The material on this site is the property of Druzenet and is protected by International Copyright Law. Copyright Druzenet 2009. All Rights Reserved

Contact Druzenet Arabic Edition English Edition About Druzenet

دروزنت بالنسخة العربية

رسالتنا

اصداراتنا

مؤسساتنا

للاتصال بنا


اصداراتنا:

آدم

Adamos

تحرير، ترجمة  اشراف وتجميع شادي غيث

جميع الحقوق محفوظة

مطبوعة آدم


مقدمة

الحكمة القديمة تكشف في مجموعة من الاصدارات الشهرية جذور الصراع الذي حكم الاديان والفلسفات، الشعوب والحضارات، الافكار والتوجهات، الاضداد والمتناقضات منذ بدء التكوين لتعيده الى موطنه الاقدم داخل حدود النفس الآدمية حيث يتجلى المنطق الذي يفصل بين عالم الزمان والمكان وعالم الابدية.

القيمين على مجموعة آدم يوجهوا شكر من القلب الى سماحة الشيخ بهجت غيث (شيخ عقل الموحدين الدروز) على دعمه الروحي، المادي والمعنوي لـ رسالة آدم الذي توجّ مسيرته الطويلة في نشر الوعي التوحيدي، وتقدير خاص لقدسية التجربة التي رافقت هذه المسيرة، لأنها رسمت معالم شخصية الموحد الحقيقي في هذا الزمان، وارتقت بلهجة التعبير عن حقيقة التوحيد فوق مظاهر التعبد والتديّن والتنسّك والتصوّف وحتى فوق التواضع الذي يخفي وراءه ملامح الكبرياء الى البساطة التي تعبّر عنها النفس الآدمية: محور التقاء عظمة السموات بترابية هذا العالم.


فهرس

كلمة البدء

الأيام تأخذ ولا تعطي ومَن استوعب تحليلها تغلب عليها واستفاد منها
صدى الآهات يتوسع في الآفاق والأجراس تدَق بكثرة هذه الأيام فلا تسمحوا لها أن تؤثر على تفكيركم
ألم ترتقي موارد السعادة لتلتقي ببوادر الاختيار
راعوا حقوق أنفسكم: الالتزام بالساحة يجلب الكيد والغمام
العيون لا تخون ولغة النور تكشف المستور
أما أنت أيها العاجز على فهم معنى السلام الحقيقي: ليس لك في الأمانة تصريف لأنك في طريق الحق ضعيف
الحكمة القديمة حول حقيقة القدس وسلاح معركة هرمجدون
نفس تفتقد للحدود وعالم أراد أن يلعب دور المخلص على حساب خلاصه
 

ترقية الحال مع "ميم أداموس" - النفس الكلية

ترقية الحال
في معاناة النفس
في سر ارتباط السعادة بالإرادة
تقوية الإرادة على فهم لغة النور
اليوم يوم اختصار مع توحيد واتفاق بعيدا عن الأنفاق - حكمة عابر السبيل
أيها الشاب الموحّد : أين أنت؟ ولماذا تنسى أهميتك؟ موحّد أيعني يكتَب له العذاب
في توحيد الخواطر سلامة من كل المخاطر
السعادة السعادة سر نجاح العبادة
إلى الموحّد الذي يعاني ويحاسب نفسه
تقولوا: هذه هي الدنيا وهذا هو العالم ، وكيف لنا الخلاص؟ لا، أنتم مَن يجلب هذه الهموم والمشاكل لساحتكم
توفير المعاني لإهمال الجاني: بمحبتكم تسعدوا والعالم من حولكم يُنسى

ترقية الحال مع بعض الحقائق

أتلانتس
الصحون السابحات
الحب الحقيقي
الشعوذة
النفس والزمان
حكيم بحكمته طلب
إذا هاجمتك الأفكار

في سياسة الأنفس

ما هو السلام؟
هل أنتم مستعدّون لمواجهة يوم مقداره خمسون ألف سنة؟
هنا والآن تكمن فرصتك وليس في المستقبل، لأن المستقبل هو امتداد للـ - هنا والآن
علامة الاستقرار: العطاء مع عدم الانتظار
مَن عجز عن التركيز في الحاضر وقع في أسلوب "كان" فتطاير الإمكان
نفس واحدة في أجساد متفرقة
الخوف... الخوف... الخوف
سر البساطة
ما هي الأفكار ومن أين تأتي؟
تعلم المغفرة الحقيقية: هناك فرق بين التسامح والتخاذل
إن كنت صادقا فعلا تحمل مسؤولية الخلافات التي تراها في عالمك الخارجي
مَن تنفس بوقت ليس وقته حُسِمَ قدره
النفس لا تعاقَب بل تُعتَقَل لأسباب الحياة واكتمال دورات النجاة
حقيقة الـ قلم وحقيقة المكتوب على اللـ لوح

أغلى عملة في الزمن
تنين العصور والأزمان ليس لوجوده مكان

في أصل المؤامرة

يحكم على نفسه بالعقاب، وهو ما زال ينتظر يوم الحساب
ما وراء نظرية المؤامرة
المتآمر الأكبر هو أنت
عالم يغرق بالصورة
فرّيسيّي الأديان - ذئاب مموهة بثياب حملان
العقل الأخير: كذب الأبالسة والطغاة الذين صنعوا هوّة بين الروح والجسد، الدين والدنيا، العقل والقلب
ما هو دورك في المسرحية؟
أتلانتس في جيلها الأخير
ما هي الأسباب التي دفعت بحكّام الأرض وسلطاتها الدينية للتنكّر لعقائد الحكمة القديمة؟
خيط ذهبي يربط حلقات الأديان والفلسفات

صوت المسيح الحق لا زال يتردد في داخلك
 آدم
ديموقراطية الذهب

المنطق وراء مبادىء الحكمة القديمة

مبدأ المعرفة: أبناء الروح وأبناء الجسد
مبدأ القانون: الحكمة القديمة حول استحالة التقاء النور مع الظلمة
مبدأ حفظ الأخوان: وهم الانفصال وطلب المحال
مبدأ القيامة: لذة الروعة من الحذر


مبدأ الحياة بعد الموت

الكارما: هي ببساطة حكم السبب على النتيجة
عقيدة تتحدّى الأزمان
الحكيم الإلهي أفلاطون حول استحالة تواجد الروح من دون جسد - أي أبدية استمرارية الروح عبر التقمّص

لماذا التقمّص؟

مبدأ قدم التجربة الآدمية وأسرار ما تقدم من الأدوار

ليلة الرحيل من أتلانتس: ماذا تعرف عن العهد القديم وعن حقيقة صراع الملائكة مع الشياطين؟
سر هبوط آدم من الجنة
في زمن غابر
أسرار الطفولة من عمر الإنسانية من ذاكرة أتلانتس وعمورة المنسية
إليكم حكمة الدهور والأعوام ولكم ختام دار الأوهام والجلوس بسلام مهما حصل أو استحصل

من أسرار قِدَم التجربة الآدمية

من مخطوطات الحكمة المفقودة

نور من الهند
هرمس مثلّث العظمة ووصية للممتَحَنين في هذا الدور الأخير
الصحيفة الثانية للعظيم شئت - أي الكلمة
ســــــفر الحـقيقـة
من حكمة مولانا هرمس الهرامسة
من صُحُف شئت
العقل الأخير
هنيئاً لِمَن خُتِمَ له بالسعادة وكان مقبولا
لغة النفس: أنا أفهم الآن هرمس
سفر أخنوخ يكشف سر الملائكة الهابطين

ســــــــبحان مَن

على أرائك الحكمة اليونانية

أين العدل على الأرض؟ هذا هو اعتراض الجهلاء
مقتبسات من حكمة الحكيم الإلهي فيثاغوراس
الحكيم الإلهي فيثاغوراس: وحدة الذات رغم تغيّر مظهر الأشياء
بين ظلمة الأثير وظلمة البصر
أفلو النور -
أفلوطين - حول السعادة
الحكمة القديمة في تقليد شخص افلوطين (بهاء النور): يا جمال الزمان وأنت علامة الإيمان والإياب إلى الأوطان

فيثاغوراس: البشر ينقسم إلى ثلاث فئات
مقتبسات من حكمة الحكيم الإلهي فيثاغوراس - 2
العقل في المفهوم اليوناني

من وحي العلم الخامس الخاص

الحكيم الإلهي أفلوطين: الأقانيم الثلاث - الواحد، العقل والنفس
اسم الله
ليس الوجود معنا زائدا
كل ممكن الوجود هو ممكن ذاتي لا عكس
اصغ إلى همسات حاضرك
في طبيعة الخير والشر
التجربة التي لا تعرف مرتسماً للحدود هي العذاب بعينه
العقل والنفس
لغة الختام: إلى متى عصيان الكلام والسؤال عن تأخّر الأزمان ومناقشة الدوام؟

واجد الوجود ليوجد
الكون هو صورة ذاتك

أنغام الخلود

يا أبناء آدم الصفاء
ترانيم توحيدية من قمران الإسينية
هذه آيات وهم لم ارَ شيء سوائي
صلاة الفجر
أصداء صلاة التجلي تتردد في سماوات الأزمان والعصور
تسبيحة من تسابيح مولاي هرمس الهرامسة
من أناشيد سليمان
اللهم إليك شكوت أمري
فارجع بي في الزمان والمكان إلى تلك الصبحة الكائنة في عالم الإمكان

تضرّع إلى - بار سيموس: اسم من أسماء الله (عز وجل) في العصور القديمة

كلمة البدء

الأيام تأخذ ولا تعطي

ومَن استوعب تحليلها تغلب عليها واستفاد منها ولصالحه

تاه الزمان واستوحش المكان وهطلت الأمطار، وعانت قمّة الأمم إلا أنبل البشر، إذ جعل تقواهم بداية مسراهم. احذروا والحذر أهم من الأهمية المحيطة بـالـ "أنا" الأنانية، وليدة الحضارة المادية، فالـ"طاعة هي العبادة"،  ولم يعد الزمن زمن عبادة أو تبشير، إذ "لا شيخ عليكم ولا رئيس لكم إلا في ما يطابق الحق". لذا فالطاعة اليوم لا تتَرجم إلا بالتواضع في التعامل بين الإخوان، والتواضع أهم موعظة يكتسبها الإنسان.

الاعتزاز بالتوحيد، ومعاشرة أهل المحبة الأوفياء والارتكاز والتركيز بتشغيل الحدس لمعرفة معنى التمييز بين الحق وأهله ودُعاة الحق ومكتسبيه والمبطّنين بكلمة الحق والمدّعين الصدق وتفسير العجب، وأعداء الإيمان هلاك الإنسان، أصدقاء البِر المدّعين التعاطف والحنان، وكله في النهاية يصب في شلال الشر المبطّن بالحنان، إذ يتساوى الخلق في نهاية النهايات بالإقدام، ويتباينوا في الإفتراق والالتئام.

إذ كانت الأذن محطة استماع ارتقوا فكم بني البشر وكلّه انهدم، استقرّوا فما زالت الأعوام لعبة بيد القدر، استيقظوا فكم كان السبات قاتلاً للبشر، فالنفس أمّارة بالسوء، وهنا تبدأ عملية التسويق في عصر تتطغي عليه لغة التجارة، فالنجاة النجاة لِمَن عرف معنى الطاعة لحدود الثبات، فوضَع يده على أصل المعاناة، والمهواة المهواة لِمَن عصى، فكان عميانه سواداً حالكاً وبنيانه قطعةً باليةً.

قد سُلّط الزمان ليترك الأوهام ويعيش بها الإنسان. مَن استوعب هذه النقطة سلِم واستأمن وتوكّل، لذلك فإن الثقة بالنفس لطرد الأوهام أهم عمل، وضرب آراء هذا العالم بالحائط، أهم من تحقيق النجاح فيه. إذ مقياس النجاح هو سعادة الأنفس، ونحن مَن نفرض على أنفسنا الأشياء، ونحن مَن يحب ويكره، ونستطيع توجيه النفس حسب ما نرغب. إذ قلنا سئمنا، معنى هذا فشل، فلم يُسأل الإنسان يوماً عن عمل لم يقُم به، إذاً، لا تُحمّلوا أنفسكم ذنب الفشل.

توكّلوا وثِقوا بشخصيتكم وتوحيدكم تثبت أفكاركم ومتطلّباتكم، داوموا كما هي الحياة ولا تنتظروا الأكبر والأكثر، سيروا مع الأيام كل يوم بيومه، ولا تكونوا من المنتظرين للمخلّص ليأتي وينتشلهم من تحت صخور الجهل والنسيان، فالأيام تأخذ ولا تعطي، ومَن استوعب تحليلها تغلّب عليها واستفاد منها ولصالحه، ومعطيات الأقوال تقول:

السكون مفتاح الأسرار،

ومفتاح السكون:

سر التحكّم بالنفس الناتجة عنها التصرّفات،

للتغلّب على لغة العناد، لأن الزمان يتتطوّر ليكشف المعاندين للحق وأهله، ومَن تنفّس بوقت ليس وقته حُسِمَ قدره.

وها هو الزمان ينكشف أمامكم وطريقكم ينتظركم منذ أمد بعيد، والنور يغمر دربكم رغم ظلمة الفترة الحالكة التي تسبق طلوع الفجر. تقدّموا ولا تأبهوا لامتداد المهلة، فالزمان زمانكم، فيه مرحى وسرور وتعويض دهور، خير لكم وسعادة وتحقيق فعلي على الأرض لإثبات قدرة الحق وكيف هو مسرى أهل الصبر والصدق.

فلا تسألوا عن طول السنين، طريقكم يزدهر ويتطوّر فلا تدعوه يتاثر بالمعرقلين، واحذروا من القنط والضجر، فإسلوب التعامل يتجدّد كلما تعمّق في قلوبكم اليقين. وإشراق الأمل لا يأتي إلا مع حلاوة العمل، والتفاؤل واطمئنان النفوس لا يتحقّق إلا بالتقاء المعقول بالمحسوس وارتسام البسمة على الوجوه والاعتبار عبر توجيه المنظار لما يجري في هذا العالم المعكوس. ولا يتاثّر منظاره بالصورة مَن يعلم حقيقة المصوّر، فوحدات الصور بيد المصوّر.

قد دارت الدائرة لتكشف المستور وتُظهِر ما كانت تخبّىء عبر العصور والدهور، ليرى الموحّد نفسه حولها وكل شيء بيده عندما يدرك أسرار وحقيقة تكوينه. الميعاد يعود ليجمع أبناء الحقيقة في دائرة النور، وكل ما يحدث في الزمان والمكان ليثبت أنه في الآونة الأخيرة ستصدر الفاتورة وتتحقّق الإسطورة وتظهر الصورة في الأرض المعمورة ويعود العالم للتعامل بالعملة المهجورة. وهذه الجولة لا تُعَد من ألعاب الضد بل محك وامتحان لقوّة النور وصدق الإيمان لدى أهل الدستور وإثبات الحق وتحقيقه في نفس المكان ليستقر ما كُتب في سجل القانون عن التقاء الكاف بالنون وظهور قوّة الإمكان.


صدى الآهات يتوسّع في الآفاق وجو العواصف لا يخلو من الصدمات

بوادر السلم فاشلة واللجوء إليها كارثة

معطيات الأقوال تقول: السكون مفتاح الأسرار

ضاقت الأنفس واشتدّ الزمان، وتصاعدت نزعة العنف المتحكّمة بسلوك الإنسان. ودار الزمان دورته إلى أن استقرّ في عصر المتاهات عصر الشكوك والظُلُمات عصر العصيان وفقدان الإيمان.

صدى الآهات يتوسّع ويتصاعد في الآفاق، والأجراس تدق بكثرة هذه الأيام، والدوامة بدأت تتسارع دوامة الصراع ودوامة السلام السيطرة والاحتكار، الفوضى والإهمال، فكلّ بوادر السلم فاشلة واللجوء إليها كارثة، لأن لغة الزمان تسير حسب المكان لتحقيق المزيد من العبر وتعبّر عن طبيعة الإنسان.

وما يجري في لبنان يعكس الصورة   صورة العالم واهتزازه المتزايد بالآتي وما يحمل، كالمدمن الضعيف الإرادة يعرف مصدر الداء ويدرك طريق الشفاء ولا يجرؤ على تجرّع الدواء. يسرّه ما يضرّه ويتناول المسكّنات من نصائح وتوجيهات بعض الأصدقاء والأشقّاء والأحبّاء ومن الحب ما قَتَل.

العالم يغرق بلغة الفعل وردّة الفعل، لغة الاندفاع ومن ثمّ الدفاع، وما نتيجة وضع النار مع الحطب   طبعاً الحريق بصراع إسلوبهم ونزاعهم بالعناد وعَدَم التحكّم بضبط الأعصاب.

فجو العواصف لا يخلو من الصدمات، وإذا اختاروا الاختلاط به فليتحمّلوا نكباته.

والأشياء تجني على نفسها وتأكل نفسها، وفي حال السماح وعدم وضع حدّ لها تداخلت أكثر وأكثر. 

أما السكون لدى الموحّدين فهو مفتاح الأسرار لأن عجائب الدنيا تتطلّب الاهتمام، وقد بدأت تظهر وتنكشف، لكن الناس نيام.  فاليقظة والسكون هما سلاح الموحّد مهما صغر حجم دوره في التاثير على الواقع، فكلّ له خياره وقناعته ونظرته وفراسته، وللحياة نغمات تخفّ مرّة وتعلو أخرى، فالأهم هو ثبات الخطوات، فعندما تسعد النفوس تسبّب السعادة للغير.

وسكون التركيز وسط ضجّة الإعلام يصدر عنه عبرة التحكّم بالدال والدليل والمدلول، فالكلام المحدّد بأي أمر مهما كان بسيطاً هامّ ويعطي نوع قصير في التعبير عن الحقيقة لمحبّيها المتطّلعين العارفين دقائق تطوّراتها وحقائقها. فللكلام حدود واتّجاهات استيعاب وإفادات، ولغة التعبير لهجة لمعرفة السبيل والسعي وراء الدليل للتعريف ومن ثمّ الإخبار عن الواقع وحالة التوحيد بعيداً عن التشويش..

فالحق له صنيعة في هذا الزمن ليدافع عن نفسه ويثبت وجوده رغم أهل العناد. وقوّة الحق في هذا العصر والزمان تكمن في التعايش مع المكان. وكلمة الحق كانت وما زالت منذ البدء لا تقبل النقص والتبديل، وعندما خالفها الخلق بدأت تظهر على صفحات التشكيل والتمثيل..

أما ساعة الظهور الأكبر، فلا يدرك سرّها إلا الخالق ولا احد يستطيع تعجيلها أو تأجيلها، فدولاب الزمن يدور مع تصاعُد الأيام على خطّيْن متعاكسَيْن، خط الإصلاح وخط التخريب، ومع اقتراب مرحلة التقاء الجهتيْن لا يسع الموحّد إلا التمسّك بحبل اليقين وتنظيف مرآة قلبه من بقايا الظلمات ومن تراكُم غبار الأزمان والفترات للتمكّن من السير بصبر وثبات إلى يوم الإثبات.

فالقوى النورانية والحكمة الإلهية لا تنبت إلا في أراضي النفوس الآدمية المزوّدة بالمحبة الروحانية المطمئنّة بالرضى والسعادة المحمّلة بقوّة الإرادة وثبات الشخصية مع التوجيه المتحرّك دوماً لبلوغ المحل الأسمى.

ولم تأتِ هذه القوى للأنفس الرضية إلا نتيجة صراع دام عصور ودهور... قرّرت محاربة الزمان وتغيير المكان، وكل مرّة غلبت على هذه الأنفس المعاناة نتيجة ضعف أو تعب، اغتبطت بمعارف حدود الإرادة فلم تُحرَم الاستفادة من تراجع الميليمات، فأخذت استراحة،  وفي كلّ عصر جاءَ فيه مَن يحرّكها امتلأت بالمحبة والحنان وفاضت من جديد، إلى أن جاء مَن يحرّكها في أقدس العصور وأشرف الأمكنة فظهرت الى النور بعد الألفين في زمن التحام القوّة مع الخبرة والتقاء المعقول بالمحسوس، وهو ما ترتاح له النفوس بعد رحلة المعاناة الطويلة، وتتخلّص عبره من حالة الجمود والارتخاء والتراجُع.

لكم الفوز والنجاح والرضى بنعمة الاختبار والتقدّم لإثبات الوجود واكتمال دائرة الحق للبدء بمسيرة الانفتاح للتعبير عن مدى التوحيد وصبر أهل الصلاح لزوال الغشاوة عن أعين أهل الإيمان الذين ما زالوا متمسّكين بالتقليد والعناد


ألم ترتقي موارد السعادة لتلتقي ببوادر الاختيار

سوف يتساوى العالم في طلب القيامة:

 لكن أصحاب الاختيار يتميّزوا بالسعادة والاستقرار، وعلامة الاستقرار العطاء مع عدم الانتظار

أما  تنافُر الانتظار وتحضير العدّة واستقراب الفترة بالمكوث جانب الصخرة فلعديمي الإيمان

تكون الأيام بالمقدّمة فتعطي الجميل والأجمل ثمّ تذهب للوراء فتعطي الأكثر والخير بعكس ما بدأت به لأنها بدأت بالتخيّل من هنا وهناك.

عندما يبدأ الموحّد أولى خطواته على  سلّم التحقيق  يبدأ بالخيال والغوص في  الأحلام، فيجِدّ ويجتهد طالباً الأكبر والأكثر من الأيام، لكن الأيام تأخذ ولا تعطي وهي عملة لتداوُل الاستغلال ولزيادة الأطماع وتدمير المتفائل والمتحرّر وهي مثل المستعمِر.

لذلك على الموحّد بكسر عيوب الزمن أي التماشي مع الأيام وتحسين إدارة الأحلام للتمكّن من أخذ المكان لتحقيق الإمكان عندما يحن وقته. فالعطاء مع عَدَم الانتظار علامة استقرار صلة الوصل بين الواقع وتضارب الأوهام. وقيلولة الوقت لا تعني قيلولة الزمن. فتأجّج الخلافات ومعاداة البلاد وصراع العباد نهاية واقتراب، والخالق أمهل كأنه أهمل والأوان طال واستنكر من شدّة الارتداد.

ستُظهِر الأرض ما أكمنته ضمن ظرف المستور. ويتسلسل المستور ليُظهر مكامن النفوس وما احتوت عليه منذ البدء قبل دوران الأزمان والعصور، لذلك لا تُؤخَذ الأيام باليد، إنما ترسخ بالنفوس وتحفر انطباعاتها في الفكر، وتستمر لحصد المزيد من العبر. ولا تُنَسّق المستجدّات إلا بقوّة الترتيب، لهذا هناك معِد ومُعاد عليه الظانن بالوهم، انه مسكين وسيهرول مع مرور الزمن أو يضيع منه شبابه .

ولذلك ننشد ونشدّد على السعادة والابتعاد عن لغة السيادة، والشعار: لا إفراط في التجامُل، لأن قوّة الشر عندما تتحلّل وتُصاب بالتعفّن والهزل تتبطّن بلهجة الحنان وتدخل نطاق الاختباء وراء الواجبات والمسؤوليات وهنا يُضمَر ويُفسّر قانون الغاب وتراكيب العذاب للمستضعَفين أصحاب الارتداد. وأي عذاب أكبر من الوقوع في شلال الشر المبطّن بالحنان المحكوم عليه أبداً بالجريان مع هبوب رياح إبليس والشيطان. فباطنهم قد عُدِمَت منه الرحمة وظاهرهم عبرة لِمَن يعتبر .

لأن هذا الدور لا يُقاس بما سبق من الأدوار. لقد كانت رحمة باطنهم المظلم بعالمهم الظاهر، ورحمة آخرتهم الحزينة بدنياهم الفرحة، وعندما كشف الرب عن إرادته وأتى يكلّمهم في دنياهم ومن حيث هم، أبوا واستكبروا وأرادوا الإحاطة بإرادته فعجز باطنهم عن ذلك وانكشف للظاهر عجزهم، ولمّا تقطّعت بهم السُبُل وضاقت بهم الأنفاق، نظروا إلى معاني عذاب الباطن في الظاهر، فاستجوبوا الماضي  بالحاضر  متجاوزين بذلك حدود السد الذي  صُنِع بين الدنيا والآخرة وبين الباطن والظاهر لحمايتهم من أنفسهم، فاستحقوا معاني الكشف والقيامة. أجل، هذه هي حكمة "سلّم تَسلَم"، مَن طلب العلا سهر الليالي ومَن وحّد الرب بصدق لا يتعب ولا يبالي.

أما عن علامات القيامة ويوم الذهول الأكبر، فأنتم يا أبناء النور علاماتها: عبر الأجيال التقيتم والآن اجتمعتم لكي تكملوا رسالة الحق معاً، وبالإيمان تسلّحتم، فاحفظوا نعمة التوحيد التي قدّر لكم أن تذوقوا لذّة الروعة من الحذر، واحذروا القنط والضجر،  ولا تكونوا كمَن بيده صبر طمع أن يكون حلو المذاق، ولمّا ذاقه صعبت عليه مرارته فرماه ولم يعرف مقدار منفعته. فمسيرة الكون من أجلكم ومَن يلحقكم ولا يستحق يسقط قبل النهاية ولا ينهض، ولا عجب ممّا يحصل وسيحصل من هبوب رياح الكوارث، ولن تقف حتى تحقّق الإفراق الكامل وتشعرهم بوجود الخالق وترغمهم على الاعتراف بقدرته وعظمته .

هذا هو القدر والمدار الكامل لدورة الكون. والدائرة  تدور من حولكم لتجدوا كل شيء بيدكم عندما تكتشفوا أسرار تكوينكم وحقيقة أشخاصكم. أنتم علامة الاستقرار وباتّحاد بصائركم تُرسَم حدود التجربة للإنسانية، والحد الفاصل للاستحقاق يستوجب ويدار بدائرة سعادة الأنوار، فلكم حق التغلّب بتجاوُز النقطة السوداء والتأثير الغالب، سيروا كما كُتِب ولا تستعجلوا فالأيام ستريكم ما أنتم فاعلون ومنتظرون. فتحلّوا بالصبر واستشعروا النعمة العظيمة، والنعيم المقيم بالحكمة تعتبروه عاديّاً ولا تقدّرونه تقديراً مناسباً. فالأحداث تتسارع والتوحيد يعلو والتلحيد يهوي، موت بلا قضاء. انتظروا واصبروا تسمعوا وتروا..تريدون انهاء الدنيا قبل أن يريد مكوّنها، دعوهم يستوعبوا شقائهم، وكلّما سقطوا علوتم. فاكتشاف الأسرار والتعرّف على حقيقة هذا العالم وتعزيز الإمكانيات وشحن المعنويات تشجيع روحاني عقلاني نفساني يرد على الإساءة. لكم السعادة مع قوّة الإرادة والاقتناع بعدم الزيادة وطلب ما لم يحن أوانه .


راعوا حقوق أنفسكم

(الالتزام بالساحة يجلب الكيد والغمام لذا لا تهتموا بأصحاب العمامة المنتكسة التي في مرضها غارقة ومندثرة)

لا تُنَسّق المستجدات إلا بقوّة الترتيب، لهذا هناك أيام ومُعِد ومُعاد عليه الظانن بالوهم انه سيحقّق أمانيه، مسكين وسيهرول مع مرور الزمن أو يضيع منه شبابه. كتابة الأمنيات على اليد لا تنفع، ربما تُمحى مع مرور الأيام، ومقاومة الضد بالاكتفاء وسيلة لتعمير ما خُرّب.

والاكتفاء يعني التركيز على معنى السعادة والتمسّك بإسلوب الإرادة. فيميّز كل موحّد منكم أسلوبه، والتمسّك بالأسلوب هو ما يميّز أهل التوحيد عن سائر الخلق، لأنهم لا يرتضوا لأنفسهم أي مكان غير المكان المُخصّص لهم منذ البدء، أيامهم دوامهم وميثاقهم ثباتهم لا يخشوا من خوف ولا يعدموا الثقة ولا يغلّطوا حدسهم، ولا يقيسوا نجاحهم بأي مقياس غير ديوان السعادة، وسعادة النفوس اليوم لا تتحقّق إلا بإدراك المحسوس. فعنصر الأزمان والركض وراء الأفكار وإخضاع النفس للتجارُب ومحاولة تفسير شخصية المعاندين المتكبّرين على الحق والتفكير باحتمال الالتقاء معهم أو مساندتهم زمن ولّى ولماضيه انتسب. 

وهنا تكمن قوّة الإرادة وتحوّل الزمن، مهما تعالى الموحّد أو توصّل، مهما دارت به الأزمان أو تقلّب في أقمصة النسيان يبقى هو هو لا يتنازل عن أسلوبه. وفيما تختلف مقاييس النجاح في الدنيا يبقى مقياس الموحّد هو هو، وفيما يلقي كافة الخلق بأنفسهم في نار الشرائع المخملية الدنيوية وما انبثق عنها من لغات مادّية،  يبقى الموحّد في مكانه في الشريعة الروحانية كالناظر في المنظار ربما يتأثّر بالمنظر لكن لا يحترق في أحداث المشهد، وهنا يكمن سر التقاء الروح مع الجسد في عالم الزمان والمكان وانفصالهما في عالم الأبدية، فأين تكمن الجنّة الأبدية إلا في قلب الموحّد هنا على الأرض، وما هي ثمرة شجرة المعرفة سوى سر التحكّم بالنفس الناتجة عنها التصرّفات لتظهر عجائب الهيولى وغرائب الإبداع الآدميه هنا على هذه الأرض وبفائض العدل أمام الأعين الشحمية وليهلك مَن يهلك عن بيّنة وليحيا مَن يحيا عن بيّنة .

أما عن الفستان الأخضر والعرس الأكبر، وظهور معنى التجلّيات وسر التقاء الذات بالذوات:

على الموحّد تطوير لغة السعادة لتبلغ القصد والغاية، والشعار: الابتعاد تماماً عن الحنان الدنيوي التلفيقي والتعرّف أكثر على الحنان التوحيدي. فالحنان التوحيدي لطيف لا يرهق النفس بلغة التكليف ولا يحرقها بنار التقليد. النفس أمانة صعُبَ حملها على أهل الخيانة، فهم فوضى مهملون بهائم ضالّة في خلق البشر. أما توحيد الذات بالذوات  فهو الأمانة الكبرى التي صعب حملها على أهل الارتداد أعوان "حارت" (الضد الروحاني) ومَن أضرموا نار الفتنة على الموحّدين في قديم القِدَم،  ومفتاح الأمانة ضاع من صاحب الخزانة .

