The material on this site is the property of Druzenet and is protected by International Copyright Law. Copyright Druzenet 2009. All Rights Reserved

Contact Druzenet Arabic Edition English Edition About Druzenet

دروزنت بالنسخة العربية

رسالتنا

اصداراتنا

مؤسساتنا

للاتصال بنا


اصداراتنا:

ابناء النور عبر العصور

أبنـاء النـور عبـر العصـور

إعـداد

قسم البحوث الروحية في الضحى 

جاء النور إلى العالم

فأحب الناس الظلمة أكثر من محبتهم للنور

(إنجيل يوحنا)

"... ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور" (النور 40)

كـل الحقـوق

محفوظــة

جميع حقوق الطباعة والنشر والتوزيع محفوظة

أبناء النور عبر العصور
إعداد قسم البحوث الروحية في الضحى
الإخراج الفني وتصميم الغلاف: شركة لوغوس ميديا

إهــداء

 إلى كل الباحثين عن الحقيقة بسراج العقل بين صفحات كتاب الكون وما بين الكاف والنون.

إلى كل المؤمنين الناهلين من ينابع العلوم السبحانية النازلة من فيوضات المعارف الإلهية والصحف، الروحانية والرسالات السماوية وقناديل النور المضاءة بزيت تلك الشجرة اللاشرقية واللاغربية.

 إلى أخوة الإيمان وأمة الأخوان، أمة الأمم وشعب الشعوب المنبثق من كل الطوائف والمذاهب والأديان، ذوي الألباب الحاضرة والوجوه الناضرة والأبعاد الصحيحة والعقول الرجيحة،

 إلى الناظرين بعين العقل إلى حقيقة نعمة الأديان التوحيدية الواحدة في مظاهرها المتعددة،

 إلى أهل الذوق، النخبة المتحررة من التعصب والإنغلاق والتقوقع داخل أقفاصل المذاهب والطوائف والأديان، نسور التحليق في سماوات السمو، ونجوم البريق المضيء في ظلمات حضارة الملوثات المادية الخاوية من القيم والمثل الروحية.

إلى هؤلاء الأحباء نقدم ثمرة ما تجمع من مقالات وبحوث فكرية وفلسفية منذ أوائل التسعينات حيث انطلق قطار ضحى المعرفة، وأخذت تزداد حاوياته كل شهر بخزانة جديدة من نفائس الفكر والفلسفة حتى بلغ محطة التاسعة والتسعين بمنظومة مترابطة من حلقات هذه السلسلة وحبات متلألئة من العقد المنتظم.

إلى هؤلاء الأحباء نقدم هذه الباقات من الأزاهير الضحوية التي قطفناها من حديقة مجلة الفكر التوحيدي، فشكلت مزهرية تنعش النفس وتفرح القلب وتحمل العقل في رحلة رياضية لا بد وأن يجني من رياحينها وأزهارها وثمارها مواسم وغلال الفهم العميق للحقيقة والمعارف الدقيقة التي تبدد الأوهام وتميط اللثام وتدخل القارئ المتبصر الواعي المدقق المحقق إلى حديقة الإيقان في مدينة كنوز نعمة الأديان المضاءة بأنوار شمس الأحدية في شعاب الدهور والأزمنة ومراحل التربية الدينية لشعاع النور كي يبقى متصلاً عبر الأجيال ومضيئاً لعتمة هذا الزمن صنيعة الإنسان الذي حمل الأمانة وكان ظلوماً جهولاً.

قسم البحوث الروحية في لضحى


فهـرس

مبادىء التوحيد

التقمص

عصر إحقاق الحق

مفرق خطير

التقمص نعمة المؤمن

لماذا التقمص

باختصار

التقمص ويوم الحساب (أين العدل الإلهي؟)

التقمص في التوراة

التقمص في الإنجيل

التقمص في القرآن

التقمص في الحكمة القديمة

التقمص في الفلسفة اليونانية

التقمص في فلسفات الشرق الأقصى

قانون الكارما

التقمص في علم النفس

مراحل النوم

عناصر الحلم الطفولي

رسائل الذات

كيف تؤثر الأجيال السابقة في الجيل الحاضر؟

أشرطة تسجيل بلوكسهام

التقمص وتجارب عتبة الموت

خلاصة القول

 

قدم الكون:

قصة الخلق

قصة الخلق كما في سفر التكوين

قصة الخلق كما في الآيات القرآنية

المنظار التوحيدي

رؤية الملائكة

 

