم وأفئدتهم هواء، فقد ألهتهم رياسة الحياة الدنيا، وانتفخت أوداجهم برياح الكبرياء والغرور. وفاجأهم زمن التغيير وهم لا يشعرون وكأنهم هياكل عظمية لا مثي لها إلا في القبور فالدائرة تدور ويقترب الأجل المرسوم والقدر المحتوم يقترب من كل المتكبرين المغرورين المتغطرسين ليدمرهم ويمحو أثرهم، وستداهمهم الأزمنة الصعبة وتحاصرهم بين استراحة غدر الزمان وغضب الأيام، فلم يعد ينفعهم نفاقهم، وقد سقطت أقنتعهم، واقتربت ساعتهم، وزالت عنهم النعمةوحلت بهم النقمة، وفاجأهم زمن هجوم الكارث والمحن، وغرتهم الحياة الدنيا، وانتفخت أوداجهم برياح الكبرياء والغرور. وفاجأهم زمن التغير وهم لا يشعرون وكأنهم هياكل عظمية لا مثيل لها إلا في القبور فالدائرة تدور ويقترب الأجل المرسوم والقدر المحتوم يقترب من كل المتكبرين المغرورين المتغطرسين ليدمرهم ويمحو أثرهم، وستداهمهم الأزمنة الصعبة وتحاصرهم بين استراحة غدر الزمان وغضب الأيام، فلم يعد ينفعهم نفاقهم، وقد سقطت أقنعتهم، واقتربت ساعاتهم، وزالت عنهم النعمة وحلت بهم النقمة، وفاجأهم زمن هجوم الكوارث والمحن، وغرتهم الحياة الدنيا فألهتهم عن المنعم بالنعم، فأين المفرّ لهؤلاء الجهلة التافهين، الساقطين المغرورين المتكبرين على الحق، السفهاء الذين تبصق عليهم في زمن التصفيات النهائية الأرض والسماء، عاصفة تأخذهم وعاصفة تلفظهم، وتمحو أثرهم الى أبد الآبدين، جزاء لكفرهم وطغيانهم وبغيهم وعدوانهم وشدة عصيانهم وعماهم عما في أيديهم من نعمة الحكمة الفرقانية التي تنطق بلسان الحق اليقين وتفصل الآيات لقوم يعقلون، وتنذر كل هؤلاء الجاحدين المكذبين المنافقين من كل أمة وشعب ودين ببئس المصير، وبيوم عسير:  )يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين  ( [الأنبياء / 104].

) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ( [الأنبياء / 105]. فلكم البشرى يا أهل الصبر والصدق، السائرين على دروب الحق المزدهر بالإصلاح، أرفعوا رؤوسكم وطيبوا نفوسكم وثقوا أنكم في نعيم عظيم طالما أنتم على النهج القويم والمسلك الملتزم بالصدق والإخلاص والإستقامة يعد إلا القليل لتفرح نفوسكم، والقليل إن كثر يواجه بالصبر والثبات في القول والعمل ليتحقق الأمل، وكلما ازدادت ثقتكم بأنفسكم ورسخ الإيمان في أعماق قلوبكم كلما تغلبتم على المصاعب التي تعرقل دروبكم.

لأجلكم تنبأ آدم أبو البشر فكنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فأنتم صفوة الأمم وخير من وطأ الأرض بقدم، سلمتم من كل كدر يعكر صفوكم، ومن كل جاهل متمسك بجهله لا يتعظ بالآيات ولا يعتبر بالعبر، ولا يصبر مع خالقه الذي صبر على الخلق وأمهلهم حتى أخذهم الغرور وظنوا أنه أهملهم، ولكنه أعطاهم المدة كي يرجعوا الى نفوسهم، وأكرمهم من أجلكم يا أهل الذوق والأنقياء الأتقياء، لأنهم يعشرون بينكم وإلا كان اقتلعهم من جذورهم منذ زمن بعيد، فهو مالك الملك من قبل ومن بعد المبدي المعيد، الفعّال لما يريد، هو وحده لا شريك له خالق الخلق ومحق الحق ولو كره الظالمون.

ولا يلقاها إلاّ الصابرون

السلام عليكم أيها الأحبة، سلاماً مليئاً بالإخلاص والثقة والمحبة، نبعثه إليكم دائماً مع إشراق شمس ضحاكم. طابت أوقاتكم أينما كنتم، ثبت الحق خطاكم، وألهمكم صلاحكم وتقواكم، وصبّر قلوبكم، وأنار دروبكم وزاد الصفاء والنقاء والإشراق وارتسمت على وجوهكم الفرحة المستبشرة، وعلّت البسمة الدائمة على شفاهكم الصادقة المعبّرة عن صفاء نفوسكم المطمئنة الواثقة.

لكم البشرى في مطلع إشراق الفجر الروحي الجديد. إبتسموا من كل جوارحكم فقد علت صيحة الحق، وأشرقت شمس التوحيد وأحرقت بأشعتها سراب الباطل وما يبدي الباطل وما يعيد. والعادة والتقليد أنه في مناسبات الأعياد تقرع الأجراس وتصدح أصوات المآذن، وتسمع الترانيم وتقام أفراح الأعراص وتبتهج بالمناسبة الناس أما أنتم فكل يوم عندكم عرس وفرح وعيد.

نور عقولكم يضيء طريقكم، ويجعل المعبر الألفيني مضيئاً أمامكم، لتعبروه بنعمة سلوك السلم السيم، رغم تخبط هذا العالم وغرقة في ظلمة حضارة الحريق والغريق، واشتداد حزام الشدة والضيق، وارتفاع الآهات واشتداد المعاناة عند عبور المضيق.

فقد هجم زمن التغيير وتقرير المصير، وحسم الصراع المزمن بين الخير والشر، والحق والباطل، والنور والظمة منذراً بزوال النعمة وحلول النقمة على المتجبرين والمتكبرين على الحق، المعاندين الشاكين الملحدين من جميع الخلق المعكوس المصاب بفساد العقول والنفوس من كل الأمم والشعوب والطوائف والمذاهب والأديان المتعددة مظاهرها، الموحدة من حيث حقيقة جوهرها.

فالدائرة الزمنية دارت مدارها الكامل عبر الأزمنة والدهور، واقتربت من المفصل الألفيني الحاسم الفاصل بين نهاية عصور الظلمة وبداية عصر النور. فلا بد من الصبر بفرح وأمل رغم آلام المخاض العسير وصعوبة زمن الانتقال والعبور. فلا تحزنوا وأنتم الأعلون، ولا تأخذكم الغفلة والغرور واللهو بتمدد زمن المهلة، فتأتيكم الساعة وأنتم غير مستعدين فلا تكونوا كالذين قيل فيهم في محكم آيات الكتاب المبين: ) ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون ( [الأنبياء/2].

وهل من آية في كل الكتب السماوية، والصحف الروحانية، والأحاديث القدسية في كل اللغات والألسن الشرقية والغربية إلا وتنذر أو تحذر وتذكر بالحق، وتدعو الى كلمته؟ وما يتذكر أولو الألباب، فالويل للراقدين في قبور غفلتهم عن الزمن المعلوم والوعد المحتوم وهم في سباتهم يتخبطون وبما في أيديهم من متاع اللهو والغرور يتشبثون. فعندما تأتي ساعة التصفيق والفرح الأكبر بالفوز والسعادة الأبدية تراهم حائزين، باهتين وترى وجوههم مسودّة، وأعناقهم شاخصة لا يستطيعون التصفيق خوفاً من سقوط أوساخ الدنيا من أيديهم. فالويل لهم، أما آن لهم أن يستيقظوا ويسمعوا، ويعوا، ليعودوا الى نفوسهم، فالخالق صبر عليهم بعد إقامة الحجة، وإرشادهم الى المحجة، وأمهلهم حتى أخذهم الغرور، وظنوا أنه أهملهم ولم يدركوا لعمى بصائرهم أنه سبحانه وتعالى أسبغ عليهم نعمته، وغمرهم بواسع رحمته، وأكرمهم إكراماً لأهل الذوق المؤمنين الصادقين الذي يعيشون بينهم وإلا كان اقتلعهم منذ زمن بعيد. أمد لهم المهلة ليستيقظوا من غفلتهم ويعودوا الى الصواب، قبل فتح دفاتر الحساب ودفع فواتير الديون المتراكمة عبر الأجيال السالفة وجني محصول ما حصلوا من خير وشر من أنفسهم وبأنفسهم، فالبشرى لكم يا أصحاب النفوس الرضية، والقلوب النقية أهل الذوق، أولي الألباب، أينما كنتم يا معشر الإخوان وأخوة الإيمان، إرفعوا رؤوسكم وطيبوا نفوسكم ويقظوها من غفلة الزمان وقووها بنور العقل وحرروها من ظلمة إبليس والشيطان، وعززوها بالصفاء والمحبة والتسامح والتشجيع العقلاني الروحاني، النفساني الصادق الواثق، وهذه طريق الفوز بتحرير القلوب من سجنها، وسؤال النفس عن حزنها وتشجيعها وحثها الدائم على التمسك بالحق، وصدق الإيمان والتحلي بالصبر الجميل على ما تبقى من دورة عجلة الزمان. فطريق التوحيد يناديكم، والشعلة المقدسة بين أيديكم تضيء لكم طريق النجاح المزدهر بالعز والفوز والنصر، وتعرّفكم على حقيقة ليلة القدر، وعلى أهمية معرفتكم وثقتكم بالفوز مع معشر الإخوان، وأخوة الأديان الممنون عليهم بخصائص الرحمة، وفائض النعمة في سورة العصر الذين لم يغرقوا في طوفان بحر المعاصي والخسر، وبادروا الى سفن النجاة، وآمنوا عملهم الصالحات وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، فأنعم عليهم خالقهم من أنفسهم وبأنفسهم نعمة صدق الإيمان والرضى والمحبة الخالصة، والثقة والإطمئنان، فلا بد من بلوغ نهاية الزمن المعلوم وإنجاز الوعد المحتوم، وأمر الإرادة الالهية والعزة الكونية هو أمر كن فيكون لا أحد يستطيع تأجيله أو تعجيله. فالدائرة تدور وتكشف مخابئ النفوس، وما تكنه الصدور، وأهل الذوق الأصفياء الأنقياء النجباء ذوو الأمل الكبير والحظ الوفير والفوز العظيم بالنعيم المقيم، ينعمون بالصفاء والنقاء والإشراق الذاتي، والمعرفة والقدرة على ترجمة سرّ الكون، وقراءة ما بين السطور وحفظ الوصية المرموقة على لوح الوجود، والمختومة بالشاهد والمشهود، الدالة على المدلول الواضح الملموس، وقد هجم زمن ظهور الأسرار، وعودة الدائرة الى مرتكز نقطة البيكار، وترجمة المعقول بالمحسوس.. "ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون" "ولا يلقاها إلا الصابرون".

الفجر الروحي الموعود

ودع العالم ما تبقى من أيام العام التاسع والتسعين بعد التسعمائة والألف، ويستعد لإستقبال الألفين، وتفترق وتتلاقى الناس، وتتهيأ لإقامة الاحتفالات وإقامة أفراح الأعراس كل على طريقته وعادته، فتصدح المآذن بالتسبيح والتقديس للواحد العزيز الجبار، وتقرع الأجراس وتحبس الأنفاس في زمن الامتحان والاعتبار الموعود منذ بدء الدهور والعصور، وهي حكمة مدبرة ومشيئة مرسومة ومقدرة، ووصية مكتوبة بقلم القدرة ومختومة بختم القدر، لا تقبل التغيير ولا التبديل، ولا التعجل أو التأجيل، تظهر في القوة الى الفعل، وتكشف الأسرار العلوية في الترتيبات السفلية، وتجسّد المعقولات بالمحسوسات وترتسم حقائقها على صفحات التشكيل والتمثيل.

إنه مطلع الفجر الروحي الوعود لجميع الأمم. فالبشرة لكم يا أبناء النور، يا خير من وطأ الأرض بقدم، يا كنوز الحقيقة وذخيرة الخليفة، والثمر الناضج المبشر بالخير والعطاء، وأحسن الغلال، وأجود المحصور، في وزمن اتصال الكاف بالنون، وعودة الفروع كما بدأت الى الأصول. فلم يبق إلا القليل ليظهر الدليل، ويدل على المدلول، والقليل مهما كثر لا يغيّ‍ر من المعقول.

من أجلكم تنبأ آدم أبو البشر يا أشرف الأمم، أصحاب الهمم منذ القدم ولأجلكم يعود إشراق الفجر الروحي لتنوير البصر وإظهار العبر، تباركت أوقاتكم أينما كنتم أيها الأحبة الأصحاء الكرماء، أهل الخير والعطاء، أصحاب الوجوه المشرقة بالمحبة والوفاء، والقلوب النقية المليئة بالصفاء والنقاء. إليكم أطيب الكلام وأنقى السلام من ربوع لبنان، سلام مليء بالعطور والزهور والأقحوان مع أجمل أنوار الحقيقة، لتصل الى قلوبكم، وتسمع آذان عقولكم صدى سمفونية الحق المعزوفة على قيثارة الزمان، تتردد على صفحات ضحاكم بأجمل الأنغام والألحان، وكأنها أناشيد العيد مع كل فجر جديد تبشر باقتراب تلاقي الأحباب بالطالع السعيد، وتعزف لحن الوجود للإله الواحد الأحد الفرد الصمد، المعبود المليء لآل توحيده أهل الذوق والمعرفة بكل موعود. فالبشرى لكم يا أمة الإخوان وأخوة الإيمان، أهل السلام المعتصمين بحبل اليعين قبل أهوال القيامة، المتحررين من أسر الزمان الفائزين بنعمة الأديان، أدامكم وأعزكم وأكرمكم، وأدخل الفرح الى قلوبكم والسعادة الى نفوسكم، وحماكم من جهل الجاهلين وظلم الظالمين، ورحمكم من هذا العالم المهزوز وأبعدكم عن السقوط، وجعلكم من أهل الصبر والصدق، المؤمنين الموحدين الواثقين المستيقظين، العارفين معنى معاني كلمة الحق، المتحررين من سجن الأنفس الإمارة بالسوء ومن كل القيود، يا أبناء النور عبر العصور، أهل الذوق النجباء، اصحاب النفوس المطمئننة الرضيّة، خزائن أسرار الكنوز الروحية والمعارف الإلهية، سجناء الصفاء والمحبة والنقاء، أهل البيت العتيق القديم والنعيم المقيم، ذوي الأمل الكبير والحظ الوفير بالفوز، والنجاح العظيم، "يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم".

لكم كل المحبة أينما كنتم، ولأي شعب أو أمة أو دين انبتستم، لكم البشرى بالنجاة والخلاص، يا خيرة الأمم المحفوظين بالعناية الإلهية في زمن تساقط الكوارث على البشر، وحلول النقم وزوال النعم بسبب عظيم التمرد والكفر والطغيان، وفقدان الإيمان في زمن عماء البصر ووقوع القدر، زمن المفاجآت وخرق العادات وإحقاق الحق ومحو الباطل وإسقاطه من قلوب ونفوس الخلق بإرادة ربانية، وقوة خفية أخذت تظهر في كل مكان في الأرض الدائرية بتحريك عاصف لقوى الطبيعة الخارقة، تنبيهاً للمغرورين المأخوذين بجنون العظمة. إنهم ضعفاء أذلاء حقراء لا يملكون سوى الهروب والإختباء من وجه الغضب الإلهي، ومن صيحة الحق القارعة، وما أدراك ما القارعة، خافضة رافعة، تقرب قلوب المكذبين المعاندين المتكبرين وتخفضهم وتلفظهم وتدمرهم وتمحو أثرهم الى أبد الآبدين، وترفع المؤمنين الصادقين المتمسكين بحبل اليقين، وهم السابقون السابقون أولئك المقربون ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، لتتسامى كلمة الحق بهم، وتتصاعد صيحتها لتسمعها آذان الكون، ويستيقظ الراقدون وتشرق الأرض بنور ربها، وتستعيد صفاءها وسلامها، وتملأ بالنور بعد انقشاع غيهبها وظلامها، وينتهي زمن الصراع والنزاع بانتزاع الكراهية والحقد والطمع من قلوب البشر لفراغ زمن الإبليس، وتمام نظرته وانتهاء مدته تحقيقاً للوعد المنتظر، ويعم السلام الحقيقي المتصل بالعالم الأسمى، وليس سلام هذا العالم المعكوس المتعثر في حظه المشؤوم بسبب ما غرسه الإبليس بطبائعه الضدية من ظلمة الحقد والكراهية في القلوب والنفوس. فطيّبوا نفوسكم أيها الأخوة الأحباء بمعرفة الحق ومحبته، فأنتم مسك الختام وروح السلام، والكنز الخفي وسر الأسرار المودع في خزنة كنوز نعمة الأديان، زادكم المولى إشراقاً وبهاء وأنار دروبكم أينما كنتم بالعلم والمعرفة، وملأ قلوبكم ونفوسكم وعقولكم بالمحبة الصادقة للحق والإخلاص له، والتمسك والثقة به والثبات والصبر والعلم والعمل حتى تحقيق الأمل.

وفي مسك الختام لكم البشارة والتهنئة والتشجيع أيها الأحبة مع خالص المحبة، يا أبناء قوة النور المشرق في داخلكم ليضيء نفق العبور، ويعزز الثقة والإيمان في أعماق النفوس، ويزرع المحبة في القلوب والصدور. فمتى وجدت المحبة الصادقة في القلوب الصافية تزول الظلمة ويشرق النور ويزول الشر من الوجود، وهذا هو معنى التغيير الجذري العاصف بأهل الكفر والكره والجحود، فقد هبت عليهم رياح الكوارث، وفاجأهم الزمان بمقدمات أعمالهم ليذوقوا عذاب الخلد بما كانوا يعملون كما قال الحق سبحانه وتعالى في كتابه المبين )ولنذيقهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون( [السجدة /20 - 21].

لكم البشرى يا أبناء النور

إليكم دائماً نتحدث ولكم نبعث مشاعر الصّدق والمحبة، عبر الأثير العابق بأنفسكم الطيبة العطرة. أيها الأحبة ذوو القلوب النقية المتحدثة في سرها مع بعضها بلغة سرية لا تخضع لقيود الزمان والمكان، ولا تحتاج لوسائل الإعلام والإعلان المنشغلة بنقل صور وأخبار الأحداث العاصفة بشدة في نهاية هذا القرن، وهذه السنة التاسعة والتسعين منذرة بالتغيير الجذري المنتظر مع نسمات فجر المؤمنين، وصبحة الألفين موعد إشراق الفجر الروحي وفتح أبواب علم الحقيقة بمفاتيح القدرة الصمدية، وبأيدي المشيئة الربانية كما في الوصية المشار إليها في كل الأديان  والنبؤات والرسالات السماوية.

لكم نتوجه بحديث الروح، يا أهل الذوق، أهلنا أينما كنتم تباركتم وانتصرتم بكلمة الحق وفزتم، يا أمة الإخوان، وأخوة الإيمان، وعزة وفجر الأديان، ذوي العقول الراجحة والأنوار الساطعة والبسمات المشرقة، والقلوب الدافئة المليئة بالمحبة والصدق والسلام، تضحك في سرّها لمعرفتها الصحيحة بترجمة أسرار الكون، والإطلاع على حقيقة الصلة الوثيقة بين الكاف والنون، وبين العقولات التي بدأت تتجسد بالمحسوسات،وتحدث تباعاً كما رسم مكونها ومبدعها، وأنى للمكون أن يخرج عن أمر المكون. إنها معجزات بدء التكوين، فالويل للمستكبرين على الحق الظالمين لأنفسهم، المغرورين بقوتهم وكثرتهم، المذكبين بالوعد المحتوم. )عالم الغيب لا يظهر على غيبه أحدا( [الجن/ 26]. )حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعملون من أضعف ناصراً وأقل عدداً( [الجن/ 24].