ويظن أصحاب السياسة واالمصالح والواجبات والفرائض أنهم يملأون فراغاً في محيطهم وهم لا يملأون سوى فجوات أنفسهم.


العيون لا تخون

ولغة النور تكشف المستور

كثر الذين تعرّفوا على حقيقة الحكمة. منهم عرفوا كل شيء وحضروا لكنهم ذهبوا مع خبر كان فكان لهم الجزاء مهيأ ومرسوماً من قبل أن يأتوا الى هذا الجيل والذي سبقه وسبقه

أعماهم المال والمظاهر وأغوتهم المطامع فما كان عقابهم إلا الطرد والبعد بعد الاعتراف والعلم وجمع المحصول قالوا "أف". وتعالت نفوسهم ولم يرضوا بما هم فيه ولم يعودوا يروا أمام أعينهم، فكم مرّت عليهم الأعوام والشهور والأيام ومتى طُبّق قانون طردهم وظهور ما تكنه أنفسهم والعاقبه آتيه لاريب فيها.

أما باقي الأخوان المتقدّمين الواصلين الصابرين على مرارة الزمان ليتحول الحاصل المزروع إلى محصول يتم نضوجه بعد حين، تجمعهم المحبه وحبل المودة والوفاق والشعور المصطحب بالانس والحنان مقترن بالحاسه السادسه وقدرة التفكير والإحاطه بالمعلوم ومعرفة المجهول والاستقامه والوصول الى المعرفه واكتشاف كل الغموض واتصال الياء مع الأحبة الأتقياء أبناء النور اصحاب العطاء - الاتصال  دون انقطاع بأصل الأصول

فطوبى لأبناء آدم الصفاء مسيح الأكوار والأدوار والأزمان والعصور والأعوام والدهور  زارع السر في قلوب الأتقياء والممِد والمزوّد دائما بالطاقه والاستقرار. من سر الثبات الى الإحاطه بكل فكر وذات بإعانة المعين الرحمن الرحيم العالِم بما في صدور العالمين.

العيون لا تخون لكنها تكشف النوايا المخبأه في الصدور وتُظهر المضمون والمستور بالخبايا والزوايا وتفشي أسرار النفوس وتفسّر وتخبّر وتعبّر إن كان صاحبها رديء أم خيّر.

إيمانكم هو نوركم ودربكم إلى أرقى المراتب عبر طريق النور يا خيرة الأحباب أصحاب الإيمان الصائب والشعب المختار من جميع الأنحاء والأقطار.

دائما بالحق استعينوا وبصدق ايمانكم وتوحيدكم اطلبوا فمِن غير الطلب لا يتحقق المطلوب.

آمنوا بالإلهام وقوة حاسة الحدس السادسه لديكم:

نواياكم سابقة لتحقيق أعمالكم. النصف الأول يكمّل الآخر: عندما يتم الطلب بإخلاص مع الثقه والإصرار المحمّل بالإيمان، يكون عمل القسم الآخر وتأتي قوة ما يُسمّى في علوم الحكمة القديمة "الهمة المؤثرة" فيتحقق الطلب ويُجاب مهما بلغ من صعوبات .

قوة إيمانكم هي ثمرة أعمالكم ونجاة أفعالكم. لا تجعلوا إيمانكم يضعف. اجمعوا إيمانكم واطلبوا ليتحقق الحق برعاية خالق الخلق.

عليكم بالتمسك بحبل اليقين واتحاد القوة والسير خطوة خطوه لإيقاظ التائهين وتخليصهم من الظالمين المتسلطين وجلاء الغشاء عن أعين الطالبين والى المعرفه متقدمين .

مَن فارق أخوانه صمّت آذانه وتيبّست أقدامه وضعف قوامه وقل دينه وأنكر أشد الإنكار فكان بذلك قد خسر فرصته بالنجاة وبات من القوم العناد .


أما أنت أيها العاجز عن فهم معنى السلام الحقيقي:

ليس لك في الأمانة تصريف لأنك في طريق الحق ضعيف

تحمل الدول العظمى حقيبة السلام، فمَن يا تُرى يحمل حقيبة الزمن؟

وتضيع الفرص مع انقضاء الأيام، فمَن يا تُرى يدفع الثمن؟

أولم تنجع في هذا العالم دراسة الحكمة وحفظ العلم؟

آه كم أنبأت الرسائل والمخطوطات وكم دعى الفلاسفة والحكماء إلى أن الصراع الحقيقي يكمن في داخل الإنسان، وسلامة النفس هو قدس السلام، والتأمين على النفس هو سلاح التحرير الأخير، وأن

النفس هي الأمانة الكبرى 

"وكم حروبٍ وخلاف وفتن، والقصد إظهار الذي في النفس كمن"

لكن سعادة النفس مصدرها التركيز،

وأرجوحة التركيز يتطاير منها مَن يعجز عن تشخيص المرض،

وأنت أيها العاجز الجاهل لحقيقة ذاتك، ليس لك في هذه الأمانة تصريف لأنك في طريق الحق ضعيف، فدواء الحق من دائهم لا ينفع، وجمعهم مع كثرة لا يشفع.

قد صعُب قرب الوقت على الجاهلين، فتراهم في أعمالهم حائرين، وفي أقوالهم متلاعبين: فـتارة للسلم يستجيبوا ومرّة يخلفوا ولا يجيبوا... 

وبوادر السلام قولاً يكثر، لكن حرائق في الأرض كل يوم تظهر،

أما أنت أيها الصالح، فلندخل إلى عالمك لنستطلع مدى تقدير مستوى الأرجوحة؟

لحظات يسودها الصدق والحنان وأخرى تسودها السياسة والمجاراة. خطوات باتّجاه التعايش مع الزمان وأخرى تتراكم فيها الأمنيات.

فإلى متى هذا التطاوُل بين الضحكة والمعاناة؟

إلى متى الانتظار والمداواة؟

وأي متى مساواة الذات؟

أنت مَن يجلب المتاعب لنفسك باسم الواجب، لأنك ما زلت تتبع التقليد دون التأكّد من مشكلات الأباطيل،

لن يصدق في النهاية إلا حدسك، فادخل إلى عالم المسرّات لأن كل التداوي بعيد عن المفرّات،

فالزمان قد سُلّط ليترك الأوهام ويعيش بها الإنسان، ومن استوعب هذه النقطة سلِم

ومَن عجز عن التركيز في الحاضر وقع في أسلوب كان فتطايرالإمكان،

هذا هو عنصر الإفراق وانحلال حضارة النفاق، الذي يميّز بين أهل السعادة وأهل الشقاء،

إذاً، عليك بتطوير لغة السعادة لتبلغ القصد والغاية،

 ومن كل هذا التعقيد أسلوب واضح مأمور بالتسريح والتساؤلات: إلى أين نريد الوصول؟ إلى حقيقة الذات ومساندة الإثبات والاقتناع بوجود توحيد ملطّف يجمع بين أبناء الثبات والتمسّك بالصبر لعدم حصول العناد:

لا بالأذية تأتي أهل الفصاحة.

والأهم الراحة والتواضع والمسير للسلام بختام، فكل الأمور تترتّب لغاية الظهور  وللنظام حدوث وحوادث وللمحبة رقيّة وتفاؤل،

ولا عجب من نشاط المستضعفين أو تآخي المتخاصمين وجلوس المتكبّرين على عروش الظلم والتسلط، فـ"كل منهم يظهر المقة لصاحبه رياءً لِمَن يخدعوه وهم لأنفسهم بأنفسهم يمكرون."

أما مراحل الترويج فقد بدأت تمر في ساحة الجبناء ولغة الانحلال واضحة ومصادقة قوم الجن للجنون موقّعة، ومرج التبريج يتمتع بحلاوة المنظر، لكن إن أزيل عنه الغشاء بان وجهه الحقيقي مع بعض تشوّهات التصنّع. وكذلك مَن وحّدوا لخطوة فلا جدوى من ذلك، توقّعوا السوء منذ البدء فطلبوا المهلة وأعدوا السلاح ضد المجهول، ولمّا لم يحصل ما توقّعوا، فاتتهم لذّة الاستراحة بعد العناء، فطلبوا السوء بأنفسهم لأنفسهم مستشعرين لفراغ مدّتهم، ولم يستوعبوا أن التوحيد بالإيمان لا في طلب المزيد، وبأن إيمانهم لهم لأنفسهم لا لوقائع التجربة وإثبات الحاضر بالمستقبل .


الحكمة القديمة

 "حول حقيقة القدس وسلاح معركة هرمجدو ن"

أين العالم من سياسة الانتظار مع عدم الانتظار؟

إلى أصحاب الأنفس الشريفة وذوي الصيحة العميقة، إلى أنبل البشر وخير مَن وطىء الأرض بقدم:

آدمية الزمان اقتضت أن نكون من الأعوان وأن نسير مع الحق بخُطى وانسجام، لكن الخوف لا زال يمسك بثوبنا وعدم الراحة يقلقنا.

ومن أين يأتي الخوف؟ من مراقبة الأحداث والقلق على المصير،

فهلموا إذاً إلى لغة إرضاء الضمير؟

لن  يحدث سوى ما قدّره المُحدِث ولن تصنعوا سوى التفكير.

لماذا التساؤل والتحيّر بشأن ما كان أو سيكون؟

فلغة الاستيضاح بانت وعن رفاقها وأخوانها عُرِفَت،

والأيام تشعّبت والخصال ظهرت،

إذاً، لا تستعجبوا بل اضحكوا على نثرات الثلج وهي تتساقط في الآفاق، واستبشروا لانكشاف حقائق الذات، ومعرفة وضع الحي ووصف الممات.

أما لسان التسلّط فقد بدأ بالانزلاق، والتفادي لم يعد بحكم الأيادي، بل بقدرة العقول على استيعاب الآتي قبل أن تطوش،

وتدخل في عالم المزاج المعكوس الذين استعبدهم الإبليس الأعظم من حيث تعلمون ومن حيث لا يعلمون، فهم لأوامره يمتثلون وعن نواهيه ينتهون.

وها هي الأيام تتسارع بين الآحاد والسبوت،

وها هو الزمان يفاجئ هذه الأنفس بمقدّمات الأعمال ويخرج لها ما خبأه من العجائب والأهوال،

وها هي الفرص تضيق أمام أبالسة الدين وطُغاة الأدوار إلى أن يستجوبوا ماضيهم بحاضرهم الأليم لعلهم يستوعبوا نتائج ما احتقبت أيديهم في سابق الأدوار بحق الأنبياء والمرسلين. 

وللكوارث نغمات تعلو تارة وطوراً تنخفض تماماً كترتيل الآيات، ومعاداة البلاد وصراع العباد نهاية واقتراب للأوان الذي طال واستنكر من شدّة الكفر والارتداد.

وها هي دائرة الأدوار تعود إلى نقطة البيكار، ومحصول الدوران في محطة التركيز، ومَن خاف من التركيز وقع في أسلوب كان فتطاير الإمكان.

فلماذا تخافوا من التركيز في الحاضر واستيضاح معاني الوجود بعين الناظر وتفضّلوا عوضاً الانتظار واستمداد المعنى من منطق الأشرار؟

المنادي ينادي ومن خيرة الأعمال الصبر والاقتناع بالموجود وسعادة الوجود.

لأن اقتدار القدر كإتيان اللص في وصف قدوم السيد المسيح المنتظر ليثبت للبشر حقيقة التكوين ومَن يملك قدرة التحريك، وما زمن الإمهال إلا لاستيعاب العبر واستيضاح معاني الحكمة من الصبر ولذّة الروعة من الحذر، إلى أن يرتفع صدى صرخة الحق وتطرق مسامع جميع الخلق، فتذهل المراضع عن المرضعات ويتناهى بالأجل محتوم القدر بحلول يوم الميقات ويُقال: لِمَن الملك اليوم في كل يوم؟

هذه هي سياسة الأنفس على مشارف توقّف العقارب عن العد،

أما بشأن السياسة التي أعطاها الزمان لوناً، فقد أصبحت زي قديم وخرقة بالية، وهي بعيدة كل البعد عن تصوير الواقع.

والديبلوماسي ساكن ولا يعي مفهوم تصرّفاته لدى أهل الحكم، لذى تضيق الفرص أمامهم ليظهر الحق ويعترفوا به وينكشف المستور...

إذاً، فاتبع حدسك أيها الموحّد في شتّى الأمور، ولتكن سعادتك هي القانون والدستور،

لا مسايسة أو مصالح متبادلة، فكلّها لغات تشويش والغرض منها إرهاق النفس،

المسايرة؟

نعم، طالما أنها لون من ألوان الحلم، وهو من طبائع العقل:  

"لا بالأذية تأتي أهل الحكمة والفصاحة"،

لكن، مع  ضرورة الالتزام بالحد، حد المعرفة وإلى أين يريد أن يصل، لا طمع أو تسويق. فعنصر الأزمان والركض وراء الأفكار ومسايسة الشعور لاجتناب الكثير والتفكير بالاحتمال والاتقاء الشرير ومساندته زمن ولّى ولماضيه انتسب.

تجنّب إسعاد المطرود ومؤانسة المحبوب خير وسيلة لرسم حدود للمتسلّطين إلى أن يأتي وقت الخلاص واستراحة النفوس من تعكير الطارقين الجارحين لمعنى الوفاء والتصديق.

ولا تنسى نصيحة الحكيم لإبنه:

تصنيف أجناس الناس هو عامل لإيقاظ الحواس،

والانطباع الذاتي في إسلوب التعامُل أبسط وأصح لأنه معطّر بتوحيد الأزمان والدهور،

فاسمع إذاً وصية للممتحنين في ساعات اليوم الأخير:

نفسك هي القدس المحتلّة، وسلاح التحرير هو سر التحكّم بالنفس الناتجة عنها التصرّفات، والانتصار عليها يُماثل الانتصار على العدو الأكبر والدجّال المشبّه بالمسيح المنتظر.

وإليك نقطة بدء التحكّم بجزء: الأيام والأجزاء عملة لتداول الاستغلال ولزيادة الأطماع وتدمير المتفائل والمتحرّر وهما تماماً مثل المستعمر، لذا فإن أيامكِ دوامكِ وديوانك سعادتك، فلا تخشى من خوف، ولا تعدم الثقة، ولا تغلّط حدسك، ولا ترهق نفسك بالواجب، ولا تتعب حسّك بانتظار ما هو قادم، فـ "كل ممكن الحدوث هو ممكن ذاتي لا العكس"  ولوازم الأمور تختلف عن مساندة المستور ومداواة الحاضر بالمستقبل لا ينفع، وتحضير العدّة والمكوث جانب الصخرة ليس لأهل الحكمة.

فليلازمك الصدق والروحانية ومنها تأتي المبادىء والأهمية.

ولك البركة مع المزيد من الفهم لعبارات الزمان.


نفس تفتقد للحدود

وعالم أراد أن يلعب دور المخلّص على حساب خلاصه، وإلا:

هل تعبّر صورة الألم عن تضحية السيد المسيح؟

"عُلّمتم فعلمتم حتى سبقتم صاحب الأمر وادّعيتم ما ليس لكم بحق" (الحكمة القديمة)

لا تنظروا إلى أصحاب القوى المستهلكة والهمم المستضعَفة، قوى التمويه والسياسة الكاذبة والشعارات الزائفة، لأنها دخلت نطاق الادّعاء القاتل، وتعهّدت المسؤوليات التي يصعب على النفس تحمّلها.

وفي شرّها المقنّع بالحنان، وعتوّها المقنّع بشرعة حقوق الإنسان، تتّضح لعين الناظر قوانين الغاب وتراكيب العذاب لعالم الجهل الذي رفض حقيقة المسيح المخلّص وغرق في صورته، فادّعى ما ليس له بحق، وأراد أن يلعب دور المخلّص على حساب خلاصه، فليتحمّل مسؤولية ادّعاءاته وليقاسي الشقاء في اختياراته.

إذ أن لغة الشر مُجبَرة اليوم في الكهولة من عمرها بعد بطشها في أزمان الصبا والعصور المظلمة للاعتراف ظاهرياً بالحكمة والمنطق خلافاً لما تضمره في باطنها، فهي مستعدّة لغاية الشر في نفس فطرتها.

فيولد هذا التناقض ما بين الظاهر والباطن حالة من الكبت النفسي تتفجّر بموجة من العنف والإرهاب.

وهنا يكمن معنى العقاب الأبدي وسر النار التي لا تنطفىء، نار شريعة الكذب التي تلتهب بحقيقة إبليس الأعظم: "نافق على باريه وتكبّر على إمامه وهاديه (آدم)"، ففُصل عن الجنة (أي دعوة آدم) بفصل باطنه عن ظاهره وتصادُم هدفه مع واقعه.

فلجأ إلى السياسة والتمويه لإخفاء ضعفه ونقصه، وإلى العنف والإرهاب للتغلّب على قلقه وخوفه،

فشرب نقيع الألم، ولم يعترف بخطأه،

وعظّم قول كلمة "آه"، فخُدِعَت به كافة الأمم، وظنّوا أن صورة ألمه التي انعكست على هذا العالم بالحروب والمآسي هو واقع الخير في هذه الدنيا ومِثال التضحية بالنفس في سبيل الله.

لم يعلموا أن الله  لم يدعو العالم إلى الألم والمعاناة بل إلى السعادة والبُشرى، وأن إتيان السيد المسيح بمجده وعظمته لم يعبّر عن صورة ضعف على الأرض مقنّعة بقوّة في السماء، بل بوحدة حال تجمع ما بين الأرض والسماء، الظاهر والباطن، الدنيا والآخرة..

إذاً، اسمعوا، وتيقّظوا قبل ظهور الصورة، لأن كل عبادة عند ظهورها مجبورة:

ستحلل قوى الشر إلى أن تنحل وتضمحل بانقضاء دهرها وانكشاف زيغها.

فأهل الكفر فوضى مهملون وبطبيعة الشر يغرقون. الفشل يعميهم ولم تعد تنفع سياسة الزخرفة وتشويه الحقائق والتصنّع وإعطاء المعلومات المشوّهة.

أما عن القدس، فسلام وأخذ وردّ وقوله الواحد لا يُرَدّ.

بوادر السلم فاشلة واللجوء إليها كارثة، لأن من تاريخ البدء يفتقر المهاجم إلى التوكّل والمنطق، وكل العلاج اليوم لا ينفع.

الدول تعاصر بقيّة الهمم. ولغة السلام الحقيقي، السلام الذاتي والتحكّم بالنفس هي من أصعب اللغات.

واسترداد أمانة القدس، سعادة النفس، لا تكون بالأمر السهل،

لأن حقيقة معنى القدس هي مركز بناء وإصلاح في قلب آدم، التي منه انبثقت دعوة الصدق المحمّلة بالقيم الإنسانية العظمى لتعود إليه مع تكامل أهل التوحيد وطرد النوام.

والأيام تضرب وتتصارع مع قوة النوام، والزمان يفاجئهم بمقدّمات الأعمال بالمحن والمصائب ويخرج لهم ما يخبّئه من الأهوال والعجائب.

وتنحدر لغة الشر المبطّن بالحنان إلى الشلال المرسوم ويتناهى بالأجل محتوم القدر وتنكسف شمس الرجيم الدجّال بظهور المسيح الحق القائم المنتظر.

إذاً، اهتموا بأنفسكم ولا تتعلّقوا كثيراً بصورة الغير وما يحدث، احملوا صورتكم واعطوها حقّها، وإلا ستركضوا وتركضوا كما يركض العالم نحو السلام بلغة المقاومة والحرب.

عليكم إراحة البال وإخراج النفس من البؤس، من العتمة والاختناق

ولا تقلقوا، فميثاق الزمان لا يترك موحّد تائه ولا منافق يمشي على هواه. فالجامع بين الحقيقة والاستحقاق لا يعاني من اضطراب.

والاستحقاق الأكبر هو اجتماع أهل الصدق في الزمان والمكان المناسبين لتحقيق الإمكان، واجتماع الأجزاء التوحيدية في قدسية المكان يدل على الاجتماع الكوني في عالم الروحانية الصادقة.

وكل عمل، مهما صغر، له قدر، وكل تجاوب له ظفر. إذاً، سيروا مع الأيام وكل يوم بيومه، لا تملّوا ولا تتذمّروا. إن طالت أو قصُرَت.

نيّة صافية، روح طاهرة، ثقة ثابتة، أمل صادق، كنز مليء بالمحبة.

فالزمان يتداوى والأجواء تصفو لأبناء الحقيقة لينظروا ما الحاصل ونوع التحصيل. والقدر يدور ليثبت صحّة أقوالهم وصفاء أرواحهم وتصاعُد أفراحهم

بالتعمّق بالذات والتركيز على الإيمان للشعور الدائم بالفرح والاطمئنان والاستغناء بالراحة وعدم انشغال البال.

فالحياة بحاجة للأمل والتحلّي الدائم بالصبر والتعمّق بالسر لاستكمال العودة وبناء السور العظيم.

ميدان المحبة واسع والثقة أكبر. بصوت الحق ينشد لحن الوجود وبمساعدة نور البلاد وبحماية قوّة القوّة تستمر السعادة والمحبة وقوّة الإدارة لتثبيت الإرادة.

ترقية الحال مع  "ميم أداموس" - النفس الكلية

القلوب دائما بحاجة الى تشجيع وسلام وكلام كي تستمر دون خوف

سعداء هم اصحاب الحق الذين لا يخشون انسان ويوحدون بكل صدق وإخلاص

معالجة الروح هى السلم السليم والطريق العظيم لتحقيق ما يصبوا إليه التوحيد؛ عندما تسلم وتطهر من أوساخ الزمان تصدر أوامر وتحرك أعضاء الحواس تصبح الرؤيا واضحة والحقيقة ناصعة فلتسلم أرواحكم من شوائب الزمان

من كل نور ينبثق سر كبير تحيط به هالة كبيرة واسعه تشع ويظهرالنور الساطع وكل شخص يحمل كتله صغيره بداخله مع مرور الزمن وكثرة أعماله ينمّيها وتكبر أم يعمل على إلغائها، فالبشرى لمن نمّاها وأيقظ النور بداخلها

من صفات المؤمن الحلم التواضع التسامح معرفة الحقيقة والاستمرار على المنهج والطريقه إلى إحقاق الحق وخطف الحبل - حبل الضغط من أيدي المتمردين الطاغين

بصفاء النيه والإيمان الصادق الصافي تتحقّق الأماني وتحلو المعاني وتزداد قوّة مع التركيز وهو الأهم

تعيين المواقف تتجدد بالنتائج، لا تدع الحيرة تشاركك وتدخل مع الفكرة

افعل بما يخاطبك عقلك وقلبك وآمن بالإلهام وثق بنفسك يحلوالقرار وتزداد النعمة والأفكار

الخوف نوع من زعزعة الطريق، عليك بتثبيت أقدامك والثبات على قوة الارتكاز. واصل فالصلة تقضي على الأفكار المزعجة ومن الطبيعي ما تشعر به. أحيانا يدخل الوسواس وعمله الآن  لماذا؟ لانه لا يريد زيادة عدد أهل الحق وهذا موضوع يزعجه ويحاول العبث به ومن المنتصف ليقطع الطريق اثبت له انك قادر على الثبات وأنت مؤمن بالآتي فلا تدع تدخّله يزعجك ولو تفكير، نعم حتى بالتفكير لا تدعه يشاركك اولا بالصدق وثانياً أي فكرة تراودك اطرحهاوكن كتاب مفتوح وإياك ثم إياك أن تعالج فكرة خطرت في نفسك

الإنسان بحد ذاته يحب المدح ولا يقبل أن يفكر او ينسب إليه شيء من السوء 

الأنبياء مروا بحاله صعبه وزمان أشد من هذا الزمان وعانوا كثيراً من ظلم الطاغين والموحد هو الذي يعاني لماذا؟ لان الناكث عرف انه خارج عن التوحيد واعترف بذالك  وأُعطي الدنيا وأحيانا هو الوسيله لاكتشاف معدن الموحد 

النفس تطلب الكثير فلا تعطيها ماتشتهي

عندما تشاهد التلفاز وتتابع أحداث متسلسلة وهذه الأحداث مستمرة وكل يوم بنفس الوقت تتابعها تصبح حياتك وكأنك معها وأنت فرد منها وتعيش بالجو  فكيف مَن عاش ببلاد أتلانتس واستمر بدعوة الحق والتوحيد وعاد بعد آلاف آلاف الأجيال وقرأ نشر الحادثة، ألا  يمكن له ان يفكر بها ؟؟ بلا

الاعتماد على النفس خير وسيله لتشجيعها

بالمحبة يزداد الإيمان. المحبة تهزم الضد وتقضي على سم الأفعى

أنت من يفرض على نفسك الأشياء أنت مَن يحب ويكره ويفكّر ويقرّر ويقترب ويبتعد ويقْدُم ويتردّد ويقع أسير للأوهام

الروح الصادقة تبقى وتبقى بدوام الصفاء وتعكس الصورة على الأصفياء لتحقيق الحد الأبلغ من السعادة

السعادة السعادة سر نجاح العبادة لتحلو الأوقات وتعم البركات

اطلب السعادة فمن غير الطلب لا يتحقّق المطلوب، لا تدع الحيرة تشاركك وتدخل مع الفكرة. لا تقلق، افعل بما يخاطبك عقلك وقلبك وآمن بالإلهام وثق بنفسك يحلو القرار وتزداد نعمة الأفكار

النفس هي المحرّك الأقوى للفكر. لكن عندما تمتلك القوّة "أنا سأفعل ذلك" ما المقصود بالـ "أنا"؟ النفس. وماذا حرّك النفس؟ القوّة. القوّة؟ قوّة إرادتك على القيام حرّّكت الأمر، وبالتالي تلقّت النفس قوى ناتجة من شيء معيّن وبذلك أصدرته إلى الفكر كي يحلّل ونتيجة قوّة الطالب وسعيه وراء الحقيقة بالفكر طبعاً والإيمان بقدرة شعوره وإحساسه بما سيحدث نجم عنها الإرادة مجدداً ومن ثم إلى النفس - الفكر.


في معاناة النفــــــــــــس

في معاناة النفس:

معاناة النفس اختبار، قدرة على الاحتمال للاستفادة من الحالات، ولاكتشاف طريق الخلق وأين يتوجهوا ورسم حدود التجربه على أرض الواقع.

المعاناة دليل يرافق النفس الشريفة في رحلتها عبر الأجيال والعصور الى حين اتّحاد مشاعر الأنفس كلّياً باجتماع قوّة الحق في الزمان والمكان واستقرار صلة الوصل بين الواقع وتضارب الأوهام للتحقق من فعل هذه القوة على الأرض، عندها تُكشف حدود التجربة للخلق أجمعين ويتمّيز بالسعادة أبناء الطاعة وبالشقاء أبناء المعصية.

في أسباب المعاناة:

كل من الوجود والعدم يعمل عمله في النفس:

الوجود يأتي ليعبّر عن وجود قوّة الحق على الأرض والاعتراف بها من خلال المنحى الذي يقرّب النفس من معرفة حدود التجربة لاستخلاص الحكمة من معاناتها، والعدم هو التيار السالب للنفس يسعى لإحباطها عبر تفسير المنحى ودبلجة الفكرة وإبدال كل الأمور لصالحه، ولا حدود أو نهاية لما يدعو إليه سوى المزيد من المعاناة. فحقيقه الوجود أسمى وهي الكف الراجحه المعتدله بمسراها والمحرّكة للواقع "هنا والآن" وفي كل عصر وزمان...

في معالجة النفس:

معالجه النفس هي السلم السليم للاقتراب أكثر من الحد الأسمى عالم الروح أو العقل، أي الاقتراب من الذات التي رافقتك في جميع الأدوار، وهي المحرّك الأسمى لشخصك في كل جيل.

محاسبة النفس والاعتراف بالذنب هو الطريق الصحيح للمعالجة، لكن عليك تجنّب الوقوع في الذنب الأكبر وهو اليأس من رحمة الخالق، لأن هكذا ذنب يتخطّى حدود المعرفة، وهو لهب من نار العذاب الناتج عن غياب العقل، لذلك تذكّر:

"أعمالك لا تتوقّف بهذا الزمان الذي تعيشه فقط. أنت نقطة كبيرة تتجاوز المحن لتشق ستار العتمة المحاط من حولك..."

في خلاص النفس:

تتكون لدى كل انسان نقطه اطّلاع لحب المعرفه والاستمرار وهنا تكمن الإرادة بتحريك العنصر الفعّال: الإيمان والارتباط بحدود الثبات، وهو أهم وأسمى من التعلّق بمواضيع البحث والاسترسال في طلب الأكبر والأكثر.

فقرار البحث نقطه اختيار، وفيه تكمن قوة الضعف، فإما تتحرّر النفس أو تعاني من الصمود. إذ أن فراغ الذاكرة ليس له حدود، أي لا نهاية لرغبة النفس للاكتشاف. أما المعرفة الحقيقية فهي نوع من الاعتراف بالحدود،

ومفتاحها: الصبر والتحكّم بالنفس الناتجة عنها التصرّفات

عندها يسلم تواضعك ويقوى ارتباطك بحدود الثبات وقاعدة الارتكاز فتتمكّن من الوصول في الوقت المناسب الى حدود الفكرة مهما كانت صعبة فتتراجع تلقائيا قبل اقتراف الغلطه وتتحدد لديك العبره لتمضي قدما في عالم الزمان والمكان إلى أن يتم القضاء على قوة المحتاج، وهي قوة التيار السالب للنفس وبذرة الشرود والإنقياد وراء الأحلام.

كلما دارت أفكارك واتحد زمانك وزاد اتصالك بحدود الثبات تنشط الإرادة ويتركك الغاوي فتسلم (اي لا احتجاج عن الأتي).

في أسباب الثواب والعقاب للأنفس:

النفس الشريفه وحّدت نتيجه اعتراف تصديق وإيمان بالحاصل، سلّمت أمرها للخالق والتزمت الطاعه لأحكامه والاستفاده من معرفة حدود امتحانه بدون الاعتراض على حكمته فاستطاعت صدّ قوة الظلمه والتغلّب عليها.

أما النفس المظلمه ادّعت مسؤولية وضع الحدود فعانت من حرية الصمود،

ولذلك ترى الظالم يطلب المكسب المنصب ليتسلّح ضد المجهول، ويتسلّط على الناس ليتخطى خوفه من نفسه، وهو يخاف من أصغر مخلوق إن صرخ بوجهه، فالخوف دأئما يملأ أحشائه - الخوف نتيجه اقتناعه بأنه هو السَفَر والمسافِر.