توحيد ما قبل آدم

من هم الملائكة؟

 

البداية

مشاهد بعين ملاك:

تلة الصعود

جبل المحن

سر الوعي

على الأرض

 

ما قبل التاريخ

مشاهد من ذاكرة التوحيد (أتلانتيس):

أتلانتيس (سبيل العلم إلى ما فقد)

تجربة أتلانتيس

صراع الخير والشر وجدلية النور والظلمة

سوء استخدام الطاقة والتنافس الجدلي

موقع أتلانتيس

 

بداية التاريخ

دور آدم:

الرحلة الآدمية

الفئة الأولى

الفئة الثانية

الفئة الثالثة

 

مصر القديمة

مشاهد من ذاكرة التوحيد (مدارس الحكمة القديمة):

عالم الروح سبق عالم المادة

الوعي الكوني من منظور الحكمة القديمة

إخناتون ووحدانية الإله آتون

موقع إخناتون من موروث ما قبله وأديان ما بعده

الهرمسية هي أول الديانات الفاعلة في الفلسفات الدينية اليونانية

الحكمة القديمة والاغتراب الصوفي

عصفور الروح وقفص الجسد

الشكل الكروي سيد الشكال

الشوق إلى الموت

 

اليونان

مشاهد من ذاكرة التوحيد (مدارس اليونان):

فيثاغورس

خصائص النفس عند الفيثاغوريين

طبقات البشر تحددها درجات معارفهم ونوعية مسالكهم

هيراقليطس

سر الوحدة في الوجود

الحركة والتغير (طبيعة تشمل الفكر)

الزمان

دور العقل في فلسفة هيرقليطس

أحداث من واقع التاريخ

سقراط (علامة فارقة)

مذهب سقراط: الرضى والتسليم نهاية العلم والتعليم

النفس الإنسانية عند سقراط

موقف سقراط من الدين

نظرته السياسية

محاكمة سقراط

الجن السقراطي

ما بعد موت سقراط (فلسفة التقمص والتوحيد)

أفلاطون

علومه

أفلاطون والمساواة

ثنائية النفس والجسد عند أفلاطون

الروح ومطلقية الخير والشر

أفلاطون والتقمص

أرسطوطاليس

أعمالة ومؤلفاته

أرسطو كعالم طبيعي

علم الأحياء

الإلهيات عند ارسطو

ارتباط الأخلاق بالعقل

الصداقة (الفضيلة العليا)

منطلقات فلسفة المعرفة واتجاهاتها

كيف ميز الفلاسفة بين الإدراك والإحساس؟

فلسفة ما وراء العقل

الحس الباطن

الخيال والتخيل

العقل المجرد

جوهر المعرفة التوحيدية في مدارس اليونان

عمر العالم

ظهور العالم

 

العهد القديم

مشاهد من ذاكرة التوحيد (عصر اليهودية):

إيل والأصل العربي لديانات الشرق

عصمة الأنبياء والافتراءات التوراتية

الغنوصية والأسينيون (بنو إسرائيل الحقيقيون)

جوهر الغنوصية

الوصول إلى الذات

الوصول إلىالذات بتحديد الهوية

المسلك الروحي للأسينيين

ملاك الحكمة (العقل الكلي)

النبي أيوب

 

عصر السيد المسيح

مشاهد من ذاكرة التوحيد في المسيحية:

الكاثار

لماذا يوجد الشر إذا كان الله كلي القدرة؟

مونتسغر

أين ولد السيد المسيح؟ في الناصرة أم في بيت لحم؟

هل تعتبر الأناجيل تاريخية؟

عاصفة الجدل اللاهوتي

هل للإبن بداية؟

الروح والجسد

الهاوية الفاصلة

إشكالية الفاصلة

إشكالية آريوس

هذا هو جسدي

الهاوية الفاصلة

إشكالية آريوس

هذا هو جسدي

الطريق إلى القداسة

تجسد الله في الإنسان

القديس الثالث عشر

الجدل العقيم

مجمع نيقيا

التوصية

لقد آتى إيليا

من أخطأ؟

يموتون مرة واحدة

العدل الإلهي؟

مسيحية وتجلي الصورة الأزلية

الجحيم على الأرض

تحول سحري

أين هو الملكوت؟

الحكمة تقود إلى الملكوت

الطريق إلى الحرية الحقيقية

ليأت ملكوتك

مفاتيح الملكوت

العودة إلى البداية

الحاضر في كل مكان

 