فكل شيء مكتوب ومقدر، والزمن مرسوم ومسطر، وكله امتحان واختبار تمهيداً لظهور مكامن النفوس، ومكنونات الصدور، وتمييزاً لأبناء الظلمة من أبناء النور في آخر الأزمنة والعصور. فالزمن لا يتوقف، بل يتجدد وينعطف ويميل ليستقيم، وهذه الكوارث والحروب، والمآسي والشرور والقدر الهابط على العالم فجأة مع نهاية هذا القرن، ما هو إلا حساب بسيط لتصفية الشر، ونجاة الحقيقة وحملة التوعية الإلهية وستستمر وتتصاعد إلى أن يعرف الناس مولاهم، ويعودوا الى رشدهم وهداهم. فالدائرة تدور، والأجل المرسوم لنهاية الفساد والمفسدين في الأرض يقترب ليدمرهم ويمحو أثرهم. وقد بدأت معجزات ومفاجآت المعركة الحاسمة لخفض كبرياء كل المغرورين المتسلطين الكبار والصغار جميع الشعوب والأمم،  الذين عاندوا الحق واستكبروا، وجحدو المنعم، وكفروا بما أولاهم ومن عليهم من النعم، فاستحقوا العذاب والعقاب والسقوط المفاجئ من أعلى القمم، ليدركوا ضعفهم وعجزهم أمام براهينه وآياته وينصحوا أنفسهم ويذعنوا للحق طوعاً أو كرهاً. كفى تمرداً وعصياناً وفساداً وشروراً. فقد جاء زمن إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، فأين المفر لأهل الظلم والجور من الحاقة الكبرى، الخافضة الرافعة عند مضيق العبور، وانتقال العالم بأمر القدرة الربانية والعزة الإلهية من عصر الظلمة الى عصر النور: )يهدي الله لنوره من يشاء، الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات والله متم نوره ولو كره الكافرون( [البقرة/257].

فيا أهل المعرفة والقرار، الوارثين عقبى الدار، الثابتين الصامدين الأخيار الأحرار ذوي النفوس الصادقة والمحبة الواثقة التزموا بالوصية، ونفذوا ما عاهدتم به بصدق وإخلاص، تعيشوا بنعمة ووقار وتتخلصوا من الجهل والإستكبار. أينما كنتم، ولأي شعب أو أمة أو دين انتسبتم، فالخطاب لكم، والتعويل عليكم، والنور بكم وفيكم ومنكم يسطع، ويلمع ويشع في جميع الأقطار، فصيحة الحق علت وقرعت أسماع البشر، وسمع النداء إلا من في أذنيه وقر، وصحيفة الحق بدأت بالتجديد وأذنت ليقظة النفوس والعقول، لتعود الفروع إلى الأصول، وسطعت أنوار شمس الحقيقة لإضاءة المجهول، لتشرق الأرض بنور ربها وتمتلئ عدلاً وقسطاً بعد أن تكون قد زلزلت زلزالها، وأخرجت أثقالها وقال الإنسان ما لها، وتتحدث مع بني البشر بلغة غير مألوفة، بلغة الدمار والخراب والكوارث والعنف، والإرهاب في عاصفة من الجنون تحتاج الكون، لغة النفوس الأمارة بوسوسة إبليس والشيطان ولغة الطبيعة مع ابنها الإنسان لتؤدبه وتهذبه وتذكره بخالقه صاحب النعمة والنقمة، لغة اهتزاز الأجرام والأفلاك العلويات، وانحراف الطوالع واختلاطها بالنيرات، وإحداث مزيد من التجاذب العاصف والحركات والزلازل والفيضانات وكأنها صوت القادر القاهر يصرخ ليسمع ما بين الخافقين،ما لكم تتخبطون في سباتكم العميق يا أبناء القرية الكونية، وما يأتيكم من ربكم من ذكر محدث إلا سمعتموه وأنتم تلعبون وتتلهون مشغولين بما في أيديكم من أوساخ الدنيا، فلقد أتى أمرنا فلا تسعجلون. )وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين( [الأنبياء/11].

فكيف الخلاص لعالم التزوير والإختلاص، عالم الجحود والنكران والبؤس والتشرد والحرمان، عالم الغرق في وسخ الشيطان حيث استشعر فراغ مدته، وتمام نظرته، فاستجمع قواه وأوقد ناره في القلوب الحاقدة، وزرع بذاره في النفوس الفاسدة، وترك أبناء ظلمته الفاسدين المفسدين في دمارهم يتعثرون. وكلما زادوا من ظلمهم وجورهم، وطغيانهم وفسادهم في الأرض ازدادت شعاراتهم أو ادعاءاتهم بأنهم يصلحون وهم يكذبون. أما أنتم يا أبناء النور، فلكم البشرى في مواسم الإستيقاظ والسلامة، طيبوا نفوسكم وروضوها على الصبر والثبات في طريق الحق، وانتظروا صيحة الفناء المباغت لكل الظالمين، أهل الحسرة والندامة، ها أنتم تشهدون مرحلة ذوبان الباطل وختام الحكاية، وعودة الأمور الى نصابها ومستقرها في قبضة مالكها ومفيضها ومبدعها المبدي المعيد، الغفور الودود، الفعّال لما يريد سبحانه وتعالى صاحب البداية والنهاية. فهل يترك الإنسان سدى وهو لم يخلق على هواه وكل خلق بمكانه بتقدير محكم وفعل متقن وليس بمكان سواه.

فأنتم أينما كنتم لكم من قوة النور منكم إليكم رسالة التأييد والبرهان، رسالة الصدق والثقة والإيمان، حروفها مضيئة بأنوار شمس ضحاكم، لتطلعوا على حق حقيقة ذاتكم في صفاء مرايا ذواتكم. وتعلمون علم اليقين المرتبط بجوهنر الدين: )عمّ يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون( [النبأ/ 1 - 5]، حتيى تنجلي الغيوم وتتضح الرؤيا، من أين أتت الملايين من أين اجتمعت وكيف التقت من قلوب افيمان، ونعمة الأديان، من كل مكان من النور القوي المشرق في ذاتها الذي أعطاها القوة، وأيقظها وعزز صمودها وثباتها وأعز بها مسيرة الحق وسار بها لتحقيقها على أرض الواقع واثباتها.

فلكم منا السلام والمحبة، يا أصحاب الحقيقة الصادقين المتمسكين بحبل اليعين، لا تؤثر عليكم الأحداث مهما كانت، فالمؤمن الموحد العاقل قوي صامد، ثابت على طريق الحق المزدهر بالنجاح، وكلما تطور الزمان زاد الإشراق الذاتي في النفوس الراضية المطمئنة، وترسخ الإيمان فالأيام تدور وتدور منذ آلاف آلاف السنين لتصل الى هذا المفصل الحاسم ليتميّز الجاهل من العالم. الدليل، ولا يوجد شيء في الدنيا اسمه مستحيل، والذين استكبرواوعاندوا الحق عندما يحيق بهم ما كانوا به يستهزئون وينكرون سيقولون )ربنا إنا أطعنا سادتنا وأهواءنا، وأضعنا السبيل( وعميت أبصارنا وبصائرنا عن الدال والمدلول والدليل. فلكم البشرى يا أهل الذوق الأخيار، أصحاب اليقين والصبر العظيم، يا لمسة الشفا وبسمة الرجاء المرتسمة بنور الحق على شاشة الوجود في مرايا الشاهد والمشهود. فقد تغيّر الحال وطُرح السؤال، فلتظهر على وجوهكم وشفاهكم دائماً بسمة الفرح والإستبشار، فأنتم أفضل العالم في أفضل زمان وخير أوان، وسيعلم المغرورون المنافقون لمن عقبى الدار.

وكل شيء في زمانه وأوانه، والظالمون المستكبرون على الحق أخذتهم صيحة أعمالهم، وسقطت أقنعتهم، وفسدت وكسدت بضاعتهم، وصمّت الناس آذانها عن سماع أكاذيبهم وادعاءاتهم، وزيف مظاهر شعاراتهم بأنهم يحبون السلام، وقلوبهم مليئة بالمكر والغدر والظلم. فويلهم من الصيحة الكبرى حين تأخذهم، وتأتي عليهم بغتة من حيث لا يحتسبون فتمحو أثرهم الى أبد الآبدين كما أشار الحق الى ذلك في كتابه المبين:

)أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين( [آل عمران/87]،

أنشودة صلاة الفجر وليلة القدر

)وكم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون( [النبأ/ 11]، )ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون( [القصص/51]، وهل يتذكر إلا أولو الألباب. أنتم أيها الأحبة أهل الذوب، أمة الصدق والإخلاص والمحبة، أخوة الأديان معشر الإخوان، أحبابنا في الأرض المعمورة في كل موضع ومكان، تباركت أوقاتكم،وطابت أنفاسكم بطيب نسمات فجر الإشراق الروحي المطل على العالم مع أعيادصبحة الألفين، رغم اشتداد حزام الضيق والرعب والخوف من موجة غضب القدر وجنون البشر التي عصفت بالعالم بعد الكسوف وأحدثت التغيير المفاجئ في سلوك الطبيعة، فعمت الكوارث والرواجف والزلازل والأعاصير، وتكدست الغيوم السوداء في سماء القرية الكونية منذرة بالمزيد من الكوارث والشقاء والبلاء والمحن والمجازر والحروب والفتن، والغرائب والعجائب والمصائب والنوائب. إنه حقاً زمن التجربة الأصعب في المحطة الأقرب من نهاية الرحلة وخاتمة المهلة، وبداية النهاية بفتح دفتر الحساب لتسديد الديون، وقد صعب قرب الوقت على الجاهلين، فتراهم حائرين لا يدرون ماذا يفعلون، دار بهم الزمان وهم ساهون لاهون، وحقت عليهم الحاقة وهم لا يشعرون ولا يتذكرون ما بين أيديهم من نعمة الأديان التي أرادها خالقهم حجة لهم، فجحدوها وجعلوها حجة عليهم. ولم يدركوا أنّ كل ما ذكر في صحف الأولين والآخرين منذ آلاف آلاف السنين جاء موعد استحقاقه وتحقيقه مع حلول الألفين،وقد تكاملت دورة الزمانوتمت نظرة إبليس والشيطان، وهجم الأجل المرسوم والقدر المحتوم لتدمير الشر وأهله ومحو أثرهم إلى أبد الآبدين كما أنبأت بذلك آيات الكتاب المبين ) ولقد جاءهم من الأبنياء ما فيه مزدجر، حكمة بالغة فما تغني النذر. فتولّ عنهم يوم يدعوالداعي إلى شيء نكر( [القمر/3-6] ) أم يقولون نحن جميع منتصر، سيهزم الجميع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر إن المجرمين في ضلال وسعر( [القمر /44-47].

فالبشرى لكم يا خيرة الأمم، يا حملة مشاعل النور عبر الدهور والعصور، يا أشعة شمس الحقيقة السالكين بصبر وثبات على المنهج والطريقة، خصكم الحق بكلمته وهداكم إلى معرفته، وأنار بصيرتكم وقوّى عزيمتكم وأدام ابتسامتكم. فكم تبدلت عليكم الأجيال وتغيّرت الأحوال وأنتم قّلة من الأخيار، أجسامكم الطبيعية الكثيفة على الأرض تسعى، وأرواحكم المعنوية اللطيفة في ملكوت السموات ترعى، وأنتم تعلمون أن الوصول الى القمة من أصعب المراحل، وقد وصلتم فلكم الثبات في خطواتكم الأخيرة وهي أصعب المراحل في هذا الصراع المزمن، والتجربة الصعبة التي يمر بها العالم ليكشف عن حقيقة جوهره من خلال ظاهره، فظاهره العنف والحقد والكره والإرهاب، ولغة النزاع والصراع والحروب والمجازر والقتل والدمار والخراب، وموجة الجنون التي تجتاح أرجاء الكون، جنون الإنسان وظلمه لأخيه لما تحويه نفسه الأمارة بالسوء وقد استحوذ عليها الشيطان الرجيم وأنساها حقيقة الله الرحمن الرحيم وأخلاها من الرحمة وأنساها النعمة. فاستحقت النقمة وجنون الطبيعة التي تحركت بأمر مبدعها فعصفت وزلزلت واهتزت تحت أقدام هذا الإنسان، وأظهرت له ما يستحق من الأهوال والكوارث والمحن والمصائب، لتذكره بحقيقته لعله يقلع عن تكبره وغروره وطغيانه، ويتوب عن كفره وشروره وعصيانه، ويتحرر من أسر زمانه، ويعود الى طرح السؤال ويفكر بأسلوب وغاية خلقه، فيرى بعين عقله حقيقة الصواب، ويسمح بأذن قلبه صدى الجواب )وما خلقنا الجن والإنس إلا ليعبون(.

فكم مرّ هذا الإنسان المؤمن الموحد العاقل عبر الأجيال، وكم صادف من مصاعب وأهوال، وكم انتقل من حال الى حال. ولا بد من السؤال الى أين يمشي، وماذا يريد في كل الظروف والأحوال، مرّ بالكثير الكثير وتنقل عبر الدهور والعصور، ولم يحمل سوى صدقه وإيمانه وعمله الصالح عبر رحلة التجربة الطويلة من سواحل البداية الى شواطئ النهاية، لم يحمل عرشاً أو فقراً أو مالاً، بل كلما انتقل من قميص الى قميص عاش بطريقة مختلفة عن سابقتها، ومن هنا يتحقق النجاح أو الفشل، ويتحقق الأمل بالعمل في موسم جميع حصائد القلوب، وتفلق السنابل عن الحبوب ولكل نبأ مستقر، والعبرة في النهاية لكل قصة وحكاية، مهما طالت، وتعددت فصولها ومالت فروعها ومالت فروعها وأصولها، فهي واحدة في خاتمتها كما كانت في بدايتها. النصر والعز والسعادة الأبدية لأبناء النور، أهل الذوق الصابرين الصامدين عبر العصور، والسقوط والهلاك والموت الأبدي لأهل الظلمة المتكبرين على الحق، الغارقين  في وسخ الشيطان وما زرعه في أعماق نفوسهم من بذور الشر والغررور.

فافرحوا وابتسموا من أعماق جوارحكم، يا أخوة الإيمان الثابتين في معركة النهاية على صدق الإيمان، واملأوا قلوبكم بالصفاء والنقاء والمحبة الخالصة الخالية من شوائب الظلمة، وثبتوا خطواتكم وحرروا ذواتكم من أسر الزمان، فلا تطرد الأوهام إلا بصدق الإيمان، ولا يطرد الكره والحقد والتكبر طبع الشيطان إلا بالمحبة الصادقة بين أمة الإخوان، وأخوة الأديان، فالمحبة تهزم سم الأفعى، وتليّن الحجر، ومتى وجدت المحبة زال الشر وانتهى من قلوب البشر والعاقبة لمن صبر والنعم لمن شكر.

فلكم كل المحبة أيها الأحبة، أنما كنتم، ليملأ الفرح والسرور قلوبكم في مواسم الأعياد، وقرع الأجراس وأفراح الأعراس، رغم ما يرهق ويقلق ويربك أحوال كل الناس، ورغم ما يهدد هذا العالم المرتجف من شدة الخطر والخوف من المستقبل المجهول، أنتم في مأمن وحصن قوي منيع، والسور المبني لحمايتكم عظيم ورفيع، لا تطاله أيدي الإجرام، ولا تنال منه لطخة العتمة والظلام، فقد قرب زمن زوالها، ومحو أثرها واضمحلالها، فسبحان مغيّر الأ؛وال ومقدر القدر المقدور الذي لا يقبل التبديل، ومظهره من القوة الى الفعل على صفحات التشكيل والتمثير، يعز من يشاء ويذل من يشاء وإليه ترجع الأمور. فالقوة صامدة في داخلكم تستمدونها من عزة الحق في ذاتكم لتعتزوا بها، وتعززوا صمودكم وثباتكم بفرح الأمل، ومحبة العمل، قوتكم هي أنتم، فلا تضعفوا النور المنبثق من ذواتكم أي من نفوسكم الراضية المرضية الراجعة الى ربها حرة أبيّة مطمئنة بصفائها واثقة بصدق محبتها وولائها، فلم صنعت قوة النور في داخلكم؟ أوليست مصدر القوة للفوز في معركة صراع الحق مع الباطل، لتنتصر بصمودكم وثباتكم وتتم سعادتكم باجتماعكم على الكلمة السواء عندما تترابط القلوب بالمحبة والإخلاص، والصدق والصفاء، وتتحدث بلغتها السرية من غير همس ولا ضجيج أو ضوضاء، وترفع لعزته تعالى خالص الدعاء، وعندما يتحقق الحق سبحانه من إخلاص السرائر، وصدق القلوب والضمائر، فيعطيها القوة من ذاتها، وذلك ما يسمى بالمهمة المؤثرة فتلبّى المطالب، وتستجاب الدعوات، وتتحقق المعجزات بإرادة خالق الأرض والسموات.

نعم أيها الأحباء أصحاب العقول الذكية المرهفة، والقلوب المحبة المؤتلفة، إن قوة جبارة تتولد داخلكم، مستمدة من كن فيكون، تحدث التغيير الجذري في أرجاء الكون بها تحققون كل مطالبكم ودعواتكم وأمنياتكم، فيشع الحق ذاتاً لطيفة في ذاتكم، ونوراً شعشانياً في صفاء مرآتكم، وتصبحون أنتم الطالب والمطلوب، والرغب والمرغوب والشاهد والمشااهد، فترتفع راية الحق وتسمع كلمته ويزال عنها الستار ويبرح الخفاء وتظهر، والعطر الفواح يضحك، والقلوب الصافية تتلألأ بالمحبة والمسك العنبر، والنفوس ترتقي وتبتهج، وتغني أنشودة صلاة الفجر، وليلة القدر، وتملأ أسماع الكون، فتستيقط على وقعها النائمون والراقدون، كلهم يرتلون ويسبحون، )سبحان خالق الخلق ومحق الحق، ومكون الكون، سبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون(.

كنوز أسرار الحقيقة وذخائر الخليقة

أنشودة إشراق الفجر الروحي ترددت أنغامها على مسامع آذان قلوبكم، أيها الأحباء في كل مكان، مع كل إشراقة صبح جديد ومع كل زغردة عصفور ومع كل نسمة مليئة بالعطور والزهور، لكم يا أمة الإخوان، وأخوة الإيمان، كل المحبة والسلام والوئام والاهتمام من محبيكم، أهل الذوق الذين يبعثون إليكم أينما كنتم، عبر ضحاكم رسائل الشوق من لبنان، لتصل إليكم مع انتشار الخيوط الشمسية عند إشراقتها الأولى على بقاع الأرض الدائرية، بعدما خيم الظلام ولفترة طويلة خرجت أنشودة إشراق فجر النور، لتضيء مضيق العبور، وتملأ القلوب بالفرح والسرور والسعادة والأمل والمحبة للعمل، وأي عمل يمكن أن يكون أطيب وأحلى وأصدق وأخلص وأرقى، وأعلى من صدق محبتكم؟ وخالص معرفتكم وثقتكم بالحق والحقيقة التي جذبتكم وهذبتكم، وألفت بين قلوبكم وجمعتكم على مائدة كلمتها، وأشرقت أنوار شموسها الأحدية على مرايا كل موجود ليسبّح بحمدها، ويحيا بنعمتها الوجود، وغمرت نفوسكم المطمئنة فأعطتها قوة من ذاتها، وزادت من صمودها وثباتها، فتشبثت بالطريق القويم، وعبرت المضيق بسلوك السلم السليم، ولم تحد عن الخط المستقيم لعلمها أنه ولو انعطف قليلاً في آخر مضيق العبور من عصور الظلمة الى عصر النور فمرجوعه الى الإستقامة والوصول بكم أيها الأحبة ما دمتم ثابتين في طريق الحق، إلى شاطئ الأمن والسلامة.

منذ بدء التكوين والدائرة تدور بين الكاف والنون وتقترب عقارب الساعة من نقطة الأجل المرسوم والوعد المحتوم، ويقترب العالم الغارق في الحلم المجنون من لحظة الإستحقاق الحاسم لما كانوا ينتظرون، وعنه يتساءلون ولا يشعرون، ولا يدرون أن العبارات المرسومة على لوح الوجود قرئت وظهرت، والمعاني استوعبت، والموازين انقلبت، والحاقة حقت، والقارعة هجمت، وقرعت قلوب الأمم الغارقة في أوهامها وأحلامها، فتنبهت وتساءلت عما يدهمها من الكوارث والفتن والمحن، والأهوال والمفاجآت التي لا تخطر على البال، وهزت رأسها واستنكرت، وتعجبت مستهزئة بما فعلت، واستسلمت لمشيئة خالقها طوعاً أو طرهاً عندما أدركت ضعفها وعجزها أمام القدرة الإلهية والعزّة الكونية وتراخت الهمم واستولت على المكذبين الحسرة والندم وناحت على مصيرها الأمم.