أراد تحدّي طبيعة العقل فلم يقدر وبأمره تعثّر فلجأ إلى الخداع والحيله، تمَّ إرشاده فلم يرضى وأجبرالقدر الأقبح من الناس إلى معاداة حكمة العقل وأبنائها.

وفي عصرنا هذا لم يعد له أو لأتباعه التأثير السابق (أي تأثير الجن نسبة لشعوب ماضية سًمّيت بالجن لأنها جنّت عن دعوة العقل وأساءت استعمال قوّة تأثير الفكر على المادة أو ما يُعرَف اليوم بالـ"سحر" لتحقيق أغراض دنيئة منها ما أدّى إلى دمار حضارات بأكملها كأتلانتس وعمورة).

أما تأثيره اليوم فهو فقط بالتوهيم وقد اشتهر في دورنا هذا بعد أدوار العظمة تلك بقوّة "السلاح" والخُلُق الذميم، إذ هو على أرض الواقع وفي حقيقه أمره ضعيف وإيمانه بالـ "الذهب" كعملة لربط مصائر الأنفس فكرياً في الدور الأخير دليل على "ذهاب" قوته،

لذلك على العارف أن يصرف نظره عن مظاهر القوى التي تدّعي السيطرة على زمام الأمور في العالم وارتساماتها على وجوه الخلق، ويتوجّه بعين حدسه إلى معرفة حقيقة ذاته عبر معالجة نفسه من ملوثات الحضارة المادية والأمراض الدينية والعلل الوبائية التي منها تكون الموتة الأبدية.


في سر ارتباط السعادة بالإرادة

السعادة مناظر والإرادة الإطار المحيط بهم. فإذا استغرقت بالمناظر وجدت ما تبحث عنه، أما التفكير بالإرادة فهو عمل يتحدّى حدود النفس ويؤدّي إلى تصوّر العجز وعدم القيام بأي شيء عندها يكون الإحباط واليأس.

عالم الإرادة: عالم العقل 

العقل هو الإطار. لا يمكنك الوصول للخالق من دون العقل. وحالة التواجد مع العقل هي حالة رؤية غير متقطّعة وليست حالة تفكير. لذلك، توقّى الغلطة القديمة. أن تنشغل بالإطار عن المناظر هي حالة انعدام الرؤية، أي جهل الخالق. هذه هي غلطة الضد الأقدم وهي سوء فهم دور العقل (آدم) الذي أدّى إلى الشرك، وهو نتيجة سوء استخدام الإرادة.

"أنا لست هنا لكي تعبدوني، بل لكي تعبدوا أبي"

"مَن عرف الفرق بيني وبين الأب زالت عنه الأمراض الدينية التي منها تكون الموتة الأبدية"

وهذه قصة عالم جهل المسيح فغرق في صورته، ومَن لا يهوى لعب دور المسيح الكذاب اليوم؟ مِن الذي يستخدم المال أو النفوذ للسيطرة إلى الذي يطلب العلم أو التصوّف لجذب الانتباه...

أما في الحقيقة، فإن النفس عندما تتوحّد مع المسيح العقل تنسى نفسها

النفس تقع بين عالم العقل وعالم الضد.

الخير: عندما تتوجّه النفس بنظرها إلى عالم العقل لمشاهدة صورة الواحد (أي تلعب دور المتلقّي) وممثوله: القمر في النهار (يظهر تماماً على حقيقته كمتلقّي لنور الشمس)

السر: بالـ"صبر" على الأفكار والتحكّم بالنفس الناتجة عنها التصرّفات

الشر: محاولة النفس تخطّي حجاب العقل لمعرفة ما يكمن وراءه (أي تخطّي النفس الحدود والتصرّف خلافاً لطبيعتها يوقعها حتماً في حالة من الغيبوبة تتمثّل باحتجاب الرؤية لعالم الوحدة في عالم الكثرة). وممثوله: القمر أثناء الليل (يظهر بعكس حقيقته وكأنه الباعث للنور)

وغياب العقل يتمثّل بالظلمة المحيطة بالقمر.

هو شر يقع فيه العالم اليوم في طلبه للأكبر والأكثر عبر شتّى الوسائل (اقتصاد، علم، صناعة، تكنولوجيا) من دون معرفة هوية الوسيط بين الطالب والمطلوب. باختصار، كل يطلب الله على طريقته، ولا يصل لطلبه إلا مَن يطرق باب حدود الطلب، فيتجلّى عندها المطلوب.


تقوية الإرادة على فهم لغة النور

ذُكّروا فذكروا وعُرّفوا فعرفوا:

عندما يظهر حنان التوحيد ويرتسم على الوجوه  يتمسّك أبناء النور ببعضهم البعض وتتحرّك فيهم الإرادة لفهم لغة النور التي تجمعهم، فيُُصدَر أمر من عالم القوة (عالم العقل) إلى عالم الفعل (عالم الهيولي الخامس) لترجمة قوّة النور بتعابير آدمية تشع أكثر بالمعنى، فتتوحّد عندها اللغات أكثر على فهم لغة النور وهذا يحتاج إلى المزيد من التركيز...

ونتيجة اتّحاد الروح وشعور كل موحّد بالآخر تكتمل دائرة النور...

تقوية الإرادة لفهم لغة النور:

عندما تمتلك القوّة "أنا سأفعل ذلك"،

ماذا قُصِد بالـ "أنا"؟ النفس،

وماذا حرّك النفس؟ القوّة أو الإرادة،

قوّة إرادتك على القيام حرّكت الأمر، وبالتالي تلقّت النفس قوّة ناتجة من شيء معيّن وبذلك أصدرته إلى الفكر كي يحلّل. وهنا تكمن الفرصة لتقوية عنصر الحدس.

فنتيجة قوّة الطالب وسعيه وراء الحقيقة  بالـ حدس والإيمان بقوّة شعوره وإحساسه بما سيحدث نجم عنها الإرادة   ومن ثمّ إلى النفس   ثم إلى الفكر مجدّداً...

باختصار، "قوّي إيمانك تثبت أعمالك." 

وهكذا تدور الدائرة...

إن لغة الفعل وردّة الفعل هي اللغة السالبة للتركيز مهما كانت: (إن كانت بغرض الإيذاء أو مدفوعة بحس الواجب) لذلك إن التروّي والإحاطة بالمعنى ومحاولة استخلاص الحكمة أهم من التصرّف:

سأل ولد أباه فقال: أبتي إن كان لي ضمير فماذا أفعل به؟

فأجابه بكل تروّ وهدوء: تصنيف أجناس الناس وهو عامل لإيقاظ الحواس، وجود حلول لاتّصاف الدوائر وشرح المرسوم ولنصرة الحق وإيقاف حب الذات،

فكان بذلك قد اختصر وأجاب عن درس الحياة وأمور كثيرة تختص بجميع الدراسات، كذلك هي الحواس أو الشعور بالقيام بهذا الواجب أو ذاك...

أما لا يكفي المرء التحدّق بالأمور وإبعاد المقادير كي لا تُنسَب للخلط والتبذير.

فكل حبّة تتميّز بعملها ولا تُجبَر على القيام بأكثر ممّا تتحمّل...

المذاكرة في سائر الأوقات مصدر الخير والبركات:  

إن اجتماع جزء من أبناء النور في أي مكان على لغة النور يدل على الاجتماع الكوني بعالم الروحانية الصادقة.

باجتماع حلقات النور وتوحّد اللغات تتحقّق سلامة أبناء النور من شرور النفاق وارتداد نوم الدجّال باعث الأفكار للنفس المتدخّل بكل فكرة لإبعادهم عن بعضهم البعض والتحريض على نوع من القسوة، فلا تدعوه يدخل صفحاتكم فبيّناته موجودة اليوم أكثر من أي زمن مضى.

كونوا كما تعاملوا الحكماء واستفيدوا من ضبط الأعصاب عندها تتحكّموا بلغة العناد. فالضدية تلعب دورها بالخصام وبقوّة مستشعرة بفراغ مدّتها ومنتهاها والقوي الذي يجتاز المحنة... الضد يطلب المزيد من الضحايا وأبناء النور متمسّكين بالحبال ومن قساوة الحبال تعبت الأيادي... فلا يوجد أصعب من الكشف عن الحقيقة وعندما تجدها من الصعب التمسّك بها قبل المخاطرة والتخلّص من الشوك الذي يحيط بها...


اليوم يوم اختصار مع توحيد واتّفاق بعيداً عن الأنفاق

(عابر السبيل)

أحبابي، اصغوا لي جيداً، فمصانع الصبغ لا تنتج كلّ يوم بل مرّة واحدة بالسنة بكمية هائلة ومنطق متطوّر حيث يتناسب مع كل جديد، كذلك لغة التوحيد من بداية الكون معروفة لكن لا تُكشَف للعارف إلا مرّة واحدة ليتعرّف على التركيز والتعمّق أكثر بالفكرة.

منذ زمن كان هناك ثلاثة أشخاص يعبدون متحابّين إلى حد الجنون عابدين خاضعين له وحده لا شريك له مؤمنين به وبوحدانيته.

فجأة جاء البرق،

أخذ كل شخص يفسّر هذا البرق على هواه ثمّ اختلفوا بالرأي ودام ذلك الاختلاف سنين عديدة كانوا يجتمعون يتحدّثون لكن ليس كعادتهم، فالقلوب تنافرت: كل شخص ظنّ أن رأيه هو الصحيح.

جاءهم عابر سبيل، استقبلوه، رحّبوا به:

سألهم: ما المشكلة؟

أجابوا: أي مشكلة؟ لا توجَد أي مشكلة.

قال لهم: ألا تروا وجوهكم ماذا بها، ماذا تعبدون؟

أجابوا: إلهاً واحداً

ولماذا أنتم مجتمعون؟

لأننا أخوة

قال: لا فوجوهكم تدل عليكم وقلوبكم لا تحمل الصفاء

تساءلوا بصوت واحد: كيف عرفت؟

ظنّوا أن كل واحد منهم لا يكشف عن بغضه وحقده للآخر،

فتابع عابر السبيل قائلاً: كيف تعبدون الواحد الأحد غير متحابّين، كل شخص يحمل حقده على الآخر بأشد وأمكر، ورغم كل هذا لا تصارحون بعضكم، تكلّمون وتمكرون.

فاستغربوا لهذا الرجل الذي هو عابر سبيل.

سأل: ما هو سبب الخلاف (ثلاث مرّات)

قالوا: نحن نسمع، لماذا عدتها ثلاث مرات؟

فكان جوابه: لأنكم ثلاثة، وأنا أسأل كل واحد منكم. 

قالوا: "البرق"

وحدّثوا عمّا جرى بينهم وكل شخص فسّر على هواه.

فقال لهم عابر السبيل: يا عابدين الحق، البرق دلّ على أن السماء ستمطر ليس أكثر من ذلك.

ولولا عابر السبيل ما عرفوا ولا تعرّفوا ولا صارحوا بعضهم وتعالجوا...

أما أنتم أحبابي،

فلا تفكّروا بالأمور المنفيّة المتواجدة عند أهل العناد..

من أين يأتي العطل والضعف، من تدخّل الأفكار وتحليلها حسب الرغبة، فتشعروا بالضعف ثمّ الضعف وبعد ذلك الإحباط وضيق بالتنفّس وثمّ الارتخاء. عندها تفسّروا هذا التضايق للمجهول ولا تفسّروا أسباب الاعتماد والوصول إلى هذا الحال... وإذا أصبح الضغط أكبر فأكبر تهتز الصورة لديكم، وعند اهتزازها يُسمَح لدخول القوّة الضدّية فتأخذ مفعولها...

إذاً، لا تتأسّفوا أو تندموا فالصواب بتحريك القوافي وضبط الحركات ليتساءل العالم عن سبب التغيّر ووضع الحي ووصف الممات... وسر الحياة ينكشف عندما يصل الموحّد إلى الحقيقة وهي الاقتناع بالواقع ولماذا وقع.

انظروا: الهَمْ - السياسة - التداوُل - معارك الزيادة - التهام الأطماع - عقوبة الزمان

حوادث وأحداث والانشغال وتحريك النفس حسب أهواء هذه التعدّدات وإجبارها على العيش بهذا الجو القاتم.

لماذا؟

لماذا هذا التعذيب والعيش في جو قاتم ينشأ عنه الفزع والرعب والهجوم وتحطيم الأعصاب. تقولوا هذه الدنيا، هذا العالم، لن تخلصوا منهم لا لأنكم أنتم مَن يجلب هؤلاء لساحتكم.

اليأس عنوان والتفاؤل عنوان.

الصراحة عنوان التوصّل لمفاصل الأمور:

نصيحةً لك أيها الموحّد،

لا تأخذ للموضوع ثلاثة سطور إذا كان يتحمّل سطر ونقطة، هذا بالتداول مع الناس.

اترك أسلوب المسايسة (والديبلوماسية) عندما تتعرّف على شخص أو تتكلّم مع أحد، عندها فقط وبهذه الطريقة تتغلّب على ضعفك وتصبح حاذق أكثر بصحّة الموضوع.

لا تدع النفاق يعكّر عليك، ولا تفسّر شخصية المنافقين، فلها الأثر الكبير على تفكيرك.

فاستيعاب قوّة السياسة غير ممكنة، كلام انسجام، تهجّم وخلاف...

والصراحة عنوان الاستراحة، تُقرّب منك مَن يحبّك فعلاً وتُبعِد عنك أصحاب اللياقة الكبيرة المتلبّسين بلغة الشر المقنّعة بالحنان. فعندما تتكلّم بصراحة وصدق أو تبتسم بالقلب والروح تظهر أفعالهم امامك، ويذهب الغموض...

تيقّن إذاً أن:

كلّ له حدّه، وأنت لك دور في رسم حدود التجربة، وإلى أين يريد العالم أن يصل بالأفكار...

فالكلام له استقرار وكلّما وضعت حدود كلّما ثبتت شخصيتك، والشعار: لا إكثار أو إفراط بالتجامُل.

والموحّد له فراسته، والمراحل التي يمرّ بها بعيداً عن العاطفة أو البيت تحتاج لقوّة الموحّد، هل تسمعني قوّة الموحّد.

وهذه القوّة نكتسبها بالإرادة.

احفظ هذا إذاً: راحة البال ومن ثمّ راحة البال وعدم الانشغال بكل صغيرة وكبيرة.

ولا تتعلّق كثيراً بصورة الغير. إحمل صورتك أنت واعطِها حقّها وإلا ستركض وتركض ولن تحقّق.

كلّ له قدرته على الاحتمال، مثلاً، إذا أطعمت ورق الدوالي تريد بذلك جني الثمر الأحسن لإطعام الغير. كيف سينضج الثمر دون الرعاية للاهتمام وأخذ اللازم، عندها لا تحقّق السعادة لنفسك ولا للغير.

ولا تُسمِعوا أنفسكم وأفكاركم بكلمة "الواجب" فهي الطعن والجدار الخافت لتدخّل كل المتداولات: عندما يتمسّك الإنسان بفكرة يصدّق ما يكلّم به نفسه ويقع أسير الفكرة التي قام بدبلجتها.

إذاً ليكن تفكيركم بسعادتكم، ولا تتحقّق إلا إذا فكّرتم بها وأعطيتموها الحق الكافي.


أيها الشاب الموحّد، أين أنت؟ ولماذا تنسى أهميتك؟ توحيدك صادق ولست بحاجة لشهادة أحد. ميثاقك ثباتك، يجب أن يستمر عطاؤك، وعليك بالاقتناع والابتعاد عن اللغط.  كل نفس مطالبة بعملها ولها حسابها وجزاؤها

موحّد لا يعني يُكتَب له العذاب والغَم، ولا تُرغَم نفس موحّد على عمل ما لا ترغب فهي تدري بمصلحتها.

أيها الشاب الموحّد لا تدع عالمهم يكرّهك الحكمة، أو يحرمك من أباريق الرحمة،  أو يدفعك لتوهّم السعادة بأبواب سببها آياس من قوّة الإرادة. فلا تبحث عن الضياع بغير مكان. لا يوجد الاطمئنان إلا عند أصحاب الإيمان والتوحيد، وغير ذلك مصلحة ونزوات تعلو وتهبط مجدّداً. لن تجد شيئاً في الخارج ولا يدوم احد لك، إذا ذاب الثلج ظهروا جميعاً وبانت عيوبهم.

لكن كُن صريحاً، إن أحببت ليكن حبك صادقاً وإلا لا تحب، وإذا تضايقت من أحد  تكلّم وصارح لا تأخذ المسرى واحد وتخضع للغة التقليد والواجب. لأن الدبلوماسي وصاحب المصالح والواجبات التقليدية نعم ساكن لكنه لا يعي مفهوم تصرّفاته إلى أن تضيق الفرص به.

تنكّر الجميع لتوحيدهم وأخذوا يركضوا دون هدف أو نقطة ترقيم. الصومعة تنادي بالحق والحق مُستَهتَر. بالكلام باللهجة ينطقوا به لكنه غير مُستَهَدف. يلجأوا للقول بالصوت الضخم. وبأكبادهم الحرقة. البركة موجودة والخالق موجود  لكن العالم يرعد ومن ثمّ يسعل والميزان يتأرجح وما زالت عقولهم مفرغة. وما دام عجوز إلا بطل ولا ناكث إلا جزع ولا طيفور إلا خضع.

إذاً اهتم أنت أيها الشاب الموحّد بنفسك، فأين أنت؟ ولماذا تنسى أهميتك؟ توحيدك صادق ولست بحاجة لشهادة أحد. ميثاقك ثباتك، يجب أن يستمر عطاؤك، وعليك بالاقتناع والابتعاد عن اللغط.  كل نفس مطالبة بعملها ولها حسابها وجزاؤها والشك بقدراتك عنوان الهلاك والإيمان القوي لا يلزمه إلا الثبات على إسلوبك في الحياة.

الموحّد يثبت يثق، توحيده ينقّيه من الشوائب والكَدَر، لا يصغي للقيل والقال. لا ضعف مع الحق، الضعف يحطّم الإرادة، لا خوف لا تردّد لا جزع. فالتوحيد العظيم الشفّاف التاج الذي يحمي الموحّد، يدخل إلى قلبه بلطف بكل هدوء وثقة ويتمركز ويثبت وينبه ويحذّز كلما اقترب صاحبه من السقوط فينجده وينجيه ويحميه فعليه تقويته دائماً بالمواظبة على الحكمة والدوام على قرع باب الرحمة.

يلزم الموحّد ليستمر الانبساط أي إسعاد نفسه خصوصاً عند معرفة حقيقة شخصه، وكم ناضل في حيواته السابقة في سبيل الحق. موحّد لا يعني يُكتَب له العذاب والغَم، ولا تُرغَم نفس موحّد على عمل ما لا ترغب فهي تدري بمصلحتها. وكل موحّد له حقيقة ومكان وموقع استلام في دائرة الختام.

الموحّد يعاني نعم لكن بتوحيده يفقأ عيون الحاسدين. كلما وقع في تجربة خرج أقوى وأصفى مثل الفضة والزيت المكرّر تزداد لديه الثقة بأن المولى معه والحدود لا يمكن أن يخذلوه طالما هو واثق مستقيم ومحصّن من الشكوك والضعف وكلّ شيء مقدّر ومكتوب ومضروب شرقه بغربه ومدروس، وكلّما ازدادت الحقيقة تغيّرت الطريقة.

فمعاناة الموحّد هي ترجمة لمعنى السلام التوحيدي الذي به يتم الصعود والارتقاء، وبمعانيه تتّحد الدنيا بالآخرة وتتبدّل الأرض غير الأرض. لأن فقط الموحّد يستفيد من معاناته لترقية حاله وحال إخوانه، أما أهل الفوضى والفساد والمتلبّسين المتظاهرين بالتواضع والمسكنة كنقاب يخفي ملامح الكبرياء وكل منهم يظهر المقة لصاحبه رياءً لمَن يخدعوه وهم بأنفسهم لأنفسهم يمكرون، يقولون بخلاف ما يفعلون تماماً كأصحاب السياسة الدنيوية بشأن السلام، فسلامهم كلام وأخذ ورد وأمره الواحد لا يُرَدّ.

أيها الشاب الموحّد لا تدع عالمهم يكرّهك الحكمة، أو يحرمك من أباريق الرحمة،  أو يدفعك لتوهّم السعادة بأبواب سببها آياس من قوّة الإرادة. فلا تبحث عن الضياع بغير مكان. لا يوجد الاطمئنان إلا عند أصحاب الإيمان والتوحيد، وغير ذلك مصلحة ونزوات تعلو وتهبط مجدّداً. لن تجد شيئاً في الخارج ولا يدوم احد لك، إذا ذاب الثلج ظهروا جميعاً وبانت عيوبهم. خلاصك بترقية مسراك والجلوس مع أحبابك وتضييع الوقت مع أصحاب الفائدة فقط ولا نسأل عن عثرات عالم الفوضى فله مجاله الممرّغ بالنكث والضياع ومصلّح بالإهمال.

فلذلك، نصيحة، ابق مع أخوانك الصادقين، لكن كُن صريحاً، إن أحببت ليكن حبك صادقاً وإلا لا تحب، وإذا تضايقت من أحد  تكلّم وصارح لا تأخذ المسرى واحد وتخضع للغة التقليد والواجب. لأن الدبلوماسي وصاحب المصالح والواجبات التقليدية نعم ساكن لكنه لا يعي مفهوم تصرّفاته إلى أن تضيق الفرص به. فليلازمك الصدق الروحانية ومنها تأتي المبادىء والأهمية. فالموحّد مهما تعرّف يبقى هو هو ولا يتخلّى عن اسلوبه أو يتنازل عنه. والتوحيد يسمح بالجدل وتقديم العبر وتوضيح المعاني.

لك الاطمئنان والسير باستمرار مع سعادة وتوفيق، والصراحة عنوان الاستراحة لكي تتمكّن من النطق بما تريد حقا لتثبت أكثر مدى ما تنضح  به نفسك من خيّرات وبركات وتسمعها وتحسّ بوجودها في ذاتك لكي تثق بقوتك.

فبك أنت تصل وتتّصل أهل الرضى والوفاق درب الوفاء والتحلّي بالصفاء.


في توحيد الخواطر سلامة من كل المخاطر

دوماً للتعرّف شروط، وللموحّد جسر العبور موجود. إفادة الجميع ولو اختلفت فهناك عين ويقين وقوّة القوّة فوق الأمر المنفذ والمُتَكَلّم عنه، الأمر الصادر من الضعفاء أصحاب النفوس المخزّنة.

السهر لا يُدفَع بالتفاني: لا ترتاحوا بعمل أو صنع  شيء وتدفعوا ثمنه... هذا أكبر خطأ.

والأهم، لا تعوّضوا الراحة وتدفعوا ثمنها بعد القيام بها فتصبحوا كَمَن رسم خط  واستمتع برسمه وليشعر بعدم ضياع وقته أكمله بـ ..... النقاط.

لا تحمّلوا أنفسكم أكثر ممّا يجب فالأمور الحاصلة ليست بيدكم ولا تحملوا عبىء كل مَن قال آه عندها تستيقظ الآهات.

سر الحياة ينكشف عندما يصل طالب الحق إلى الحقيقة وهي الاقتناع بالواقع ولماذا وقع. مصدر التوحيد يدعو للاستقرار وتفادي الطلب أو الاستكثار.

لا استنفار مع التوحيد ولا عنف في قاموس الحق، ولم يعد الزمن زمن الاختبارات بل زمن اتّصال البصائر وانسجام الخواطر. وثغرات العالم موجودة لعدم معرفة الخالق. وأصحاب المصالح يريدون إعادة الدوخة ولكن لا يدرون بتغيّر الزمان، ولن تقع حوادث أكثر في هذا المكان، فلغة السياسة زي قديم. ساحة مليئة بالنزاعات والكلام والمستحقّات.

الأهم هو قدرة الموحّد على تلقّي نعمة التأييد والاستبشار بإشراق الفجر الروحي الجديد والإحاطة بالساعة والابتعاد عن التحديد. فلتتمحور نقاط التركيز حول التوحيد ولتبتعد البعد المُقَرّب عن تصوير الأحداث. فعندما يُذكَر التوحيد يُلغى التلحيد. ومن كل التعقيد الذي مرّ به الموحّد فليظهر اسلوب جديد واضح مأمور بالتسريح والتساؤلات: إلى أين نريد الوصول؟ إلى حقيقة الذات ومساندة الإثبات والاقتناع بوجود توحيد ملطّف يجمع أهل الحكمة: لا بالأذية تأتي أهل الفصاحة. وتوثيق دعائم الإثبات بالتمسّك لعدم حصول العناد.

فترقية مستوى الألفاظ وجو الثناء يلطّف المكان ويعطي نوع من الاطمئنان. فالتوحيد متكامل ولكل محِب حبيب ولكل ساِئل مجيب ومن خيرة الأعمال الصبر والاقتناع بالموجود وسعادة الوجود وإسعاد أخيك الصادق الملجوء إليك وتجنّب إسعاد المطرود. ولا منافسة بين الأخوة والأحباء فكلّ له أوانه وحاجته وإيقانه. لا انزعاج ولا تردّد ولا تذمّر بل راحة وطمأنة بال وإلغاء ثوران الحال ونزعة العنف المتداخلة مع الأفكار. لا شعور بالواجب أو تكليف،  ولا أسف أو ندم على عمل، فالصواب بتحريك القوافي وضبط الحركات، ولا تردّد، فيصعب على الدار ودخولها بدون الباب، لذلك:

إذا بدأت بشيء إكمله وإذا عانيت من التكرار احذفه. وهذا يحتاج إلى تركيز

ومفتاح التركيز: التحكّم بالنفس الناتجة عنها التصرّفات.

نقطة الضعف في التردّد، هناك معارضة باطنية داخل النفس في لحظة التردّد. فلا تدع الحيرة تشاركك وتدخل مع الفكرة. وتمنعك من التركيز، فمَن خاف من التركيز وقع في أسلوب كان فتطاير الإمكان.

والعلاج دوماً بالنور الخفي عن أعين الجاهلين والظاهر للموحّدين الصادقين حيث يحثّهم على الاستقرار والثبات والثقة واليقين ويشعرهم بالأمان والسلامة ويدلّهم على نهج الصلاح والاستقامة.

إليك حبيبي الموحّد الصحّة العافية واكتمال المحبة وتحسين إدارة الأحلام لتتأقلم مع الأيام وتصل في النهاية إلى محطة الختام بسلام بعد عبور الممر الضيّق الذي يمر به كل موحّد والتجربة التي ترتقي بها المنازل أكثر وأكثر ويكون ذلك الممر مغطّىً بالسواد قليلاً ثمّ السؤدد.

لكم المحبّة وسلامة العبور والاستقرار في كلّ الأمور وسلام على كل أبناء آدم النور.


السعادة السعادة سر نجاح العبادة

سر الوصول بالسعادة، والمتشائم يقع إن كان من الجهتين: توحيد أم تلحيد، فهذا الزمن زمن الارتقاء والظهور وسعادة النفوس والابتعاد عن العبوس وتخلّي كل معاند عن أسلوبه... ومَن تخلّى عن ابتسامته الداخلية فُقِد توحيده.

انقلب الزمان ولم يعُد مَن كفر وعصى بل مَن دخل اليأس لقلبه ومَنع عن السعادة ذويه لذلك معطيات الأقوال تقول:

نجاح السعادة بتعاون الألفة، السعادة لا تأخذ مداها لأن الشعور بالواجب يتدخّل، والنتيجة: لا أحد يأخذ راحته لا في أفكاره ولا في نمط أدواره.

كل شخص يريد أن يثبت نفسه بين أخوانه، فيتدخّل للمساعدة بدافع الواجب حتى وإن كان حقاً يجهل الطريقة، وإذا مرض أحد ولم يكن هو مَن أرشد تمنّى المرض له ثانيةً.

القدر مهما بدى مجحفاً فهو أرحم من إرادة الإنسان، ولا بد للقدر أن يأخذ مجراه، ولا يُعقَل أن يكون المخلوق أرحم من الخالق، فالخالق عنده الرحمة وعنده السلام والشفاء وجميع أنواع العلاج...

ومَن لا يملك لا يستطيع أن يعطي، لذلك إسعد أنت أولاً، وسترى السعادة منعكسة على أوجه مَن حولك تلقائياً، لأن الصفاء ينعكس على الأصفياء...

ولا يعني هذا أن تدير ظهرك لِمَن تحب، بل يعني أن لا تفسّر

الأشياء على هواك، فالظلم لا يأتي دائماً من الأشياء الكبيرة، بل أحياناً من الأشياء التافهة الصغيرة وبقدر صغرها تعرقل المسير...


إلى الموحّد الذي يعاني ويحاسب نفسه

توحيدك صادق، ويجب أن يستمر عطاؤك.

عليك بالاقتناع والابتعاد عن اللغط: أنت شاب ويحق لك أن تنزعج وتحاسب نفسك كثيراً. الوسواس ماذا يفعل عندك، اطرده اطرده... تحرّر من الأوهام التي تأتي وتغيب واستعِن بالسميع المجيب".

في حال عدم استقرار الحال والشعور بالضعف عليك بتحويل المسرى والاستغراق بالذكرى وجذب العبرة بالمعنى الأدق والأوضح.

اترك طابع التفكير الطويل بما مضى واستنير من العقل السليم والمذاكرة أمر ضروري.

فرّج عن كربتك، لماذا الصمت؟ لا تدع الحيرة تشاركك وتدخل مع الفكرة. لا تقلق، افعل بما يخاطبك عقلك وقلبك وآمن بالإلهام وثق بنفسك يحلو القرار وتزداد النعمة والأفكار. غيّر المكان الجالس فيه؟ كيف؟ شارك الجميع وكُن كتاب مفتوح. لا تحمل أي تساؤلات أو أي فكرة تجعلك تحمل العبىء الثقيل لوحدك. شارك تكلّم لا داعي للصمت ولو كنت تفكّر بأي شيء حتى الشك، لأن الأفكار دائماً تعمل وتأخذ الإنسان إلى البعيد البعيد وربما لا توصله إلى شاطىء الأمان. أما إذا كنت مشاركاً للمحبّين الصادقين، تستطيع تحريك الفكرة والوصول للعبرة.

وإذا اشتدّت عليك الحالة عليك بالصبر والانتظار قدر المستطاع للتحجيم منها ولا تأبه مع الأيام يتغيّر المسرى وتزداد قوّة النور، فالقلب نقي والروح طاهرة وصادقة وأنت ملاك تستغرق بالتوحيد... أجل أنت...لا تستغرِب بل صدّق ويجب أن تصدّق وتؤمن حقاً.

الثقة الثقة موضوع البدء. عليك بالتحمّل أي القدرة على الاحتمال والصبر لتحقيق الأمور لا العجل وتريد دائماً الجديد. خطوة خطوة تسير وصعود الدرج هو المَثَل (واحدة واحدة) والسلّم المتمسّك به (سلّم المعرفة والارتباط بالحكمة والمذاكرة مع الأخوان) لا توجد العثرات فيه. وهنا نؤكّد على محبة الإخوان، بالمحبة والحنان التوحيدي (وليس الحنان الدنيوي التلفيقي) يزداد الإيمان. واصل والصلة تقضي على الأفكار المزعجة. ومن الطبيعي ما تشعر به. أحياناً يدخل الوسواس "الشيطان" وعمله الآن: "لماذا؟" لأنه لا يريد استيقاظ أبناء النور من غفلتهم، وهذا موضوع يزعجه ويحاول العبث به ومن المنتصف ليقطع الطريق. صديقي وأخي الموحّد، اثبت له انك قادر على الثبات وأنت مؤمن بالآتي، فلا تدع تدخّله يزعجك ولو تفكير، نعم حتى بالتفكير لا تدعه يشاركك. لا تقلق، بقوّة النور، الصلة والاتّحاد يتم النصر ولا يوجد أجمل من جني ثمر المحصول. إذاً، كن له بالمرصاد، وقوّي إيمانك، كيف؟ أولاً بالصدق، وثانياً، أي فكرة تراودك اطرحها، فلهذا تكلّمت الحكمة عن صدق اللسان وحفظ الإخوان بالمحبة الصادقة:

المحبة تهزم الشيطان وتُدخل النور إلى الإنسان فتعمل بها جميع الحواس. المحبة تقضي على سم الأفعى.

والأخ دائماً ينصح أخاه وبقوّة التوحيد تجب المساعدة لإتمام تعمير الجسّد. أي سؤال مهما كان أتى لمخيّلتك ودخل إلى عقلك اطرحه. وإياك ثمّ إياك أن تعالج فكرة خطرت في نفسك. أنت لست مسؤولاً عن الأفكار ولست الباعث لها، فلا تحمّل نفسك عبىء الأفكار، لأن الأفكار كالمستعمر إذا قاومته بسلاحه تغلّب عليك، وسلاح الأفكار الغموض، فلا تقابل الغموض بغموض أكبر، تكلّم واعمل (عالم الزمان والمكان، يصبح للفكرة بداية ونهاية).

وتذكّر:

ما تمر به مر به الأحباب من قبلك التي تمّت بينهم الصلة التوحيدية، ولا يُعتَبَر مشكلة أو معاناة. هذا دليل على الثبات وتفكيرك بالسلبيات يعني أنك تعالج الموضوع والأفكار التي تؤثّر عليه. ثق بهذا القول: الذي مررت به وستمر به طبيعي ودليل أنك متواضع. فالإنسان بحد ذاته يحب المدح ولا يقبل أن يفكّر أو يُنسَب إليه شيء من السوء، فكيف الموحّد: الموحّد حسّاس جداً وهذا ما قد يجعل الأفكار تدخل ببعضها البعض، لكنك موحّد حقاً. أنت موحّد موحّد، حاول أن لا تفكّر بهذا بعد اليوم، والموحّد هو الذي يعاني. لماذا؟

لأن الناكث عرف أنه خارج عن التوحيد واعترف بذلك وأُعطي الدنيا وأحياناً هو الوسيلة لاكتشاف معدن الموحّد. لذلك إذا أردت أن تضع حدوداً للامتحان، لا تُفسّر شخصية المتلبّسين بالدين أو الخارجين عن أهله ومن ثمّ المعاندين..

"لا نطلب من المجير سوى الرضى وتقويتنا وإلهامنا وخلاصنا من أصحاب الكفر والعصيان: إليم سلّمنا أمورنا وعليك توكّلنا فكن بنا حفيظاً أميناً وارحمنا برحمتك إنك غفور رحيم.


الأمور تسير ولا داعي للتكسير

تقولوا، "هذه هي الدنيا وهذا هو العالم وكيف لنا الخلاص؟" لا، أنتم مَن يجلب هذه الهموم والمشاكل لساحتكم

هل تعلموا،

إذا تمارضتم مرضتم،

وإذا اشتكيتم عانيتم،

وإذا سلّمتم سلِمتم...

فالنفس تتلذّذ بالفكر وتطبّق الشعور فيبدأ التراخي وينعكس بصورة مباشرة على الشعور ثمّ أداة التحريك الآلي (الجسم) ومن الحركة المبدئية ننطلق للصور الرمزية الرومازية.

نحن نفرض على أنفسنا الأشياء ونحن مَن يحب ويكره ونستطيع توجيه النفس حسب ما نرغب، إذ قلنا "سئمنا" معنى هذا فشل وإحباط ويأس وإذا أحببنا ورضينا بالواقع والحدث كما حدث ووقع عُوّض الأسوأ بالأحسن.

فالحدث للحديث، ولن تصنعوا سوى التفكير، فهناك أيام ومِعُد ومعاد عليه،  ومسكين الظانن بالوهم أنه سيحقّق، سيهرول مع الزمن أو يضيع منه شبابه.

لذا،

لا تحمّلوا أنفسكم أي ذنب أو مسؤولية من الأمور الحاصلة الخارجة عن إرادتكم.

لماذا تحملوا الدنيا فوق أكتافكم وتعانوا؟ لأي سبب هذا الإرباك والهَم والمعاناة؟ هل أنتم مسؤولون عن كل ما يجري أم الإرادة؟

أعمالكم، تحرّكاتكم، نومكم، استيقاظكم، تحديد مصيركم، هل وُجدت هكذا صدفة أم كانت هناك قدرة ومغفرة في سجل القانون؟

كل عمل له قدر وكل تجاوُب( بالتوكّل والإنارة ومعرفة ما تخبّىء الحضارة) له ظفر، لكل حدث موعظة وعبرة، المهم قدرة الاستيعاب والتعامُل مع التحلّي بالصبر وتهدئة النفس والسير مع المتفهّمين أصحاب اليقين.

كل ما حصل وسيحصل لأجلكم،  وهذه الجولة لا تُعَد من ألعاب الضد بل امتحان أخير للبشر ومحك لنقل اسطورة السماح إلى الاستجابة والصلاح، ولم يعد هناك مديد إلا لجمع أهل الصفاء بدائرة الرخاء.

مقدار السعادة باستعادة الإرادة لتحصيل الحاصل وجني المحصول. أما سبب ضمور سعادتكم فهو سماع القيل والقال، الإعلام والكلام، الهم والسياسة، وتقلّب الأخبار والصراع والتداوُل ومعارك الزيادة والحوادث والأحداث وتحطيم الأعصاب واهتزاز صورة الكيان، والعيش في الجو القاتم.

تقولوا، "هذه هي الدنيا وهذا هو العالم وكيف لنا الخلاص؟" لا، أنتم مَن يجلب هذه الهموم والمشاكل لساحتكم.


توفير المعاني لإهمال الجاني

بمحبتكم تسعدوا والعالم من حولكم يُنسى

العالم تقتله البصائر ولا ينوي بالضمائر

وإذا تكيّفتم مع الأيام انقلبت لخدمتكم 180 درجة.

لا تدقّقوا قي تفسير أفعال أعوان الضدّية لأن في هكذا تدقيق ضرر وآفة، فالأعين والمراقبة تزدهم نشاطا

الزمن يشتد أمام من تثقل حركاته وتعلو آهاته عن غير وعي لمفهوم تصرّفاته بعين الناظر

ينحني الزمان ليقدّم متاهات الأعوام، أحداث أحداث هذا ما كان وسيكون، والأحداث شعاع لا ينام، إذا استمرّيتم بمراقبتها غفيتم واستيقظتم وما زالت قائمة.

سمفونية الزمان تدور ولو نظرتم لمعاني السطور جيداً ما تأثّرتم. لكن الإنسان دوماً يتحلى بالشك ولولاه لدخل نطاق السعادة منذ زمن.

ما كُتِبَ حدث وسيحدث ولا شيء غريب إلا تصرّفاتكم واحتجاب إيمانكم بتوقّف البسمة والركض وراء المرادف لمراقبة ما سيحدث والقلق على المصير. العالم تقتله البصائر ولا ينوي بالضمائر.

من الجميل أن نسمع خبر أو أن نراقب حدث لكن من الصعب تقدير الأهداف، فنأخذ المستصعب ونلزم النفس بالاختناق مع مداواة الهدف إلى أين سيصل، وكلّها أسئلة وعناء دون الحصول على الجواب الكافي لترقية الحال.

فيأتي الإحباط،

ونظام الإحباط من مداومة الاتّصال بين الأفكار وترجمة التوقّعات،

لن يحدث إلا ما قدّره المحدث، والبرمجة العقلية لا تصح مع مداومة التكرار وتغيّر نمط الاستقرار.

نقول "هذه هي الدنيا" ونبرّر النقص بالمزيد من المعاناة، لكن:

نحن مَن يجلب مشاكل الدنيا إلى ساحتنا، نحن نفرض على أنفسنا الأشياء، ونحن مَن يحب ويكره ونستطيع توجيه النفس حسب ما نرغب.

أما أهل الكدر والنفاق فهم "فوضى مهملون"، تواضعهم أو جيشانهم لا يعني شيء.

وأعوان الضدّية الذين لا يزالوا يقبعوا بينكم كلّهم في حالة "مجروح" مهما استكبروا وعاندوا ورغم الدوران والزهو: لا تدقّقوا قي تفسير أفعالهم لأن في هكذا تدقيق ضرر وآفة، فالأعين والمراقبة تزدهم نشاطا.

فلا داعي لمناسمتهم لا في السر ولا في العلن، فهم في طريقهم وأنتم في طريقكم. وزمن الركض وراء الأفكار والتفكير باحتمال الالتقاء بهم والخضوع للمزيد من التجارب والعبر ولّى ولماضيه انتسب،

أيامكم دوامكم وميثاقكم سعادتكم، ولم يعد هناك مديد إلا لجمع أهل الصفاء في دائرة الرخاء، فقد تقضّت أيام المحنة ووجب على المحقّين إلى قدس السعادة المبادرة والعودة.

ومن الطبيعي أن يشعر بعضهم بالتمارُض ويقترب إليكم إن كان بالكلام أو بالأفعال، أو بالحركة المدعّمة بفيتامين الاستفزاز، أو بالنظرة، ولا عجب إن نظروا إليكم، فكل ممتنع منيع، لكن الأضواء موجّهة عليه بشدّة لتفسير حقائقه أو العبور بجانبه. فلا يُعقَل خمد حركتهم وإلا توقّفت الساعة عن العد،

دعوهم يتحرّكوا، ولا تدعوا نظراتهم تستفزّكم، فإن تحرّكتم أنتم تعبتم، والزمن يشتد أمام من تثقل حركاته وتعلو آهاته عن غير وعي لمفهوم تصرّفاته بعين الناظر،

لأن معطيات الأقوال تقول: مَن تنفّس بوقت ليس وقته حُسِمَ قدره.

فلا تدعوا ترحّم الحال يمشي معكم، وإلا يأخذ نوع من التفاني، والتفاني لأهل السعادة والبشرى قد أصبح بعيداً عن صحّة الطلب وأخذ السلام ومشاهدة العبر. فلا تجلسوا على المغصّة مع الذين يستمتعون بقول "آه" ففيها تروا وتسمعوا كل شيء بلحن الغدر والتلفيق،

أما إذا تجنّبتم التحيّز تظهروا بنوع من التميّز، واجتناب التحيّز لا يكون إلا بالسعادة، والسعادة اليوم هي سر العبادة، فلم يعد الزمن زمن مَن آمن أو كفر، بل مَن دخل اليأس لقلبه ومنع عن السعادة ذويه،

الإنسان السعيد بعقله وقلبه وبحكمة تصرّفه يستطيع أن يقلب عقارب الساعة ويستطيع إدارة الأمور بتجنّب المواقف وإدارتها لصالحه. وإذا تكيّفتم مع الأيام انقلبت لخدمتكم 180 درجة.

السعادة السعادة هي موضوع البدء والختام، السعادة السعادة لتحلو الأوقات وتعم البركات، فبالسعادة تستقرّوا والعالم من حولكم يُنسى،

أما مَن تراكم عليه الشقاء فعليه البحث عن أداته لتغيير حاله وإلا سارت أعماله وسبقت مناله،

وهذا هو حال عالم الفوضى والشتات الغارق في دوامة العنف والإرهاب، 

الزمان اقترب فلا داعي للقلق. المكتوب بيد السطور تحوّل للتفاؤل والعبور، والمزوّد بالسكون يتجاوز الأحداث القادمة ويعبّر عنها بالمشاهدة والعبور،

والمطلوب:

مساندة أهل الحق والابتعاد عن مسلك العصيان،

بالتوضيح تتم لغة الترابط وبالتاهّل تسعد النفوس بالإحقاق،

عنوان التراضي بالرضا

وعنوان التملك بالهبة

وعنوان التسامح بالإهمال

وعنوان التآخي بالحنان التوحيدي

وعنوان الحنان التوحيدي ببهاء المحبّين.

وكل مجاز له سطر ويعبّر عن الاجتياز بقوّة السر. ولا يوجد زهرة دون رحيق ولا يتواجد موحّد دون أمل.

كل نبتة صحيحة غُرست بمكانها وبحجاب النور حُفظت من التكسّر وأعمال المرور. فليتبع كل حي أسلوبه للتعرّف على دلائل الموجودات دون التعرّض لكان أو يبحث عن المفقودات، فكلّ له إثبات وبالرياضة الروحية نهنّىء أخوة الأديان ومحبة الزمان.

إليكم البركة والتصميم مع مباركة المباركة للتعمّق بميزان التفسير الصحيح. إليكم البشرى بالقادم فنوادر الأيام تحدث بثوان معدودات وأحلامهما بدقائق بعيداً عن الساعات.

ترقية الحال مع بعض الحقائق

حقيقة أتلانتس (باختصار)

صورة مع توضيح عن نوع التكنولوجيا.

قصة جداً حقيقية مثل شرح أفلاطون وتقديره تماماً. قوم أتلانتس كانوا ينتموا لفئتيت:

أهل السعادة والبشرى

أهل التعاسة والظلمى

باجتماع قوة الحق استطاعوا البناء وقوّة الصنع الذي ذكره أفلاطون لكنهم التهوا بملذّات الحياة وضاعوا بينها وتعمّقوا بها، لكن بقيت جماعة من أهل السعادة (أبناء الواحد) عانوا من ظلم الظالمين وكان الاجتماع (نصف الكرة الأرضية) ومَن منّا لم يكن هناك؟ لكن جاء الوبال لتخليص المتّقين وعبرة للأزمان قادمة. وهكذا كانت أتلانتس وقد تلاشت.


حقيقة الصحون الطائرة (باختصار)

الصحون السابحات قضايا موهمات تأتي من بريق أخّاذ تسحب معها الأبصار تتشكّل من كتل في السماء فتترامى لتعطي الناظر المنظر المبهم الذي يحتاج إلى الاطّلاع تماماً كالسحر تُظهِر بغير ما تُكمِن.

لا تلتفت أيها الإنسان إلى عالم الكثرة من حولك طالباً المعاني، فمساطر الأمور لا تقع في السطور والمباني.

وتيقّن أن السعادة لا تقع باليد بل ترسخ بالنفوس.فحريّ بك أن تنظر إلى داخلك، فكل ما تراه من كثرة في الخارج هو في حقيقته صوت واحد يكلّمك، فاصغي إليه،


حقيقة آدم وحواء (باختصار)

سر الحب الحقيقي

نظام المفيد والمستفيد

آدم هو ممثول العقل وحواء هي ممثول النفس وارتباط النفس بالعقل هو مصدر نشوء الخلق تماما كما هو ارتباط القمر بالشمس هو مصدر دورات الحياة على الأرض مكان ظهور الحق وصدور نشوء الخلق للعبره والإيمان بالفكرة- فكرة الارتباط والشوق، ولا يتم الارتباط من دون الحب وهنا يأتي التعبير الأصدق.

وهنا تناجي حواء النفس زوجها آدم العقل شوقاً لكمال المعرفة فتُشحَن شحنة من نوره وتُرسَم الصور على لوح الوجود بقدر ما يوهب العقل للنفس من الصفاء وبذلك تتواصل المعرفة لنفوس الأصفياء فينطلق لسان الروح معبّراً عن حبّه للحق والخير والجمال، فيتغزّل الحبيب بحبيبه فيبدع ويهيم شوقاً للإبداع وتعترف العقول والأفكار بالعجز والضعف عن الوصف وترجع العيون خاسئة حسيرة وترضى النفوس وتطمئن بنور عقولها ويزيد بها التشوّق لمبدعها الأوّل.

وهنا يكتمل نظام التوحيد: العقل يخاطب النفس بـكلمة تسبق للتلو تكميلاً للمعرفة بجد وفتح لباب الخير وبريق خيال النور المشرق على الذات حتى تستفيق وتستبصر وتتحرّر من الظلمة إلى النور. 


حقيقة الشعوذة (باختصار)

أما الأنفس المظلمة فـ

"هي مستعدّة لغاية الشر في نفس فطرتها"

بلى يوجد شعوذة، ولا تنكروا الحالة التي تكونوا فيها  من صداع، من ألم لا تشعروا مصدره، من حزن لم يُعرَف سببه، من ضعف أحياناً. لكن الكلام المقدّس النابع من القلب الصادق يبطل مفعولها، والسر بالعناية، ولا يُعقَل أن تشعروا بهذا الوسواس

ما يُسَمّى بالـ "خط" أو "العيْن" وما يتبعهما من طاقات فكرية سلبية، إن كانت تُمارس عن قصد أو على مستوى من العفوية الغريزية، كانت في الأدوار السابقة من أسباب الخلل في التوازن الهيولي الذي أدّى إلى اندثار المجد الأتلانتي. وكون العالم قد فقد اتّصاله بالحكمة القديمة وبأسرار تأثير الفكر في المادة، لا يعني أن الشعوذة غير موجودة.

هذا الزمن الذي فيه "لا يبقى في العالم شر مكمن إلا ويظهر"

فالشر يُمارَس على كافة المستويات، ومَن جهل "الحكمة" جهل أسباب الشر الأقدم فتقطّعت به سبل النجاة،

لأن شر الضد الروحاني، مهما لطّفته لهجة السياسة، الاقتصاد والإعلام أو حتى مظاهر التديّن الكاذب، تبقى نافرة لِمَن له أذنان ليسمع،

والحكمة القديمة قد أنذرت بتضاؤل قوة إبليس الروحانية بعد أدوار العظمة السابقة إلى الانسفال والتوهيم، وقد أنبأت باشتهار أعوانه بعد أزمان الغموض بالخُلُق الذميم،

فما الذهب إلا دليل على ذهاب دنياه وما السلاح  والعنف إلا دليل على فقدانه السيطرة على قواه الوهمية، والغريزة التي جمحت بسدوم وعمورة إلى قاع المياه، تجمح بعالم الفوضى اليوم،

لأن الأرواح هي هي منذ البدء تتقلّب في أقمصة الأدوار لتعبّر عن جوهر انتمائها الأقدم، وما دورة الزمان إلا لاستيضاح البرهان وإقامة الحجة على الأنفس بمعارف أنفسها،

وليهلك مَن يهلك عن بيّنة ويحيى مَن يحيى عن بيّنة.

وبينما يقاوم العالم الشبح الكبير "شبح السلام الكاذب" بضجّة السياسة والمفاوضات، يبقى الشبح الصغير أقوى من قدرة النفوس المظلمة على الإحاطة به،

لأن موطن انطلاق رحلة الأزمان والعصور، مهما تشعّبت الأديان وتعدّدت الحضارات واختلفت اللغات، يبقى في محور "الذات" حيث "مسكن الميم" (أي النفس) ميم الموحّد وميم الملحد:

فـ "مبارك مَن له نصيب في القيامة الكبرى، فليس للموت الثاني علية سلطان".

وبالعودة إلى تأثير الشعوذة أخيراً نقول: مَن كان "صحيح اليقين قوي الححج في الدين أطفأ نار الضد بماء الحقائق، ولم يكن للضد عليه سبيل بوجه أو بسبب..."

أما إذا كان ضعيف اليقين فلا يزال الضد يعمل في فساده كعمل النار في الحطب حتى يصيّره رماداً لا ينتفع به."


حقيقة الزمان والنفس (باختصار)

"الزمان زهرة والنفس نبتة، وإذ نسيتم رواية جذعها فُقِدَ الأمل منها وأُهمِلت..."

إشارة إلى أنّ النفس تسبق الزمان كما تسبق النبتة الزهرة،

أي كما يسبق الكل الجزء، أو كما يسبق الأصل الفرع، ولكنهما مرتبطان ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً، أي أن حالات النفس هي التي تضفي على الزمان لونه، فتزهر الأوقات إذا أسقيت النفس بماء الحياة (الحكمة)، والحكمة ترتكز على الاعتدال في الأمور، (أي مسلك التوحيد بين الروح والجسد).


حقيقة الطلب (باختصار)

"حكيم بحكمته طلب، فجاءه ما هو عجب، رفض ما جاءه، ولطلبه عاد وطلب، حتّى جاءه طلبه مزوّداً بما حمل، فسأل ربّ العباد الحماية والطاعة والإعانة وابتعاد الجشع..."


حقيقة الافكار (باختصار)

إذ هاجمتك الأفكار لا تبحث عن الخلاص في عالم الفكر، حاول  تغيير المكان.

اعمل عالم الزمان والمكان تنحصر الفكرة ويصبح لها بداية ونهاية. أما عالم الفكر، له بداية ولا نهاية، دائماً يعمل ولا يتوقّف ويسير بك حيث لا تدري.

كن كتاب مفتوح، لا تحمِّل نفسك مسؤولية فكرة، تكلّم لا داعي للصمت، لأن الأفكار دائماً تعمل وتأخذ الإنسان إلى البعيد البعيد وربما لا توصله إلى شاطىء الأمان. أما إذا كنت مشارك، تستطيع تحريك الفكرة والوصول للعبرة.

في سياسة الانفس

السلام العادل والشامل

ما هو السلام؟

السلام معادلة بسيطة: الواحد يساوي واحداً، وللإنسانية

رب واحد.

كيف يتحقق السلام؟

السلام يتحقق بمعرفة العنصر المشترك الذي يجمع بين

الانسانية.

ما هو هذا العنصر؟ الخير يساوي خيراً مهما اختلفت طرق

تحقيقه.

وإذا أضعت المقياس، انظر ملياً إلى صورة الإنسان وتحدّى بنظرتك قيود الأديان لربما تجده.

الخير الحقيقي لا يمكن أن يخدم قضية أعظم من قضية الفرد

كإنسان أو يتعالى في لغته على لغة النفس الإنسانية.

باستطاعة كل إنسان المشاركة في صنع السلام لأن كل

إنسان قادر على فعل الخير ولو في أبسط الأمور وفعله هذا

يتحدى ببساطته أكبر قمة لمفاوضات السلام.

يا ترى ما هي أداة السلام؟

هي فكرة أوخطوة يقوم بها الفرد كإنسان تتحدى عجلة التاريخ

والحضارات والشرائع والأديان والتقاليد والمجتمعات لتطرق

باب الإرادة الحرة وتخدم قضية النفس الإنسانية - قضية صراع الوجود مع العدم.

وما هو الوجود؟ ما بالك تبحث عن الوجود، وإلاما تسعى في دورانك؟ أسيكون دورانك أعظم من دوران القمر حول الشمس؟

ما هو الوجود؟ ما هو سوى صور وأصداء كلمات تنطبع في لوح الاثير الأبدي.

في كل لحظة تدور فيها الأرض حول الشمس في

وسط الفضاء المظلم اللامتناهي - حيث لا وجود لشمال أو جنوب أو شرق أو غرب، يمنح الفرد الإنسان فرصة لكي يمحو بآدميته وحشية الظلمة اللامتناهية فيستأنس الأثير بصور وأصداء كلمات تعبّر عن موطن الأنس "قلب آدم".

كيف نتخطى الطائفية في لبنان؟

عندما يرفض الفرد منا تسليم أموره وقضاياه ومصيره لحفنة

من الأفراد المتسلطين دينياً أو دنيوياً، يحملون في جعبتهم

حقائب ومشاريع تغربه كإنسان عن موطن إنسانيته وتصم أذنيه

عن سماع صرخة هويته الحقيقية - هوية آدم.

خاض لبنان سبعة عشر عاماً من الحرب الطائفية ترى هل

اكتشفنا طائفة للألم الذي سببته الحروب في النفس

الإنسانية؟

وما كانت النتيجة؟

أليس من المؤسف أن نوقظ طفلاً ضرباً

فقط لنشعر بذنب كافٍ يدفعنا لوضع الطفل إلى النوم مرة

أخرى؟

ماذا عسانا أن نفعل من أجل السلام؟

أن يتعالى الفرد منا عن

لغة الفعل وردة الفعل هو أعظم فعل يمكن أن يفعله لأنه بذلك

يضع يده على جرح النفس الإنسانية.

ألا يمنح الظالم المظلوم القوة التي بها يتحول المظلوم إلى

ظالم؟

إلى متى؟ إلى متى ستحمل النفس الإنسانية أعباء جهله لها؟


هل أنتم مستعدّون لمواجهة يوم مقداره خمسون ألف سنة؟

ليس ثمة دين دون محبة، وبوسع العالم التحدُّث عن الدين كما يشاء وبأي لسان أو لغة، لكنه صفر منه ما لم يمارسه بتلك المحبة التي انتهجها أقدم خلق الله، آدم، عندما أقبل على معرفة صورة مبدعه.

إن عقيدة المحبة الأزلية هذه هي روح أي جسد معرفي، ديني كان أم علمي أم فلسفي. وكم تقلّبت الأجساد عبر ملايين الدهور والأعوام، وكم دارت الأزمنة والعصور. وكيف يتسنى للجسد أن يقوم بمقام الروح؟

إن محبة آدم لمصوّره هي محرّك الشمس والقمر والزمان والمكان وسعيه العظيم كي يتوحّد مَع صورة مَن يحب هو مبدأ كل حركة ومنتهاها هو هو السكون العظيم.

أين العالم من تلك الحركة وذلك السكون؟

يتسلسل الفكر التقليدي طالباً العظمة في تصوّر معنى الألوهة متناسياً بساطة معنى "خلق الله الإنسان على صورته" حتى أصبح العالم يعبد صورة الوحش في الإله.

في الحقيقة لم يفقد العالم أثر الحكمة القديمة من السطور فحسب، بل محى أيضاً أثر "حب آدم" من القلوب، فأي حياة لعالم تنكّر لأصله فحاك شبكة هلاكه بيده؟

وشبكة "العولمة" هي اليوم بيت القصيد،

يسعى العالم شرقاً وغرباً في وقتنا الراهن بطريقة أو بأخرى للحصول على وجود في شبكة العولمة باذلين أنفسهم وكل ما يملكون من أجل ذلك، ولا مناص من الاعتراف أن الذين يتحكّمون بمسار هذه الشبكة يعتقدون أنهم في مصاف الآلهة يتحكّمون حتى في العقل الإلكتروني المفترض... في حين يبرهن الواقع المأساوي على الأرض يوماً بعد يوم أنهم لم يعرفوا هوية العقل "آدم" كي يعرفوا القوّة الحاكمة في الواقع. فمَن لم تشبكه محبة آدم فأين له مفر من الواقعة؟ قد ظلّ من طلب العدم المفقود فعبد الصور من غير معرفة الحدود.

فيا أيها العالم، بأي سلاح ستقاوموا اللامحدود؟ وبماذا أنتم موعودين منذ قديم الأزل؟ أببركان من الدماء أم بينابيع من محبة القلوب؟

فأين أنتم من تلك الينابيع، وكيف تتوقّعون أن تنالوا ما لا تشتهون، وقد تقطّعت بكم السُبُل واستنفذت بكم الهمم؟

أين أنتم من "العهد" الذي قطعه أبناء آدم يوم انطلاقهم في رحلة الأزل وقد "خرج من أفواه كالمسك والعنبر"؟ 

أين أنتم من ميزان العدل ضد مَن نصّبوا أنفسهم أسياد على نفوسكم؟ أولئك الملائكة الهابطين، والحكام المتعجرفين الذين ظهروا بالصورالآدمية كرهاً لآدم كي ينصبوا الشبكة والسكين لاغتيال أرواح المستجيبين، فرجعوا خاسئين؟

أين أنتم من معرفة ذات اختارت أن تكون ففضّلت أن تقاسي آلام الوجود على أن تتنعّم بلذة العدم، فكان ألم اختيارها هو هو لذّة انتصارها في ذلك اليوم الموعود الذي يستوي فيه الألم واللذة، والأعمى والبصير، والنور والظلمة.

"لأن الذوات معدومة في حضور تلك الذات"

لذلك تيقّظوا قبل ظهور الصورة فكل العبادة عند ظهورها مجبورة.


هنا والآن تكمن فرصتك وليس في المستقبل، لأن المستقبل هو امتداد للـ - هنا والآن

يتعرّض عالمنا اليوم إلى رياح تغيير قوية تعصف به في مطلع هذه الألفية، ويبدو العالم السياسي بمثابة كتلة من الاضطرابات تقذف الحكومات والدول الكبيرة والصغيرة بالفضائح أو تسبّب بالعلل والأزمات الاقتصادية، فيما تُذهب الثورات والكوارث على أنواعها بحياة الملايين. أما المؤسسات الدينية فتناضل عبثاً من أجل بعث الأمل في قلوب البشرية التي أنهكها الإحباط.