إلا أمة أهل الذوق أبناء النور عبر العصور، أصحاب القوى الخفية وصدق النية، أمة الإيمان الصادق والمعرفة بالحق، ونقاء السرائر والضمائر والأذهان المرهفة، أمة المعارف اليقينية من العائلة الآدمية في أربع زوايا القرية الكونية، انبثقت كشعاع الشمس، وأمت الأمم ورفعت راية الحق على كل منار وعلم، وعلمت وفهمت وتحققت من قرب تحقيق الوعد المحتوم والأجل المرسوم في زمن ظهور أسرار القدرة العلوية في الربوع السفلية ليكون الثواب والعقاب لجميع الخلق بفائد العدل والحق بمعارف أنفسهم ظاهراً أمام الأعين الشحمية. ونادى أصحاب الأعراف رجالاً يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون. )أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة أدخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون( [الأعراف/49]، )يوم تبيضّ وجوه وتسود وجوه، فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون وأما الذين أبيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون( [آل عمران/106-107]، )بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغيرعلم فمن يهدي من أضل الله ومال لهم من ناصرين( [الروم/29]. وهل من آية أو نعمة أو رحمة نزلت، أو كلمة طيبة قيلت عبر العصور والدهور على ألسن الرسل والأنبياء والحكماء إلا لأجلكم يا أبناء النور، أيها الأحباء السابقون السابقون، ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، أخوة الإيمان وأمة الإخوان، كنوز أسرار الحقيقة وذخائر الخليفة، العارفين منذ النشأة الأولى كلمة البدء والختام المكنونة في جوهر نعمة الأديان.

طابت أوقاتكم، وصحت توقعاتكم، وتعززت مسالككم، واستعت مدارككم، وتباركت أيامكن وساعاتكم، ونشطت قدراتكم على الصبر والاحتمال لما سيحل بهذا العالم المهزوز بعد الألفين من المصائب والكوارث والأهوال جزاء بمقدمات الأعمال.

فلكم البشرى بالفوز بسعادة الحياة الأبدية، يا خيرة الأمم، حفظة العهود والمواثيق والذمم، وخير من سعت بهم على الأرض قدم. لكم منا أيها الأحبة أينما كنتم وفي أي بقعة من بقاع الأرض عشتم، ولأي دين أو شعب أو أمة انتسبتم، لكم منا تحية إشراق ومحبة معطرة بصفاء القلوب، وصدق الوفاء والمحبة، نبعثها عبر ضحاكم رسائل شوق مشرقة بصدق النور، وحقيقة الفرح والسرور الذي استقر في صفاء النفوس والقلوب، وصقل مراياها وهيأها لتلقي أسرار الغيوب، حتى أصبحت من شدة صفائها ونقائها تستطيع أن ترى وتسمع، وتتخاطر وتتخاطب مع بعضها عن بعد دون أن تلتقي وذلك بلغة سرية وخفية، ولا تعيقها الحواجز والحدود الجغرافية، دون أن تلفظها الألسن أو تسمعها الآذان الحسية، آذان الذين أغرتهم مفاتن الحياة الدنيا وزخرفتها وزينتها، والهاهم التكاثر من حطامها وملذاتها وزعاماتها ورئاساتها، فنسوا حظهم من الآخرة، وفاجأتهم أهوال القارعة الخافضة الرافعة، فتباً للنفوس السقيمة العليلة، والبصائر الحائرة الكليلة، الصم البكم العمي الذين لا يفقهون، وقد أشار إليكم الكتاب المبين بمعظم قوارع آياته ومحكم سوره وبيناته في قوله: )أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون(، )وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون(، )وإذ تتلى عليهم آياتنا بيّنات ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآياتنا إن كنتم صادقين( [الجاثية/23-25]، )وبدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون، وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين( [الجاثية/33-34].

الويل للمذكبين المعاندين والبشرى للمؤمنين الصادقين

من دواعي الفرح والسرور التوجه دائماً منكم إليكم أيها الأخوة الأحباء، أبناء النور عبر العصور، أينما كنتم في هذا الكون لتصلكم عبر ضحاكم رسائل الإشراق والبشارة ببزوغ الفجر الروحي الذي كنتم به توعدون، وله تنتظرون، وقد لاحت دلائله وعلاماته، وظهرت براهينه وآياته، ولم يبق سوى فصل النهاية لبلوغ الغاية، والخط الكبير الممتد بين الكاف والنون لم يعد منه سوى شحطة صغيرة، ليصل الى النقطة المنشودة، ودقات الساعة أصبحت معدودة فانتظروا هنيهة لتروا ما يسركم، ويحق آمالكم، ويعجب خاطركم. فكل ما كان وسيكون في حاصلتين مختلفتين، وعالمين متصارعين متخاصمين منذ بدء التكوين وصولاً إلى نقطة الفصل ورجوع الفروع الى الأصل ولكل نبأ مستقر، ولكم نفس ما كسبت من خير وشر، وأنتم بحماية القدرة الإلهية تحلّوا بالصبر والشجاعة، واستشعروا قواكم الذاتية وإيمانكم وثقتكم بالحق وقوته، وعزته ومحبته، لتبقى في نفوسكم الأبية طهارة لها، ونوراً يبدد ظلمة آخر ليل الباطل رغم اشتدادها عند اقتراب موعد عودة إشراق أشعة الشمس الأحدية، لتعيد الدفء والحرارة والأنس لقلوبكم ونفوسكم بعد تغشيتها بوحشة الظلم الطبيعية، لترجع إلى ربها آمنة مطمئنة راضية مرضية. فلا بد من استكمال دورة الزمان،وإعادة ما كان ليتعظ  الإنسان بقوله تعالى )كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين(. فالويل للمكذبين المعاندين، والبشرى للمؤمنين الصادقين.

فالسفينة جادة في طلب شاطئ الفوز والنجاة، وقد تعودت على تجاوز المصاعب والعقبات، فلا تخاف الزبد مهما علا، ولا تخشى أعاصير الباطل مهما اشتدت، ولا تنحرف عن مسارها إلا تصحيحاً وعودة والتزاماً بقواعد الاستقامة والسلامة، والتعامل مع التعترضين على الحق، المستكبرين المعارضين لسبله، أهل الحسرة والندامة، أهل الظلمة المعاندين لأبناء النور عبر الدهور والعصور، فلا تخشوهم مهما علا بنيانهم، وتصاعد دخانهم، فهم لا يحسبون شيئاً أمام قوة النور التي أوده الحق سبحانه وتعالى فيكم، لتدافع عن ذاتها، وتعزز في وجه الباطل صمودها وثباتها، وتنهض بمعجز الإرادة الإلهية، وتظهر من القواعد الى الفعل أسرارها الخفية، ولتقيم الحجة على جميع الخلق، وترفع راية الحق، وصرخة الصدق، وتصنع السلام المتصل بالعالم الأسمى رغم أنف أعداء السلام الذين يفسدون وينافقون، ويدعون أنهم يصلحون فسيعلمون أي منقلب سينقلبون، فرب ليل ضاحك، وغيمة باسمة نراها تبكي، والغيوم أيضاً تضحك وتبكي في هذا الزمن المليء بالمفاجآت والتغيرات، وخرق العادات وتحريك الأفلاك والطبيعة بأمر مبدعها، لتجود بالنعم والنقم كما يشاء، وكما جاء بآيات الكتاب المحكمات ) أفلم يروا الى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض، أو نسقط عليهم كسفاً من السماء إن في ذلك لأية لكل عبد منيبٍ( [سبـ/9]، )زيّن للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب( [البقرة /212]، )يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكر إلا أولو الألباب( [البقرة /692] يعني أنتم أيها الأحباء الأخيار في الأولين والآخرين، أمة الأمم، أهل الذوب أخوة الإيمان، أصحاب العزائم والهمم، المتذوقين شهد معنى المعاني من نعيم جنة المعرفة لحقيقة الحق، أهل الصبر والصدق المحبين المختارين المتجذرين في كل الشعوب والأمم والأديان، أينما كنتم في الأرض المعمورة لكم المحبة والتحية والسلام. احذروا من الغفلة ومن هجعة القلوب مع امتداد المهلة، وحاشا الحق سبحانه من الإهمال بعد الإمهال، وإنما هي التجربة الكبرى والإفراق الأخير بعد الصراع الطويل عبر العصور والدهور، لتمييز أبناء الظلمة من أبناء النور. فهل يستوي الأعمى والبصير، والطاغون في الأرض والمفسدون الظالمون المتكبرون الذين يتمتعون بشهوات الحياة الدنيا ويأكلون ويشربون ويكفرون بالذي هم له مدينون وبه يتعبدون وينكرون ما هم له ينتظرون، ويشربون ويكفرون بالذي هم له مدينون وبه يتعبدون وينكرون ما هم له ينتظرون، فليذوقوا من عذاب بعض ما جنته أيديهم وما يستحقون، فلم يعد يساعدهم القدر ولم يعد لهم من أمل ورجاء في أرجاء الوعد المنتظر، لفراغ مدتهم وتمام نظرتهم مع من أضلوهم وأغووهم من شياطين وأبالستهم، وأسقطوهم الى الدرك الأسفل من علياء جنتهم، عقابهم شديد وقدرهم ومصيرتهم محتوم كما قال الحق فيهم في محكم آياته فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم، وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به...( [المائدة/13]. فالدائرة تدور والأجل المرسوم يقترب منهم ليدمرهم، ويمحو أثرهم وقد فاجأهم زمن إنجاز الوعد والوعيد، وأحقاق الحق وإزهاب الباطل وما يبدي الباطل وما يعيد، فلا عودة لدلاوب الزمن إلى  الوراء، فقد فتحت دفاتر الجزاء بمقدمات الأعمال في نهاية زمن الإمهال وقوة الحق أخذت تظهر في كل مكان من هذا العالم المضطرب، لتذكره باعادة النظر واستخلاص العبر، فسبحان الحق الواحد، الأحد الفرد الصمد، خالق الروح والجسد، محق الحق ولو كره الظالمون، ومحقق مطالب أحباب الحقيقة المؤمنين، ومنجز وعده لعباده الصالحين الصادقين، الموحدين الأخيار، أهل الذوق الأحباء الأصفياء والأطهار، أمة الإخوان وأخوة الأديان، المترابطة قلوبهم في طلب إحقاق الحق والخلاص من أهل الظلمة والكفر والعصيان، فالدائرة تدور وتدور لتنقلكم أيها الأخوة الأحبة، أصحاب السر والسرور من عصر اللظلمات الى عصر النور، ولكم عبرة بما يجري في هذه الزاوية الصغيرة من العالم، وتحديداً في لبنان، حيث تنهزم وتتراجع قوة الشر الباغية الطاغية أمام قوة الحق وصدق الإيمان، ويثبت المحقون الصابرون الصامدون، المدافعون عن حقهم، المقاومون لطغيان الباطل دون خوف ولا تراجع. فالمقاصد تلبي، والنصر حليف أصحاب الحق الصامدين الصابرين، الصادقين الواثقين بقدرته تعالى صاحب العزة والمتقين. جاعل كل شيء صعب التحقيق حقيقة بإذنه، مهما كانت قوة المعاندين المبطلين، فبالصبر والثبات تتحقق المعجزات ومن يعش الواقع ليس كمن يسمع الأخبار، ومن ير ويسمع ويعش التجربة ويقاوم على قدر طاقته، ويتحرر من الخوف والوهم، ويق بقدرة العلي الأعلى ينجح في الإختبار ويكون النصر حليفه، والفوز من نصيبه مع أهل الحق المؤمنين الصادقين الأخيار، ليشرق منهم وبهم فجر الوجود المزدهر لأبناء النور بكل موعود، حين يقال لهم  )سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار(.

اقتربت الساعة وانشق القمر

)وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر، حكمة بالغة فما تغن النذر، فتولّ عنهم يوم يدع الداع الى شيء نكر( [القمر/1-6].

وهذه هي حقيقة هذا العالم اليوم وفي كل يوم، لأنه هو هو منذ إبداعه وانطلاق مسيرة اختباره من سواحل البدايةحتى بلوغه ما نحن فيه على شواطئ النهاية، حيث لم يكن مرتجفاً مضطرباً مترنحاً على حافة السقوط كما هو اليوم على عتبة عبور الألفين، فهو تائه في صحراء حضارته المزعومة التي تعب كثيراً بتطويرها وتوسيع دائرتها، وظن أنها توصله لما يطمح إليه من السعادة والأمن والسلام والهناء، فأوصلته دون أن يدري الى حافة السقوط في هاوية الهلاك والبؤس والشقاء. غرق في ظلمة جهله للحق رغم وفرة علمه ورقيه وتطوره، وهجمت عليه أزمنة الشدة والضيق، وضيقت عليه الخناق عند عبور المضيق وتحولت النعمة التي لم يحسن مصاحبتها الى نقمة، فكثر الظلم والفساد والطغيان، وعمت الحروب والصراعات والكوارث والنكبات، وأظهر الزمن العجيب ما خبأ من المفاجآت وظهر الباطل واختفى الحق وزادت الظلمة في نفوس الخلق، وأظلمت القلوب من نور المحبة وامتلأت بالحقد والكره وخلت من الرحمة واختفى منها النور وسيطرت العتمة.

وتعمقت بذرة الشر التي غرسها إبليس في القلوب والصدور، وإستولى على طاقاتها فأصبحت بتصرفه، ولم تعد  تشعر وتفكر بنور العقل بل بلظلمة الغرائز والمطامح والشهوات، والتكبير والطغيان والغرور، فطغت قوة الشر وتحكمت، وهبط الإنسان المخلوق على صورة خالقه من جنة القرب منه الى جهنم البعد عنه، ونسي العلي الأعلى معنى المعاني، خالق الروح والجسم، ولم يعد لديه منه إلا الإسم. وعواقب نسيان الحق كبيرة وخطيرة، إذ تراكمت سحب الذنوب وغطت سماوات العقول والقلوب وأصبح إنسان هذا العصر لنفسه بنفسه العدو اللدود، والخصم المبين، إلا الذين أنعموا على أنفسهم بسوابق أعمالهم الصالحات وكانوا من المؤمنين الصادقين، وحفظوها من الشوائب والكدر والعكورات،وطهروها بنور المحبة والإيمان الصادق والثقة والصبر حتى تحقيق النصر، للوصول بهم في سلم الإرتقاء الى أعلى الدرجات والفوز بالسعادة القصوى، وجنة المأوى التي تستقر بها النفوس وترتضي، وتطمئن وتأمن من الخوف والقلق والاهتزاز مع هذا العالم المعكوس اللاهث وراء صنع السلام بالكلام، وبسلاح القوة والإستكبار على الحق والظلم والعدوان. فالسلام مفتاحه الصدق والإخلاص في القول والعمل، يملكه الصادقون المحقون المؤمنون الشجعان، ولا يمكن أن يملكه أو يصنعه الظالمون المعتدون المتكبرون، المختبئون وراء الأقنعة والشعارات الزائفة كما تختبئ الذئاب بجلود الحملان. والأقدار لها الدور الأهم في دورة الزمان ولها تقلبات ومفاجآت. فالدائرة تدور والأيام تتضاءل والأجل المرسوم والقدر المحتوم يقترب من أهل الباطل ليدمرهم، ويمحو أثرهم ويطهر الأرض من رجسهم ويملأها نوراً وعدلاً وسلاماً بعد أن أفسدوا فيها وملأوها جوراً وظلماً وظلاماً.

فالبشرى لكم يا أبناء النور، يا رياحين الدهر وخيرة الأمم عبر العصور، عرفتم الحق فتحررتم منذ النشأة الأولى وشربتم ماء الحياة، وبادرتهم الى سفن النجاة فنجوتم من طوفان نوح ووصلتم بعد طول السفر الى طريق مزدهر مفتوح، مليء بالسعادة والسرور واقترب الزمان بأهله من موعد إنجاز الوعد المنتظر، والعودة بالبشرية الى ربها ليحكم بينها بما نهى عنه وبه أمر، كما بشر بذلك وتنبأ من أجلكم آدم أبو البشر. فقد تسابقت الأمم، وتسامت الهمم، وحصحص الحق وتميّز الخلق وفاز بالسباق السابقون، الضمر العتاق، وخسر الرهان كل الراكضين خيل الأبالسة أصحاب الكرة الخاسرة الذين ظلموا أنفسهم، وأغواهم الشيطان فأظلمت مرايا قلوبهم وخلت من نور المحبة وغرقت في الكره والحقد وملوثات أوساخ هذا الزمان. فمرحباً بكم وسلامنا وتحياتنا ومحبتنا لكم، يا أخوة الإيمان وأمة الإخوان، يا نعمة الخيار ونبراس النور المضيء في الأقار، يا سعادة القلوب ورسل المحبة والسلام في كل موضع ومكان، ومن كل الأمم والشعوب والأديان، أينما كنتم تباركت أوقاتكم، وتفتحت عقولكم وزادت صفاء ونقاء، واتحدت قلوبكم أيها الأحبة، وترابطت ببعضها رغم بعد المسافة، وتكلمت بلغة الصدق والإخلاص والمحبة، ليبقى إيمانكم الصادق وثقتكم بالحق وثباتكم في طريقه المزدهر هو المرآة التي تعكس صفاء قلوبكم ونقاء نفوسكم فتجعلكم تسيرون الى الأمام، وتتحررون من كل المخاوف والأوهام. ولا تجزعوا مهما تحركت الأيام ودار الزمان، فقد لاح البرهان وزالت الأوهام فليس لإبليس عليكم سلطان، ولا لجنوده المتربصين بكم والمعرقلين لمسيرتكم، الظالمين الحاقدين لديكم مكان، ستنعكس عليكم رياح غرورهم، وترميهم الى أسفل السافلين، ويحيق بهم مكرهم ويحترقون بنار حقدهم وكفرهم، ويظهر الحق سبحانه وتعالى العبرة فيهم، كما جاء في كتابه المبين )الم ترك كيف فعل ربك بأصحاب الفيل الم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيراً أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول( [الفيل /1-5]، )وقيل لظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون، كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون، فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون( [الزمر /24-26]. فلا يضركم كفرهم إذا آمنتم، ولا كذبهم إذا صدقتم، ولا كرههم إذا أحببتم، ولا إعوجاجهم إذا استقمتم. لكم نبعث عبر ضحاكم رسائل المحبة والشوق لتصلكم أينما كنتم سالكين طريق النور المزدهر بالأمن والسلام والسلامة، سلمتم وسلمت أعمالكم وطابت أقوالكم وأفعالكم، وتغلبتم على كل الصعوبات وتخطيتم كل العقبات، وحولتم كل أمر مستحيل صعب التحقيق الى واقع ملموس بقوة الأمل، وصدق القول والعمل، والإرادة والعزم والتصميم، قوة النور الموجوة داخلكم التي وحد بها قلوبكم، وجمعها خالق الخلق، ومحق الحق، صاحب القدرة ومظهر العبرة، العالم بما في صدور العالمين، صاحب العزة والتمكين، أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين، جامع شمل المحقين الموحدين، أهل الحق أهل الصبر والصدق من كل طائفة وأمة ومذهب ودين، إرفعوا رؤوسكم، وطيّبوا نفوسكم وعرّفوها أهمية ذاتكم وقوة ثباتكم، سلمتم وقويتم بقوة العزيز الجبار، الحكيم خالق الخلق ومحق الحق، ومفيض النعم ومظهر العبر، الملهم لجبريله وصفيّه الحكمة الفرقانية لهداية ذوي العقول والألباب، أهل الذوق من العائلة الآدمية الواقفين على حقيقة أسرار المعاني في الآيات والسور، المدركين ببصيرتهم معنى اقتراب الساعة وانشقاق القمر، وحقيقة ليلة القدر وحلول القدر ومعنى )فتول عنهم يوم يدع الداع الى شيء نكر( [القمر/61].

تمسكوا بنعمة الأديان وتحرروا من أسرار الزمان

ضحوية عيد رأس السنة الهجرية من "عبد المولى" الى جميع الإخوان في الأرض المعمورة.

السلام عليكم يا أحباب الحق، وقوة النور، أخوة الأديان وأمة الإخوان، سلام محمل بعبق الأزهار والنسيم المعطر بالريحان، ليصل اليكم عبر ضحاكم من لبنان اينما كنتم وكيفما توجهتم، وأطلعتم فعرفتم، ومن ثم توصلتم الى حقيقة الحق، وأنيرت قلوبكم بنور الخالق، فاصطفاكم وميّزكم بصفاء أرواحكم، وتقواكم وجعلكم حملة راية الصدق، وحجته على جميع الخلق، فلا تأتوا بالعجز والضعف بعد الإقدام، ولا تغترّوا بمدارج مهل الأيام، فتستوفي عليكم الغفلة، وتلهيكم النعم عن المنعم ذي الإجلال والإكرام والإنعام.

أنعم عليكم فتناسيتم، وأظهر لكم رسله فاستكبرتم ورفضتم، بعدما اعترفتم وجحدتم. يا أصحاب النفوس الضعيفة والقلوب الرافضة، والبصيرة التي تدّعي العمى وما هي بعمياء، ويقتلها الداء وتستمر برفض الدواء.

استيقظوا من غفلتكم فقد آن الآوان، وتناهت بكم الأوقات والأزمان، كفوا عن أعمالكم المحبطة والمهبطة، ألا يكفيكم نومكم طوال هذه السنين؟ هبوا واستعدوا ولنصرة الحق، تقدموا ولا تصنعوا كمن يأكلون ويقولون نحن جائعون، المعرفة أمامكم، فماذا تنتظرون؟ وبماذا تلهون وتلعبون وتفعلون؟ أتأكلون القشور وترمون الثمر وتهتمون بالمظهر وتهملون الجوهر وبأوساخ الدنيا تتلوثون؟! لا تكونوا كالذين قالوا إنا كنا معكم وعلى إيمانكم وتوحيدكم أطلعنا، ثم نسينا و عصينا وضعنا، ولا كمن يعرفون الى ما يرمز إسلامهم وتسليمهم فانتهكوا حرماته، وأهملوا مفترضاته وضاعوا في متاهات دنياهم، ورغبوا بمغرياتها والتهوا بأوساخها وشهواتها، وأهملوا دينهم فتغير باتباع الحق يقينهم، فعصوا الدليل وأضلوا السبيل، وابتعدوا عن النهج القويم والصراط المستقيم جيلاً بعد جيل، إلى أن دارت الدائرة وسهرت بهم الساهرة، وقرعت القارعة الخافضة الرافعة، ورمت بكل المتكبرين المغرورين الضالين عن طريق الحق أصحاب الكفر والعصيان، والقلوب المتحجرة، والهياكل العظيمة الخالية من التوحيد والإيمان إلى أسفل سافلين، بعد أن أضلّهم الشيطان وأغواهم، وصدّهم عن طريق الحق يبتعدون، وينكرون ما عاهدوا الحق عليه وكانوا له ينتظرون. فلينتظروا ماذا وحصائد قلوبهم وغمار غلالهم. فسيطلق فيهم سيف الحق لجهلهم، ويحصدهم بعد أن أمهلهم ولم يهملهم، ويلوذ بهم كالصاعقة يدمرهم ويمحو أثرهم كما سبق وأنذرهم دوراً بعد دور، وخلقاً بعد خلق،وهم هم يتقلبون ويتبدلون في أقمصتهم وجلودهم بين الخفض والرفع والعطاء والمنع، والتفرق والجمع، الى أن أصبحوا في مضيق الكاف والنون، كما نطق الكتاب المبين )اقتربت للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون، ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون( [الأنبياء /1-2]، )لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين فما أحسوا بأسنا إذا هم منها يرضكون، لا تركضوا وارجعوا الى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون، قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين، وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين ( [الأنبياء/10-16]، )ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، لو يعلم الذين كفروا حتى لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون، بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطعيون ردها ولا هم ينظرون( [الأنبياء/38-40].

)ولقد كتبنا في الزبور من بعد الكذر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، إن في هذا لبلاغاً لقوم عابدين( [الأبنياء/105-106]. فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون إنه على كل شيء قدير مالك الملك، خالق الخلق مكوّن الكون لا يسأل عما يفعل وأنتم تسألون.

العاقبة لمن آمن بالحق وثبت معه وصبر

لكم دائماً يا أحباب الحق والحقيقة أينما كنتم أطيب السلام، وأزكى الكلام على صفحات ضحى معرفتكم بحقيقتكم، وثقتكم بأنكم أبناء النور ومصدره والمسؤولون عن انبثاقه بعد اشتداد ظلمة آخر الليل، قبيل صبحة فجر المؤمنين التي بدأت تباشير إشراقاته مع الألفين، ودخل العالم في الدوحة العصبية والفترة الأصعب، فترة التجربة والإختبار، وتحصيل المحصول نتيجة تراكم سوابق الأعمال بعد دورة الزمان، واقتراب نهاية مدة الإمهال، ونزول القدر وإظهار العبر، فاصبروا قليلاً أيها الأحباء الأصفياء فالعاقبة لمن آمن بالحق وثبت معه وصبر، والنعم المترادفة لمن رضي وسلّم في السراء والضراء، وسلم من الغرق في مستنقع غرور وجنون البشر. فأنتم الثمر الناضج من الشجرة الآدمية الصالحة المغروسة في أرض الحق منذ القدم، شجر كون كيان الوجود المنزه عن العدم. فمهما دار الزمان وتسارعت وتسابقت الأيام وأتت بالغرائب والعجائب من المخبآت والأحداث والمفاجآت، ومهما امتدت فترة التجربة التي خرج الشيطان بها من سجنه ليضلّ الأمم في أربع زوايا المعمورة، ويكثر فيها الفساد ويوقع الخراب والدمار في البلاد، ويزرع بذور الشك والشرك في قلوب العباد، ويفغر فاه بالكذب والتدجيل والتمويه، ويرفع الشعارات المزيفة الفاضحة لما يخفيه فلا يغيره ذلك من استقامتكم وطيبة نفوسكم، وارتفاع هاماتكم، ولا يجوز تلبيس الفضة على النحاس إلا على العمي من الناس. وعندنزول القدر يعمى البصر، وتنعكس رياح التغيير بإرادة العزيز القدير، لتعصف بكل أهل الظلمة الحاقدين المعرقلين المزعجين، المتكبرين على الحق، المعتدين الفاسدين المفسدين في الأرض، المنافقين المغرورين الظالمين، وترميهم في أسفل سافلين لتمام نظرتهم، وفراغ مدتهم وسقوط مؤامراتهم، وذبول قوتهم أمام قوة الحق المتجذرة في نفوس أهله التي أودعها العزيز القدير العليم الخبير لتدافع عن ذاتها، وتستمد من أصولها وفروعها قدرة صمودها وثباتها.

فاستبشروا أيها الأخوة الأحباء أينما كنتم وفي أية أرض نشأتم وعشتم، ولأية أمة أو شعب أو دين انتسبتم، فأنتم أخوة الإيمان ونعمة الأديان، وأمة الإخوان المتجذرة في كل موضع ومكان، إحذروا من التردد والضعف والتقصير في فهم حقائق الدين، ولا تركنوا إلى الأبالسة والشياطين، ولا تقعوا في أسر الزمان، ولا تستولين عليكم الغفلة مهما طالت المهلة، ولا تنم قلوبكم بعد اليقظة، ولا تقصروا بعد النهضة، ولا تتعبوا من التمسك بحبل اليقين. ولا تغترّوا بمدارج الأيام، وامتداد زمن الإمهال وكثرة الحديث عن الحق والعدل والسلام، كله هذا كلام بكلام، وسراب أوهام وأحلام في هواجس ومخائل الغافلين النيام. انظروا واعتبروا ولا تتحيّروا واستشعروا عظمة وقدرة الحق الصامد الصابر، القاهر القادر خالق الخلق، وجامعهم بعد افتراقهم واختلافهم طوعاً وكرهاً على مائدة كلمة الحق، مائدتكم التي تغذيتم منذ فطرتكم بطيب ثمارها، ونعمتم في كل أزمنتكم وتبديل أقمصتكم بنعم خيراتها وبركاتها. فاحمدوه وأشكروه وسبّحوه في أعماق سر ذاتكم اللطيفة، وقلوبكم المحبة النظيفة، ونفوسكم المطمئنة الراضية الشريفة، وعقولكم المرهفة بسكون صمت المعرفة رغم ارتفاع ضجة العلم، وجعجعة حضارة العولمة التي أزعجت إنسان هذا العصر، وأرهقته وأخرجته من أنس لطافته الروحية العلوية، وأدخلته في وحشة كشافته الطبيعية السفلية. إنها المؤامرة الإبليسية الشيطانية والفخ الذي يغري كل مفتون مغرور داخل في جهنم أهل الظلمة، خارج من جنة أبناء النور، فخ الدنيا الدنيّة، مصيدة كل غافل يقع به كالعصفور الذي يهجم على الفخ ليسلبه حبته، فيسلبه مهجته، ويفسد عليه دنياه وآخرته.

فاحذروا هذا الفخ المنصوب لإيقاعكم عند آخر الدرج في سلم صعودكم وبلوغكم القمة، واملأوا سرج قلوبكم بزيت المحبة الصافية للحق، والإستعانة به والإتكال على عزته وعظمته والثقة بكلمته، كلمة الإخلاص التي تبعد عنكم الوسواس الخناس الذي يدخل في الأنفس ويتذبذب مع الأنفاس، ولا تنسوا الدواء وبلسم الشفاء من صيدلية حكمة الحكماء، تناولوه كلما شعرتم بالضعف والضيق والسقم، فهو النافع الشافي من كل داء، وهو الصبر مع قوة الإرادة لتحريك التيار السالب لنفوسكم عند الشدة، ومواجهة الهواجس الذاتية أو الخارجية وفي كل الظروف والأحوال المتقلبة، مهما كبرت أو صغرت، ومهما كانت شدتها واشتدت هجمتها، فنحن نستطيع التغلب عليها بقوة الإرادة، القوة الموجودة الكامنة في النفوس الشريفة العالقة المهذبة بالرضى والتسليم، وبالصبر على شدائد المحن للفوز والنجاح في التجربة، نستطيع بهذه القوة الخفية المستمدة من العزة الكونية تحريك التيار السالب، وتغيير الأمور السيءة والمشاكل المزعجة، وتحويلها خطوة خطوة إلى أشياء مفرحة، فتصبح المحنة منحة، ويتم التغلب على النفس وكسب المعركة مع الذات، وهو هو جهاد النفس، الجهاد الأكبر لتصبح الأنا الصغيرة الإنسانية الجزئية ذاتاً من ذوات الأنا الكلية، ويتعرف الإنسان العاقل على ذاته الآدمية الأصلية بذوات أخوته أبناء النور فتتبدد الظلمة، ويسهل اجتياز نفق العبور، وتتحد قلوب المحقين وترابط أنفسهم بالمحبة والصفاء والنقاء والإخلاص، والثقة بالحق واليقين، ويتضاءل لإرتفاعهم في معارج السمو زخرف الفاسقين المعرقلين المزعجين، وتلبى المقاصد بالنوايا الطيبة ويستجاب دعاء المخلصين، ويتعالى صدى صوت كلمة الحق وصرخة الصدق وتتسامى الهمم وتحتفل بأعراس التحرير، وتفرح الشعوب والأمم، وتنعكس أعلام الباطل وترتفع رايات الحق في أعالي القمم، ويثور البركان الذي حبس أنفاسه طويلاً، ويقذف الحق بالباطل فيدمغه، ويصرعه بهمته التي تعلو على كل الهمم، ويحسم الصراع المزمن بين القوتين: قوة الخير وقوة الشر، وقوة النور وقوة الظلمة، وقوة الحق وقوة الباطل، ويفوز أبناء النور في يومهم الموعود، وترتسم بسمة الفرح على وجوههم، وتبقى دائمة مع الوجود، وتصدح ألسنة حناجر قلوبهم بأنشودة السعادة والخلود على لحن الوتر المشدود الذي أنشدته بلابل الأيكة الإلهية، وترنمت بنغماته القدسية المودعة في رموزات كل ا لكتب والديانات السماوية، حيث أشرقت شموسها الأحدية، ونزلت علومها ومعارفها السبحانية من فيض ينابيع النعمة الإلهية، لتروي أراضي النفوس الراضية المرضية، وتستخرج منها كنوز أسرار الكنز المخفي لإظهار حقيقة الحق الذي يتوهمه الجاهلون الواهمون خارج نفوسهم وذواتهم وصورهم. فتقلبوا في حيواتهم يبحثون عنه خارج نفوسهم، وما وراء تلك الصور التي أصبحت هياكل عظمية خالية من نور الحق، كأشباح الأنعام الضالة في خلق البشر. وهكذا عاشروا وهم أموات، واجتمعوا وهم أشتات، ودار بهم الزمان وهم ساهون لاهون بما في أيديهم من أوساخ الدنيا وفي قلوبهم ونفوسهم من الظلمة والكدر والعكورات، وداهمتهم فترة الامتحان والاختبار فسقطوا في هاوية الخزي والعار، وبدأ نجمهم بالأفول، وتساقطت ثمار شجرتهم الخبيثة القديمة، الجديدة المليئة بالسوس والعفن المزمن، وتصاعدت رائحة اهترائهم في الآفاق القريبة والبعيدة، وعرفتهم الشعوب والأمم من ثمارهم، وعنادهم وتكبرهم على الحق، وكرههم لأهله وتماديهم في نهج الباطل وتمسكهم به، وإصرارهم وعنادهم حتى انهزموا واندحروا وخرجوا من الأرض الطيبة يجرحون أذيال خيبتهم وخذلانهم وعارهم.

فكل شيء له حكمة وأوان، وزمان ومكان، ولا بد في نهاية فترة الامتحان من ظهور وإثبات قدرة الحق العلوية في الربوع السفلية. وهذا ما يبشر بقرب الفرج أيها الأحباء، أهل الذوق والمحبة والشوق، أحباب الحق من جميع الخلق المتحررين من غرور الشيطان في آخر الفترات والأزمان، فأين المفر للمفرد الإنسان كما جاء في حكمة الفرقان. "أيحسب أن يترك سدى" ها هو الحق تأتي شواهده المبشرة وتبدأ من لبنان، أكبر قوة عاتية مستكبرة مغرورة تندحر أمام قوة الحق المعزز بالإيمان".)وقل: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا(.

وفي الختام لكم منا تحية ضحوية من عدد أعدادها المئوية، مليئة بالخير والسعادة، والدعاء المخلص لكم أينما كنتم بالنمو والزيادة ولكم وعليكم السلام الصادق الموعود، السلام الأسمى الذي سيملأ الوجود ويطهر الأرض من رجس المفدسين المبطلين الظالمين الخارجين عن الحق، ويملأها قسطاً وعدلاً بعد أن ملأوها جواراً وظلماً.


IV شمس الشموس وقمر الأقمار

زمن الأفراق بين أهل الصدق وأهل النفاق

إنه الزمن المنتظر منذ بدء التكوين ودورة الدهور والعصور بين الكاف والنون لبلوغ الألفين، وكشف الأجل المحتوم والعدد المعلوم، ومستقر نبأ السر المكتوم كما في الوصية الأزلية التي تناقلتها ألسن الحكماء والأبنياء، وعاشت بروحها البشرية في الأزمنة الغابرة مروراً بزمن إشراق شمس الحق الأحدية في عصر آدم الصفاء وتتابع الإشراقات الموسوية والعيسوية والمحمدية، لإكمال الظهورات وتجليات المقامات في الهياكل القدسية لإظهار الأسرار العلوية في الترتيبات السفلية، وبروز جواهر الهوية وحقيقة الكلمة الأزلية، كلمة الحق التي تفتحت على سماعها والتنعيم لها منذ نشأتها الأولى مسامع الخلق، وتاهت عنها بعد تلك المزجة الإبليسية والخدعة الشيطانية التي أوقعت العائلة الآدمية في متاهة ظلمة الليلة الظلماء، ثم بدأ العد العكسي للعودة الى الأصل مع اقتراب خيوط إشراق الليلة الظلماء، ثم بدأ العد العكسي للعودة إلى الأصل مع اقتراب خيوط إشراف فجر أبناء النور في نهاية نفق العبور، فتفتحت في القلوب والصدور مصابيح العلم واليقين، وقرعت الأجراس وتنبهت العقول والحواس وافترقت وتلاقت الناس، واهتز الكون مع حلول الألفين، وعصفت العواصف وتوالت الزلازل والرواجف، واضطربت أنظمة مسارات الكواكب والنيرات، واشتبكت الدوائر والمثلثات منذرة بهجوم زمن التغيير المليء بالأحداث والمفاجآت، وخرق العادات ونضوج الثمرات، وجني المحصول ورجوع الفروع الى الأصول.

فكونوا على يقين من أمركم يا أبناء النور أينما كنتم، ولأي دين أو أمة أو شعب انتسبتم، لأن زمن الظلمة والظالمين المتكبرين قد ولى وذهب وموعد سقوطهم قد اقترب. ومن كان يسري ولا يدري جاء الحق ليخبره بما هو آت ويظهر البراهين والآيات والمعجزات لقوم يتذكرون ويعقلون ويفهمون.

لكم يا أهل الذوق المتذوقين شهد المعنى من رحيق أزاهير الأديان، طالبت أوقاتكم يا أمة الإخوان وأخوة الإيمان، يا رياحين الزمان ويا خير من كان، يا أحباب الحق الناجين من شبكة إبليس والشيطان بقوة الإيمان المحملة بالسر الخفي من نعمة الأديان، رغم عتمة الطريق واشتداد حزام الضيق، واحتدام معركة عبور المضيق حيث ضاقت الأرض بأهل الحق على رحابتها، وتبرأ منهم الصديق والرفيق والشقيق، وظهرت الأضداد من بيوت الأولياء، وكثر حزب الباطل السفهاء الأدعياء، ظاهرهم ديانة وباطنهم خيانة. جاهروا بما فينفوسهم وقلوبهم من النفاق ونقض العهد والأمانة، فاجتمعت قوى الشر وتحالفت وتآمرت بذهنية الشيطان الرجيم مؤسسها في القديم، وخادعها ومضلّها ومخرجها عن النهج القويم، سلمتم من مكره وغدره يا خيرة الأصحاب، وأعز الأحباب ونجحتم في الإختبار وفزتم في الامتحان يا أصحاب الإيمان الصائب، والشعب المختار، شعب الشعوب وأمة الأمم، أصحاب العزائم القوية والهمم العليّة حتى بلغتم أعلى المراتب مع الأخيار الأبرار، فصفت العقول والأفهام وتعافت النفوس وتحررت الأوهام، وترابطت القلوب وطلبت بالتوسل والدعاء الصادق والواثق من الحبيب المحبوب تحقيق النصر والفوز، فتحقق طلبها، ومن دون الطلب لا يتحقق المطلوب.

وأشرق نور العصر الجديد. عصر التغيير والتبديل والتجديد، وكل ما مضى من الدهور والعصور عبر مسيرة الكون بين الكاف والنون كان من أجل المؤمنين الصادقين الموحدين. وقد اقتربت قوارب النجاة من الشاطئ الأمين والنصر المبين، والعز الثمين لكل أبناء النور الأصفياء الأقوياء، والواثقين المتمسكين بحبل اليقين منذ البداية، وكل من تبعهم وسار معهم ولم يكن منهم سينفصل عنهم، ويسقط ويتعثر في آخر خطوة قبل النهاية.

فالحذر الحذر من غفلة الطريق والنوم بعد اليقظة، ومن اللهو والسهو والقنط، الضجر والتقصير بعد النهضة، فسلاح الفوز في معركة النهاية هو سلاح الإيمان الصادق بالحق والإستعانة بقوة خالق الخلق، سبحانه وتعالى يعز من يشاء ويذل من يشاء، شاء فأمهل خلقه، رغم شدة الإنكار والعصيان وعظيم التمرد والإستكبار والعتو والطغيان ولا يزال يمهلهم وبلطفه وعطفه ورحمته، يعاملهم إكراماً لأبناء النور المتواجدين بينهم في كل مكان، وقد هجم زمن الإفراق وتمييز أهل الصدق من أهل النفاق والمشككين الملحدين من اصحاب الإيمان.