ما هي القوة التي تدفع البشرية إلى تطوير الطاقات المدمرة في هذه الأيام؟ هل تصل القوة والمعرفة عند البشر إلى نقطة الغليان حيث يكمن وراءها كوابيس من الفوضى الأخلاقية والاجتماعية؟

ومهما كانت النتائج المترتبة، فإن كل منا يساهم حتماً في تشكيلها، لأنه رغم الجور الكبير في التوزيع الحالي للثروات المادية والطاقة في العالم، فإن السبب الحقيقي للفوضى الحالية يقع ليس في الحياة الخارجية للجماعات بل في الحياة الداخلية لكل فرد. هل سنخرج يوماً من سبات المتحجرات الفكرية التي هيمنت لعهود طويلة على طبيعة الإنسان والكون؟ بل الأسئلة التي تطرح نفسها بقوة هي تلك الأسئلة القديمة قدم الوجود الآدمي على الأرض: من أكون؟ وماذا علي فعله في هذه الحياة؟ ما هي قيمة الحياة والموت وأهميتهما؟

وإذا ما طُرحت هذه التساؤلات بصدق فإنها سرعان ما تقوض معتقداتنا المتحجرة لتبدّل مجرى تفكيرنا برمّته وتغير مشاعرنا وبالتالي حياتنا أيضاً. وحينما يُدعى رجال كبار إلى مساءلة ذاتية من هذا القبيل فإن البشرية جمعاء ستشعر حتماً بمسؤولية مماثلة.

لكن من أين نبدأ بخطوة نتّجه بها إلى دراسة هذه التساؤلات المصيرية آملين أن نحرز عبرها رؤية أفضل؟ البعض يتجه إلى تعاليم الأديان الأصيلة في محاولة لتفتيح براعم الإلهام المقدس في داخلهم التي طالما جذبت الباحثين إلى ذلك الطريق، فيما يشعر البعض الآخر بحافز قوي إلى إصلاح الذات لكنه يتطلع في المقابل إلى وجهة أخرى.

ويبدو من الطبيعي والمناسب أنه بقدر جهدهم وإصرارهم على البحث عن الحقائق الروحية الأزلية بقدر ما تكون ثمة احتمالات لنمو داخلي متاح للآخرين من كلا الاتجاهين.

وحتى في بحث نبيل كهذا ثمة عوائق ونهايات صعبة عديدة، والسبب يعود في معظمها إلى عاداتنا القديمة المتأصلة في قياسنا للتقدم من خلال أهداف مرسومة مسبقاً وعبر زخارف الإدراك الخارجية.

كما هو واضح، أي تطور روحي حقيقي يجب أن يتضمن تطور الإنسان بكليته، فكم نميل غالباً إلى عزل منحى ذاتي فينا على حدا بوحي بعض المبادئ التي نعتزم العمل وفقها في كل لحظة. وعزمنا هذا قد يكون خطوة إيجابية لكنه غالباً ما يقودنا إلى فشل محبط يتحول إلى خيبة أمل واكتئاب، لنحكم على أنفسنا بعدها بالفشل الدائم.

لكن هل ينمو كل عضو في الجسد المادي منفصلاً عن الآخر؟ أم هل تكتمل عضلات الجنين وعظامه ويخرج إلى الحياة دون أن يمر في مراحل النمو الطبيعي؟ بالطبع لا، فالجنين يتبع مساراً متوازناً ومتزامناً على كل هذه الصعد، ومثل هذا التطور الروحي، تطور كلي ومتزامن، هو المقياس الحقيقي للتقدم المنشود.

ثمة طريق لتطور روحي أصيل أوصى به دوماً معلموا البشرية العظماء عبر العصور. إنه طريق رائع وبسيط لأنه يتطلب منا أن ننسى أهواء النفوس ونزواتها الخاصة كلياً والبدء حالاً، الآن ومن هنا، لنحيي في داخلنا حباً متفانياً عظيماً دون السعي إلى شيء في المقابل.

هنا والآن تكمن فرصتك وليس في المستقبل، لأن المستقبل هو امتداد للـ"هنا ولآن". أي عمل تقوم به هنا والآن مهما كان بسيطاً بنظرك، ينطبع في أثير النفس الكلّية لينعكس مجدّداً عليك وعلى عالمك. فالأثير في عالم الطبيعة هو ممثول الفكر في عالم الروح، هل باستطاعتك التغلُّب على فكرة سيئة طرأت على تفكيرك إلا بمعالجتها بتحريك إرادة التمييز، هنا والآن وفوراً؟ كذلك الأمر، هل باستطاعتك صدّ انعكاسات عمل سيء من أثير الوجود إلا بتحريك إرادة العمل هنا، الآن وفوراً؟

ومن الطبيعي أن التغيرات في أفكارك ومشاعرك لتكييف نفسك تماماً مع هذه المبادئ الكونية ستستغرق وقتاً كي تتحقق، ولكن الأثير ليس له نهاية وكلّه ملكك في أي لحظة تتّجه بها نحو التغيير.

مهما تمكث بعيداً عن هذا الطريق الروحي فبوسعك أن تتجه شطره في أية لحظة، وبهذه الخطوة الأولى تبدأ المسير بالتناغم مع نواحي ذواتك العليا ونواحي ذوات الآخرين. وهكذا تستطيع أن تقوم بأعمال صالحة في يوم واحد أكثر مما تحققه في فترة حياة تقضيها في الكفاح من أجل التغلب على ضعفك المعهود. لأنك بإتباعك هذه الطريق فإنك تحيا فعلاً السر الأكثر جمالاً وسمواً والأكثر عظمة في الكون، سر المحبة في قلب آدم.


علامة الاستقرار: العطاء مع عَدَم الانتظار

الكل يتكلم عن "نهاية العالم"، والكل ينتظر حلول الكوارث والمعجزات. لماذا لا نتكلم إذاً عن مسؤوليتنا تجاه أنفسنا ونحن نعيش لحظات الزمن الذي تنبأ به الرسل والأنبياء؟

كل منا قد مر بتجربة العناية بشيء يهمه ولو حتى لمرة واحدة في حياته. قد يكون هذا الشيء بذره أو غرسه زرعها أحدنا وربما بحث عن التربة والحرارة المناسبتين لها وأمَّن لها الماء وانتظر بفارغ الصبر ليجني نتيجة تعبه. كم منا يعتني بنفسه كما يعتني المزارع بغرسته؟ كم منا يختار أفكاره ويدرس مشاعره ويكون على نفسه بنفسه رقيباً؟ إني أتوجه بأسئلتي هذه الى الإنسانية جمعاء وبالأخص إلى أولئك الذين يظنون أنهم "المختارون بين الناس" ويدّعون المعرفة الإلهية ويمارسون سلطة السياسية المقنّعة بالدين بنبرات الشر المبطّن بالحنان. إلى أولئك خصوصاً أوجه أسئلتي. أتستطيعون التنكر والتنصل من واقع التربة الجافة المتشققة التي تنمو عليها نفوس أبنائكم؟ منكم مَن يعتبر نفسه معنياً بشروق فجر عالم  جديد مبني على العدل والحق والسلام ومنكم من يدعي أنه من حماة الحق ومن ممارسي فضيلته وحكمته. أدعوكم إذاً لكي تتأملوا وتتفكروا قبل نقلتكم إلى عالم جديد على يد المخلّص المنتظر:

ماذا تقدّمون للعالم كما هو اليوم؟

كيف تنتظرون من الله  أن يؤمن لكم نقلتكم إلى سماء جديدة وأرض جديدة؟!

وما الذي يجعلكم تظنون أن الله سيأتمنكم على سماء جديدة وأرض جديدة  وأنتم تقصّرون وتعجزون عن فهم الحكمة من وراء وجودكم في هذه الأرض التي ترجّ تحت أقدامكم والسماء الملوّثة بدخانكم؟!

ألَم يوضَح لكم في التوراة والإنجيل والقرآن والزبور أن الإنسان يقطف ثمرة أفكاره ونواياه وأفعاله؟ أليس هذا هو قانونالله الحق؟

ألم يوضَح لكم في فلسفة اليونان وحكمة الهند أن كل ما يظهر في عالمكم  من خير وشر هو انعكاس لما يبطن في أعماق أنفسكم؟ ألم تسمعوا أصوات أنبياء ورُسُل بذلوا أنفسهم ليوضحوا لأفهام الخلق أن أفكار الإنسان وأفعاله تحّدد مصيره في  كل لحظة هنا على الأرض وليس في عالم آخر أو سماء غير منظورة؟

أليس هذا هو قانون الله الحق الذي ستواجهونه يوماً؟

فإذا أراد الفرد منكم معرفة ما إذا كان من أهل الخير وما إذا كان الله يحبه ما عليه سوى النظر إلى نفسه في المرآة والتساؤل عن مدى فرحته وسعادته بما يرى. إذا لم يعجبه ما يراه اليوم والآن فلا يتوقع أن يعجبه ما سيراه غداً. لا تتوقعوا معجزات أنتم عاجزون عن فهمها. تتكلمون عن آخر الأوقات وعن الجنة والنار وكأنكم مستعدون لمواجهة قانون الثواب والعقاب. كم منكم يواجه نفسه بصدق ولو لمرة واحدة في اليوم؟ إذا لم تستطيعوا مواجهة أنفسكم ومحاسبتها على كل فكرة سيئة تراودها فلا تظنوا أنكم ستستطيعون مواجهة قانون الله. تتكلمون عن عودة الأنبياء وتلحنون لهم الأناشيد، كيف تضمنون أنكم ستتعرفون عليهم إذا ما ظهروا؟ وبأي لغة ستكلمونهم؟ 

في كتاب الـ بها غاد غيتا (الكتاب المقدس لدى الهندوس) يروى عن ملك أراد إهانة ملك دولة أخرى بإجبار زوجة الأخير على التعرّي أمام جمع غفير من الناس. فتضرعت الزوجة إلى كريشنا لمساعدتها واستجاب كريشنا لها وانتشلها من هذا الموقف. ولكنه لم يكتف بذلك؛ لأن قانون الله لا يمكن تجاهله. فقد تنبأ كريشنا بانحلال الحضارة الهندية لأن الطبيعة الأم لا تستطيع تحمل هكذا إهانة.

كم منكم اليوم إخوان مستعد لمواجهة قانون الطبيعة؟ كم منكم يراعي أخيه ويحرص على عدم إهانته؟

تعيشون الكوارث والمحن وتقِفون مكتوفي الأيدي ريثما تتصوّرون الخلاص بأبواب سببها آياس من الرحمة، ولا تعلمون أن لا ينال المرء ما ليس بوسعه أن يتصوّره.

لأن هذا هو القانون الذي علّمه عظماء كفيثاغوراس وقانون الله يقضي بألا ينال الإنسان إلا ما ينتظر. وهكذا قال السيد المسيح لتلاميذه عندما سألوه كيف يجب أن يطلبوا ليستجاب طلبهم، فقال لهم: إقرعوا نفتح لكم واسألوا بصدق تُجابوا، ولا تنالون ما لا تشتهون. وكذلك هو منطق الحكمة المقدسة في كل الديانات السماوية المتعددة ذات الحقيقة البسيطة الواحده.

إن الله سبحانه وتعالى غني بذاته عن طاعة خلقه لا يزيد في ملكه طاعة من اطاعه ولا ينقص من ملكه معصية مَن عصاه وأعمال الخلق تُرَد إليهم، فـ"مَن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها."


مَن عجز عن التركيز في الحاضر وقع في إسلوب "كان" فتطاير الإمكان

قد نعاني من التكرار في بعض المهام التي نقوم بها خلال حياتنا اليومية وذلك لأننا مغيّبين عن حكم الحاضر وما يحمله لنا من معنى متجدّد بفعل أحكامنا المسبقة على ألأمور

ليس ثمة ما يزعج أكثر من العمل المدفوع بالواجب الخالي من مضمون المحبة فإنه لا يحظى سوى بقسطٍ صغير من اهتمام الغير، كالموظف الذي يبدو أنه يستمع إلى شيء، وهو منشغل كلّياً بتدوين مطالب رب العمل، أو كرب العمل الذي يعطي انطباعاً أنه تنازل متكرّماً كلّما منح أحد موظّفيه بضع لحظات من وقته الثمين

غالباً ما تبقى أكثر التساؤلات أهمية في حاضر الإنسان مؤجلة إلى أجل غير مُسَمّى. ولو أن المرء يعير النقاش جزءاً أكبر من التركيز والأهمية لاكتشف سبب وجوده في زمان ومكان معيّن يفعل ما يفعله، وبهكذا اكتشاف تكمن السعادة الحقيقية المجرّدة من الأنانية

وأخيراً نختصر القول بأن التعريف النهائي لعبارة "من كل قلبك" هو أن نسعى لتوحيد الذات مع الذوات فنكون على حقيقة ذواتنا كما هي في كل الأزمان وضمن كل الظروف

لطالما سعيت إلى إدراك نظرة أوضح للحاضر، ورغم ذلك وجدت من الصعب أن يحيا المرء الحاضر دون أن يتيح لتصوّرات مستقبلية من التحكّم بحالته النفسية.

وبعد فترة من الصراع مع النفس، في محاولة البحث عن نظرة واضحة للحاضر، اكتشفت أن عليّ إنجاز أي عمل من أعمالي من كل قلبي وبأتم التركيز مهما صَغُرَ شأنه. ووجدت أن الإنسان يُضعف نفسه ما لم يمنح كل فكرة وفعل أفضل ما لديه، لأن أهمية الأعمال لا تتحدّد إلا بالقدر التي تعبّر فيه عن حقيقة الوجود، وحقيقة الوجود لا يخلو مكان منها أو زمان، ولا يأتي الضعف والخوف والتردّد إلا عندما ينصّب المرء نفسه حاكم على الأمور فيعاني من حكمه المسبق عليها أكثر من معاناته من مواجهتها.

قد نعاني من التكرار في بعض المهام التي نقوم بها خلال حياتنا اليومية وذلك لأننا مغيّبين عن حكم الحاضر وما يحمله لنا من معنى متجدّد بفعل أحكامنا المسبقة على ألأمور. وإذا أعطينا فرصة لأنفسنا لنعالج الأمور ببصيص من نور هذه المعرفة، سرعان ما نكتشف أن العمل المطلوب منّا لا يستغرق سوى وقت إضافي قليل كي نكمله بشكل جيد، وحينما ننجزه بهذه الروحية سنشعر بارتياح كبير، وكأننا أنجزنا أعظم عمل في العالم.

ومن أقوال أحد الحكماء: " قم بواجبك على أكمل وجه مهما كان صغيراً، وعند نهاية النهار لن يكون ثمة ندم ولا شعور بالهدر للوقت بل رضى وبهجة، وإني أرى هذه البهجة الداخلية دلالة أكيدة على اتخاذي الطريق الصحيح كوني أنجزت العمل بأفضل ما بوسعي، فتأتي السعادة من الشعور باليقين أكثر مما تأتي من العمل بحد ذاته، وهذا دليل على أن السعادة لا تؤخَذ باليد بل ترسخ بالنفوس، ولا ينبغي للمرء أن يتصوّر صورة للسعادة بعيداً عن مفهوم الإرادة المكتفية بذاتها، وعندما يتوقّف المرء عن تصوّر السعادة يعيشها.

أن ننجز أعمالنا من كل قلبنا يعني أن نتكلّم لغة القلوب. ليس ثمة ما يزعج أكثر من العمل المدفوع بالواجب الخالي من مضمون المحبة فإنه لا يحظى سوى بقسطٍ صغير من اهتمام الغير، كالموظف الذي يبدو أنه يستمع إلى شيء، وهو منشغل كلّياً بتدوين مطالب رب العمل، أو كرب العمل الذي يعطي انطباعاً أنه تنازل متكرّماً كلّما منح أحد موظّفيه بضع لحظات من وقته الثمين. إنه أمر ملح أن يكرّس المرء كامل انتباهه إلى أي عمل يقوم به لأنه جزء من حاضره ومهما كانت نسبية أهمية العمل فإنه يعبّرعن حقيقة مطلقة للناظر بعين الوجود مهما اختلفت الأوقات والأزمنة والظروف والأحكام، وكل فعل يقوم به أي إنسان ينطبع في لوح الأثير ليعبّر عن حقيقة كونية غير موحّدة مهما تجزّأت انطباعاتنا الشخصية. في كل عمل تكمن حكمة، ولا يُحاسَب المرء على الأعمال، بل على قدرته على رؤية هذه الحكمة، والحساب ينعكس مباشرةً على حالة الإنسان في اللحظة التي يعيشها، كما يعيش رجل متكبّر متعجرف لحظات صعبة عندما يجد نفسه بالصدفة في مكان وبين أناس لا يليقوا بصورته أو مكانته، فتكون حالته النفسية أصعب من حالتهم، إذ هم في أماكنهم غير مهدّدين بوجوده بينهم بينما هو قد أُزعِج خارج المكان الذي صنعه لنفسه. فلنعلم إذاً أن كلّ لحظة نمرّ بها لا بد أن تكون ثمينة ما دام قد قُدّر لنا أن نعيشها. يجب أن نفهم ما الحكمة من ورائها وما المطلوب منا لكي نعيشها بسلام وليس لكي نحكم على أهميتها، عندها نعرف ونتيقّن أنه لا يُطلَب من المرء شيءأكثر من قدرته على تحمّله، إنما هو الذي يحشر أنفاسه بتصوّراته وتخيلاته للمستقبل ويهز صورة كيانه.

"من كل قلبنا"، حينما نتناغم مع هذه العبارة سنجد أنه يجب أن نفتح قلوبنا وعقولنا لفهم كل عنصر من عناصر الحاضر بعين الوحدة كما ترى العين كل ما يحيط بها بتجرّد عن أهواء النفس وتوجّهاتها. من يدري كم تكون كلمة عادية يطلقها عابر سبيل على قدر من الأهمية بالنسبة لنا؟

فرغم كل النظريات السائدة التي تحثّ المرء على النظر إلى الواقع بعين التناقضات التي تحكم عالم الأفكار والهواجس، تيقّن أن الحكمة الأزلية لها قول في هذا وليس أي قول. باختصار،  كل حدث أو إنسان يدخل عالمك يدخل وفقاً لقانون روحي يرتكز على بنية معنوية هي أبداً في خدمة الناظر بيعن الوحدة والساعي إلى تطوير هذه النظرة.

غالباً ما تبقى أكثر التساؤلات أهمية في حاضر الإنسان مؤجلة إلى أجل غير مُسَمّى. ولو أن المرء يعير النقاش جزءاً أكبر من التركيز والأهمية لاكتشف سبب وجوده في زمان ومكان معيّن يفعل ما يفعله، وبهكذا اكتشاف تكمن السعادة الحقيقية المجرّدة من الأنانية.

إن التساؤلات الحقيقية قد لا تكون لها علاقة بالحديث الجاري، لكن ذي القلب الكبير يشعر حدسياً بالوضع الحقيقي لأنه يكرّس اهتماماً كاملاً لحضن حاضره ومصادقة قدره وواقعه وهي طريقة أخرى للقول أنه يولي رعاية بأخيه الإنسان مجرّدة من المصالح.

إذاً، "من كل قلبك" قد تعني أيضاً أن نكرس قلوبنا لمَن يخاطبنا بالنظر ما وراء شخصيتنا وشخصيته والاهتمامات المهيمنة على الشخصيتين. فالإنسان الذي يتمتع بأفضل وضع يخوّله فهم حالات الآخرين هو مَن يستطيع الخروج من كهف أوهامه الخاصة ويدرك حدسياً الظروف الحقيقية ما وراء أقنعة أولئك الذين من حوله، لأنه لديه شعور بالمحبة والاهتمام نحو الجميع وهذا الشعور هو جزء لا يتجزأ من سعادته.

وأخيراً نختصر القول بأن التعريف النهائي لعبارة "من كل قلبك" هو أن نسعى لتوحيد الذات مع الذوات فنكون على حقيقة ذواتنا كما هي في كل الأزمان وضمن كل الظروف. كلنا قد عرف أناساً حافظوا على إسلوبهم في السراء والضراء ولم يتخلّوا عنه وأحبهم الجميع، لعلهم يقعون أحياناً في الأخطاء لكنها أخطاء بريئة لا تلوثها الأنانية. وصحبة هؤلاء هي البهجة عينها.


نـفــــــــــــــس واحدة في أجســــــــــاد متفرقة

أخي العزيز، أنت كالطير الذي طال مكوثه في قفصه، فحين أُطلق منه وجد صعوبة في استعمال أجنحته. انفض غبار الجهل عن أجنحتك وحلّق نحو قمة قلبك لترى أخوتك يحلّقون معك في سماء المحبة

كأخ أنت في النور، عليك أن تفهم أكثر من ذي قبل أن تجاربك هي ليست من أجلك وحدك، أو من أجل عائلتك وحسب، أو من أجل بلادك أو ثقافتك فقط بل لأجل خلاص النفس الآدمية.

لعل الضمانة المادية ضرورية، ولعل التجارة مهمة، ولعل الكرامة الوطنية مجد، لكن يجب أن تعي أن خلاص النفس الآدمية هو أعظم ما يمكن أن تحقّقه وفي هذا العالم وإلا كانت دماء الأنبياء هدراً وتضحياتهم عبثاً- وهذا ما يسعى إليه أبناء النور في أعماقهم حقاً.

إن الحاجة الأكثر إلحاحاً للإنسانية على هذه الأرض في يومنا هذا هي السلام الداخلي. ومع ذلك، فإن مفهوم هكذا سلام يبقى المعنى الأكثر إبهاماً وتبقى النفس الإنسانية، تلك الأمانة الإلهية، في عرضة دائمة للانتهاكات، وتبقى في غربة عن موطنها. فأين أحباب الإنسانية؟ أين هم هؤلاء الذين يعرفون عن النفس الآدمية ما يجعلهم يعرفون سر السلام الحقيقي تحقيقه؟

إن الأكثرية من البشرية في العالم اليوم، في محاولتهم البحث عن بعض مبادئ السلام، يتعاملون مع الصراعات الظاهرة: شعب ضد شعب، وأمة ضد أمة، وعرق ضد عرق. لكن مَن هم الذين يفلحون في التعامل مع الصراعات الداخلية التي تشهدها النفس: الفكرة ضد الفكرة، والشعور ضد الشعور وهلم جرّاً؟

يا أخي في النور، تيقن أنك وأخوتك مرايا لصورة واحدة، وأشعاعات منبثقة من شمس واحدة، نعم لعل أبناء النور ينفصلون في الزمان والمكان لكنهم يتّحدون في الأزلية: نفس واحدة في أجساد متفرّقة.

وكل منهم يحمل في شخصه ويمثل في أفكاره وأعماله دوراً في قصة آدم، وكل واحد منهم يتمثّل في بريق عينيه مشهداً من جنة عدن (تجربة البيت العتيق التي سبقت رحلة الزمان والمكان والإمكان) الجنة التي انطلق منها ابناء النور ليلة الرحيل من الأزل. فإذا عانى أحدهم على بعد أميال فكل أخوة النور يعانون، وذلك وفقاً لنظام روحي ما وراء قدرتهم على الإدراك الحالي.

يا أخي في النور، إلى متى ُتعيش في الألم والمعاناة تبحث عن نهاية للعالم غريبة عنك دون أن تدري أن القصة هي قصتك وأنك أنت سيد بدايتها ونهايتها؟ يا أخي في النور، إلى متى تنتظر محبة الملائكة وتتجاهل تلك المحبة التي بوسعك مشاركتها مع أخوتك على الأرض؟ أفلستم أنتم الملائكة المقرّبون؟ أخي العزيز، كيف يكون لآدم بداية أو نهاية مجرّدة من المحبة الآدمية؟ كيف يكون لآدم قصة وما لم تكن محبوكة بالأفكار والأعمال الآدمية؟ وأي عمل آدمي يرقى ويعظم على محبة الإنسان لأخيه في النور؟

أخي العزيز، أنت كالطير الذي طال مكوثه في قفصه، فحين أُطلق منه وجد صعوبة في استعمال أجنحته. انفض غبار الجهل عن أجنحتك وحلّق نحو قمة قلبك لترى أخوتك يحلّقون معك في سماء المحبة، وإذا سمحت لأحدهم بالهبوط فإنك لا محال ستهبط معه أيضاً.

إن أسمى قوانين كياننا تتطلّب منا بناء شخصيتنا على صخرة من المحبة الدائمة في التعامُل مع بعضنا البعض، فالمحبة هي الحكمة وبالمحبة نصبح مواطنين في جمهورية أفلاطون - جمهورية النفس العظيمة: "فكما في السماء كذلك على الأرض".


لخوف...الخوف...الخوف...

في حين يصعب إيجاد جذور هذا الشعور أعتقد أنها بشكل عام من رواسب تجارب تقمصات عدة. إننا اليوم تماماً ما قد صنعناه عبر سلسلة من التقمصات في عالم الزمان والمكان، ونحن نتاج أفكارنا وأفعالنا ومجموع تجارب "الشخص" الذي في داخلنا. وهذه "الشخص" قد عايش تجارب لا تحصى، بعضها كان غاية في الصعوبة

بوسعك التغلب على الخوف باستحضارك الأعمال والأفكار التي تنم عن شجاعة نبيلة، تصور نفسك تقوم بأعمال شجاعة، راقب أعمال الآخرين وقدر شجاعتهم، لعلك تثبّت محبة الشجاعة في نفسك وسيتلاشى الخوف كعتمة الليل الهاربة من أشعة الشمس عند الشروق، ففي الشجاعة تكمن أسرار التغلب على الخوف، والشجاعة في أسمى معانيها هي قوّة استعمال الخيال الإبداعي أو الحدس لمواجهة الأمور قبل حدوثها

حذار من الخوف الذي ينتشر كأجنحة خفافيش الليل السوداء، ما بين ظلال ضياء النفس والهدف الأسمى الذي تنسجه المسافات بعيداً.

الخوف يقتل الإرادة ويشل الأفعال، ومَن ينقصه فضيلة الصبر يتعثر بحصى الأجيال الماضية ويقع أسير تراكم الأسباب والنتائج على طريق محجته الوعرة. كلنا يعرف الشعور بالخوف المدمّر الذي يقيّد المرء ويعذّبه ويشل إرادته، الخوف من الوقوع في الخطأ، الخوف من عدم الاستعداد والفشل، وهاجس المرض أو الموت.

وفي حين يصعب إيجاد جذور هذا الشعور أعتقد أنها بشكل عام من رواسب تجارب تقمصات عدة.

إننا اليوم تماماً ما قد صنعناه عبر سلسلة من التقمصات في عالم الزمان والمكان، ونحن نتاج أفكارنا وأفعالنا ومجموع تجارب "الشخص" الذي في داخلنا. وهذه "الشخص" قد عايش تجارب لا تحصى، بعضها كان غاية في الصعوبة.

أما الخوف من روتين العادة والتوجّس من الخطوة المقبلة والقلق على الحياة، لعله نتيجة ذكريات في اللاوعي لإخفاقات وإحباطات سابقة.

إن قوى النور والظلمة يتصارعان داخل النفس البشرية، يقول أحد الفلاسفة حول دور القوى هذه: "ثمة نفسان تقطنان داخل صدري على الدوام". لكن ما هي هذه القوى؟

ما وراء الطاقة الفكرية أو النفس البشرية تكمن النفس الحيوانية التي تتشكل من الأهواء والرغبات والأماني والأحاسيس. وتتربع فوق الإثنتين النفس العقلية أو الطاقة الروحية أو ما يُعرَف بالـ "حدس"، فهذا الجزء الإلهي فينا يتحفنا بالإلهام فقط لو استمعنا إليه .

الخوف هو شعور النفس الوسطى أي النفس البشرية حينما تهوي إلى درك النفس الحيوانية وتخضع لأحاسيس طبيعة رغبتها السفلى.

أنظر إلى نتائج الخوف، إنه يكبّل المرء ويجعله غير قادر على ما هو معقول.

 الخوف والأسى هما مشاعر طبيعة الإنسان السفلى. وعليه أن يتغلب عليهما بالصبر والحكمة كيما يتم له تقوية اتّصاله بالنفس الساكنة المطمئنة في داخله.

ونرى هذا الموقف في نشيد المولى أو البهغفاد غيتا حيثما يرمز البطل أرجونا إلى النفس البشرية حينما يقف بين جيشين في ساحة القتال وعليه أن يتخذ قراره في الاقتتال. والجيشان يمثلان النفسين: النفس الشريفة والنفس الضدّية. فقد غرق أرجونا في اليأس وسأل كريشنا، وهو الطاقة الروحية أو حدسه، لماذا عليه أن يخوض القتال. لقد حاول أن يتهرب من الواجب الذي عليه إنجازه، فما كان من كريشنا سوى أن أنبهه على ضعفه وطلب منه أن ينجز واجبه، لكن أرجونا بعدما أظهر تعاطفه العميق لكلي الفريقين المتأهبين للحرب قال "لن أقاتل" فأجابه كريشنا: "أولئك الذين ينعمون بالحكمة الروحية لا يحزنون أبداً على الأموات ولا على الأحياء. فأنا لم أزل موجوداً وأنت وكل البشر على الأرض، ولن نتوقف عن هذا الوجود. فكما نختبر في هذا الوعاء المادي مراحل الطفولة والشباب والكهولة كذلك سنختبرها في تقمصات مستقبلية. فكل من آمن بهذا المعتقد لا يقلقه أي شيء يصادفه. فالحواس في تحركها نحو أغراضها الحسية هي نتاج الحرارة والبرودة، الألم والسرور والمشاعر الأخرى تأتي وتغيب وتتغير باستمرار  فالحكيم الذي لا تزعجه هذه الأغراض ويتساوى لديه الألم والسرور فهو أهل للخلود

إننا لا نستطيع أن نفر من تجارب الحياة بل علينا أن نحل كل مشاكلها، دون الالتفاف عليها. وحين ندرك أن وجودنا ليس مقيداً في هذه الحياة البائسة الوحيدة على الأرض ونتيقن من أن جوهرنا الداخلي خالد نمتلك عندها أساساً رائعاً لرؤى مستقبلية.

لكن كيف يتسنى لنا أن نحقق الغلبة على الخوف؟ والجواب واضح، فالأفكار تصوغ البشر، لذا علينا أن نستعمل قوة الأفكار والخيال وفوق كل شيء الحدس كي نتحرر من أنفسنا الحيوانية ونتجه شطر النواحي الروحية في أنفسنا من جديد.

"الحب قوة جبارة ، والحب الكامل يطرد كل أثر للخوف. من يمتلئ قلبه بالحب والرأفة لا يعرف معنى الخوف أبداً، وليس ثمة مكان للخوف في فؤاده. بادل أخوتك بالمحبة وستتحد بالقوى الكونية الخارقة وستصبح قوياً ذا بصيرة متفتحة روحياً. ولن تخشى شيئا على الإطلاق لأن فؤادك سيمتلئ حباً وتفهماً، لأن الحب - الحب الكامل يستحضر الفهم. لن تخشى بعدها من الفقر ولن يعرف الخوف سبيله إليك".