فالبشرى لكم يا من تنبأ لأجلكم آدم الصفاء أبو البشر، وزرع في أعماق نفوسكم حبة خردل الإيمان الصادق بالوعد المنتظر. وها هو قد حان ونضج الثمر، وفرح الزارع بالمحصول وتفلّقت السنابل عن الحب، وتبيّن الصادق من الكاذب، والفاضل من المفضول وارتفعت صيحة الحق عن ألسن المحقيّن الصادقين، المستبشرين المتميزين بصفاء العقول والنفوس وعلو الهمم وسمو المنازل، فتضاء لإرتفاعهم زخرف أهل الباطل المستكبرين على الحق، المكذبين المذبذبين الغارقين في زبد بحر الحيرة والعجز عن التمييز بين الصحيح والسقيم، فقد حصحص الحق وتميز الخلق، فوجوه ضاحكة مستبشرة مليئة بالفرح والأمل والسعادة والهناء، ووجوه مكفهرة مقفرة تعكس ما في القلوب والنفوس من الشك والحيرة والخيبة والشقاء. فكما تعرف الأشجار من الثمار كذلك يعرف من الوجوه أهل الجنة من أهل النار.

فلكم دائماً أيها الأخوة عبر ضحاكم تحية شوق ومحبة، وبشرى وسعادة لتصلكم أينما كنتم مع نسمات كل صباح، وتدخل الى قلوبكم النقية بكل هدوء وارتياح، ليزدهر طريقكم دائماً بالأمل والصبر والثبات، والثقة بقدرتكم ولا خسارة مع الحق مهما اعترضكم من عقبات، وصعوبات فلا خوف ولا تردد ولا تراجع ف يالنهاية بل عز وفوز ونجاح. وعليكم دائماً بالدواء الشافث من كل داء من صيدلية الشفاء، عليكم دائماً بالفرح والأمل، والإستبشار والسعادة، سر نجاح العبادة والهدوء والإستقرار، والرضى والتسليم لمشيئة العزيز الجبار، معز الأولياء ومذل الأعداء أصحاب الكفر والعناد والغرور والإستكبار، تسلحوا دائماً بالصبر والإيمان وقوة اليقين المرتبط بجوهر الدين.

وارفعوا رؤوسكن وطيّبوا قلوبكم ونفوسكم، طابت أوقاتكم وصفت نيّاتكم، وزاد نور إشراق الحق وقوته المتجددة في ذاتكم من ذاتكم، لتتجدد قوتكم وتقوى عزيمتكم، وتجتمع قلوبكم وتتوحد إرادتكم، وتتحد بإرادة الحق وتؤمن به إيماناً كاملاً ثابتاً لا يتزعزع ولا يتراجع، فتتحقق رغبتكم وتعلوا كلمتكم، وتستجاب دعوتم وترتفع رايتكم، راية الحق وكلمة الصدق، الكلمة السواء التي ستعيد جمع العائلة البشرية، والطوائف والمذاهب والأديان التي تفرعت من الشجرة الآدمية الكونية كلها ستعود تحقيقاً للوعد الموعود، كما كانت طائعة خاضعة خاشعة طوعاً أو كرهاً لأمر مكون الكون، مالك الملك، القادر القاهر، الواحد الأحد، الفرد الصمد الفعال لما يريد، المنزه عن صفات الخلق والعبيد، المنجز وعده ولو كره الظالمون.

سعادة النفوس بإدراك المحسوس

مرحلة الانتقال من عصر الظلام إلى عصر النور من أصعب المراحل في حياة الإنسان المعاصر الذي غرق في ملوثات حضارته المادية، فسلبته قيمة الأخلاقية وهويته الإنسانية الروحية، وأصبح يعيش مع حلول الألفين فترة ظهور العوائق وعبور الحواجز، فترة صعوبة الزمان وشدة الإمتحان والبحث عن الذات في ركام وحطام وحضارة هذا الكون الغارق في اهتزاز أمواج بحر الكاف والنون، وكيف ترضى وتستقر النفس البشرية بغير ما ألفته وشافهته منذ فطرتها ونشأتها الأولى في جنة معرفتها وقربها من ذاتها القدسية، فعادت بع رحلتها المضنية من شواطئ البدايات تبحث عن هويتها الأصلية، وتلملم أشتاتها على سواحل النهايات حيث ارتسم القدر واقترب موعد تحقيق الوعد المنتظر، ورن جرس التغيير معلناً عودة عجائب بدء التكوين وفتحت دفاتر الحساب العسير وحاق بالظالمين المستكبرين على الحق سوء المنقلب وبئس المصير، وتمت نظرتهم وتناقضت مدتهم، وبدأت نهايتهم وتمادوا في عبور نفق ظلمتهم انحداراً الى الدرك الأسفل، وكنوا أنفسهم يصعدون وغرقوا في نشوة سكر جهلهم، وحسبوا أنهم مهتدون. أما أنتم يا أصحاب الحق والحقيقة يا خيرة الخليقة حملة مشاعل النور عبر العصور، بكم نبدأ وإليكم نعود ونبعث عبر ضحاكم أطيب السلام، وأعذب وأنقى المحبة والكلام، ونبشركم بأجمل الأيام لكم كل السعادة والتقدير أينما كنتم تحققوا أنكم في رعاية العزيز القدير وهو نعم المعين النصير حيث انكشف الزمان أمامكم، وغمر النور دروبكم وخفقت بالمحبة قلوبكم، فتقدموا، طريقكم ينتظركم منذ زمن بعيد وأنتم تبصرون وتصدون السوء، وتتصدون للباطل، وتقاومون الإنحراف وتعانون من الفساد والمفدسين المعرقلين الذين ليس لهم بالحق اعتراف فقد حان زمان رد الجزاء والراحة بعد العناء فتقدموا يا معشر الإخوان وأخوة الأديان، يا رياحين الزمان، وزهور الأمل والرجاء، تقدموا فأنتم الشجاعة، أنتم الصبر أنتم النصر، تقدموا بروح عالية وقلب صامد ونور زائد، رايتكم مرفوعة، وكلمتكم مسموعة أيها الأحباء البررة الطهرة، الصادقين أهل الذوق العارفين الطائعين المتواضعين المحملين بالرياح والعبير، المقتبسين من النور الذي جزع الظلام من شدته واستسلم وألقى أسلحته وخسر معركته، وخرّ سقف الباطل وانكسر شوكته وتعطلت قراراته، وتعثرت خطواته، وتلجلج لسانه الفاضح، واسودت وجه أهله، وسقطوا في عتمة الطريق وظلمة المضيق، وأشرقت بالفرح والسعادة وجوه أبناء النور أهل الفلاح والنجاح.

إنه زمن التغيير السريع، والسقوط المريع لكبراء هذا العالم المهزوز، المرتنح بهم على حافة الهاوية من مكانهم الرفيع، بقيت لهم فسحة صغيرة من الزمن الآتي بالمفاجآت الكبيرة لتستكمل الدائرة دورة التنظيم والتطهير من كل المتسلطين المتسكبرين المعاندين، وتأتي دورة الزمان بتحقيق الممكن بالإمكان في نفس المكان الذي كان وما يزال المركز الكوني الذي بدأت فيه حجة الحق، وإليه تعود لتعلو من جديد، وتطرق مسامع الخلق. فالبشرى لكم يا أخوة الأديان، والسلام عليكم أينما كنتم، تغمركم النعمة والمحبة والحنان، وتحمل لكم الأيام مع كل فجر جديد مزيداً من الرضى والإطمئنان. ومهما دار الزمان، وتحركت الأيام وتسابقت وتسارعت وانقسمت البلاد، وعم الفساد واستكبر أهل الإنحراف والعناد، لن يغير ذلك من استقامتكم وصدق كلمتكم وارتفاع هاهمتكم، ولا أحد يستطيع التأثير عليكم والنيل منكم وتنعكس الرياح على المعرقلين المزعجين لتعصف بهم، وترميهم الى أسفل سافلين. فالويل للمكذبين الغافلين عن تقلبات الزمان ومفاجآت القدر وهجوم الوعد المنتظر. قولوا لهم كفاكم نوماً يا بني البشر فقد حان الوقت لتنهضوا من غفلتكم وتصحوا من رقدتكم، وتسألوا أنفسكم عن حقيقة هويتكم، وتتذكروا عهدكم وأمانتكم، حذروهم من موجة العصيان وفقدان الإيمان ومن التمرد والغرور والطغيان، من موجة الجنون التي تجتاح هذا الكون عند بلوغ ساعة الإمتحان، والزمن الصعب الذي يختبر به الإنسان، ولا تنسوا أن تدعوهم الى صحوة الحق آخر فرصة لكل إنسان للإعتراف أو النكران وكل شيء له حمة  وأوان وأنتم يا أحباب الحق، أبناء النور عبر العصور جاء دوركم لتضيئوا بنوركم نفق العبور. أنتم الآية والراية والسعادة والسرور، الزمن لكم ابتسم والقدر على صفحة صحائف وجودكم ارتسم وأنتم فرسان الحق والحقيقة الثابتون على المنهج والطريقة.

تمسكوا بحبل اليقين واتركوا الدنيا للغافلين، النور أمامكحن يغمر دروبكم ويملأ قلوبكم، فتقدموا بشجاعة نادرة وثقة راسخة، لتشاهدوا روعة النور الذي ينتظركم، رعوة الترقي في طريقكم المزدهر المليء بقوة النور والعطور والزهور، وحدوا كلمتكم، وارفعوا رايتكم لتبقى خافقة كالصاعقة تبهر النظر، وتدل البشر على مكان وجودكم وقوة إيمانكم، وصدق توحيدكم.

تذكروا أنكم أنتم الثمر الناضج من شجرة كون الكيان، والشمعة الدهرية التي أضاءت عتمة الدهور والأزمان وصولاً لفترة الإختبار لتزيدكم خبرة وتزودوا بالمزيد من الإيمان والإلهام، ليحالفكم التوفيق أينما كنتم ويزدهر الطريق بنوركم وحضوركم، فالحق معكم ولكم أنتم مجد الكرامة، وعيون الإستقامة، أوجدكم الحق ليوجد بكم، ويتجلى بكمال جمال الصورة في البلاد المعمورة، أنتم الكرماء الأوفياء الأتقياء الأنقياء الموقنون الصادقون أنتم حبل اليقين وأمل الخائفين، ودليل الطالبين وسلامة الدين من الفسفة المرتدين، ونصرة الحق من أتباع الباطل المستكبرين الظالمين، أنتم المثل والممثول وفروع الأصول، وأرواح المستجيبين الميمنين الصادقين، أنتم رسل المحبة وشرف المقام، أعلام الحق والعدل والعز والمجد والسلام، أنتم سفن النجاة ونسائم أرواح الحياة ولطفائف الأنوار وكنوز الأسرار وأكاليل الغار، بكم ومنكم يشع النور بالأرواح، وتكتمل قوة الإيمان وتجتمع من كل مكان و تعلن التوحيد والإقرار بنعمة الأديان، فتضي الآفاق والأقطار، وتميز أهل الجنة من أهل النار ويظهر سر الأسرار، ومعنى عودة الدائرة الى نقطة البيكار ونور شمس الشموس، وقمر الأقمار ومحل حلول قدرة العزيز الحكيم، القوي القادر القاهر الجبار، خالق الخلق ومحق الحق ومكون الكون، ومدبره بحمته الخفية، وقوته القدسية، الظاهرة في الصور والهياكل البشرية لإثبات الإرادة والمشيئة العلوية في الترتيبات السفلية، لتطمئن النفوس بإدراك المحسوس، ولتتصل المعقولات بالمحسوسات في آخر الأزمان والأوقات، ليصح الحق الموجود في العقول والأفهام، وليتنفي النفي ويثبت الإثبات وتتحقق نعمة الأديان ويصح الإيمان ويقال أين المفر للمفرد الإنسان، فدائرة الكون منذ بدء التكوين تدور وتدور لتصل الى هذا المفرق الحاسم والمفصل الأخير بين أبناء الظلمة وأبناء النور، ويحسم الصراع المحتدم بين الحق والباطل والخير والشر لإتمام التمام، وإكمال الكمال ببلوغ الغاية وختام الحكاية، وحسم الصراع في معركة النهاية، لتتحقق العقول والنفوس بإثبات الحق وانعدام الباطل في الواقع الملموس والإدراك المحسوس، ليكون الثواب والعقاب للأنفس البشرية على مقدار ما استوعبت من العلوم الملكوتية، والمعارف اليقينية وما اكتسبت واحتقبت من الحسنات والسيئات من سالف الأزمان والعهود، وعبر رحلة تغير الأقمصة وتبديل الجلود وصولاً الى اليوم الموعود، وجمع المحصول من مقدمات الأعمال وسعادة أهل العقل بعقلهم، وشقاء أهل الجهل بجهلهم، لتقوم الحجة على جميع الخلق من ذاتهم على ذاتهم ببروز أعمالهم أمام أعينهم بفيض عدل الحق، ليتبين المقر من المنكر الجاحد، والوالي الطائع من المشكك المعاند، والفاضل من المفضول، وترضى النفوس بإدراك المحسوس، وتطمئن القلوب في الصدور والعقول.

ويصح القول: هنيئاً لمن ختم له بالسعادة وكان من الفائزين.

وتباً لمن كان من أهل الشقاء الخاسرين.

إرادة التغيير برعاية العزيز القدير

السلام في البدء والختام مع كل الشوق والمحبة، ليصل إليكم أينما كنتم أيها الأحبة، يا رياحين الزمان وأخوة اكتمال قوة الإيمان، لتجتمع من كل مكان وتعلن التوحيد والإقرار بنعمة الأديان من النور صيغت القوة، ومن القوة نشأتم أنتم فكنتم منذ بدء التكوين الشجرة الصالحة، والثمر الناضج، أهل الذوق المتذوقين الشاربين ماء الحياة من عين القيين، أصحاب العقول الزكية والأرواح المتصافية المعنوية، والنفوس الراضية المرضية، مصابيح الهدى والضياء وأنس السالكين في وحشة الليلة الظلماء لاجتياز نفق العبور، والخروج من عتمة آخر ليل أبناء الظلمة إلى فجر أبناء النور، فالدائرة تدور وتدور لتصل الى مركزها الكوني، وتستريح من طول السفر وما زالت النتائج خافية بين السطور، تغيب وتظهر، سلام وكلام، وأخذ ورد وأمر الواحد لا يرد، فلا بد من إنجاز الوعد المنتظر وتحرير قدسم التي تقدم فيها سر القدر وفيها تأخر، فيا ذوي الإيمان الصادق، والعهد الواثق بقوة صاحب القدر، ومظهر العبرة الناظرين بعين عقولهم الى الملأ الرفيع، آمنوا بقوتكم ووحدوا كلمتكم، وانزعوا بذرة الخوف من قلوبكم واطلبوا بإخلاص مع الثقة والإصرار المحمل بالإيمان، ليتحقق مطلوبكم ويعود حقكم، وتحلو النتائج فتدهش الجميع.

آن لكم أن تستيقظوا وتفهموا أيها الأحباء، وتستشعروا قوة الحق المودعة فبكم لتدافع عن ذاتها، وتبدد وهم الباطل وتحرق سرابه بنورها، وتنتصر في معركة النهاية بسلاح صدقها وثباتها، وهل ما يمر به العالم سوى التجربة الصعبة والإختيار الأخير لكشف ما في الصدور، والإفراق بين أصحاب النفوس التي فقدت الإتصال بأصلها، وهجم بها الطلب الى جنسها وشكلها، وغلبت عليها شقوتها وجهلها فرجعت بعد العلو الى الانسفال، وهوت بأصحابها وأردتهم في تية الظلام والضلال، أولئك الذين ركضوا بخيل الأبالسة والشياطين، وراهنوا على شعارات الكذب والنفاق، ونسوا ما كانوا به يتعبدون وله ينتظرون، فتعثرت خطواتهم في نهاية السباق، وسقطوا قبل الوصول بقليل حيث استعجلوا اقتراب الأوان، وحسبوا أنهم عناترة الزمان، وما على الآخرين إلا الخضوع والإذعان، ولم يحسبوا حساباً لمفاجآت القدر،وظهور العبر، وانقلاب الموازين في نهاية مهلة الظالمين المغرورين الذين ظنوا أنهم لا يغلبون، ولم يحسبوا حساباً لأصحاب الحق المستضعفين، وما سيحيق بهم من أولئك الذين كانون بهم يستهزئون )أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجميع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر إن المجرمين في ضلاس وسعر( [القمر/44-47]، كما يقول الكتاب المبين )ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون( [الروم] وتظهر علامات الدهشة والإستغراب على وجوههم، وتسيطر على حواسهم مع كل القوى والنفوذ، وما يملكون لا يستطيعون فعل شيء وقد فاجأهم القدر بقدرة القادر القدير وتقطعت أكبادهم من الخوف والرعب، وتقطع بهم حبل كذبهم القادر القدير وتقطعت أكبادهم من الخوف والرعب، وتقطع بهم حبل كذبهم القصير، وتفتتوا وتطايرت أشلاؤهم مع اقتراب نهايتهم، وفراغ مدتهم وبلوغ أجلهم وبئس المصير، وانعدمت قوة الشر وبدأت مرحلة الذوبان والتلاشي لكل أهل الباطل المستكبرين، وأتباعهم أصحاب الذمم المباعة والضمائر المستأجرة الناكثين الجاحدين المستكبرين على الحق، الظالمين والمغتصبين، فقد أصبح يومهم قريباً، وشمسهم شارفت على المغيب، وإنما طالت المهلة لإيقاظ الغافلين وإنقاذ العالقين في شباك الأبالسة والشياطين. فاجمعوا إيمانكم أيها الأحباء، لتصنعوا إرادة التغيير برعاية العزيز القدير، خالق الخلق ومحق الحق ولو كره الظالمون.

ومهما علا سقف الباطل لابد له من السقوط، ومهما حاول المستكبرون على الحق التمسك بعروشهم وكراسيهم، ومناصبهم ومكاسبهم فلا بد لهم من الهبوط، فالكل صابر وناظر ومنتظر الغد القريب، وما يحمله لناظره من أوهام وأحلام تظهر أمام الجميع وكل حسب قوته يتغلب عليها، منهم من يخاف ويضعف أمامها فيستسلم ويتراجع، ومنهم من يتقدم بشجاعة وثبات، يقاومها فيجدها سراباً يتلاشى بقوة إيمانه. منظاركم أنتم أيها الأحباء الأصحاء يريكم الحقيقة بوضوح، وهو الأسلم والأوضح، وكلمتكم هي الأصدق والأصرح والأقوى، لأنها كلمة الصدق المعبرة عن حقيقة الحق، ولا تتغير الأزمنة والعصور دائماً كما يريدها أبناء الظلمة الذين انتهى دورهم، وجاء دور أبناء النور، بل كما يريد مكون الكون، العالم بما تخفي القلوب والصدور، فلكم البشرى عبر ضحاكم برسائل الأنوار، وتواصل الأفكار وترابط القلوب، واجتماعها على أفضل مطلوب، رسائل الثقة واليقين، المبشرة بالعز الثمين والنصر المبين لكل المؤمنين الصادقين، لتدخل قلوبكم ونفوسكم بنفحات الألطاف، وتنزع منها بذرة الخوف والتردد، وتغرس في أعماق تربتها الطيبة الزكية بذور خردل الإيمان الصادق الواثق بالمشيئة الكونية، والقدرة الربانية، فالآتي صورة مختلفة تماماً عن الماضي، وسنة ألفين التي نعيش نهايتها هي سنة الإزدواجات وظهور النتائج وبلوغ الغايات، وحدوث المفاجآت وهي سنة كشف الستار وظهور الأسرار. فلا سبب من غير مسبب وقوة الحق وجدت لكم أنتم وبكم، وعندما يشاء الحق نصركم فلا غالب لكم، يعز من يشاء ويذل من يشاء ويحب الصابرين. ومن كان يسير مع المسير لا يسابق ولا يعترض على مشيئة العزيز القدير، بل يصبر ويتنصر وينظر ويعتبر فالويل للمعترضين الظالمين المستكبرين المعرقلين من هجوم القدر ليعصف بهم ويفاجئهم بمقدمات أعمالهم، وزيد الصفعات على وجوههم ويخيب آملالهم ويحرر قدسكم من رجسهم فتتحرر الأرض الطيبة من كل الدخلاء، وتعود الى الصفاء والنقاء، فتخلوا من أهل التمرد والطغيان، والكفر والعصيان، وفقدان الإيمان، وتعود الحبة الغريبة الى أصلها، وينتهي زمانهم وتعون الحقوق لأصحابها وأهلها، أهل الصفاء أصحاب الصدق والوفاء أخوة الأديان وقوة الإيمان، فلكم البشرى أيها الأحباء السعداء في نطاق واسع من الضياء. يا من تعزفون ألحان صدق الإيمان على قيثارة الزمان، تذكروا بأنكم قوة الحق وصفوة الخلق، أهل الذوق وأنبل البشر، أصحاب العزائم والهمم وأفضل الأمم، أمة صدق السان وحفظ الإخوان، أبناء الهدى، نور الثبات في سفينة النجاة التي ما زالت تستقبل المسافرين، وهي جادة رغم اضطراب الأمواج في السير الى شاطئ الأمان وقدسية المكان. تجاوزتم المحن والعقبات، وتغلبتم بصبركم وثباتكم على كل الصعوبات، ومزقتم ستار الظلمة بنوركم، وآنستم وحشة كل مكان بحضوركم، فالثقة بالنفس مصدر النجاح والعالم الأقوى في الثبات والطمأنينة والإرتياح، وسر السعادة والصحة للأجسام كما للأرواح. فتقدموا بطريقكم المزدهر ومنهجكم السليم فطريق أبناء الظلمة مسدود، وطريقكم مزدهر مفتوح بلا حدود ولا قيود.