بوسعك التغلب على الخوف باستحضارك الأعمال والأفكار التي تنم عن شجاعة نبيلة، تصور نفسك تقوم بأعمال شجاعة، راقب أعمال الآخرين وقدر شجاعتهم، لعلك تثبّت محبة الشجاعة في نفسك وسيتلاشى الخوف كعتمة الليل الهاربة من أشعة الشمس عند الشروق، ففي الشجاعة تكمن أسرار التغلب على الخوف، والشجاعة في أسمى معانيها هي قوّة استعمال الخيال الإبداعي أو الحدس لمواجهة الأمور قبل حدوثها.

فالإنسان محكوم بالخوف ما دام هائماً في محبة ذاته، لأنه عندها يبقى خائفاً دوماً من كل ما سيحدث، يخاف من المغامرة ويتوجس من الفعل، ويخشى التفكير وتسكنه هواجس الخسارة، وفي النهاية لا يحيق به سوى الخسران أو كما يقال  "كل ما أخشاه ألقاه".

إنما هم الكبار العظماء الذين لا يخشون لائمة، هم المغامرون دوماً، هم الذين يبادرون بالعمل لأنهم أصحاب العزم والتصميم والإرادة، وهم "ملح الأرض" وأرواح العالم، لا يعرفون الخوف فيما يقومون به لأنهم يحبون الوجود.

وهدف التطور هو كائن بشري يرقى إلى مصاف الملائكة. فكل منا في أصغر محور للوعي فيه سيصل إلى مرحلة التنوير وما وراءها. فإذا ما أعاقنا الخوف أو الهواجس، مهما كانت صغيرة أو كبيرة، ومنعنا التردّد من القيام بالخطوة المناسبة، علينا أن نتعلم التغلب علي هواجس الخوف والتردّد.


سر البساطة

البساطة يعني أن نكون ما نحن عليه حقاً. وهذا لا يعني الادّعاء بأننا نعرف كل ما نحن عليه، بل بأن نَدَع ما نحن عليه ينتقل من القوة إلى الفعل من دون محاولة الحكم. فالمقياس أو الحكم هو ليس اجتماعياً أو سياسياً أو غيره بل هو حكمة تتجلّى أمامنا شيئاً فشيئاً

والعقبة الرئيسية التي تعيق التطور الطبيعي للحياة هي الأفكار المتحجرة الدوغماتية التي نفرضها على أنفسنا بحكم التقاليد، والأكثر خطراً هي تلك المقنّعة بقناع الدين

تقول لنا البساطة: لا تقلقوا أبداً حول ما تستطيعون تحقيقه في المستقبل، بل تمتعوا بالثقة وأنجزوا أفضل ما لديكم في هذه اللحظة، اتخذوا الخطوة الأولى وستليها الخطوات الأخرى بشكل طبيعي، وعلى سجيتها، في هذه الرحلة الرائعة نحو محور الوجود ومصدره الوحيد

إلى جانب تساؤلات الحياة الكبرى التي تُثار حول كياننا الفريد وجذوره في عمق أعماق الكون، ثمة حيّز كبير لقوة البساطة. فهذه القوة الودودة اللطيفة تشد من أزرنا في لحظات الهناء وتحثنا على العيش في الحاضر والتطلع إلى مصدر الوجود.

يعرّف أحد المعاجم البساطة "استقامة وسجية طبيعية" فماذا يعني هذا؟  ليس الادعاء بما لسنا عليه، بل أن نكون ما نحن عليه حقاً. وهذا لا يعني الادّعاء بأننا نعرف كل ما نحن عليه، بل بأن ندع ما نحن عليه ينتقل من القوة إلى الفعل من دون محاولة الحكم. فالمقياس أو الحكم هو ليس اجتماعياً أو سياسياً أو غيره بل هو حكمة تتجلّى أمامنا شيئاً فشيئاً.

كلنا يبحث عن ذاته وهو يمر في مراحل الطفولة والبلوغ والكهولة والشيخوخة مكتشفاً أكثر فأكثر تلك الذات والعالم التي تعيش فيه. وغالباُ ما يرافق هذه المراحل تحديات فكرية وجسدية تحث على ولادة ما هو أعمق فينا، وفي كل مرة يحدث هذا فإننا نرى العالم بنظرة أكثر نضارة.

كلنا يترك وراءه طفولته في رحلة هذا العمر المديد، لكن الحكمة هي في استعادة طهارة قلب الطفل وإيقاظ براءته فينا علّنا نتعلم من صفائها ونصبح أكثر إدراكاً، والفرصة لم تفوتنا أبداً. 

إن النمو الروحي لطفل النور فينا ليس بالأمر الغريب الغامض أو المخيف، بل جزء من تطور الإنسان واختراقه لأعماق نفسه يوماً بعد يوم في ولادة متجددة.

التركيز (وإلا أصبحنا في خبر كان):

والعقبة الرئيسية التي تعيق التطور الطبيعي للحياة هي الأفكار المتحجرة الدوغماتية التي نفرضها على أنفسنا  بحكم التقاليد، والأكثر خطراً هي تلك المقنّعة بقناع الدين. قد نلوم الغير عليها، لكننا حقاً نحن مَن تبناها وأحياها في النفوس ونحن فقط من يستطيع تطهير أنفسنا من رواسبها، ومن بين تلك الأفكار الاعتقاد بأن لكل منا طبع غير قابل للتغيير.

ثمة فكرة أخرى أشد خطورة تسبب الألم والمعاناة بين الإخوان وهي فكرة الانفصال التي تغذّيها الأنا: " أنا مختلف عن أخوتي جوهرياً" ولكل منه حسابه ومصيره. فصحيح أن اختبار هذا العصر هو اختبار النفوس متفرّقة وليس الجماعات، وصحيح أن لكل إنسان اليوم محنته التي قد لا تتشابه مع محنة الآخرين، ولكن نفوس أهل الخير في التقائها ومساعدتها لبعضها البعض في تخطّي المحن، تنجح في الاختبار ونفوس أهل الشر في تنافرها وتكبّرها على الاعتراف بآدميتها ومكرها ببعضها البعض تسقط في الاختبار، لأن النفس البشرية لا تدرك المعقولات إلا بالمحسوسات، ولا سبيل لتفهُّم هذه الأنفس كنه النجاح والسقوط الأخير إلا هكذا.

حالما نتيقن من الوحدة التي تجمع أهل الخير، نتيقّن من طبيعة محنتها وهي الحرمان من هذه الوحدة التي لا يمكن معرفتها إلا بتوحّدهم. فبتوحّد أهل الخير تتفتح القلوب وتذوب وتضمحل الأوهام، وهذا ما يقودهم إلى لذة البساطة.

البساطة صفة من صفات الحقيقة التي تتدفق من الداخل إلى الخارج، تحفزنا على التطور. وكل ما تحتاجه البساطة هو الصدق والأخوة الحقة ليتفتّح الحس السليم وتتدفّق النوايا الحسنة وتتفجّر الثقة بامتلاك قوة العزم التي لا رجوع إلى الوراء بعد امتلاكها.

البساطة ترفع من قدر المرء، "من لا يكرّم الصغير لا يستحق أن يكون كبيراً"، ثمة غلبة هذه الأيام للاهتمامات المادية بين الناس، فيجب ألاّ نفقد فضيلة البساطة كي لا نفقد ذاتنا الحقيقية، بل حريّ بنا أن ننمّي فينا تلك المزايا الفريدة رغم صعوبة تحقيقها في أيامنا هذه: الأخوة والتعاطف والمحبة الحقيقية للحياة وكل ما فيها.

تقول لنا البساطة: لا تقلقوا أبداً حول ما تستطيعون تحقيقه في المستقبل، بل تمتعوا بالثقة وأنجزوا أفضل ما لديكم في هذه اللحظة، اتخذوا الخطوة الأولى وستليها الخطوات الأخرى بشكل طبيعي، وعلى سجيتها، في هذه الرحلة الرائعة نحو محور الوجود ومصدره الوحيد.

جميع أهل الخير يشتركون جوهرياً بطبيعة واحدة، فكل الآلام الجسدية والنفسية التي يعاني منها أحدهم من وقت لآخر ليست حكراً عليه مهما اختلفت التفاصيل، وهدف الشر الأكبر اليوم هو إيهام الفرد منهم بأنه متروك ولا أحد يمكن أن يتفهّم محنته سواه (وهذا يمثّل قمّة الأنانية والتكبّر على الطبيعة الآدمية)، فينتظر الفرد الخلاص من مصدر مجهول معتقداً بأن الله هو ذلك المصدر وهو في الحقيقة يفرِّط بالفرص التي يمنحها الله له، لقلة يقينه ببساطة الشواهد العقلية التي أراده أن يستأنس من خلالها بآدميته. فلكل شيء مهما كان بسيطاً سبب فاتبع سبباً لاكتشاف حكمة الخالق.

ليست الحياة بالسهلة أبداً وخصوصاً في هذه الفترة الموصوفة بأعظم الفترات وأظلمها، ولا يحظى الإنسان بالبساطة التي خسرها بالعادة خلال أجيال وسنوات عدّة فجأة مجاناً وبدون تعب أو جهد. لربما قد يسافر فوق غمام فلسفية رائعة لكن مَن منا لا يعاني في بعض الأوقات من ألم أو حزن أو أي مظهر من مظاهر الشقاء في هذا العالم المعكوس.

لذلك فإن مفاهيمنا الرئيسية حول حقيقة وجودنا وغايته لها التأثير الأكبر في حياتنا، فقبل أن نبادر لكي نعالج ما يظهر لنا من خير وشر في العالم ينبغي أن نعالج كيفية النظر إلى هذين النقيضين. ولا تتأتى هكذا معرفة إلا عبر الحكمة والبصيرة وهي مزايا العقل الذي تميّز بها آدم.


ما هي الأفكار ومن أين تأتي؟

مستقبلنا بأكمله يعتمد على نوعية تفكيرنا وإلهامنا.فمهما كان تأثير البيئة على حياتنا، ففي الحصيلة النهائية فإن نوعية الأفكار والدوافع هي التي تمارس التأثير الأكثر ثباتاً على شخصيتنا

من أكثر الأسئلة صعوبة: من أنت؟ من تصوّرك قبل أن توجَد؟ مَن هندس صورتك؟

أليس صحيحاً أن كل ما ندركه بالحواس مولود في العقل؟ من الكأس إلى قلم الحبر الذي نستعمله إلى المنازل التي نسكن فيها، كلٌ قد نشأ في فكر المصمم أو المهندس من قبل أن يكتسِب أشكاله.

ألا ينطبق هذا أيضاً علينا؟ ألا ينطبق على أعمالنا وعلى الكلمات التي نتفوّه بها؟

ألا تصنع تلك الأفكار العالم كما هو اليوم؟

وبالتالي:

أليس العالم كما نراه حولنا هو مسؤوليتنا أجمعين؟

يجب ألا نخشى من أي شيء يعترض مسلكنا، بل يجب أن نتقبله كشيء إيجابي بقدر المستطاع، لأن في الحقيقة، إن أفكارنا هي كل ما يحدث لنا.

الكون هو مرآة النفس، والنفس هي من يُنسَب اليه الفكر، ولا تتطهّر النفس من معتورات الفكر إلا عندما تشاهد منتهى الفكرة في العالم المرئي وبالتعابير الآدمية.

ولكن العالم يجهل الدور الذي تلعبه الصورة الآدمية في صنع السلام أو الحرب. وهذا الجهل هو دليل انحطاط في الفكر...

باختصار، إنه زمن تدهور الأفكار، وبالتالي إنه زمن الحروب والكوارث، .

الأفكار وتأثيرها:

في الداهمابادا، أقدم النصوص  البوذية، وفي آياته الافتتاحية إعلان صريح بأن الإنسان هو ثمرة أفكاره، وبأنه إذا ما تكلم أو تصرف بقلبٍ كدر فالمعاناة هي العاقبة، لكنه حينما يتكلم أو يتصرف بقلب نقي فإن السعادة ستلازمه دوماً حتى النهاية.

لذا فإن  مستقبل العالم بأكمله يعتمد على نوعية تفكيرك وإلهامك،

فمهما كان مقدار تأثير البيئة على حياتك، ففي الحصيلة النهائية فإن نوعية الأفكار والدوافع هي التي تمارس التأثير الأكثر ثباتاً على شخصيتك وبالتالي على شخصية مَن حولك.

ونجد هذا الفكرة ذاتها متضمنة في الآداب المقدسة في العالم، ليس أقلها في النصوص المسيحية كما تشهد بذلك كلمات يسوع المتحدية إلى الفريسيين:

إما أن تجعلوا الشجرة صالحة وثمرتها صالحة وإما أن تجعلوا الشجرة فاسدة وثمرتها فاسدة لأنها من الثمرة تعرف الشجرة. يا أولاد الأفاعي كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار وإنما يتكلم الفم من فضل ما في القلب. الرجل الصالح من كنزه الصالح تخرج الصالحات والرجل الشرير من كنزه الشرير تخرج الشرور (متى 2/33 - 35).

لكن ما هي الأفكار، ومن أين تأتي؟

هنا نلامس صميم سر الخلق، وتطور كل الأشياء، من الأكوان إلى الذرّة. في الحقيقة، وُجِد عالمنا، الكون بذاته، بفكرة      لم يُصنع من هواء رقيق ، لكنه ولد من قداسة ما،

ما هو الكائن البشري، نبتةٌ ، حيوانٌ، أم كون؟

تخبرنا أساطير الخلق عند الشعوب القديمة القصة ذاتها: وحده الظلام كان يملأ الفضاء اللامتناهي اللامحدود حينما كان الكون لا يزال مختوماً في الفكر الإلهي  لدى العزة الإلهية، ثم مع رعشة اليقظة الأولى تجسدت الحياة في خلق آدم (العقل الكلّي) عندما اخترق نوره ظلمات الخلاء، لقد سبقت فكرة  "آدم" الوجود المادي بكل أنواع كينوناته.

الأفكار هي أشياء حقاً، إذ أنها كائنات بالقوة تحتجب وراء الأشياء المرئية، وكلما اقتربت هويتها من دائرة المعرفة (دائرة الخير والشر المطلق أو دائرة  الكشف) تجسّدت بالأفعال الآدمية.

لذا فإن الأفعال الآدمية هي دائماً وأزلاً مقياس كل الأشياء، هي دليل ابتداء الحضارات، وهي مؤشّر انتهاءها.

وحيث أننا قد لا نكون مُوجِدي تلك الأفكار، فيجب علينا أن نتحمل المسؤولية كاملة لنوع الصور الآدمية  التي نجتذبها إلى دائرتنا، ولنوعية التأثير الذي نتركه عليها خلال مرورها وخروجها من الفكر،

كينونات فكرية كهذه هي إما تستفيد لدى اتصالها بنا أو تتقهقر - وهنا تكمن مسؤوليتنا، ليس على أنفسنا وحسب بل على تلك القوى الفكرية التي نستضيفها.

حينما تحضنا فكرة أساسية - فكرة عناصرية حقيقية في مرحلة نمو أولي - تحضنا على عمل غير ذي نفع، يجب ألا نخاف، بل بمقدورنا وبكل سهولة تقييمها على ما هي، ومن ثم ارسالها بكل هدوء في طريقها.

حينما تفهم ما تمثِّل تلك الأفكار التي تحتشد في ذهنك، ليس في حد ذاتها وحسب بل ما تمثل للكون بأسره، ساعتئذ تبدأ بذكاء أكبر في التعامل مع حضورها في الفكر والنقطة المهمة هنا هي أنك لست مجرد ضحية، بل بالأحرى متلقّ واع لتلك الأفكار، بفضل حقيقة أنك نتملك خيار اختيار أي نوع من الكينونات الفكرية ستستحوذ عليك.

وقد قيل حقاً: "إننا قد نعجز عن منع الطيور من التحليق فوقنا، لكننا لا نعجز عن منعها من بناء أعشاشها على رؤوسنا!."

تنتمي أفكار عدة إلى حياتك هذه، لكن هناك أفكاراً أخرى تضغط عليك رافقتك من حيواتٍ سابقة وذلك هي عصية على الفهم،

لا أحد منا محصّن من أفكار مرعبة كهذه في أي وقت، إذ إننا نحن البشر لنا تاريخ دهري ولذا نكون قد مررنا في تجارب كثيرة بعضها ربما كان ما دون معايير اليوم. إن تأثير تلك الأفكار التي نمتلكها فعّال إلى مدى كبير، لكن إلى أن تنتهي كلياً قوتها التأثيرية لا يزال علينا أن نتعامل مع ذيل مذنَّبها. وكلما تبددت قوتها الأصلية،كلما  كان تأثيرها أكثر لطفاً واعتدالاً علينا. في كل مرة تتبدى لنا باستطاعتنا تغيير موقفنا منها وبِذا نخفِّض من مقدرتها على إخلال توازننا.

لكن عليك ألا تلقيها جانباً من دون تفحصها، إذ بفعلك هذا سوف تميل إلى  تشديد تأثيرها على وعيك. إن احتقار الأفكار السيئة هو مؤذٍ كمحبتك لها، إذ أن الحب والكراهية هما  قوّتي الشر المطلق. أما قوّة الحب الحقيقي فهي فوق تأثيرات الفكر، هي الحاكم في الفكر:

إن العملية الدقيقة التي تسيّرنا نحو تطوير أنفسنا روحياً لن تجعلنا نرتاح. إذا استعملنا خيالنا كاستعمالنا للتفكير العقلاني، سنرى الأفكار التي تظهر لنا، متدفقة ومنسابة بشكل يبدو غير ارادي. ومفتاح فهم هذه الأفكار يكمن في إحرازنا النظرة البعيدة المدى، لأنفسنا ولعلاقتنا القريبة والحميمة بالصورة الآدمية وبالكون الذي تجسّده الصورة.


تعلَّم المغفرة الحقيقية

(هناك فرق بين التسامُح والتخاذُل)

إن الإقدام على التسامح والعفو بين الإنسان وأخيه في الإنسانية لا يخلو من تغاضٍ وتساهل. كما يحدث مثلاً في العائلة الواحدة، حينما يسمح أحد أعضائها بدافع الواجب أو المحافظة أن يُستغل من قبل أعضائها الآخرين لدرجة كبيرة، ظاناً أن ما يفعله هو العفو والغفران. والنتيجة حتماً هي تدني مستوى معيشة كل أفراد العائلة.

كيف يتسنى لنا تجنب ذلك؟

كيف يميز المرء ما بين التسامح والضعف؟ إنك لن تغفر أبداً لأي امرئ أَبَحتَ له استغلالك، بل تصبح شريكه في الجريمة وتساعده على السقوط إلى الدرك الأسفل. ليس هذا وحسب، بل وقد تتولد لديك نزعة ولو بسيطة بالرد عليه قد تنمى مع الزمن لتصبح رغبة أقوى بالانتقام.

هذا لا يعني أن تكون فضاً في امتعاضك أو أن تضمر حقداً، ليس هذا بالتأكيد، بل ما يعني تماماً: لا تسمح لأي عمل خاطِئ بأن يُمارَس ضدك أو ضد الآخرين.

صحيح أن المحبة قوة جبارة، ولا شك أن الشعوربالمحبة يتسلل إلى القلب والفكر فيجترح سحراً وأن الإنسان المحِب يفضل أن يعاني ألف مرة من أن يسبب الألم للآخرين، لكنه من الخطأ اعتبار المحبة تساهلاً.

إن السماح لمن نحب في أن يؤذينا ليس بالمحبة أبداً. لنفترض أن أحدهم اقترف خطأً في حقك، ماذا تفعل؟ تقبع ساكناً مكرهاً لتلعب دورالمسامِح، أو أن تقول لمن أساء إليك " اقترب مني، لقد فعلت كذا وكذا ولست راض أبداً عما فعلت، قد أسامحك لكن لا تفعل ذلك معي ثانية."

إن بقاءك صامتاً ليس غفراناً بل هو ما يزيد من احتمال اقتراف أعمال مماثلة في حقك، ويزيد من احتمال انفجارك غضباً في المستقبل وقيامك بردة فعل أكثر سوءاً من تدخلك في الوقت المناسب لتضع الأمور في نصابهاً.

لكن: عليك أن تمتلك دراية حكيمة في أن تحوّل طاقة الكراهية السلبية فيك إلى طاقة إيجابية.

ما نحاول مناقشته هنا هو المغفرة، فالمغفرة الحقيقية لا تعني السماح بتنفيذ أي إساءة بحقك أو بحق الآخرين.

إنها غطرسة وليس تواضُعا أن تعتبر نفسك قادراً على تحمُّل الألم أكثر من الآخرين، تماماً كاعتبارك أنه يحق لك أن تعامل الآخرين بما لا يحق لهم أن يعاملونك به. فهذا تخاذُل وليس مسامحة. يجب أن تضع حدا لهذا الاعتبار، فإذا سمحت به يصبح هناك مخطِئان: المخطئ وأنت، وتصبح متواطئاً وشريكاً في فعل الشر لنفسك وللآخرين.

تفحَّص هذا الأمر من خلال مفهومك الخاص للخطأ والصح، تفحصه  من خلال مفهومك الخاص للغفران والمحبة.

حتى ولو نظرت إلى الأمر من الناحية الروحية، تبدو العدالة الإلهية وكأنها تغفر لكل شيء لكنها لا تغفر لنفس حاولت أن تلعب دور المخلّص على حساب خلاصها هي، لأن من لا يحب ذاته كيف يتسنى له محبة الآخرين؟ ( وليس الحب هنا أنانية).

إذا ظننت أنك تستطيع أن تغير أحداً ما في ليلة وضحاها فأنت مخطئ تماماً. تعلَّم أن تحب لكن باعتدال، دع قلبك يتسع مع مشاعر إنسانيتك وسرعان ما تدرك رسالة كل حكماء وقدّيسي العصور.

يظن فاعل الشر أنه يعرف ما يريد لكنه في الحقيقة ليس مسروراً، إنه أعمى بل في منتهى الضعف. لذا كن قوياً وتعلم قوة الحب العظيم السحرية وقوة القلب السموح. من واجبك الإنساني أن تقوم بذلك.

المغفرة هي رفض الشعور بالضغينة وإذكاء الحقد والكراهية، والمغفرة تعني أيضاً أن تنقّي فؤادك من هذه المفاسد والرذائل فتصبح قوياً. وثواب فعلك هذا يتخطى الكلام، فمن ضمن مكاسب أخرى فإنك ستحرز السلام والسعادة، وتمتلك الشعور الرائع بحس الواجب، وأخيراً وليس آخرا،ً الفوز باحترام الذات فيمتلئ قلبك بمجد الحب العظيم وتصبح عندها إنساناً حقيقياً.


إن كنت صادق فعلاً تحمّل مسؤولية الاختلافات التي تراها في عالمك الخارجي!!

أما الكذب في مقياس الحكمة الأرفع فهو تغذية التناقض بين عالمك الداخلي وما تراه في العالم الخارجي

يعتبر البعض الأخوّة خيالاً طوباوياً لا يمت بصلة لحياتنا اليومية. ورغم أنه يشكل حلماً عظيماً للكثيرين يبدو للبعض غير قابل للتطبيق في عالمنا اليوم، بل يتطلب مجتمعاً رهبانياً أو صوفياً لا يأبه لشؤون العالم.

وطالما بقيت أفكارنا مأسورة ضمن هذه المفاهيم فإنه من المحال أن نرى مبدأ "حفظ الأخوان" كأمر واقعي يمكن تطبيقه على الأرض.

إن الأخوة لا تخفف من آلامنا فحسب بل تكثف من معرفتنا وتفهمنا لحقائق أنفسنا.

وكل ما يتطلب منا كي نحقق هذه الحالة هو في الواقع متوفر لدينا:

علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا لكي ينعكس صدقنا على الآخرين، فبالصدق تتولّد المحبة والتسامح والصبر والتعاطف والنزاهة والمسؤولية وغيرها من الفضائل التي تعتبر من أرقى القيم التي تتحلّى بها الأخوة الحقة.

ومع ذلك فإن البشرية تغاضت عن أهمية الصدق وأثره في تخفيف مشاكل العالم، واستبدلته بلغة السياسة والديبلوماسية والمصالح المشتركة.

وفي حين تختلف فكرة تطبيق هذه الأخوة عبر الزمن فإن المغزى الداخلي يستشعره جميع البشر، فكل منا يفهم هذه الفكرة بمنظاره الخاص. ومن خلاصة هذه الأفكار ينشأ مفهوم مشترك بين الجميع: تحميل أنفسنا مسؤولية الاختلافات التي نراها بين أخوتنا، والعمل على تخطّي التناقضات في ذاتنا قبل الحكم على الآخرين.

خلق الله آدم على مثاله، ومن خلال مشاهدته لهذه الصورة الإنسانية تعلم آدم. ويظن البعض أن الإنسان قادر على استقراء معان من مصادر تتجاوز بأهميتها ما تقوى عليه الصورة الإنسانية. فهجر الإنسان أخيه وركض وراء الحجم والعظمة. ولم يتذكّر أن ممارسة المحبة والتسامح ببساطة هو خير مطلب للنفس.

لا بد من أن نتحول من المصلحة الفردية إلى المصلحة الجماعية حالما ندرك أننا أخوة، فقدرنا مترابط وفهمنا لحقيقتنا يجب أن ينشأ عبر اختبارنا للحياة معاً كأخوة مجتمعين. وللمفارقة، لا تتحقق هذه الوحدة أو الكلية حتى يشرع كل فرد فينا بتحول داخلي في ذاته. إن التعرف على الأخوة والانتماء إلى عصبتها الوثيقة يتطلب منا معرفة ذاتية تولد من رحم التجارب والمعاناة.

علينا أن نجدّد نظرتنا إلى أي أخ لنا بتجدّد نظرتنا لأنفسنا، ونسائل أنفسنا متعقبين سبب ارتياحنا أو انزعاجنا منه، وهذا ما يقودنا في وجهة واحدة لاكتشاف أنفسنا. فإذا عرفنا مصدر الارتياح أو الإزعاج وما يحفزه فينا نكون قد أحرزنا قسطاً من معرفة الذات. ووجب علينا ألا نلين في هذا المعترك بل لنكتشف الرضى الذي نحظى به بمعايشتنا لهذا التحدي، إذ أن ثمة نيران حيوية تكمن في مسعانا، وهذه النيران هي التي تحركنا عبر الزمان نحو هدفنا الأسمى.

لذا يجب ألا نفقد هذه الطاقة بل بالأحرى يجب أن ننظّمها في إطار أكثر تنويراً يخدم غايتنا المثلى. وبهذا التدقيق الذاتي ندرك أن ما ننسبه إلى أفعال الآخرين ما هو إلا نتيجة لأفعالنا الخاصة، نتاج ما شعرنا أو فكرنا به.

إن المقدرة على تعلم طبيعة الأشياء الحقيقية هي هبة نستطيع وحدنا التحكم بها. إن فرصة التغيير وإدراك المحيط لا تفوتنا أبداً، وهذا ممكن لأننا نحمل إلى جانب أعبائنا البشرية عبء الخلاص ومسؤولية الاختيار. لسنا أبداً من دون القوة على اختيار مسار أفعالنا.

إن التغيرات التي نحتاج إليها في حياتنا هي في متناولنا ونملك وسائل تحقيقها. وإرادتنا الحرة تمنحنا المقدرة على اتخاذ القرارات وتحديد المصير، كما أن أبسط الخيارات التي نتخذها في حياتنا هذه هي التي تحدد ما سنصبح عليه في حيوات أخرى.

فالبشرية التي أعمتها الحوافز الأنانية تبدو قد فشلت في تطوير الحدس على فهم حقيقة أن كل قرار نتخذه يومياً يساهم في تمتين الأخوة الإنسانية أو تفكيكها.

تبدو هذه الأخوة صعبة التحقيق، لكن لا مناص من تحقيقها. ثمة قول مأثور: من أجل أن نساعد الغير علينا أن نساعد أنفسنا، ومن أجل أن نساعد أنفسنا علينا أن نساعد الغير، إن مغزى هذا القول والمعنى الذي يرمي إليه لا يفهمه سوى من كانت غايته النبيلة كغاية أخوة النور.


الإدراك الحقيقي

النفس لا تعاقب بل تعتقل لأسباب الحياة واكتمال دورات النجاة

هو مقدرة النفس على تبصُّر المعنى الأسمى من الواقع الذي لا تخطئ رؤياه أبداً، رغم أن الكثيرين اليوم لا يميزونه عن رؤيتهم المادية.

هو وعي دقيق وحدسي كومضات البصر يبرز حين نجدّد نظرتنا إلى الأمور الحاصلة من حولنا ونبصر كثرة المظاهر بعين الوحدة ونحسن الظن بالخير الأعظم الذي يكمن وراءها.

وبالتقاء نفوس أبناء الواحد على الرؤية الموحّدة للأمور يصبح الإدراك أكثر وأكثر مدعّماً بواقع محسوس، وتنتفي الاضطرابات الفكرية المرتبطة بالنظرة الموهومة للواقع، فلا يعود هناك تطاول بين الضحكة والمعاناة، وتطول مدّة الراحة السالمة من العبر. حتى عندما يكون التماس التغيير بطيء، فإنه يكون ثمة نفاذ للبصيرة من التفاصيل وتصبح النتائج أعظم من الجهد المبذول.

والإدراك الحقيقي يختلف عن تشخيصات الحدث ووجهات النظر، تلك التي تتبدل مع الوقت في تقلب الزمان وتغلب طابع النسيان، فهي ليست ممحّصة ومدروسة إنما هي نتاج عامل النفس والوقت، في حين أن الحدس لا يحده أي زمن.

إذا نظرت إلى نفسك في العالم الخارجي (أي في مرآة الكثرة) سترى جمع مشتت من أشخاص وصور وأصوات كل منها يحيى حياة مختلفة تسلب النفس في تيّارات تقذفها عواصف الفكر بعيداً وربما لا ترجعها إلى شواطىء الأمان أبداً.

لأن النفس لا تُعاقَب، بل تُعتَقَل لأسباب الحياة وبُعدها عن قوارب النجاة، فلو أنها كانت تُعاقَب، لكانت حدود العقاب هي شاطىء نجاتها من الضياع والتيه، إنما اقتضى العدل الإلهي للنفس بعد أن توضّحت لها شروط آدميتها انعدام حدود ما تصنعه في مصيرها من خير وشر بنفسها لنفسها. 

وكيف للنفس الرجوع إلى شواطىء آدميتها؟

هذا لا يتحقق سوى لمن لامس الكمال في هذا العالم.

العاجزون عن الكمال لا يتصرفون من وحي الإدراك. فإنهم لا يغضبون مثلاً انطلاقاً من وعي مدرك يحثّهم على ذلك، بل لعجزهم عن تصوّر الوحدة الذاتية وراء الكثرة، يحكمون عادة السماح لواحدة من الصور والأصوات الخارجية المنفصلة من أن تظهر نفسها غضباً لتهيمن في حالات معينة، خاصة بدوافع التعب أو الانزعاج،

وأحياناً كثيرة لا يعون متى يبدأ كل هذا. والصراع الداخلي ما بين العادات المختلفة هو النتيجة الطبيعية المترتبة عن ذلك، وهذا ما يعرقل عمل الوحدة فيهم.

إن العادة التي تسَمّى غضباً قد تكون في صراع مع التمني في أن تبقى النفس تحت السيطرة والهدوء.

ولكن التمنّي الغير مدعّم بحكمة الصبر يصبح نزعة مثله كمثل نزعة الغضب، وكأنه محاولة غير مباشرة لإثبات فكرة،

وهاتان النزعتان تتصارعان من أجل استمرار وجودهما بالتنافس فيما بينهما على حساب سكون النفس واستقرارها، وارتباطهما بوجهات نظر محدودة يحول دون توصل النفس إلى حسم فعلي.

ثمة اختلاف كبير بين الإرادة القوية والإرادة الحرة. ليست الإرادة القوية إرادة بكامل معنى الكلمة بل إنها ظهور لنزعة نفسية متطورة بشكل غير طبيعي، أو بعبارة أخرى: رغبة.

تحقق الإرادة القوية الانتصار في صراع ما، لكن الإرادة الحرّة تبقى مسالمة في حصانة لا تقهر. الإرادة القوية هي انعكاس لرغبة فكرية منفصلة تماماً عن الذات، فيما الإرادة الحرة هي تجلّ لذات تتحد في تناغم مع وقائع التجربة ولا تطمح لإثبات قوّة المستقبل في الحاضر، بل تتجسّد بسعادة الحاضر.

لا تستطيع الإدراك أبداً من خلال الإرادة القوية، وكي تسمح للإرادة الحرة من أن تتجلى، فإنك تحتاج إلى وعي متكامل في الحاضر. وبعكس المعرفة المادية فإن الإدراك الكلي هو أبعد مما تتصور. وهو كالأفق المترامي الأطراف، لا يمكن تجزيئه إلى نظرات. لذلك عليك اتّخاذ موقع "الناظر في البعد والقرب" والمنتظر من دون الانتظار على قدر ما أوتي لك من إرادة لكي تتمكّن من تجديد نظرتك إلى الكل في الأجزاء من غير انقطاع.

فالإرادة القوية مثلاً قد تحكم على عمل ما أنه ينبغي القيام به وتقنعك بتنفيذه، وبمراقبتك تصرّفها هذا من موقع الناظر أو المدرك تستطيع مشاهدة ماهيّة ما يحدثه عملك هذا في الصورة النهائية التي تشاهدها فترفع أدوراك عن مستوى الفعل التصرّفي إلى مستوى الفعل الإدراكي، فتدرك حينذاك أن هذا العمل لا تتمنى حقاً القيام به، وبذلك تقلل من حدة الإصرار الذي يحدثه الحكم المتسرع في صورة كيانك التي هي واقعك ومهما لبِسَت الأشكال والتعدّدية الخارجية تبقى هذه الصورة صورة ذاتك أنت.

وهكذا تتصرف وفق إرادتك الحرة لأن إدراكك لم تعد تتحكم به أصوات العادة التي تثقله إزعاجاً.

كل منا يسعى لمستوى حياة افضل لكن الأكثرية مقيّدة بمحدودات الواقع المادي طالما بقي إدراكها مادياً وعاداتها متأصلة ومتجذرة في العمق.

إن التطور الداخلي الحقيقي للإنسان هو تطور روحي ينعكس تلقائياً على العالم المادي.

حينما نبدأ بمراقبة أفعالنا وعاداتنا نبدأ بإدراك الأشياء بوعي أكبر ونتيقن من هيمنة تلك العادات على حياتنا ولربما تمكنّا من الهرب من عبوديتها وبالتالي التوصل إلى الإدراك الذاتي المنشود.

قبل أن تحرز النفس إدراكها، يجب أن تحقق التناغم الداخلي وأن تنقي الأعين الشحمانية من كل الأوهام المحيقة بها.


حقيقة الـ قلم وحقيقة المكتوب على اللـ لوح

تسلق إلى أعلى الشجرة السامقة 

وامشِ على الغصن الذي تخشى أن ينكسر تحت وطأة ثقلك

دعه ينكسر

في طفولته يتصرّف الإنسان حدسياًً دون محاولة معرفة القوى التي تحرّكه أو تحرّك العالم من حوله.

وعند صباه يخسر الإنسان قوّة الحدس (العقل) شيئاً فشيئاً  فيفتّح عينيه على الأشكال والألوان والأحجام ليجد نفسه مدفوعاً بغريزة الفكر (أو النفس الحسّية) للبحث عن مصدر القوة التي تحكم عالمه المحسوس. 

وسرعان ما يصطدم في بحثه هذا بأشباح كبيرة توحي بأنها مصدر القوّة بدأً بالسلطات العائلية والاجتماعية مروراً بالسلطات الدينية ووصولاً للسلطات التي تحكم العالم اليوم بالاقتصاد والإعلام سلطات كلّها تدفعه لكي يصطنع تصوّر للقوّة خارج ذاته.

وحينما يلتفت إلى الوراء مستذكراً مراحل حياته، يدرك كيف تغيرت به الأحوال

دون أن يدري: لعل الأمور لم تجرِ كما خطط لها...

لعل ولعل...

لكنه قد يلاحظ أيضاً في التفاته هذا بعض الترابط بين الأحداث، غاية مرشدة إلى حد ما، غالباً ما تبدو وكأن جزءاً خفياً فيه يدفعه على استكشاف مساحة أخرى من الحياة بنظرة مختلفة، قد تكون مبدأ جديداً أو تحدياً في المحيط أو العمل...                                                            

وحينما يوجّه الإنسان إرادته لمعرفة ذلك الجزء الخفي يصطدم بأشباح صغيرة تهدّد كيانه من الداخل وبقوّة يصعب تحديد مصدرها وتمييز هويتها خصوصاً في ظل السيل الهائل من المعلومات التي تنشر يومياً عبر الإعلام في ما يسمّى عصر المعلوماتية، فيصبح أسيراً لسلطات وهمية، وهنا تكمن المعادلة الصعبة: إما تتحرّر نفسه أو تعاني من الصمود.

ومع استمرار سيطرة أشباح الفكر قد يتغلّب على الإنسان اليأس ويصبح التغيير لديه تجربة مرّة أو بالأحرى فكرة مخيفة وهنا تكمن أهمية الصبر على الفكرة واستمداد قوّة التمييز من الحكمة والاستدلال على الواقع من خلال مرافقة أهل الحكمة إلى أن تُستهلك حدود الفكرة وتظهر معالم العبرة في العالم المحسوس فتُزال الغمّة ويتحجّم الضرر.

لماذا العالم المحسوس؟ لأن سعادة النفوس لا تتحقّق إلا بإدراك المحسوس، وتحوّل اهتمام الأنسان الخطير من عالم الزمان والمكان شيئاً فشيئاً إلى "الواقع المفترض" الذي يدعو إليه الاقتصاد العالمي اليوم وتمهّد له التكنولوجيا المعلوماتية، وحصر تصوّر مفعول الإرادة الإنسانية ضمن حدود وهمية  دون التحقّق من مفعولها على الأرض يؤدّي في النهاية إلى مرض نفسي وتصوّر دائم للعجز وبالتالي إلى اليأس والقتل الروحي ...

إن القفز إلى هاوية مظلمة لأفضل مئة مرّة من تصوّر القفز.

كل العالم اليوم يتصوّر الإرادة ...

ولذلك قد تساوى العالم في طلبه لمعرفة سر "الحقيقة" أو "الحق" أو "الإله" سمّها ما شئت، ولكن لا يبلغ هكذا معرفة إلا مَن يستطيع القفز من هاوية تصوّراته لها.

إن عالم الفكر لا بداية له ولا نهاية ولا حد، ولذلك أوجبت الحاجة وجود عالم الزمان والمكان كمقياس، ولكن إرادة الإنسان اليوم شبه مغيّبة كلياً عن رؤية الصورة من المقياس، وبالمقابل هناك كم هائل من المعاني والمقاييس الوهمية يتداولها الفكر يومياً.

لذلك قد بلغ العالم نهاية النهايات بالتصوّرات واستغرق في طلبه لصورة "الإله" دون معرفة حقيقة "سر الإله في آدم وسر آدم في الإله" - استغرق في طلبه لصورة العظمة فتصوّرها على حساب أبسط القوانين الآدمية.

قد هوى الإنسان في بحر من الوهم لا نهاية لأمواجه، لأن واقع الواقع: لم يَظهَر في تاريخ الإنسانية ضعف الإنسان أكثر ممّا يظهر اليوم، وإن لم تكن لتصدّق ذلك انظر إلى الإهرامات وبقايا تاريخ مجد ضائع بين الصفحات.    

إن تعاقُب الأحداث اليوم يُشار إليه بلوح القدر، ولا يملك مفتاح القدر إلا من يعرف حقيقة القلم وحقيقة المكتوب على اللوح- حقيقة الدال والدليل والمدلول.


أغلى عملة في الزمن

كي تكتشف أغلى عملة في العالم عليك أن تفهم أولاً المقتطفات التالية:

أكثر اللحظات أهمية في حياتي هي اللحظة الراهنة

وأكثر الأشخاص أهمية هو مَن يقف أمامي في هذه اللحظة

وأكثر الأفعال أهمية على الإطلاق هو المحبةتذكر أنك لست في هذه الحياة نتاج صدفة بل أنت موجود لغاية محددة، وقد أوتيت كل ما تملك من صفات ومواهب وميزات كي تضطلع على هذه الغاية، لذا خذ متسعاً من الوقت كي تستشعر ما في داخلك.

من أنت حقاً؟ وما هي إذاً قدراتك ومواهبك؟ ما الذي أردت القيام به من كل قلبك ولم تقدر عليه لعوائق عدة سببتها العقلية التقليدية؟ قم بهذا العمل، وتذكر أنك إذا كنت حقاً تعتزم القيام به فالعالم بأكمله سيتآمر ليحقّق لك ذلك.

لا تساوم على روحك، ليس هناك ما تخسره، بل  ثمة ما تفوز به. إن الممتلكات المادية كانت وستبقى دوماً ضرباً من الوهم، نتركها وراءنا حينما نرحل، إبدأ بما يجدي نفعاً لك، ولفكرك ومشاعرك وكيانك. افعل ما تحسن أداءه وما يجعلك أكثر سعادة، فتخدم ذاتك والإنسانية كثيراً. ابدأ بأن تكون ما أنت حقاً عليه بدل أن تكون ما يريده الآخرون.

أنت جزأ من الخلق، لم تنفصل عنه يوماً بل أنت في حالة خلق يومي. إنك   مسؤول عن قدرك فكن متنبهاً لهذه الحقيقة وابدأ في اعتمادها، ليس ثمة من يستطيع القيام بذلك عنك "ساعد نفسك فيساعدك الله"، وحالما تساعد نفسك سوف تدرك أن الله ليس في أي مكان خارجاً عنك، بل هو في داخلك.

اذهب وتأمل نفسك في المرآة بعين ثاقبة.

إنك بحد ذاتك المساعدة التي طالما تطلعت إليها. ثق بنفسك، وجازف قليلاً إنما بالمجازفة تستطيع تعلم الثقة بالنفس .

إذا رغبت في المحبة والسعادة، امنحهما للغير وستكون النتيجة انعكاسهما حتماً عليك. لأن العالم بأسره هو في داخلك، وما تصنعه في الخارج هو انعكاس لما يوجَد في الداخل، وما أجمل أن يرى الإنسان صورة سعادته في سعادة الغير وما أعظم أن يرى الإنسان ما يكمن في داخله بالقوّة يتحقَّق في خارجه بالفعل

لا تتصرف جسدياً، لأن العمل الجسدي لا يظهر حقيقتك. تذكر أن الفعل يبدأ في عالم الفكر قبل تمظهره في عالم المادة، مرّن فكرك على اختيار الفعل المناسب قبل أن تمرن جسدك فتستجمع قوّة الحدس في داخلك كما تستجمع الشمس خيوطها استعداداً لفجر جديد.

اسأل نفسك:

هل هذه هي حقاً أفكاري، أم هي دخيلة عليَّ وعلى جوهري؟ إذا كانت الأفكار تنسل إلى كلمات لا تمثل رأيك، راقب كلماتك واسأل نفسك أيضاً: هل تعبر تلك الكلمات حقاً عن رأيي أنا؟ وإذا انسلت الكلمات إلى أفعال لا تعكس نواياك الحقيقية، راقب عاداتك واسأل نفسك: هل هذه هي حقاً أفعالي؟ وإذا أصبحت الأفعال عادات لا ترتاح إليها، راقب أفعالك واسأل نفسك: هل هذه هي حقاً عاداتي؟ إذا تحولت عاداتك هذه إلى ميزة شخصية لا ترضيك، راقب تلك الميزة واسأل نفسك: هل هذا حقاً أنا؟ إذا كانت النتيجة غير ما أردت، فاعلم أنك طالما تستطيع القيام بشيء حيال ذلك، (ولو بفكرة صغيرة)، فإنه لا يزال لديك الإرادة والفرصة كي تتحكم في قدرك. فاستعن بهذه الفرصة.

لا تخف عناء رقابة النفس، لأن هذه الرقابة هي مجرّد وسيلة وستصبح يوماً عادة، وترفعها هي أيضاً عن جوهرك فترى هذا الجوهر أمامك، فتنسى نفسك وإرادتك لتراه يتصرَّف عنك، فإرادته تصبح إرادتك. 


تنين العصور والأزمان ليس لوجوده مكان!

يحكم على نفسه بالعقاب، وهو ما زال ينتظر يوم الحساب

عالم الروح هو عالم العقل، وهو يسبق عالم المادة. لكن ليس هذا السبق سبق زمني بل سبق معنوي، فعالم المادة هو لعالم الروح كالصفة للموصوف، والموصوف يسبق الصفة سبق جوهري لا زمني.

عالم الفكر هو عالم النفس لا العقل، وهو يتوسّط عالم الروح وعالم المادة، لذا فهو صفة أقدم لعالم الروح من عالم المادة.

الفكرة تسبق المظهر والسلوك الخارجي للمادة، وإنما لا تُعرَف إلا من خلال هذا المظهر.

ولا يدرك المرء الخير أو الشر في الصورة المرئية والمسموعة في عالم المادة إلا بإدراكه المسبق للفكرة التي تعبِّر عنها هذه الصورة في عالم الروح، ولذلك فالعلم الحقيقي هو تذكّر وليس اكتساب.

الشر الروحاني يترك انطباعه في عالم النفس قبل تركه في عالم المادة، أي يفعل فعله في الفكر، وهو كالتيار المعاكس لتيّار العقل. النفس مائلة إلى الحالتين، والنفس العاقلة تتلقّى القوّة أو الإرادة من العقل للتغلُّب على الأفكار السالبة.

لذا فكل شر هو فكرياً وليس مادياً وينبغي أن تدخل فيه الإرادة قبل أن تنتفض له العضلات.

ليس هناك وجود مادي أو فعلي لـ التنين في عالمنا اليوم، فقد انسفل تأثير قوّة الشر بالصورة عصر بعد عصر، ودور بعد دور، إلى أن ضعف فاقتصر في عصرنا هذا على التوهيم أي على ما تنطوي عليه الصورة الإنسانية من مظاهر للوحشية.

وليس الإنسان اليوم على موعد مع مواجهة التنين. فقد يصطدم المرء مرة مع القدر فيموت ميتة واحدة، لكن بفكرة أنه قد يصطدم مع التنين يوماً يموت ألف مرة وهو على قيد الحياة. هذا هو الموت الحقيقي قتل الروح الدائم قي تجسيم الخوف الوهمي.

غالباً ما يجد المرء نفسه في ساعة المواجهة قادراً على عكس ما تصور ويكتشف أن ما قد تصوره يوماً شيئاً مخيفاً مرّ بسهولة.

إن عالم الزمان والمكان هو مسرح صراع الوجود والعدم. وبقدر ما يكون الإنسان على معرفة واتصال بالحكمة بقدر ما يتحكم بقدره على هذا المسرح. كل خير وشر قديم روي عنه في القصص والأساطير بات واضحاً للأعين الشحمية اليوم من خلال الأعمال الإنسانية.

لقد بنى الشر لنفسه وجوداً في الوهم مستشعراً لفراغ مدّة تأثيره في الواقع.

لذلك نتصور الشر وكأنه وحش موجودَ لا بد لنا يوماً نحن المخلوقات الضعيفة الصغيرة بأن نواجهه، ولا نعلم بأن في تصورنا هذا قد أطلنا فرصة الشر الأخيرة للبقاء، صنعنا للشر الوجود بعد أن زالت قوّته عن الوجود. ولكن الويل ثم الويل، فقد اقتضت القيامة الفردية وهو أصعب امتحان أن لا ينال الفرد على مسرح الوهم إلا صوراً تجسّد ما اعتاد أن يراه في تجربته السابقة تجربة الوحش والتنين والحية القديمة.

فلا أحد يواجه خطراً لم يتصوره من قبل. والنتيجة أنه بدلا من أن يستقرىء القارىء في وجوده في العالم المادي الاستقرار الذي منحه إياه هذا العالم كمنحة الاستيقاظ للطفل من بعد كابوس، فقد اختار نفي هذا الاستقرار وبمحض إرادته لكي يرى عوضاً عن حالة الوجود الحقيقية أشباح انعدام هذا الوجود. ولم يدرك بأنه يحكم على نفسه بالعقاب، وهو ما زال ينتظر يوم الحساب.

لا يمكن لأحد أن يمس الآخر بأي ضرر إلا بالتعرض أولاً إلى أفكار الآخر، فمن لا يفهم اللغة الفارسية مثلاً لا يفهم ما يقال ضده بالفارسية بالتالي لا يتأثر بما يقال، وكذلك من يمرن عقله على تمييز لغة الشر في الفكر وتحجيم تأثيرها لن يتأثر بالمظاهر الخارجية التي تهدف إلى تحجيمه وتخويفه.

ولأن الأغلبية من الناس لم تتعود على أخذ العالم الروحي على محمل الجد يجدوا صعوبة في استعمال هذا العالم كدرع واقية بين ما يسمى بالـ أنا وبين ما يتعرض له الجسد في العالم المادي. فهم فقط يستعملون الفكر كأداة تتنبه فقط عندما تلسعهم المادة. والبعض يلجأ إلى قتل الجسد هرباً من واقعه المادياعتقاداً منه بأنه  بذلك سيتحرر من الشر ليذهب إلى عالم روحي. وكأنه يضمن أنه سوف يتوقف عن التفكير حال موته.

في اصل المؤامرة

تنين العصور والأزمان ليس لوجوده مكان!

يحكم على نفسه بالعقاب، وهو ما زال ينتظر يوم الحساب

عالم الروح هو عالم العقل، وهو يسبق عالم المادة. لكن ليس هذا السبق سبق زمني بل سبق معنوي، فعالم المادة هو لعالم الروح كالصفة للموصوف، والموصوف يسبق الصفة سبق جوهري لا زمني.

عالم الفكر هو عالم النفس لا العقل، وهو يتوسّط عالم الروح وعالم المادة، لذا فهو صفة أقدم لعالم الروح من عالم المادة.

الفكرة تسبق المظهر والسلوك الخارجي للمادة، وإنما لا تُعرَف إلا من خلال هذا المظهر.

ولا يدرك المرء الخير أو الشر في الصورة المرئية والمسموعة في عالم المادة إلا بإدراكه المسبق للفكرة التي تعبِّر عنها هذه الصورة في عالم الروح، ولذلك فالعلم الحقيقي هو تذكّر وليس اكتساب.

الشر الروحاني يترك انطباعه في عالم النفس قبل تركه في عالم المادة، أي يفعل فعله في الفكر، وهو كالتيار المعاكس لتيّار العقل. النفس مائلة إلى الحالتين، والنفس العاقلة تتلقّى القوّة أو الإرادة من العقل للتغلُّب على الأفكار السالبة.

لذا فكل شر هو فكرياً وليس مادياً وينبغي أن تدخل فيه الإرادة قبل أن تنتفض له العضلات.

ليس هناك وجود مادي أو فعلي لـ التنين في عالمنا اليوم، فقد انسفل تأثير قوّة الشر بالصورة عصر بعد عصر، ودور بعد دور، إلى أن ضعف فاقتصر في عصرنا هذا على التوهيم أي على ما تنطوي عليه الصورة الإنسانية من مظاهر للوحشية.

وليس الإنسان اليوم على موعد مع مواجهة التنين. فقد يصطدم المرء مرة مع القدر فيموت ميتة واحدة، لكن بفكرة أنه قد يصطدم مع التنين يوماً يموت ألف مرة وهو على قيد الحياة. هذا هو الموت الحقيقي قتل الروح الدائم قي تجسيم الخوف الوهمي.

غالباً ما يجد المرء نفسه في ساعة المواجهة قادراً على عكس ما تصور ويكتشف أن ما قد تصوره يوماً شيئاً مخيفاً مرّ بسهولة.

إن عالم الزمان والمكان هو مسرح صراع الوجود والعدم. وبقدر ما يكون الإنسان على معرفة واتصال بالحكمة بقدر ما يتحكم بقدره على هذا المسرح. كل خير وشر قديم روي عنه في القصص والأساطير بات واضحاً للأعين الشحمية اليوم من خلال الأعمال الإنسانية.

لقد بنى الشر لنفسه وجوداً في الوهم مستشعراً لفراغ مدّة تأثيره في الواقع.

لذلك نتصور الشر وكأنه وحش موجودَ لا بد لنا يوماً نحن المخلوقات الضعيفة الصغيرة بأن نواجهه، ولا نعلم بأن في تصورنا هذا قد أطلنا فرصة الشر الأخيرة للبقاء، صنعنا للشر الوجود بعد أن زالت قوّته عن الوجود. ولكن الويل ثم الويل، فقد اقتضت القيامة الفردية وهو أصعب امتحان أن لا ينال الفرد على مسرح الوهم إلا صوراً تجسّد ما اعتاد أن يراه في تجربته السابقة تجربة الوحش والتنين والحية القديمة.

فلا أحد يواجه خطراً لم يتصوره من قبل. والنتيجة أنه بدلا من أن يستقرىء القارىء في وجوده في العالم المادي الاستقرار الذي منحه إياه هذا العالم كمنحة الاستيقاظ للطفل من بعد كابوس، فقد اختار نفي هذا الاستقرار وبمحض إرادته لكي يرى عوضاً عن حالة الوجود الحقيقية أشباح انعدام هذا الوجود. ولم يدرك بأنه يحكم على نفسه بالعقاب، وهو ما زال ينتظر يوم الحساب.

لا يمكن لأحد أن يمس الآخر بأي ضرر إلا بالتعرض أولاً إلى أفكار الآخر، فمن لا يفهم اللغة الفارسية مثلاً لا يفهم ما يقال ضده بالفارسية بالتالي لا يتأثر بما يقال، وكذلك من يمرن عقله على تمييز لغة الشر في الفكر وتحجيم تأثيرها لن يتأثر بالمظاهر الخارجية التي تهدف إلى تحجيمه وتخويفه.

ولأن الأغلبية من الناس لم تتعود على أخذ العالم الروحي على محمل الجد يجدوا صعوبة في استعمال هذا العالم كدرع واقية بين ما يسمى بالـ أنا وبين ما يتعرض له الجسد في العالم المادي. فهم فقط يستعملون الفكر كأداة تتنبه فقط عندما تلسعهم المادة. والبعض يلجأ إلى قتل الجسد هرباً من واقعه المادياعتقاداً منه بأنه  بذلك سيتحرر من الشر ليذهب إلى عالم روحي. وكأنه يضمن أنه سوف يتوقف عن التفكير حال موته.


ما وراء نظرية المؤامرة

ماذا يحدث في العالم، وكيف وصلت الأمور إلى الحالة التي هي عليها؟ كيف لك أن تكوّن صورة صحيّة عن العالم في ظل العولمة وأصداء أجراسها التي تستهدف أذنيك من كل حدب وصوب؟

بادئ ذي بدء يجب أن تدرك أن الوقائع التي تروّجها وسائل الإعلام هي مجموعة صور وأصوات مركّبة، إذا واظبت حواسك على الركون لها، سينتهي بك الأمر بنظرة مشوهة ومظلمة للعالم حيث لن يتبقى فيه فسحة للأمل.

حينما شرعت بتعقب العوامل التاريخية وتفسير أحداث اليوم، اكتشفت لغة في الأحداث المتعاقبة مختلفة تماماً عما تدّعيه الروايات الرسمية. بدأت أرى أن الحقيقة الجماعية التي تصدرها البيانات الرسمية وتضخّمها وسائل الإعلام لا يربطها بالواقع الحقيقي سوى خيط رفيع. لذا أصبحتُ مبدئياً ضحية "نظرية المؤامرة" وأخذتُ أبحث ما وراء العناوين العريضة، وانطلقت متعقباً جذور تلك القوى الخفية في التاريخ التي ظننت أنها تخطط لمؤامرة تدوم ما بقي الزمان.

فتسلسل بي التعقُّب في التاريخ إلى الأديان وإلى مدارس اليونان فرأيت الحية القديمة والتنين، والملائكة والشياطين، حتى وصلت اخيراً إلى شبح صغير فنظرت إليه ملياً فرأيت نفسي. رأيت نفسي مثقلة بالأزمان الماضية وحصرها وخائفة من الأزمان القادمة. فأدركت أن مؤامرة بهذا الحجم لا يمكن أن ينسجها إلا الإنسان ضد نفسه، وايقنت أن لغة التآمر الأقدم تكمن في النفس. فتوصّلت للقناعة بأن أخطر مؤامرة هي سلس الانقياد إلى نظرية المؤامرة، وأخطر اعتقاد هو رهن مصير  النفس وخلاصها بالأحداث الخارجية.

أجل أيقنت بأن العالم الخارجي بكل ما فيه من أحداث يخضع لإطار المنظار الذي يرى من خلاله الإنسان نفسه، فكيف ينظر بعد ذلك الإنسان إلى الأحداث وهو المُحدِث لها. هل رأيت يوماً إطاراً يجذب رؤيتك بعيداً عن الصورة التي في داخله؟

هل اختبرت يوماً إرادة تمنعك من اختبار قوتها الإنجازية؟ يا لها من بصائر ما أعماها ويا لها من نفوس قد عدمت هداها.


المتآمر الأكبر هو أنت

هل تريد أن تكتشف جذور المؤامرة في التاريخ؟ اذهب وأنظر في المرآة.

هل تريد أن تعرف ما الخطأ في العالم من حولك؟ اذهب وانظر في المرآة.

لا ..المشكلة لم تبدأ قبل زمانك! لأنك أقدم من أي زمان أو مكان، ولا داعي لإثبات القدرة الدائمة بتبدّل الأجساد لتلك الأرواح السرمدية.

أنت أعتق من أقدم المؤامرات على الأرض.

أنظر من حولك، فـ "لا جديد تحت الشمس". كل ما تراه أو تسمعه هو انعكاس لأفكار أنت شاركت في بقائها. كل ما تراه أو تسمعه هو ما اختارت نفسك أن ترى أو تسمع منذ بدء التكوين عندما ناداها ربّها فنظرت إليه.

هي هي تلك النظرة سبب وجودك أمس واليوم وغداً.

آمن إذاً حينما تسمع قصص حكماء وأنبياء سمعوا النداء من مكان قريب، من ذاتهم، فطلبوا معرفة سر الناظر في النظر والسامع في السمع فتجلّى لهم الرب في عالمهم، فسُلبوا النظر إلى أي شيء سواه، وانفصل مصيرهم عن مصيرك، ولا يمكنك أن ترى بعد الآن ما يروه في العالم أو تسمع ما يسمعوه، رغم أنهم لا يزالون هنا على الأرض.

وتذكّر دوماً أن ما يحول بينك وبين الجنة التي طالما حلمت بها سور بنيته أنت بأفكارك.

المؤامرة ليست جزءاً من أي دين أو عرق أو حزب أو شعب أو منظّمة، المؤامرة هي جزء منك أنت. نفسك هي التي اختارت أن تنسى ذاتها لتتكلّم لغة الأديان والأحزاب والشعوب والمنظّمات.

شخصك اختار النضال من أجل قضية غريبة عن ذاتك، لذلك ترضى برؤية الألم والمعاناة على وجه غيرك، ولا تدرك بأن كل ما ترى وما لا ترى هو انعكاس لذاتك.

أنت عبد لعاداتك. أنت شخصية تلعب دوراً في قصة لا تعبر عن ذاتك. أنت تعرف هذا جيداً. لذا، قد أصبحت المتآمر الأكبر في تاريخ الوجود، ولا حتى "حكماء صهيون" يستطيعون منافسة المؤامرة التي أحكتها أنت ضد نفسك.


"سيأتي الكثير يتسمّى بإسمي..."

سِمَة الوحش والنبي الكذّاب الذي ذكرها القدّيس يوحنا تظهر معالمها على وجوه الشخصيات في العالم اليوم

وقد حذّر السيد المسيح العالم من الانشغال بشخصية "المسيح" عن النور الذي أتى المسيح من أجله

عالم يغرق بالصورة

نقض العالم وعده للسيد المسيح، فلم تشبكه صورة المحبة التي تجلّت على وجه السيد المسيح، بل عوضاً شبكته صورة العظمة التي تجلّت بمعجزات السيد المسيح...

أما اليوم وأكثر من أي زمن مضى، لا يقتصر غرق العالم على الجموح في طلب المال والشهرة والسلطة، بل أيضاً على الاستغراق في طلب الماورائيات تحت وقع تأثير المرئي والمسموع على الخيال، وهو النوع الأخطر لأنه سيف ذو حدّين: إما يرفع بطالبه إلى الأسمى أو يطيح به إلى الأسفل

وقد اقتضت القيامة الكبرى للأنفس بعد رحلة الأكوار والأدوار عودتها إلى عنصرها الأقدم: فما لطف إلى عالم العقل يرقى، وما كثف في عالم الجهل يشقى...