آمنوا بالحق إيماناً كاملاً ولس جزئياً تتجدد قوتكم، وتقو عزيمتكم، وتجتمع قلوبكم تتوحد إرادتكم، فتتحقق رغبتكم بالنصر الكبير والفوز في الإختبار الأخير، فالسفينة ما زالت تسير، وتكتشف المحيط، وتقترب من الشاطئ لتعيد النظر للضرير، ولكم السلام في البدء والختام دائماً عبر ضحاكم من عبد المولى خادم المحبين، ومبشرهم بيوم مشرق ونصير مبين، فليقترب وليكن عبرة للصابرين.

ويتم العبور، وينتهي ليل أبناء الظلمة ويشرق فجر أبناء النور، ويتحقق الوعد المنتظر ويتجلى كمال جمال المبدع، ويتراءى مواجهاً في مرايا المبدعات، وتشرق ذاته على كل ذات وعلى الآفاق والأنفس والصور، والصبح بمشيئته قريب إنه تعالى سميح مجيب.

سيعود نور الحق في صفاء نفوس الخلق

دارت الدائرة لتصل الى نقطة النهاية ويعود نور الحق في صفاء نفوس الخلق كما كان في البداية، فلكم منها أيها الأحباء السلام بلغة المحبة والإنسجام، وتحية التهنئة والمباركة بوصولكم الى محطة الختام وتمام التمام لتمام سعادتكم، وكمال محبتكم ومعرفتكم أصبحتم في عهدة اليقين على سرر متقابلين، أخوة الإيمان وأمة الإخوان، أهل الذوق السعداء السالكين منهج الأحبة الأتقياء، المعتصمين بقوة اليقين القارئين ما بين الصطور، المدركين حقيقة السر، المتحققين من إحراز النصر بقوة الصبر ومرور العصر الى دهر الدهور، واجتياز جسر العبور من عصر الظلمة الى عصر النور، دخلتم أيها الأحباء الأصفياس اللطفاء بلطافة عقولكم دائرة المعرفة والفرح والسعادة وثبتت مسيرتكم وتعززت كلمتكم بقوة كلمة الحق والمشيئة والإرادة، فأصبحتم قوة العصر والزمان والتعايش مع المكان ولا عزاز قوة كلمة التوحيد رغم أنف كل جبار عنيد، فلتبق أعمالكم دائماً بالنية الصافية الصادقة الطالبة إحقاق الحق، وعودة الصفاء النقاء لقلوب الخلق، وأما الذين صدوا واستكبروا وأنكروا أشد الإنكار فق نقصت محبتهم، وزادت ظلمتهم وفارقوا إخوانهم، فصمت آذانهم وتيبست أقدامهم وضعف قوامهم، وسقطوا بعد بلوغ قمة الألفين إلى أسفل سافلين، وخسروا فرحتهم بالنجاة وحذفوا من سفرة الحياة، فهم أشباح بلا أرواح يدور بهم دولاب الزمن وهم في غفلة ساهون كما وصفهم الكتاب المبين: )ما يأتيهم من ذكر من نربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون( فيا أصحاب القلوب الضاحكة في سرها، والوجوه المشرقة المستبشرة التي يرهبها المبغضون، ويأنس بها المحبون، لك دائماً في ضحاكم أطيب السلام، وأخلص عبارات المحبة الصادقة والتقدير والإحترام، والتوصل لعزته تعالى بأن يديم لكم عاقبة الثبات، والسير الحثيث على الطريق المزدهر بالنور، والتغلب على حقبة هذا الزمان التي اقتضتها هذه الفترة الصعبة على الإنسان، ليكشف ما في نسه، ويفوز أو يسقط في الامتحان، فكانت هذه المهلة لإقامة الحجة على الجاهلين الجاحدين، الراقدين في ظلمة قبور الغفلة، وتكريماً للعارفين الصادقين أصحاب النفوس الزكية الراضية المرضية. فالدائرة تدور، والأيام تتضاءل ومكامن النفوس ظهرت، وصحائف الخلق بإرادة الحق وانكشفت ونشرت، والعبارة استخلصت، والمعاني استوعبت، وجيم الجن جمدت، وهكذا سينقلب ويتغير الحال ويرجع صفاء الحق بنور الخلق ومرايا القلوب سترى فأين أيها الجاحد الغافل الغارق في سكره الجهال؟ أنت مجرد زجاج مسكور مهشم مرّ عليه الزمن، أنت روح الشرّ الشيطاني المذكور في آيات المسطور، وآلة لكشف المستور في آخر الأزمان والدهور، وتحقيق الإفراق بين أبناء الظلمة وأبناء النور. أما أنتم فاستبشروا يا أخوة الإيمان، وأمة الإخوان أهل الذوق والشوق والسعادة والسرور، أنتم بنعمة كبيرة وحظ وفير في ظل رحمة العزيز الحكيم الرحيم، الأزلي القدير، أنعمتم على أنفسكم بالمعرفة، وتذوقتم سر السعادة بعقولكم المرهفة، فسعادتكم أبدية لذا عليكم استقبالها بفرحة قلبية، وراحة نفسية لتكتمل دائرة المحبة والسعادة والصفاء. فلكم جميعاً أينما كنتم سر السعادة والاستقرار، ولكم عقبى الدار وأكاليل الغار، وسعادة وفرحة الانتصار، وفوز الأخيار في معركة النهاية على الأشرار. والسعادة وجدت لتسعدوا بغنى المحبة، ولا يفهم المحيطون بكم المزعجون لماذا أنتم فرحون مطمئنون وهم قلقون خائفون ربما، لأنهم يستشعرون أن ميمهم ماتت وغاصت في بحر الظلام والضلال وجيمهم جمدت وبدأت بالزوال والإنسفال، وأصبح شرهم معدوماً وباطلهم موهوماً، لا يستحق منكم أي اهتمام، ومهما دارت الأيام فمصيرهم محتوم، وأجلهم معلوم، وقوتهم منعدمة وأفعالهم وهميّة، لا تخدع سوى ضعفاء النفوس في هذا العالم المعكوس، وهم أشبه بالخرقة البالية التي صبغت قليلاً بلون برّاق الى أن جاء زمن الإفراق، فبهت لونها وظهر عيبها، وأصبحت في دائرة الإهمال مصيرها الى الزوال والإضمحلال، فسبحان مالك الملك خالق الخلق، وصاحب الحق حكيم، عليم غفور رحيم مدبر الأكوان وخالق الإنسان، ومقيم الحجة عليه بعد فترة الإمهال والامتحان، علام الغيوب أعطى فأمهل ولم يهمل، فمن طلب الآخرة أرشده وأيده وهداه، وكل يحصد ما زرعته يداه، وهذا زمن جمع المحصول وإقرار النفوس عن ذاتها بذاتها بما هي عليه اليوم، وكيف كانت في البدء لتعرف الفروع من الصول، فلكم البشرى أيها الأحباب أولوا البصائر والألباب، المحفوظون بعناية العلي القدير، الفائزون في الامتحان الأخير الناجون من مصير هذا العالم المهزوز، الغارق في سداد الدين المكتوب على دفتر الحساب، ابتسموا من كل جوارحكم فكل ما يجري لصالحكم، السلام لكم وإليكم، ومنكم القوة والثقة وراحة البال، والزمن الآتي كفيل بالإجابة عن كل سؤال.

فلتترابط قولبكم فيما بينها أينما وجدت بلغة الصفاء والوفاء والنقاء، وتمتلئ نشاطها وثباتها وتمتلك إرادة قوية وإحساساً عالياً بالقوة الروحية، فتتحقق الأهداف التي تسعون إليها بالحق الصادق، والإيمان الواثق لتتشجع القلوب، وتدخل قوة العزيمة الى جميع انحاء الجسم فتملأه نشاطاً وصحة عقلية، وراحة نفسية، فترتسم البسمة الدائمة على وجوه الصادقين أبناء النور، وتتميز وتعرف من وجوه أبناء الظلمة الكالحة المفارقة فراقاً أبدياً للفرح والسرور، وترتسم على الورق الأبيض بالقلم الأزرق كلمات العقل، وترتفع راية الحق ويعلو صوت الصدق والعطر الفواح يضحك ويظهر، والقطرات الروحية الضحوية تتلألأ بالمحبة والمسك والعنبر، فترتقي النفوس وتبتهج وتتوحد القلوب، وتتهيأ لتلقتي أسرار الغيوب، وتتواصل وتتعامل بصدق النية، وإخلاص السريرة القلبية،  وتتفق وتتفاهم بلغة سرية، فتفيض بالنور المتدفق والحب المتألق، وسر النون المنبثق من قدسية اجتماع الروح والجسم، والزمان والمكان بإرادة ربانية، وقوة خفية تجمع قلوب أمة الإخوان، وأخوة الأديان على مائدة صدق الإيمان. وتهتز الشجرة الكونية لإسقاط الثمار العفنة، وبقاء السليمة الطيبة الزكية، أنتم يا أحباب الحق، أصحاب النقاء الأصفياء الذين اصطفاكم واختاركم على علم، وجعلكم سبحانه وتعالى بين جميع الخلق لإقامة الحجة، نبراس هداية الى صدق المحبجة وبذور الخير، وقوة إرادة التغيير لتسلكوا طريق النور، وترموا جذوة من نور إيمانكم للسالكين في ظلمة مضيق العبور، وفي زمن البلوغ واشتداد العود، واليقظة من غفلة الطريق والنجاة من عالم المزاج والشرود والعودة الى أصول الفرع السعيد، كما تعود القطرة الصافية التي تجري مع الشلال تحت طيات المياه، وتقول إن وقتي قد أتى في زمن جمع المحصول، وعودة الفروع الى الأصول، فقد ظهر مفعولي وصح فعلي وقولي كم كنت مع هذا الشلال فترات وأزمان وعصور ودهور، وكم تحملت وجاهدت وتعذبت وعانيت، ورفعت صوتي حيناً وحيناً آخر لزمت الصبر والصمت، وكحم ضج هذا الشلال وحمل من الشوائب والملوثات، وكم تغيّرت الأحوال من حال الى حال، وكم مر الزمان وتحطمت الأعوام وهو القادر العزيز الجبار، يعز من يشاء من أحبائه الأخيار ويورثهم عقبى الدار، وها أنا بإرادته ومشيئته أفعل فعلي، وأعود الى أصلي في زمن الانفصال بعد امتزاج واختلاط الماء الزعق المالك بالماء الريق الزلال. فأنا نقطة من ماء إذا كنت وحدي لي عملي، وإذا جتمعت لي هدفي، والحمد والشكر لخالق الخلق، والباعث من كل شيء موعظة لدحض وهم الباطل،وإظهار قوة الحق. والسلام عليكم والمحبة لكم دائماً في البدء والختام، يا خيرة الأمم  وتوحيد الأمل وصداقة النفوس، وتوجيه القلوب والعقول الى المنهج الجديد، فأنتم قوة العصر والزمان أينما كنتم، وتواجدتم أخوة الإيمان في نعمة الأديان، أنتم الأمل الموعود، ويقظة الخليفة وثبات توحيد قوة الحق على المنهج والطريقة.

إلى أبناء النور عبر الدهور والعصور

سلام الى كل الأحباء الأوفياء أهل الصفاء والنقاء، أخوة الإيمان قوة الاديان أهل الذوق المتواجدين في كل مكان، المتذوقين حلاوة رسائل الشوق المعطرة بصدق النور، عبر ضحى يقظة العقول من الغفلة وتفتح الأذهان لإدراك السر الكامن في امتداد  المهلة، ومعرفة الطريق واختيار الأخ والصديق، لكم التحية والسلام أينما كنتم أيها الأحباء الكرام الصابرين من أجل إعلاء كلمة الحق، ورفع راية الصدق في كل مكان، فما زال السر الصادق مختبئاً في أعماق أنفسكم يا أصحاب القوى الخفية، والهمم المؤثرة وصدق النية، والأيام والسنين دائماً تحمل الفرح للمؤمنين الصادقين الموحدين، ففرحكم دائم ومحبتكم عظيمة، وقلوبكم أوسع لتحمل كل ما يأتي وصلة الوصل عميقة ومترابطة بينكم رغم المسافات، والمزيد يأتيكم بين سطور ضحاكم يا من تستحقون ألطف المعاني وأعذب الكلمات.

بقدر نقاء قلوبكم تسلم نفوسكم من الشعور بالضيق، وتضاء امامكم عتمة الطريق، وبقد رالصدق مع النفس، وزرع بذور المحبة في أعماقها يزدهر الإيمان، ويسمو قدر الإنسان ويعم السلام، وتعلوا راية الحق وتسمو كلمة الصدق، وتتوحد في القلب واللسان وتبقى الكلمة الطيبة العنوان الكامل للصدق والمحبة، وتتآخى النفوس الرضية وتتصافى الأرواح المعنوية، وتستقر وتسعد بدوام الصفاء، وتعكس الصورة على الأصفياء. فلكم البشرى يا أبناء النور صبرتم عبر الدهور والعصور، وتمسكتم بحقيقة الحق لإظهارها للخلق، فهذه حقيقة الموحد المؤمن الصادق المطلع العارف الذي يبقى قويا ثابتاً، صامداً صابراً مهماً مرّت عليه المصاعب فهو في بداية الأمر كما في نهايته، يبحث عن الحقيقة ويستمر على المنهج والطريقة، وكلما تعمّق أكثر الى وصل الى شيء أكبر، وقدر أوفر من العلم والمعرفة، فيبعد خالقه ويسبحه وبحمده، ويشكره في كل وقت في السراء والضراء، ويطلب رضاه ولا يرجو رحمة أحد سواء، ولا تأخذه مباهج الدنيا وزخارفها، فكلها وهم زائل في جميع الأحوال، وكم تقلب الإنسان وتبدل في أقمصة الزمان والمكان، وكم مرّ بأجيال، وكم صادف من مصاعب وأهوال، وكم أشغل عقله وفكره بالسؤال: إلى أين يذهب؟ ومن اين أتى؟ وما الغاية من خلقه ووجوده في هذه الحياة وكثرة تعدد التبدلات والتقلبات؟ ليعرف أنه مر بالكثير عبر رحلة الوجود، وتبديل الجلود من سواحل البداية الى شواطئ النهاية حاملاً معه بذرة الخير في كل أجياله، ولم يحمل عرشاً أو فرقاً بل كلما انتقل عاش بطريقة مختلفة عن السابق، ليمر في كل أنواع الاختبار والامتحان، والسر بين الكاف والنون كما في آيات الكتاب المبين )الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسنا به رسنا فسوف يعلمون( [غافر/70]

فإذا كان أصل الإنسان طيباً ثبت، وبقيت ثمرة صدق إيمانه وتوحيده ملازمة صفاء روحه في كل زمان ومكان فمن ثمارهم تعرفونهم. وأنتم أيها الأحباء الأصفياء سلكتم منذ البداية الطريق المزدهر الخالي من العثرات لتصلوا في النهاية الى جنة السعادة والسرور مقر أبناء النور، ويصل ابناء الظلمة الى بحر الظلمات فلكم منا اينما كنتم سلام السعادة والأمان وقوة الإرادة والثبات المستمر على النهج القويم المعزز بصدق الإيمان.

هذه قوة إيمانكم، هذه ثمار صبركم، هيأتكم للفرحة الكبيرة والسعادة القصوى التي تكمن فيها فرحة الأيام، أيام نجد فيها سعادتنا، ونحركها نحن لا هي، ونستطيع بقدرتنا وقوة صفائنا وصدق إيماننا أن نجعلها كما نريد بزرع المحبة في القلوب، وطرد المخاوف من النفوس والتخلص من أسر هذا الزمان المعكوس، وترابط القلوب والأفكار، فبتسامي الأنوار بالتوحيد تعلو المراتب والهمم، وتتسامى الأمم وتصل الكلمة الطيبة لقلوب كل أهل الذوق العارفين الغارقين بين أناس ليسموا منهم. فالسر بداخلكم أيها الأحباء، ينبهكم بالمخاطبة معكم بلغة كأنكم تتحدثون مع أنفسكم. لا تتجاهلوا قوتكم يا أصحاب النفوس الزكية المعطرة بصدق الإيمان، السالكة المنهج السليم والتوحيد العظيم، لا تخافوا من كثرة أتباع الباطل وتحققوا أن قوة موحد مؤمن بالحق، عارف به تساوي قوة جيش من أئمة كفرهم، مهما علت قوتهم وطغت أمواج طغيانهم وتسلطهم، فهم لا يستطيعون تجاوز الحاجز الأقوى المصنوع بالقدرة الربّانية لحماية الحق المحقين، أصحاب القوى الخفية، وكل مؤامراتهم تنكسر على شاطئ إيمانكم الأعظم الذي يعزز قوتكم، ويحقق نصرتكم بقدرة العزيز القدير فلا لزوم للخوف من أعداء الحق مهما بلغت أعدادهم وعدتهم، فكلهم خشب مكسور مليء بالسوس، صدورهم خالية من الإيمان مغبرّين بوسخ الشيطان، صنعوا بأيديهم لأنفسهم زمنهم المعكوس، زمن اقتراب نهايتهم وانعدام وحشيتهم ومجازاتهم بمقدمات أعمالهم إذ زرعوا جرثومة الشك والفساد في الأرض منذ القدم، فتعمقت مع الزمن في أحشائهم ومازجت لحومهم ودماءهم، ونهشت ما تبقى من حلى النفس الشريفة التي كانت فيهم،وهبطت بهم من قمة نور الوجود الى الدرك الأسفل من ظلمة العدم  والشك، والشرك والجحود، فأين المفر للمتكبرين المغرورين، وقد هجم عليهم زمن الشدة والضيق لتنظيف الطريق من كل فسادهم وشرورهم وطغيانهم وغرورهم، وبدأت تضربهم مكنسة القدر وتظهر لهم العبر لتدمرهم وتمحو آثارهم، وتزيلهم إلى أبد الآبدين. فقد تعالت الصيحات في سنة الألفين سنة حصاد المعرقلين الطاغين المتسلطين، المفسدين في الأرض الذين يأكلون ويشربون ثم يكفرون. فليروا بعض ما يتسحقون من اللغنة التي حلت عليهم، والشر والخطر المحدق بهم، مما صنعته أيديهم. هؤلاء المستكبرون المتغطرسون المنافقون، أدعاء الحق الذين يعبثون بمصير الخلق ولا يعلمون مصيرهم )يوم هم على النار يفتنون( [الذاريات/13]. ويسمع شهيقهم زفيرهم ويقال لهم )ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون( [الذاريات/14]. وتلغى مقاصد الأشرار بقدرة العزيز الجبار ويأتي الرد عليهم ويكون قاسياً بما يستحقون، فلا بد لهم أن يعلموا أي منقلب سينقلبون. عند ذلك يتحقق الحق ويدرك جميع الخلق أن هناك قصداً وغاية من تسلسل فصول الحكاية. والسر ويدرك جميع الخلق أن هناك قصداً وغاية من تسلسل فصول الحكاية. والسر الكبير آت في النهاية، ولا بدّ للزمان من تحديد المكان، وإعادة ما كان في قدس الأديان، ولا بدّ من انتصار الحق وإزهاق الباطل، واستعادة السعادة بقوة الصبر والثبات والتصميم والإرادة، فلا يزال الشر يغلي والباطل يعلو، ودخانه يتصاعد من كل حدب وصوب حتى يهجم القدر، وتظهر العبر وتحين ساعة تحقيق الوعد المنتظر، ويحدث الإفراق بين الخير والشر، فتنتصر أمة الأمم وتتسامى الهمم بقدرة العزيز القدير، قاهر القدر ومفني دول الأبالسة والشياطين ومحيي الرمم، فلكم البشرى يا أهل الصبر والصدق، ويا قوة تحقيق الحق أصحاب القلوب المؤمنة الصادقة النقية، والنفوس المطمئنة الرضية، الفائضة بقوة المحبة والتسامح والتصالح، والتواصل بلغة سرية لغة إخلاص النفوس والدعاء الصادق الصادر من أعماق القلوب لتحقيق المطلوب. هذه اليست وهماً بل حقيقة وتتحقق بقوة إيمانكم. يا أحباب الحق، وتطلبوا ما تشاؤون ويلبّى بقدر القادر العزيز الجبار خالق الخلق. فعليكم بالمحبة الصافية، والكلمة الطيبة والفرح والسرور الدائم، والتحلي بالصبر مع الحق الذي يمهل ولا يهمل، مع الرضى والتسليم والثبات على طريق الخير المفعم بالنجاح والنصر، بسر ليلة القدر وترجمة لغة الزمان في نفس المكا، لتطمئن النفوس وتستقر وتدرك معنى المحسوس، وتبقى بسلام حتى مطلع الفجر، تبقى بنعيم سلم السلام السليم، والرضى والتسليم والثبات على النهج القويم. أما النفوس الضعيفة المرتجفة المتمسكة بالحبال الواهية فتسقط في الطريق، ولا تستطيع تحمل شدة عبور المضيق، وتتدحرج قبل بلوغ النهاية فلا يكتب لها الوصول وحصاد المحصول، يوم تجازى كل نفس بما كسبت ويوضح لها بأي ذنب قتلت ولا يفوز إلا أهل الذوق أصحاب الأديان أخوة الإيمان، المتمسكون بحبل اليقين، المتوجهون بصدق وإخلاص بدعائهم لمالك يوم الدين صاحب العزة والتمكين، لتمكينهم من خطف حبل الضغط من أيدي المتمردين الطاغين. أيها الأحباء المخلصون الصادقون أنتم قوة الإرادة والمحبة والسعادة، وسر الصلاة والعبادة، والرضى والتسليم، أهل السلم والسلام في البدء والختام. أينما كنتم لكم سلام المحب للمحبين، ودمتم برعاية الحفيظ العليم الرحمن الرحيم، هو راعيكم خالق الخلق، ومحق الحق ولو كره الظالمون.