"فمبارك مَن له نصيب في القيامة الأولى، فليس للموت الثاني عليه بسلطان..."

"أصحاب المنازل":

يحاول البعض من المتصوّفين أو الروحانيين أن يرفعوا من شأن مسلكهم الروحي اعتماداً على طريقة محدّدة مقياسها قدرتهم على تحمُّل العذاب الجسدي أو الاستغراق في رؤية من العالم الآخر. وفي محاولتهم هذه غالباً ما يعتمدون أساليب منوّعة من السيطرة على الجسد والفكر.

قد تحقّق هذه التقنيات بعض التغيّرات العقلية والنفسانية وتحدث تجارب غير عادية، كالرؤى، وسماع الأصوات الداخلية، وقد يميل الكثير من الناس إلى الاعتقاد بأن صاحبها ذو منزلة عالية من الخير أو "مؤيد" (أي يعمل بهداية الله)، إلا أن السؤال يبقى: ما علاقة هذه القدرات بـ "المحبة الإلهية" أو

بـ"منطق التصوّف الحقيقي" المبني على الشوق إلى الله؟

المسيحية القديمة، والنظرة الثاقبة في الأمور:

نجد في ملاحظات الفلاسفة والحكماء الذين حلّلوا هذه التجارب الروحانية وقيّموها توافُق على الرغم من اختلاف العصور والأزمنة التي أتوا فيها. وإحدى الفِرَق التي عالجت هذه المشاكل بلا شك هي الغنوصية القديمة.

وبتفحّصنا لآراء عديدة لديها حول النمو والإدراك الغير عادي نكتشف منظوراً واضحاً للمشاكل الأساسية التي تعترض المتصوفين أو الروحانيين أو حتى رجال الدين الذين يقيسون نجاحهم أو "تقدّمهم الروحي" على أساس تمتّعهم بالقدرات.

ميّز الغنّصوين القدامى بشكل دقيق ما بين التطوّر الروحي الحقيقي والظواهر والمواهب أو القوى التي غالباً ما قد ترافق هذا التطوّر. فهذه الظواهر في أغلب الأحيان يُساء فهمها أو استعمالها،

ولهذا ركّزت الحكمة الغنوصية على "المعرفة" كمقياس لأهمية هذه الظواهر. ما هي القيمة المعرفية في أن يتربّع رجل يوغي في الهواء أو أن يعاني رجل متصوّف من خشونة ثيابه أو أن يتنبأ رجل روحاني بناءً على رؤية بما سيحدث في المستقبل؟

قد تُظهِر هذه القدرات كرامات لأصحابها وهي إيجابية للغير على قدر ما تبعث فيهم الرغبة في طلب المعرفة، وليس على قدر ما تدفعهم إلى المزيد من الدوغماتية والتعلُّق بأصحاب القدرات لأن الإنسان مهما علا شأنه هو وفقاً لأبسط قوانين الدين أداة تحرِّكها القدرة الإلهية.

المحبة والمعرفة وليس الارتفاع عن الأرض:

بنظر الغنوصيين العنصر الأساسي لهذا الانبعاث الروحي هو "محبة الله" وقد تدفع هذه المحبة بالبعض إلى الوصول إلى درجات عالية من القدرات وهذه القدرات هي في الوقت عينه امتحان، وفقط الذي يتجرَّد من الأنانية يمكنه تخطي المراحل المتعدّدة لهذا الامتحان بأمان، وإلا أصبحت هذه القدرات هي الحاجز الأساسي الذي يمنع الطالب من الوصول إلى الهدف الحقيقي وهو التوحُّد مع "الله" عبر المحبة المبنية على المعرفة.

إن الشوق للقداسة على حد تعبير الحكمة المسيحية هو الدافع وراء التغيير وليس الأشياء التي تتأتّى للإنسان عبر هذا الشوق، ولكن مفتاح التغيير هذا غالباً ما يتم تجاهله في سعي المتديّن للتقدّم الروحي السعي الذي يجسّد طمع ينقله الإنسان من الحقل المادي إلى العالم الروحي.

وكما يقول السيد المسيح في عبارات كالآتية:

"كثير هم المدعوون وقليل هم المختارون"

"تالله لهم في هذه الجزيرة قليلو العدد منقطعو الأصل والمدد."

كما وأكّد السيد المسيح أن هذه الظواهر سيكثر استغلالها في قوله: "سيأتي الكثير يتسمّى بإسمي"

وأشار إلى أن ما يميِّز نهج المسيح الحق عن المسحاء الدجّالين أو المدّعين هو عنصر "الشجاعة في الوقوف مع الحق": "إعرفوا الحق والحق يحرّركم..." و "المحبة" و "الصبر" وليس القدرة على التنبؤ بالمستقبل أو فعل المعجزات.

زمن خداع النفس:

وفقاً للحكمة الغنوصية إن المسلك الحقيقي للنمو الداخلي يوصف على أنه سبيل النفس حتى تصبح رفيقاً ملازماً للمقدّس التي تسعى إلى التوحّد معه. وهذا المسلك يقتضي "فطم" النفس عن رغبتها لكل الأشكال والصور المادية منها والروحية لتتخطّى عقبة "الحجاب" وتتمكَّن من الاتّحاد مع طبيعة "المحجوب" لأن قيمة الصورة تكمن في مصوّرها ولا تتم هكذا معرفة إلا بالتحرّر والانعتاق من كافة القيود المادية منها أو الفكرية.

لقد أكّد الغنوصيون أن الطبيعة المادية لبعض الرؤى تضلّل الباحث إذ يلتفت إليها بعيداً عن الله لتعيده إلى عالم الحواس مستغلّة غروره الروحي، وعاقبتها قد تكون الوهم والتضليل.

فخداع الباحثين لأنفسهم وللغير شائع جداً ومنذ قرون وأزمنة عدّة إلا أنه قد يبلغ أوجه في أيامنا هذه. وبهذا الصدد يصف الحديث القدسي هذا الوقت بأنه الزمن الذي

"يفر فيه المؤمن بإيمانه من داعٍ إلى آخر وأي داعٍ سادق في هذا الوقت."

وفي إشارة إلى عدد من التقارير حول أصوات خارقة للطبيعة سُجّلت في عصور خلت، يقول أحد الغنوصيين: " إنني مرعوب ممّا يحدث هذه الأيام تحديداً، عندما تعي بعض النفوس، بتجارب تأمّل قليلة، لأصوات هاتفة من هذا النوع في حالة من التذكّر، ويجزمون حالاً أنها تأتي من الله، مفترضين ذلك حقاً قائلين "قال لي الله" أو "جاوبني النبي" وهي ليست كذلك أبداً، لكنها وكما قلنا في مجملها، ما يقولون هم لأنفسهم، ويأتي فوق هذا كله، الرغبة لدى البعض لأصوات كهذه، والمتعة التي تتأتّى للنفس عبرها تجعلهم يختلقون أجوبة لهم ومن ثم يظنون أن الله يجيبهم ويتكلّم معهم"

إن ميلنا للاعتقاد بما نتمناه قد يدفعنا أحياناً لاعتبار انطباعات غير علوية على أنها ذات جدوى روحية لأنها تتطابق مع آرائنا ومفاهيمنا، ولذلك على طالب المعرفة أن يدرس شخصية المصدر وآراءه قبل الاستماع إليه لأن بناء الشخصية التوحيدية هي مهمة أصعب بكثير من ممارسة التأمّل أو أساليب التأثير على الغير. لأننا بطبيعتنا ميّالون لأخذ أية علامة ندركها حرفياً وبعبارات آنية، غالباً ما نسيء فهمها ونصل إلى نتائج غير صحيحة. ولهذا السبب يجب أن نتفحّص معاني ومضمون تلك الظواهر بعناية وموضوعية إذا ما أردنا تفادي التضليل. وفي هذه الحالة وحده منطق الحكماء والفلاسفة التوحيديين وعقائد الحكمة الغنوصية المقدسة يساعدنا.

اللعب على ورقة "المستقبل" لاستعبادك في الحاضر:

الكثير من الأحيان يحاول ذوو القدرات التأثير علينا بشكل أو بآخر ولأغراض ليست بالشرط مادية، ويأتي هذا التأثير بالإيحاء عبر ربط شخصيتهم بالمصدر الذي يمثِّلونه وهو غالبا حسب ادّعاءاتهم "الله" أو "الأنبياء" على الرغم من تظاهرهم بالتصوّف والتواضع، بحيث أننا قد نجد أنفسنا مهدّدين داخلياً إذا خالفناهم من غضب ما نجهله. وهذا مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن القوة الإلهية غضوبة وعشوائية وتتطلّب منّا الطاعة لهم من أجل أمور نحن نجهلها حالياً. ويلعب هؤلاء على ورقة "المستقبل" لينالوا طاعتنا في الحاضر، إذ يتركوننا في حالة تربّص دائماً لما سوف يحدث في الوقت الذي يسلبوننا حاضرنا. وفي هذا الصدد لا علينا إلا الرجوع إلى المنطق المدعّم بتعاليم الحكمة الغنوصية التي أوضحت لنا أن عدونا الأساسي هو "الجهل" و"الخوف" وإذا أوقعنا أحدهم في إحدى هاتين الحالتين لا يمكن أن يكون مبعوثاً من الله أو ممثلاً لتعاليم أنبيائه وناهيك عن تحذير الأنبياء من هذا الوقت لكثرة المدّعين.

ليس الفضل بغياب الشيء:

وفي منظور الحكمة الغنوصية ليس الوهم وحده هو الإعاقة الكبرى التي تسببها تلك الظواهر. فأكثر تدميراً للرقي الداخلي هو الميل لتطوير مواهب كهذه، وعلامات كهذه، رغم أنها غالباً ما تكون مبهجة ومشجّعة، فهي ليست طريقاً نحو تطوّر أكبر، ومعظم الناس لا يتقدمون ما وراء المرحلة الظواهرية نتيجة استغراقهم بها. وفي هذا الصدد يشير أحد الغنوصيين القدماء إلى أن أصحاب "النهم الروحي" المفرطين والمنهمكين بظواهر النفس الحسية ينحرفون تائهين شأنهم شأن المستغرقين في الملذات الجسدية. ولهذا حذّر الغنوصيين الباحثين من هذه الظواهر بغض النظر عن مصدرها، ونصحوا بالمقابل على تطوير المفاهيم التأمّلية من دون تصنّع وعبر حياتهم العادية اليومية.

ففي المنظور الغنوصي، ليس غياب الشيء هو المهم بل غياب الرغبة بهذا الشيء ولذلك لا داعي للانعزال والتقوقع والتصوّف المزيّف، بل الأجدر مواجهة الرغبات والتغلّب عليها شيئاً فشيئاً عبر المعرفة والتجربة.

فلسفة الحياة أم مسلك الموت؟:

ولهذه الأسباب تميّزت الفلسفة الإغريقية عن الفلسفات المبنيّة على التأمّل والتعاليم اليوغيّة. ففيما تدعو الفلسفة الإغريقية المتمثّلة بتعاليم أفلاطون وأرسطوطاليس وأفلوطين إلى الارتقاء عبر تحقيق التوازن والاعتدال بين العالم الجسدي والعالم الروحي وعدم الإفراط في طلب أي من العالمَيْن، تدعو فلسفات اليوغا إجمالاً إلى التنظيم الفكري كمسلك على حساب الارتباط بالواقع المادي معتبرة هذا الواقع نوع وهم أو "مايا." وبذلك تكون الفلسفة الإغريقية متميّزة عن فلسفات الشرق باستيعابها للمشاكل المتمثّلة في رغبات النفس وطرحها حلول عملية ومنطقية لا تستوجب التطرّف إلى أيّ مسلك قد يصبح بسهولة عائقاً أمام أي رقي، فسقراط كانت حياته بأكملها هي مسلكه ولم يوفر أو يؤجل تساؤلاته الحاضرة إلى حالة من الغيبوبة أو إلى انتقاله إلى عالم آخر بل اعتبر الأسئلة بعينها تعبيراً عن حالة الوجود التي تقتضي وجوده في ذلك الجسد والروح والزمان والمكان وذلك هو قمة الرضى والتسليم ونهاية العلم والتعليم.

وحش ذو سبعة رؤوس:

"مَن كان صحيح اليقين قوي الحجج في الدين أطفأ نار الضد بماء الحقائد..."

شبّه القديس يوحنا اليقظة الروحية لسلسلة من المعارك إحداها هي الوقوف عند التطوّر الروحي كمسلك، وجسّد هذا التشبيه كوحش ذي سبعة رؤوس، "فبعض الذين انخرطوا في هذه المعركة الروحية ضد الوحش لا يحطّمون حتى رأسه الأول بعد نكرانهم للذات وللملذّات الحسية، ومع ذلك، بعضهم يدمّر ذلك الرأس ويقطعه، لكنه لا يحطم الرأس الثاني الذي يمثّل رؤى الحواس، وما يثير الأسف الشديد هو أن بعضهم بعد أن يحطم الرأس الأول والثاني وحتى الثالث الذي يمثّل الحواس الداخلية ليتجاوز حدود التأمّل ويسافر متقدّماً، ينهزم أمام هذا الوحش الروحي في لحظة ولوجه حالة النقاء الروحي، إذ أن الوحش ينهض من جديد ويعود إلى الحياة،

فتصبح حالته أكثر سوءاً من البداية"

ولذلك تقول إحدى النصوص الغنوصية: "لا تستخفوا ولا ترفعوا من شأن الظواهر الخارقة، بل دعوا التلامذة يدركون مدى أهمية العمل الإرادي في الخير والإحسان عند الله بالمقارنة مع كل تلك الرؤى والاتّصالات التي قد يتلقونها من السماء."


فرّيسيي الأديان

ذئاب مموّهة بلباس الحملان

ويل لأمم قد عَدِمَت تبيانها إذ جعلت دليلها عميانها

ما الذي يميّز بعض رجال الدين اليوم عن المنظمات الفولكلورية التي تحاول دغدغة عواطف الناس ومشاعرهم وتمثّل الدور المضحك في الحياة؟

ألم ترتبط معظم الأنظمة الدينية عبر التاريخ ومنذ قرون عدّة بالعنف والتعصّب الأعمى المولّد للكره والحقد؟

هل هذا هو ما دعا إليه الأنبياء والرُسُل؟

آه من خطورة الاعتماد على الحكم الذاتي في المسائل الدينية،

إنه لشيء يدعو للخوف،

ولكن أن يُحتَكَر الدين من قِبَل قلة يعتبرون أنفسهم يملكون مفاتيح الحكم على الأعمال الصالحة أو الطالحة، إنه لشيء يدعو للرعب. 

وأيّ إرعاب للنفس هذا: محاولة إقصاء الإنسان عن معرفة هوية "الذات اللطيفة في ذاته" وتحويل نظره ومصيره عوضاً إلى حكام الأرض لاستمداد هويته من نار خلافاتهم وضلالاتهم.

أليس هذا هو بالضبط ما يلجأ إليه كل يائس من رحمة الله لدى هروبه من قوانين وسُنَن فرّيسيي الأديان التي احتكرت مفاتيح الجنّة ولم تدخل ولا سمحت لأحد بالدخول؟

أحقاً أن أساس الدين مبني على صدق الإيمان وماذا يعني هذا الصدق؟

أيعني ميثاق يحكم شهادة الإنسان أمام الغير أم ميثاق يحكم شهادته أمام نفسه؟ وألا يتطلّب هكذا ميثاق معرفة النفس والبحث الصادق عن العلل والأسباب وراء تحرّكاتها وأغراضها وأغراض الواجد من وجودها؟

هل نجحت التجربة الدينية في منح الإنسان جو ملائم لهكذا استقصاء؟

أليس مبدأ "الخطيئة" هو الرقم الصعب الذي يراهن عليه القيّمون على الأديان لضمان رجوع المستقصي إليهم؟ أليس هذا حُكم على الاستقصاء قبل ولادته؟

ألا يتناقض مبدأ الخطيئة مع منطق "اللوغوس" أو "العقل" الذي أبدعه الخالق كعلّة العلل وسبب الأسباب ومبدأ الأشياء ومستقرّها والذي بمعرفته تُكشَف أسباب الخطيئة وتُمحى شروطها عن الإنسان؟ أليست هذه الجنّة الحقيقية من أجلها فاليعمل العاملون وعليها فاليبكي الباكون؟

أين هي تلك الجنة التي يتكلّمون عنها؟

فها هو العالم اليوم واقع في المغصّة وقد تقطّعت به السُبُل والأسباب.

مستغرق في صورة "العظمة" ناسياً أبسط تعاليم الأنبياء، ها هم معظم رجال الدين غارقين في لعب الدور الذي نهى عنه السيد المسيح - دور المسيح المخلّص وكم نهى المسيح عن الانشغال بالأبن عن الأب وكم قال:"احذروا من شخصية عدو المسيح..." "مَن عرف الأب فقَدْ أنصف من نفسه ومَن توقّف عند عظمة الإبن منشغلاً بدور المخلّص عن معنى وحقيقة الخلاص فقد طلب الرئاسة لنفسه، ومَن عَرَف الفرق بين الأب والإبن زالت عنه الأمراض الدينية الحقيقة التي منها تكون الموتة الأبدية..." "فالتكن نيّاتكم خلاص أرواحكم تُقضَى حوائجكم..."

وها هم رؤساء وكبراء عالم اليوم على كراسي العظمة يمثّلون دور المسيح في مختلف تعدّد دياناتهم، ما زالوا يتكلّمون بألسنتهم عن السلام والخلاص بنبرة "البطل المخلّص" ريثما يشهدون على دمار الأرض والإنسان وكأنهم يملكون سحر ما سيمارسونه في لحظة القيامة وفي آخر المطاف للاختفاء والهروب من المصير الذي صنعوه لأنفسهم عندما تشتد عليهم الحروب والمحن أو كأنهم سيُكافأون على تحطيم الرقم القياسي في لعبة الانتظار حتى يأتي الخلاص من السماء.

أين هي تلك السماء وأين هو ذلك الخلاص في هذا الدور الذي يلعبونه؟

كيف يمكن للإنسان أن يقع في حب المجهول ويسعى من أجله جاهداً ريثما يشهد على دمار أبسط قوانين خلاصه كمخلوق يأكل ويشرب ويتنفّس هنا على هذه الأرض المثقلة بحروبه ومآسيه؟

هل سيأتي على إنسان الأديان يومٌ يتجرّد فيه من آدميته أو سيمتلك سحر الاختفاء عن وجه الأرض؟ أين له المفر من قانون الموت والولادة؟

أهكذا يقتضي الدين أن يتكبر الإنسان على شروط وأسباب وجوده وكيانه؟


العقل الأخير

 كذب الأبالسة والطغاة الذين صنعوا هوّة بين الروح والجسد، الدين والدنيا، العقل والقلب

أي تقدّم ملحوظ نحو تعريف ارقى لماهية العقل مهما أتى بموضوعية يبقى ردّة فعل للحرب التاريخية التي فرضها أبالسة  وطُغاة الأدوار بين العقل والدين.

ففي الوقت الذي سقطت فيه القيود التي كَبّلت بها الشرائع الدينية أطراف العلم لينطلق العلم بحرية لاكتشاف أسرار الوجود، انشغل العلم بالانتقام من الدين، وبالمقابل ردّة فعل الدين على العلم جعلته يتتطرّف في نظرته المادية تجاه الإنسان والطبيعة.

ثمة فرق شاسع بين الآراء التقليدية حول العقل وتلك المعروفة توحيدياً. فأصحاب النظرة التقليدية يعتبرون العقل تسمية لوظيفة الدماغ. وقد تم تكريس قسطاً كبيراً من الاهتمام في تشخيص بعض الوظائف الدماغية، لكن ثمة غياب تام لكل المصطلحات التي تصف الوقائع الروحية والماورائية الحقيقية للعقل.

ونظرة العلم اليوم للـ"عقل" وما يدّعيه العلماء في هذا الحقل باسم التطوّر ما هو إلا وجه من وجوه العقائد الدوغمائية التي فرضت لقرون عدة آراء متحجّرة حول طبيعة الإنسان ودوره في الوجود؛ كما وأي تقدّم ملحوظ نحو تعريف ارقى لماهية العقل مهما أتى بموضوعية يبقى ردّة فعل للحرب التاريخية التي فرضها أبالسة  وطُغاة الأدوار بين العقل والدين. ففي الوقت الذي سقطت فيه القيود التي كَبّلت بها الشرائع الدينية أطراف العلم لينطلق العلم بحرية لاكتشاف أسرار الوجود، انشغل العلم بالانتقام من الدين، وبالمقابل ردّة فعل الدين على العلم جعلته يتتطرّف في نظرته المادية تجاه الإنسان والطبيعة.  وانطلاقاً من هذه الجدلية بين العلم والدين، لم يتم للعالم اكتساب الخلفية المناسبة لتقبّل واستيعاب الحقائق التوحيدية الخاصة بالعقل الأرفع والتي تجعل من الإنسان آدمياً بكل ما للكلمة من معنى، روحاً وجسداً.

العقل في المفهوم التوحيدي هو أقرب ما يمكن وصفه بـ"الروح". وكون الإنسان يتمتع بدماغ أفضل وأكثر مقدرة من أدمغة الحيوان هو شيء لا يمكن معرفته إلا من خلال ما تعبّر عنه الصورة الآدمية من روح.  فتشريح الدماغ لا يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف رقي الإنسان أو معرفة ماهية "العقل" لأنه عمل يفتقد إلى العنصر الخامس، وهو إدراك الإنسان لذاته أو ما يُعرَف بالـ "حدس الإلهي داخل الإنسان"  إدراك الإنسان للمعاني المتجلّية بصورته الآدمية.

مَن وهب لنا العقل، وما هو مصدره، وما هي ماهيته؟ إن العقل في المفهوم التوحيدي هو الصلة بين ملكوت السموات وملكوت الأرض، بين ما هو إلهي في الإنسان وما هو أرضي. ومثال تجلّي نور العقل الكلّي بين البشر هو كانعكاس نور الشمس على الأشياء المرئية، ولبساطة النور غالباً ما ينشغل الناظر إلى الأشياء عنه بظله وينسى أن بدونه لا وجود للنظر أصلاً.

وحدهم أبناء النور ينعمون بمعرفة طبيعة العنصر الخامس (العقل الكلّي أو العقل الأخير) ويعرفون المعنى الحقيقي لتجلّي الصورة الإلهية في الصورة الآدمية أي لاتّحاد طبيعة الناظر بالنظر وظهور حقيقة المُبصِر في البصر.

إن العقل في كل منا ليس مجرّد أداة تفكير وحسب بل هو الكينونة الأزلية المتقمّصة التي تنقل معها معاني كل قيم ونتائج الحيوات المختلفة التي تعاقبت على الأرض؛ وهو يُقارَن روحياً بالذات الحدسية التي تدرك دون أن تعتمد على التحليل الفكري. فالذات الدنيا التي تشخّص وتحكم على الأمور بالـ"فكر" هي أقرب إلى مبدأ النفس أكثر منها إلى مبدأ العقل. ومهما بلغ عمل النفس في نطاق الفكر فإنه يبقى بارداً وفظاً وأنانياً لأنه غير مضاء بنور المحبة الآدمية التي تحكم معرفة آدم لذاته، المعرفة التي تربط الموحّد بحقيقة شخصه الكلّي والمعنى الخفي الذي يربط سلسلة حيواته اللامعدودة على الأرض بموطن انطلاقه في فكر الأب. لذلك فإن طبيعة العقل بالمفهوم التوحيدي هي من أرقى الطبائع الإنسانية التي تجعل من الإنسان إنسان، والمعرفة المرتبطة بهكذا طبيعة هي فوق الفكر المتأّخّر عن حقيقة الحدث ووجوبه.

كذب الأبالسة والطغاة الذين صنعوا هوّة بين الدين والدنيا وبين العقل والقلب وبين الفكر والمشاعر ولم يعرفوا الفرق بين الصورة الميتة والصورة الحيّة فطلبوا الفكر المجرّد من العنصر الآدمي فغابوا غياب الحالم في الأحلام عن حقيقة الوجود، وانعكفوا على عبادة العدم المفقود. إذ ثمة خيطاً واحداً يوحّد المجموع لأفكار وتجارب الإنسان في كل أجياله، وهو خيط النور المنبثق من فكرة واحدة "أطلقتها محبة آدم لربه" وهذا ما يربط دوماً قلوب أبناء النور بأبيهم العقل الكلّي. فمَن لم يشاهدوا صورة هذه المحبّة غاب عنهم نور العقل فعاشوا وهم أموات واجتمعوا وهم أشتات.

إن جوهر العقل هو الذات اللاهوتية المنزّهة عن الزمان والمكان. وبما أن العقل لا يعقل إلا عبر الصورة تجلّت هذه الذات في مرايا الأنس جسداً بعد جسد، مختزنة بالقوّة انطباعات حياة بعد حياة. إنها الفردية الدائمة التي تمنح كل إنسان الشعور بكينونته والتي تجعلنا عبر كل تقلبات الأيام والليالي، الطفولة ثمّ الشباب إلى نهاية الحياة، نشعر بذواتنا.

لقد شهدت الإنسانية شتى أنواع التجارب لحكمة من وراء الوجود الآدمي تؤكد على ديمومتها وضرورة استمرارية دورها في كل عصر وأوان. لقد عشنا جميعاً وساهمنا في حضارات متعاقبة وأعراق مختلفة حتى وصلنا إلى دور الأدوار دور آدم وهو عنوان قصتنا وعلى صفحاته ظهر لنا سرّ: كنت كتزاً مخفياً أردت أن أُعرَف فخلقت الخلق وبي عرفوني.

أما مسألة سرعة التذكر، الذي يعتبر جوهر يوم الدينونة الأزلي، فإنها تزداد إيقاعاً أكثر مما كانت عليه في أي عصر من العصور السابقة لأن أستار الفكر قد انهتكت وجدليات دور الأدوار (دور آدم) قد استنفذت. لذلك فإن بني البشر مدفوعون اليوم بحكم رجوع الدائرة إلى نقطة البيكار لإظهار المعنى الخفي لأقدم جدلية وهي جدلية النور والظلمة. فكل إنسان اليوم يتّخذ خيارات تجذبه بقوّة سواء، إلى الخير المطلق أو الشر المطلق، وبسرعة أكبر من أي وقت مضى.


ما هو دورك في المســـــــرحية

لقد أفلت شمس الدجّال الأعور وقمره في المُحاق - الحكمة الشريفة

لقد ضخَّم إبليس قوة الشر دافعاً بالإنسان لأن يبتعد عن هدفه الحقيقي فأصبحت أفكاره وأفعاله موجهة إلى الشر الخارجي الذي سيأتي وأسلحته يهيئها لمواجهة التنين، وهو لا يدري أن التنين الأكبر قد تأصَّل في نفسه والخوف الأكبر ليس مما سيحدث غداً بل مما يحدث الآن في أفكاره

على المبصر أن يعي بأن مسرحية الأبالسة على الأرض تعتمد بشكل أساسي على غياب الدور الحقيقي في داخله، وهو دور العقل والعقل حضور دائم ومعنى موحّد لا يتجزّأ مع الفكر ولا يحتاج إلى المُدّة والمادة ليثبت نفسه كما احتاج إبليس عندما تحدّى آدم...

ولا تتخلص النفس من قيود الوهم إلا إذا لعبت دور إخنوخ (النفس الطائعة) المستمعة لآدم الصفاء (العقل) - عندئذ يحقق شئت الكلمة في ذوات الأنفس الشريفة الغرض من وجوده ويصبح كالشمع الطائع القابل لانطباعات الصور النورانية

لم يكن ثمة عصر ولا زمن لم يلازم فيه أبناء الظلمة أبناء النور، ذلك لأن الظلمة تحتاج إلى النور لكي تُعرَف. كان دور الأبالسة دائماً مراقبة أفعال أبناء النور بحسد وكبرياء يجسِّدان أقدم حسد وكبرياء - حسد قابيل لهابيل - حسد إبليس لجهله ما يدور في قلب آدم، وكبريائه الذي منعه من السجود له، وتهديده بعد طرده من جنة المعرفة: لأغوينّهم أجمعين ولأقعدن لهم في العمائر والسبل... قد جهل أبناء الظلمة طبيعة الهمّة المؤثرة التي تلهم أفكار وتعابير وأفعال أبناء النور وتوقفوا عند مظاهر هذه التعابير والأفعال لكي يبنوا حكمهم عليها.

وكما يقول الفيلسوف أفلوطين: للمظاهر تأثير ووقع خاص، ولذا بَنَت الأبالسة مملكاتها وقررت توجهاتها بما استوحت في ظلمتها من مظاهر تلك التعابير كالأعمى الذي يتحسس الحدث متأخراً بعد وقوعه ويبني أفكاره وردّات فعله وتحرّكاته حول ما استنتج ويهدم ما بنى عند تحسسه للحدث التالي.

لقد كان دائماً دور القمر أن يعكس نور الشمس في الليلة الظلماء ولقد كان دائماً دور النفس أن تعكس صوت العقل وتصغي له في الرحلة الآدمية الكبرى المشبهة بالليلة الظلماء. ليلة إمهال إبليس والشيطان. ولكن النفس المظلمة، كقمر يدعي أنه مصدر النور، قبلت بأن تلعب دور الـ أنا الأنانية الذي وعدها فيه  إبليس بإصغائها لما وسوس وادِّعائها بأنها صاحبة الكلمة. نعم، لقد تآمرت النفس المظلمة  مستعينة بـ الكلمة على العقل. وتغنى القوم بجمال القمر في الليالي وسهروا طويلاً ثمّ رقدوا لذا فاتهم جمال بزوغ الشمس عند الفجر. فالكلمة لم تكن يوماً إلا الوسيلة التي تنطبع فيها أنوار العقل على مرآة النفس. فلم يكن ليضاء القمر أو يتغنى العشاق بجمال نوره لولا نور الشمس الذي يمدّه بالنور.

وكالظلام الذي يمنح القمر فرصته للظهور، كان دور إبليس في الليلة الظلماء، دور جامد ميت يجسِّد إفلاسه من عنصر العطاء الذي يتجلى في طبيعة النور عند إشراقه. وصدَّقت النفس إبليس بما وسوس واستخدمت الكلمة استخداماً معكوساً لنسج القصة التي يلعب فيها القمر دور ال&