ارفعوا رؤوسكم يا أحباب الحق

كونوا على يقين من أمركم يا أبناء النور، أينما كنتم ولأي دين أو شعب أو أمة انتسبتم، لأن زمن الظلمة والظالمين المتكبرين قد ولّى وذهب، وموعد سقوطهم قد اقترب. ومن كان سارياً ولا دارياً جاء الحق يخبره بالآتي، ويظهر براهينه وآياته لقوم يتذكرون ويعقلون ويفهمون.

*  *  *

لكم يا أهل الذوق المتذوقين شهد المعنى من رحيق أزاهير الأديان، طابقت أوقاتكم يا أمة الإخوان، وأخوة الإيمان، يا رياحين الزمان يا خير من كان، يا أحباب الحق المتيقظين المبصرين الناجين بقوة الإيمان من شبكة إبليس والشيطان، رغم عتمة الطريق واشتداد حزام الضيق واحتدام معركة عبور المضيق حيث ضاقت بأهل الحق الأرض بما رحبت، وتبرأ منهم الصديق والرفيق والشقيق وظهرت الأضداد من بيوت الأولياء وكثر حزب الباطل الصفهاء الأدعياء، ظاهرهم ديانة وباطنهم خيانة، وقد جاهروا بما في نفوسهم وقلوبهم من النفاق ونقض العهد والأمانة.

*  *  *

لقد اجتمعت قوى الشر وتحالفت، وتآمرت بذهنية الشيطان الرجيم، مؤسسها في القديم خادعها ومضلّها ومخرجها عن النهج القويم، فيضل كل حائر مشكك فاقد الثقة بنفسه، لا يصغي لصوت الحق بإذن عقله، ولا يميّز بنور بصره فقد غابت بصيرته، فيتوهم أن شيطانه يرشده ويهديه، وهو بمكره وخداعه وشيطنته يضلّه ويغويه، وينافق عليه ويوسوس في أعماق نفسه طالباً المزيد من الأتباع ليستقوي بهم ويضمهم إليه، فتعثر ووقع الكثيرون في مصائده وشباكه ونجوتم أنتم وسلمتم من مكره وغدره، فلكم البشرى يا خيرة الأصحاب وأعز الأحباب.

*  *  *

بالزمن الجديد زمن تحقيق التغيير والتبديل والتجديد، وكل ما مضى من الدهور والعصور، ومن مسيرة الكون بين الكاف والنون كان من أجل المؤمنين الصادقين الموحدين، وقد اقتربت قوارب النجاة من شاطئ الأمن والسلامة، والنصر المبين والعز الثمين لكل أبناء النور الأصفياء الأقوياء، الواثقين المتمسكين بحبل اليقين منذ البداية، وكل من تبعهم وسار معهم ولكم منهم سينفصل عنهم ويسقط ويتعثر في آخر خطوة قبل النهاية.

*  *  *

فالحذر الحذر من غفلة الطريق، والنوم بعد اليقظة، ومن اللهو والسهو والقنط والضجر، والتقصير بعد النهضة، وسلاح الفوز في معركة النهاية هو سلاح الإيمان الصادق بالحق، والإستعانة بقوة خالق الخلق، سبحانه وتعالى يعز من يشاء ويذلك من يشاء، شاء فأمهل خلقه، رغم شدة الإنكار والعصيان، وعظيم التمرد والإستكبار والعتو والطغيان، ولا يزال يمهلهم وبلطفه وعطفه ورحمته يعاملهم إكراماً لأبناء النور، المتواجدين بينهم في كل مكان، وقد هجم زمن الإفراق وتمييز أهل الصدق من أهل النفاق.

*  *  *

ارفعوا رؤوسكم وطيبوا قلوبكم ونفوسكم يا أحباب الحق، طابت أوقاتكم وصفت نياتكم وزاد نور إشراق الحق وقوته المتجددة في ذاتكم، لتتجدد قوتكم وتقو عزيمتكم، وتجتمع قلوبكم وتتوحد إرادتكم وتتحدد بإرادة الحق، وتؤمن به إيماناً كاملاً وثباتاً لا يتزعزع، ولا يتراجع، فتتحقق رغبتكم وتعلو كلمتكم وتستجاب دعوتكم، وترتفع رايتكم، راية الحق وكلمة الصدق، الكلمة السواء التي ستعيد جمع العائلة البشرية، والطوائف والمذاهب والأديان التي تفرعت من أصول وفروع الشجرة الآدمية الكونية، كلها ستعود تحقيقاً للوعد الموعود كما كانت طائعة خاصة خاشعة طوعاً أو كرهاً لأمر مكون، مالك الملك القادر الواحد الأحد، الفرد الصمد المبدي المعيد، الفعّال لما يريد، المنزه عن صفات الخلق والعبيد، والمنجز وعده ولو كره الظالمون.

*  *  *

لكم دائماً أيها الأخوة الصادقون المؤتمنون؛ عبر ضحاكم تحية شوق ومحبة وبشرى وسعادة، لتصلكم أينما كنتم مع نسمات كل صباح، وتدخل إلى قلوبكم النقية بكل هدوء وارتياح، ليزدهر طريقكم دائماً بالأمل والصبر والثبات، لزيادة محبتكم واستعادة سعادتكم، والثقة بقدرتكم، ولا خسارة مع الحق مهما اعترضكم من عقبات وصعوبات، فلا خوف ولا تردد ولا تراجع في النهاية بل عز وفوز ونجاح. وعليكم دائماً بالدواء الشافي من كل داء من صيدلية الشفاء، عليكم دائماً بالفرح والأمل والإستبشار، فالسعادة سر نجاح العبادة، وسر الهدوء والإستقرار، والرضى والتسليم لمشيئة العزيز الجبار معز الأولياء ومذل الأعداء، أصحاب الكفر والعناد والغرور والإستكبار، تسلحوا دائماً بالصبر والإيمان تحل الأيام ويعم السلام ويتحقق الإمكان.

*  *  *

البشرى لكم يا من تنبأ لأجلكم آدم الصفاء أبو البشر، وزرع في أعماق نفوسكم حبة خردل الإيمان الصادق بالوعد المنتظر. ها هو قد حان ونضج الثمر، وفرح الزارع بالمحصول، وتفلقت السنابل عن الحبوب وتبيّن الصادق من الكاذب، والفاضل من المفضول، وارتفعت صيحة الحق على ألسن المحقين الصادقين، المستبشرين المتميزين بصفاء العقول. وطهارة النفوس، وعلو الهمم وسمو المنازل، ودوام الشعور بالسعادة وامتلاك قوة الإرادة للتخلص من معاناة هذا العالم المعكوس. فقد تلاشى المتذبذبون الغارقون في زبد بحر الحيرة والعجز عن التمييز بين الصحيح والسقيم، والمنحرف والمستقيم. فوجوه ضاحكة مستبشرة مليئة بالفرح والأمل، والسعادة والهناء، ووجوه مكفهرة مقفرة تعكس ما في القلوب والنفوس من الشك والحيرة والخيبة والشقاء. فكما تعرف الأشجار من الثمار كذلك يعرف من وجوههم؛ أهل الجنة من أهل النار.

ثمار الصبر

سلام إلى كل الأحباء الأوفياء أهل الصفاء والنقال، أخوة الإيمان قوة الأديان أهل الذوق المتواجدين في كل مكان، المتذوقين حلاوة رسائل الشوق المعطرة بصدق النور، عبر ضحى يقظة العقول من الغفلة وتفتح الأذهان لإدراك السر الكامن في امتداد المهلة، ومعرفة الطريق واختيار الأخ والصديق، لكم التحية والسلام أينما كنتم أيها الأحباء الكرام الصابرين من أجل إعلاء كلمة الحق، ورفع راية الصدق في كل مكان، فمازال السر الصادق مختبئاً في أعماق أنفسكم يا أصحاب القوى الخفية، والهمم المؤثرة وصدق النية، والأيام والسنين دائماً تحمل كل الفرح للمؤمنين الصادقين الموحدين، ففرحكم دائم ومحبتكم عظيمة، وقلوبكم أوسع لتحمل كل ما يأتي، وصلة الوصل عميقة ومترابطة بينكم رغم المسافات، والمزيد يأتيكم بين سطور ضحاكم يا من تستحقون ألطف المعاني وأعذب الكلمات.

*  *  *

بقدر نقاء قلوبكم تسلم نفوسكم من الشعور بالضيق، وتضاء أمامكم عتمة الطريق، وبقدر الصدق مع النفس، وزرع بذور المحبة في أعماقها يزدهر الإيمان، ويسمو قدر الإنسان ويعم السلام، وتعلو راية الحق وتسمو كلمة الصدق، وتتوحد في القلب واللسان وتبقى الكلمة الطيبة العنوان الكامل للصدق والمحبة، وتتآخى النفوس الرضية وتتصافى الأرواح المعنوية، وتستقر وتسعد بدوام الصفاء وتعكس الصورة على الأصفياء.

*  *  *

إذا كان أصل الإنسان طيباً ثبت، وبقيت ثمرة صدق إيمانه وتوحيده ملازمة صفاء روحه في كل زمان ومكان فمن ثمارهم تعرفونهم. وأنتم أيها الأحباء الأصفياء سلكتم منذ البداية الطريق المزدهر الخالي من العثرات لتصلوا في النهاية الى جنة السعادة والسرور مقر أبناء النور، ويصل أبناء الظلمة إلى بحر الظلمات فلكم منا أينما كنتم سلام السعادة والأمان وقوة الإرادة والثبات المستمر على النهج القويم المعزز بصدق الإيمان.

*  *  *

هذه قوة إيمانكم، هذه ثمار صبركم، هيأتكم للفرحة الكبيرة والسعادة القصوى التي تكمن فيها فرحة الأيمان، أيام نجد فيها سعادتنا، ونحركها نحن لا هي، ونستطيع بقدرتنا وقورة صفائنا وصدق إيماننا أن نجعلها كما نريد بزرع المحبة في القلوب، وطرد المخاوف من النفوس والتخلص من أسر هذا الزمان المعكوس، لتبدد الظلمات بإشراق الأنوار وتتسامى الكلمات وتتحد وتترابط القلوب والأفكار، فبتسامي كلمة التوحيد تعلو المراتب والهمم، وتتسامى الأمم وتصل الكلمة الطيبة لقلوبو كل أهل الذوق العارفين العازفين الغارقين بين أناس ليسوا منهم. فالسر بداخلكم أيها الأحباء، ينبهكم بالمخاطبة معكم بلغة كأنكم تتحدثون مع أنفسكم. لا تتجاهلوا قوتكم يا أصحاب النفوس الزكية المعطرة بصدق الإيمان، السالكة المنهج السليم والتوحيد العظيم، لا تخافوا من كثرة أتباع الباطل وتحققوا أن قوة موحد مؤمن بالحق، عارف به تساوي قوة جيش من أئمة كفرهم، مهما علت قوتهم وطغت أمواج طغيانهم وتسلطهم، فهم لا يستطيعون تجاوز الحاجز الأقوى المصنوع بالقدرة الربّانية لحماية الحق والمحقين، أصحاب القوى الخفية، وكل مؤامراتهم تتكسر على شاطئ إيمانكم الأعظم الذي يعزز قوتكم، ويحقق نصرتكم بقدرة العزيز القدير على كل أهل التكبر والغرور.

*  *  *

لا داع للخوف من أعداء الحق مهما بلغت أعدادهم وعدتهم، فكلهم خشب مكسور مليء بالسوس، صدورهم خالية من الإيمان مغبرون بوسخ الشيطان، صنعوا بأيديهم لأنفسهم زمنهم المعكوس، زمن اقتراب نهايتهم وانعدام وحشيتهم إذ زرعوا جرثومة الشك والفساد في الأرض منذ القدم، فتعمقت مع الزمن في أحشائهم ومازجت لحومهم ودماءهم، ونهشت ما تبقى من حلى النفس الشريفة التي كانت فيهم، وهبطت بهم من قمة نور الوجود إلى الدرك الأسفل من ظلمة العدم والشك، والشرك والجحود، فأين المفر للمتكبرين المغرورين، وقد هجم عليهم زمن الشدة والضيق لتنظيف الطريق من كل فسادهم وشرورهم وطغيانهم وغرورهم، وبدأت تضربهم مكنسة القدر وتظهر لهم العبر لتدمرهم وتمحوا آثارهم، وتزيلهم الى أبد الآبدين.

*  *  *

لقد تعالت الصيحات في سنة الألفين سنة حصاد المعرقلين الطاغين المتسلطين، المفسدين في الأرض الذين يأكلون ويشربون ثم يكفرون. فليروا بعض ما يستحقون من اللعنة التي حلت عليهم، والشر والخطر المحدق بهم، مما صنعته أيديهم. هؤلاء المتسكبرون المتغطرسون المنافقون المتشدقون، أعداء الحق الذين يعبثون بمصير الخلق ولا يعلمون مصيرهم )يوم هم على النار يفتنون( [الذاريات/13]. ويسمع شهيقهم وزفيرهم ويقال لهم  )ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون( [الذاريات/14]. وتلغي مقاصد الأشرار بقدرة العزيز الجبار ويأتي الرد عليهم ويكون قاسياً بما يستحقون، ولا بد لهم أن يعلموا أي منقلب سينقلبون.

*  *  *

ولا بدّ أن يتحقق الحق ويدرك جميع الخلق أن هناك قصداً وغاية من تسلسل فصول الحكاية. والسر الكبير آت في النهاية، ولا بدّ للزمان من تحديد المكان لتحرير قدس الأديان من كل فراعنة وطغاة الأزمان ما كان في قدس الأديان، ولا بدّ من انتصار الحق وإزهار الباطل، واستعادة السعادة بقوة الصبر والثبات والتصميم والإرادة، فلا يزال الشر يغلي والباطل يعلو، ودخانه يتصاعد من كل حدب وصوب حتى يهجم القدر، وتظهر العبر وتحين ساعة تحقيق الوعد المنتظر، ويحدث الإفراق بين الخير والشر، فتنتصر أمة الأمم وتتسامى الهمم بقدرة العزيز القدير، قاهر القدر ومفني دول الأبالسة والشياطين محيي الرمم، ومن أجلكم تنبأ آدم أبو البشر ولأجلكم تتحرك القدرة لتحقيق الوعد المنتظر فالبشرى لكم يا أهل الصبر والصدق، ويا قوة تحقيق الحق أصحاب القلوب المؤمنة الصادقة النقية، والنفوس المطمئنة الرضية، الفائضة بقوة القلوب المؤمنة الصادقة النقية، والنفوس المطمئنة الرضية، الفائضة بقوة المحبة والتسامح والتصالح، والتواصل بلغة سرية لغة إخلاص النفوس والدعاء الصادق الصادر من أعماق القلوب لتحقيق المطلوب. هذه ليست وهماً بل حقيقة تتحقق بقوة إيمانكم. يا أحباب الحق، وتطلبون ما تشاؤون ويلبّي بقدرة القادر العزيز الجبار خالق الخلق. فعليكم بالمحبة الصافية، والكلمة الطيبة والفرح والسرور الدائم، والتحلي بالصبر مع الحق الذي يمهل ولا يهمل، مع الرضى والتسليم والثبات على طريق الخير المفعم بالنجاح والنصر، بسر ليلة القدر وترجمة لغة الزمان في نفس المكان، لتطمئن النفوس وتستقر وتدرك معنى المحسوس، وتبقى بسلام حتى مطلع الفجر، تبقى بنعيم سلم السلام السليم، والرضى والتسليم والثبات على النهج القويم.

*  *  *

أما النفوس الضعيفة المرتجفة المتمسكة بالحبال الواهية فتسقط في الطريق، ولا تستطيع تحمل شدة عبور المضيق، وتتدرج قبل بلوغ النهاية فلا يكتب لها الوصول وحصاد المحصول، يوم تجازى كل نفس بما كسبت ويوضح للمؤودة الجاهلة المستسلمة بسبس الإنقياد لشياطين ودجاجلة الفترة بأي ذنب قتلت ولا يفوز إلا أهل الذوق أصحاب الأديان أخوة الإيمان، المتمسكون بحبل اليقين، المتوجهون بصدق وإخلاص الدعاء لمالك يوم الدين صاحب العزة والتمكين، لتمكينهم من خطف حبل الضغط من أيدي المتمردين الطاغين. أيها الأحباء المخلصون الصادقون أنتم قوة الإرادة والمحبة والسعادة، وسر الصلاة والعبادة، أهل الرضى والتسليم، والسلم والسلام في البدء والختام. أينما كنتم لكم لكم سلام المحب للمحبين، ودمتم برعاية الحفيظ العليم الرحمن الرحيم، هو راعيكم خالق الخلق، ومحق الحق ولو كره الظالمون.


V- وجدتم لتنشدوا لحن الوجود... لحن سمفونية التوحيد

أصحاب النقاء الأصفياء سند الدرب وفرحة القلب

لا تتغير الأزمنة والعصور كما يريد الظالمون المغرورون، المتحكمون بزمام الأمور في هذا الزمن الكاذب. بل كما يريد مكوّن الكون، فالدائرة تدور ليظهر المستور، وما تخبئه القلوب في الصدور، والعالم بأسره يمر بالتجربة الصعبة والإمتحان العسير، ويغرق في بحر العولمة والمزجة الكبرى، وتشتد المعاناة وترتفع الصيحات من أربع زوايا القرية الكونية، ويهجم القدر ليظهر العبر ويثبت للبشر سر التكوين وقدرة التحريك، وإرادة المكون القادر القاهر، صاحب العزة والتمكين، ومالك يوم الدين خالق الخلق، ومحق الحق، ومساعد الخليفة على التبصر وإدراك الحقيقة، إنه السميع المجيب الغفور الرحيم.

فلكم البشرى يا أولي الألباب، يا خيرة الأحباب والأصحاب لكم السلام وتحية أبناء الإيمان ومحبة إخوة الأديان في كل مكان، أينما كنتم من ضحى معرفتكم نخاطبكم وبعيد الأضحى نهنئكم، وباجتماع الأحبة لإسترداد السعادة على جبل أعراف الأحبة.. والفوز بوقفة العز بمعرفة حقيقة ذاتكم، إنكم أصحاب النعمة الأبدية والقوى الخفية والصلة الروحانية، وجوه الخير والمحبة والسعادة، وقوة الإرادة أهل الصفاء الأتقياء، أصحاب النقاء شعب الشعوب الصادقين، أهل الذوق والأحباء المستيقظين المطلعين العارفين بإيمانكم بالحق، وفهمهم العميق أن دورة الزمان، وتصاعد مصائب الأيام في عصر الشكوك والظلمات، وحضارة عولمة المفاسد والغرائز والملوثات، وانتشار الفتن والمحن والمآسي والكوارث والنكبات، واشتداد حزام الألم والمعاناة، كل ذلك نتيجة ما جنى إنسان هذا العصر على نفسه بنفسه، ليذوق ثمرة ما صنعته يداه، ويغرق في بحر الشقاء والبؤس والضيق لأنه لا نسي الحق وعصاه، وتمادى في عصيانه وجهله لما أخذه على نفسه بنفسه من العهود والمواثيق وغره زمن الإمهال ولم يفهم قانون الجزاء بمقدمات الأعمال، وارتباط قضية الحق بالتحقيق والتطبيق، ونسي زمن استحقاق موعد الفرق والإفراق بين أهل الحق والصدق والمحبة والوئام والوفاق، وبين أهل الباطل والشك والشرك والنفاق، فقد شارفت على نهايتها مهلة الإختبار والامتحان ودخل الشر في مرحلة التلاشي والذوبان، وازدادت الكوارث والمحن والفتن والنكبات، والصفعات على وجوه المتكبرين المنافقين القائمين بألسنتهم سلاماً وقلوبهم قتال وظلم وظلام. فلكم السلام والقدرة على الدوام، واستمرار التقدم والازدهار وقوة الاحتمال وقوة الإلهام.  وقوة الخير والإرادة بلغة الاستعداد وتعمير البلاد، وإيقاظ النوام وطرد الأوهام، وتلقي الدعم والتأييد، والتهيؤ للزمن الجديد وأفراح العيد، وانسجام شدو البلابل وألحان التغريد بترجمان التوحيد. أنتم البذرة الصالحة منذ البداية، وما تقبلكم عبر الدهور والعصور وثباتكم مع أبناء النور إلا لتحقيق هذا الغاية.

أنتم الأمان واللضمان واليقظة والاستعداد لإستعادة  السعادة للنفوس بنعمة التوحيد والإيمان، أيامكم مشرقة وطريقكم سالكة يا أخوة الأديان وسلامة الإيمان، أهل الصفاء المليء بالنور الجديد الآتي المفعن بالمتعة والسرور بالتغيير والتجديد، وإعادة ترميم كل ما كان وصياغته من جديد ليبدأ بقوة أكبر وعنصر فريد، فأنتم سند الدرب وفرحة القلب الذين اصطفاهم الحق من بين الخلق ليدافعوا عن الخير، ويسلكوا طريق النور عزة التوحيد والنبراس المضيء في مسلك العبور أصحاب المحبة والوئام والتفاهم والصلاح والسلام لتبقوا على الدوام بنعمة كبيرة، وحظ وفير وأيام جميلة. بنوركم وإيمانكم النابع من القلب يضاء الدرب، ويضاء أمام كل العابرين المبصرين مسلك العبور ليعبروا بسلام من مضيء الظلمة الى فجر النور. قيمتكم كبيرة وحبكم كبير وقوتكم من تأييد العزيز القدير، فلا تخشوا النوام أنتم الأمان والضمان، واليقظة والاستعداد لإستعادة أفراح الأعياد، فلا تصغوا لأقوال المتمسكين بالعناد، لكم السعادة والاطمئنان الدائم فلا استنفار مع التوحيد بل هدوء واستقرار وتركيز الخطوات بمعرفة وثبات، وتشجيع المتقدمين وإرشاد التائهين وإيقاظ الغافلين، ومعالجة نقاط الضعف، وإدخال الفكرة الى عقولهم، ومن ثم قلوبهم وإزالة الغبار المتراكم عن منظارهم ليروا الحقيقة، ويمتلكوا قوة الفهم والإدراك وصدق افيمان لتكتمل معزوفة الألحان، وتدخل الفرحة الى الأفئدة النقية الطاهرة المليئة بالنور والسرور من سر الثبات، وسر السعادة وسر نجاح العبادة وسر ترقي المحبين العارفين، المتمسكين بحبل اليقين ليرقوا ويصلوا على سلالم الوصول بسلام الى أنبل وأعلى الدرجات الى غاية الغايات، ويتحقق القدر الكافي من الثقة بالنفس. سلمتم بكلمة الحق ودام إيمانكم صادقاً، وتوحيدكم سليماً ودام الرضى والتسليم عنوانكم السليم، ودام التواصل والتخاطر مستمراً بلغة النفوس الطاهرة الزكية والقلوب المليئة بالمحبة النقية. لكم البشرى بالسعادة بالتهنئة، بالإطمئنان والرضى الدائم والهدوء والاتزان رغم اهتزاز عالم الزمان والمكان. عالم عولمة العلوم الفانية الخالية من معالم الروح والقيم الروحية لتبقى عنوان عالمكم عالم الثبات على قوة الإيمان والشعور بالأمن والاستقرار والسلام، والسعادة والاطمئنان والرضى والهدوء التوحيدي والفهم العميق، لارتباط قضية التوحيد بوجود التطبيق والتحقيق. لكم السعادة والاطمئنان وصفاء المنظار، والقدرة على التكيف والتأقلم مع تقلبات الزمان والتعايش مع المكان أينما كان. لكم السلام المحمل بعطر المحبة على الدوام. فالحكمة الإلهية والقوى النورانية تثبت بقوته في داخلكم مما يجعلكم بسعادة دائمة، واستقرار واستبشار فالحق له صنيعه، وقوته ليدافع عن نفسه، ويثبت ذاته على أرض الواقع ليظهر نور الحقيقة بصفاء وجلاء، ويتم العبور والنجاة ووصول كل أبناء الحق والحقيقة الى ساعة الإثبات وتحقيق الذات، فلكم يا أبناء الحياة أفراح العيد وأسرار معرفة الزمن الجديد، والإحاطة بالساعة والابتعاد عن التحديد. فالصبر والرضى والتسليم هو العلاج الروحاني، أسمى أنواع العلاج لأهل الصفاء والنقاء والفرج والسرور بإشراق الفجر الروحي الجديد والفوز العظيم والعز المقيم، والسعادة الأبدية، والنفحات القدسية وروح وريحان فهنيئاً لكل المؤمنين أمة الإخوان وأخوة الإيمان، أحباب لحق، أبناء النور أهل الذوق، المتذوقين إكسير الحياة الدائمة من سر أسرار نعمة الأديان.

الكنز الثمين وحبات العقد القديم

لكم وعليكم السلام يا أخوة الأديان وصفاء الأمم وأمة الأخوان سلمتم من حضارة العصيان والكفر والطغيان وفقدان الإيمان. ليس لإبليس عليكم سلطان ولا لجنوده وعبيده لكم مكان.

لكم السلام السليم المليء بعبق الرياحين، وزهر الياسمين ليصل إليكم أينما كنتم، يا جواهر الكنز الثمين، وحبات العقد القديم التي امتلكت قوة العصر والزمان، وتعايشت مع الواقع في كل مكان، وآن الأوان لتجتمع، وتشكل قوة التغيير بإرادة العزيز القدير لإنهاء عصر الظلمة، وإشراق عصر النور، فلكم السلام التوحيدي الفريد المترجم بلغة عصر النهضة وبزوغ الفجر الروحي الجديد.

والزمن الآتي مختلف تماماً عن الماضي، والأيام تدور وتدور لتظهر المستور. ومن عيد لعد يحلو التجديد، ويسمو ويزدهر التوحيد محطة التقاء الأديان، وسنديانة الزمان المغروسة جذورها في أرض الإمكان، ويظهر من جديد في قدسية المكان، ويتحقق الحق بقدرة خالق الخلق رغم كل جاحد كفور في آخر الأزمان والدهور. ومهما إشتد صراع العباد، واهتزت البلاد وتصارعت الفئات، وشكت من الويلات والنكبات والمفاجآت والكوارث والأزمات، ومهما طغت أمواج الباطل والكفر والإرتداد لا يضركم كفرهم إذا آمنتم، ولا جهلهم إذا عرفتم، ولا عماؤهم إذا أبصرتم، ولا ظلمهم وطغيانهم إذا صمدتم، وثبتم وقاومتم. فلا تقسوا الأيام على أهل الصبر والصدق والإيمان إلا لتطعمهم من حلاوة النصر، ولا تسقي أصحاب الغرائز البهيمية من طعمها إلا لتدنيهم لفحشائها ومرارتها، وتؤدي بهم في النهاية الى الهزيمة والخسر.

فلكم تحية أبناء الإيمان، وتحقيق الأسطورة، وتنقية منظاركم لرؤية جمال الصورة لكم قوة التأييد وقوة الإدراك مع قوة الإهتمام والاستعداد للزمن الآتي الجديد. ومعنى الحقيقة مهما اختفى لا يضيع من بين السطور إلا ليعود ويظهر من جديد، فلا تدعوا الذين غلب عليهم النعاس بالقلوب يعرقلوا مسيرتكم الحثيثة لاجتياز جسر العبور وإثبات قوة الحق بالتحقيق، فلا تنخذعوا بقوة الشر الموهومة المليئة بلحن الغدر والتلفيق. فلا بد من يقظة الأمم وعودتها للواحد الأحد بالتوحيد الصادق الواضع الفاضح لكل أصحاب الشعارات المليئة بإظهار محبة الحق والحقيقة، وإبطان الوحشية العميقة لغة الشر والاحتيال لدى أهل الباطل والمحال والضلال الذين يقولون سلام بالكلام وقلوبهم قتال، فطال ما سيبكون على الأطلال.

فالتقاسيم قسمت، والأجزاء جزئت، والقوة اجتمعت بعناصرها التحمت، ولم يبق إلا القليل لاستكمال الصورة في البلاد المعمورة، وتمام معرفة الدال والمدلول بالدليل. والشيء المطلوب هو مزيد من تعميق الثقة بالحق وبحتمية تحقيقه على أرض الواقع الملموس، والشعور الدائم العميق بالفرح والسعادة في القلوب، وعلى الوجوه، وفي أعماق النفوس رغم كل ما يجري في هذا العالم المعكوس. فقد بعد الضياع واستنفد الوداع، واقترب موعد الاجتماع وظهور قوة الأقوياء ليطيب اللقاء، ويعود صفاء الحق لنفوس الخلق، وتهب نسمات الجود على كل موجود، وتشرق الأرض بنور ربها، وتقترب ساعة تصفية الشر واقتلاعه من جذوره وخلاص أبناء النور من أبناء الظلام، وإشراق أنوار السلام وتحقيق الأمنية وختام دار الأوهام.

وما كل ما يتمنى شيئاً يتحقق أمنيته في هذا الزمان، إلا أهل الذوق العارفين المهتدين بنور الإيمان المطلعين على حقيقة أسرار الألواح، والآيات والحروف والكلمات، والمواعظ والقصص، والحكايات والأمثال، والأقوال والنبؤات والحكم والاحكمة في نعمة الأديان التي نزلت، وتنزلت عبر العصور والدهور، ودوراً بعد دور وخلقاً بعد خلق بمظاهرها المتعددة، ونطقت بالكلمة الواحدة، كلمة الحق التي ملأت الآفاق والأنفس والصور منذ بدء التكوين، وعادت في زمن عودة اليقين المرتبط بجوهر الدين في قوله تعالى )كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا أنا كنا فاعلين(. فلكم أيها الأحبة الانتظار قليلاً، والنظر بالمنظار الجديد لرؤية  ذهاب الصورة المخربة للواقع، وإعادة تغليفه بالجميل ليعم النور، وينتشر الاستقرار بين الأفئدة، وتمتلئ بالفرح والسعادة والقلوب والصدور. ولكم بالوصول والتواصل بلوغ الحد الفاصل، والتعرف واليقين الصحيح بلغة التغيير والصدق والكشف والتوضيح.

لكم الفرحة وإضاءة السبيل، واتباع الدليل، وترقية الحال وقوة الصبر والاحتمال، والرضى بالإرادة الإلهية، والقدرة الربانية بتقدير القدر، ومفاجآة البشر بما لا يخطر على بال، فالجزء ينبئ بصدقه عن الكل، واجتماع أصحاب الإيمان على كلمة الحق، والصدق في قدسية المكان يدل على الاجتماع الكوني بعالم الروحانية الصادقة. وهنا يكمن تحول الزمان وقوة أهل الأديان بتحقيق التقاء الروح والجسم، وقوة تحقيق الإمكان في قدسية المكان. رغم أنوف أصحاب العناد المعرقلين النوام، أهل الاستكبار والغرور والطغيان، فعمرهم قصير، وحسابهم عسير وسقوطهم محتوم بالضربة القاضية في الوقت المعلوم. فقد بانت العبر، وأظهر القدر بعض مخبآته ومفاجآته، ويظهر المزيد من كل يوم جديد. والعاقبة لمن صبر واستراح في محطة الانتظار من عناء السفر، فما زالت النتيجة بين الصطور تغيب، وتظهر، والتساؤلات كثيرة: ماذا يجري وإلى أين ومتى وكيف ولماذا؟ والإجابة واحدة من سر دائرة الوجد. والأمور من قبل ومن بعد كلها لا تجري إلا بإرادة ومشيئة كلمة الخالق المعبود. والدائرة تدور ومفعول الدوران بمحطة التركيز، وكل ما حصل وسيحصل مقدر، مسجل في سجل القانون منذ بدء التكوين الى زمن عودة التقاء الكاف بالنون، فسبحان من بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون.

النجوم البابانية والقدرة الربانية

لكم دائماً السلام يا أحباب الحق وأهل الذوق، معشر الإخوان أخوة الأديان في كل مكان أصحاب السلطة وتغيير الزمان بقوة الإيمان.

لكم البشرى والسعادة يا أبناء النور، فئات التوحيد وقوة اليقين وقدرة الحق السرية وسر القدرة الإلهية، ومعنى كل الأسرار والرموز، والإشارات التي نطقت بها كل الألسن واللغات والكلمات والآيات، والنبوؤات والرسالات الدينية، والوصايا والحكم الإلهية وصرخة الحق الأزلية في آذان عقول البشرية دوراً بعد دور، وعصراً بعد عصر وصولاً الى دور الأدوار وعصر العصور، وزمن عودة الميعاد لمحطة الختام، وظهور المستور وبلوغ العالم حد التمام، ونهاية دار الأوهام.

فلكم سلام يا أهل المحبة والإخلاص يا روّاد محطة الخلاص، أهل الصفاء والنقاء والتركيز على عزّ الانتماء لدائرة التوحيد لتكتمل الحلقات، ويكتمل نوركم ليتحقق دوركم، وينتهي دور أهل المتاهات والضلالات، وتجتمع الفئات وترتفع الصيحات تصرح وتصرخ بصوت الحق المدوي أكثر فأكثر بالتوضيح والصدى الصحيح من صرح التصريح، ومحطة هجوم القدر لإظهار العبر، وبشارة كل البشر بتحقيق الوعد المنتظر. أنه عندما يذكر التوحيد يلغي التلحيد، وتتسلسل الأمور ويدور العالم لإظهار المكنون وكشف المستور، وتهب رياح التغيير بقدرة العزيز القدير، وتشتد حيناً ثم تهدأ وتتأرجح بين الهبوب والفتور، ليستيقظ الغافي، وتعود الفروع الى الأصول، ويتحقق المثل بالممثول ويتم العبور من مضيق الظلمة الى رحابة النور.

ولا تدور الأيام إلا لتثبت لذوي العقول والأفهام معاني التكوين، وتكشف عن جوهر النونين وسر السرين، وقناعة القناعتين وقوة الأصلين والفرعين.

فلكم في كل نسمة نعمة السلام والرحمة والرضوان من عالمكم الأسمى، يا أبناء العفة وطهر الزمان، وسلامة الأديان وقوة الإيمان بملاقاة الذات بالذوات لتتحقق بكم الإرادة والمشيئة، وتشرق أنوار الكلمة الإلهية العلوية وتتجلى بفائض المعدل في الربوع السفلية، وتجتمع وحدة الأمم وتتسامى الهمم، وترتفع راية الحق وتهوي أعلام الباطل من أعالي القمم فالأيام تدور وتدور، والميعاد يعود ليبشر بختام الأمنية، والتوصل لمفاصل الأمور والإفراق الأخير بين أبناء الظلمة وأبناء النور.

سيروا كما كتب لكم ولا تستعجلوا أو تتذمروا من جولة الباطل وشدة الامتحان، وقسوة الزمان، وما يحدث في هذا العالم المهزوز، عالم المزاج والصراع والنزاع والانخفاض والارتفاع، وتصاعد الآهات من شدة المعاناة من كل النواحي والأصقاع.

وكما أن للعبر تكوين فللوقت تحديد بقدوم الجديد، وفترة تركيز وتعمق أكثر بفهم أسرار التوحيد لجني الاستفادة، واسترداد السعادة، والتخلص من اشباح الأوهام: كبراء علوج الضلال،  أهل الظلم والظلام، فلهم يوم عقاب وعذاب في وقتكم هذا، ومهما حصل وحدث من حولكم فلتبق نفوسكن هادئة راضية، مطمئنة مستبشرة مليئة بالتفاؤول والثقة والسعادة والاسترخاء، وقوة الإرادة بعيداً عن عالم الاختلاس والتزوير، والجحود والنكران المشوهين الصورة في البلاد المعمورة، والأماكن المسجونة والأقطار المأسورة بسجن عولمة الخراب والخوف والرعب من شبح الإرهاب.

سلمتم من سجنهم وأسرهم يا أصحاب قوة التغيير الخفية، وبذور القدرة الكونية في أرض الحق لتتفتح زهورها، ويتألق نورها لتحقق الإمكان في قدسية المكان، ويتغيّر الحال ويحدث مالا يخطر على بال، وتصل سفن النجاة بأهل اليقين والاثبات لشاطئ الأمن والسلامة والسلام، ويغوص مركب الباطل بأهله في بحر الضلال والظلم والظلام.

فلا تنسوا أهميتكم وقوتكم، فأنتم الأعلون منذ بدء الكون عبر دورة الأزمان، وعودة التقاء الكاف والنون، وانكشاف سر الأسرار وحقيقة تلك الدار: دار استعادة السعادة لنفوس الأصفياء، لترتاح من العناء، وتتنفس الصعداء ويعيش فرحة الفوز والانتصار، وغثبات قوة الحق الموحدين الأخيار، وارتخاء قوة الأذلاء أتباع الباطل الأشقياء، ويعلم العالم معنى الجنة والنار، ويتحقق الحق على أرض الواقع الملموس ويتصل المعقول بالمحسوس، وينكشف سر ملكوت القدرة الربانية، والعزة الكونية، ويعرف معنى الحكمة ورموزها المودعة في أسرار الآيات الفرقانية، وسر الطيور الأبابيل، وحقيقة جبريل وميخائيل والملائكة العلوية، والنجوم البابانية التي تظهر عند الضيق ومعاناة الصديق، من صرح القصر المشيد ومحطة التقاء قوة التوحيد، وتنشأ من ألواح مضيئ