السابقون والعرفانيون والمتصوفون

مشاهد من ذاكرة التوحيد (عصر الإسلام):

رسالة سلمان الفارسي

سلمان: س.ل.م.ا.ن

حياة ومسافرة سلمان الخير إلى درجات التعليم

سلمان الخير والمؤلفة قلوبهم

حكمة سلمان الخير ووعظه وتعاليمه التوحيدية

حقيقة الصلاة وأسرارها

الإنسان يمنح الهوية إلى الأرض

التوحيد (إسلام الزهد والتصوف)

التوحيد هو التصوف الحقيقي

التحام المصور بالصورة

التصوف كمسلك

إبراهيم ابن أدهم (من أعلام المتصوفة الأوائل)

رابعة العدوية (سيدة المتصوفات)

الحلاج

الموحدون

التوحيد:

صوت الأكوار والأدوار

القوة الروحية في قلوب البشر

الأقنعة المصطنعة

الحكمة القديمة والعلم الحديث

العقل التوحيدي

الحكمة والحكماء

الحضارة الواعية

 

النهاية

الملاك يغمض عينيه:

النور، الحياة، المحبة

هل يستطيع الناس غفران الخطايا؟

ولكن، احذروا نسبية الخير والشر

ما هي استراتيجية ضعفاء النفوس؟

نسبية الخير والشر

العقل الكلي (العقل الأخير)

 


كلمة إفتتاحية

من مبادئ التوحيد

إلى توحيد المبادئ

 ها نحن على مائدة الضحى التوحيدية نستلهم مسارها الفكري، وقد رعاها بمبادئ العقلانية التوحيدية، سماحة الشيخ بهجت غيث، وأخوانه الغواصون في لجج المعرفة وآفاق أعماقها، الموصلة إلى سدرة المنتهى وجنة المأوى. ولا بد للغوص الفارد من خلع قميص الأمس، كلما انتقل إلى وجه الغد، وجه الرحمن / وجه الإنسان.

في هذا العقد الأخير من الألف الثاني، تفردت مجلة الضحى خارج سرب المجلات والجرائد اليومية بطرق ما لم يطرق بعد، في عالم المعرفة الرفيعة، فانتظمت في أعدادها منذ أوائل التسعينات بتقديم مقالات فكرية وفلسفية متتالية كحبات العقد التي جمعها سلك الوعي العقلاني التاريخي لتسلسل مراحل فهم دروس التوحيد الأزلية منذ فجر وجود البشرية (مشاهد تأخذنا من أتلانتس ذاكرة التوحيد النسية إلى مصر الحكمة الهرمسية عبر مدارس اليونان التوحيدية إنتهاءاً إلى رحلة الأديان السماوية) ودون سابق قصد وتصميم لتأليف كتاب تآلفت مقالات الأبحاث الروحية والتحقيقات الفلسفية والفكرية وحكت قصة رحلة شعاع النور عبر ظلمات العصور وتوحدت في هذا الكتاب الموحد لحقائق الأديان المتعددة كاشفاً الأقنعة عن حقيقتها الواحدة

إنها رحلة توحيدية، بل مسافرة عقلية، تقرع أبواب القرن المقبل من الألفية الثالثة: رحلة التقمص، ولا يغتسل أحد في نهر جوهره إلا كقطرة وبلمح البصر

يطمح واضعو هذا الكتاب الروحاني، إلى تقديم مختصر رشيد، لعشر سنوات من الجهد والكدح على طريق التفاكر والتذاكر المترفع، يوماً يوماً، لعل أخوان الحق والوفاء يعاودون الهجرة الكبرى من ذات الهجود إلى ذات الوجود.

إنه شاهد المعاني الوثقى، ينطوي على كلمات لم تعد مألوفة في المنعجر السياسي أو الثقافي لجماعات بشرية تآكلها ما كان بالأمس قوتها وموتها! وها هي مبادئ التوحيد رحلة معرفية، بل عرفانية، من نون الغنوص، ومن يونان ذي النون إلى حميم الحلاج... إلى كل موحد مستوحد في آخر هذا العصر، في بحثه عن درة في لؤلؤ ذاته بعد طرح صدفه على شاطئ التحولات.

بقلم الدكتور خليل أحمد خليل


مبادئ التوحيد

التقمص

التقمص، العودة للتجسد، الولادة ثانية، تعدد حيوات العقل، بقاء النفس، خلود الروح، العلاقة بين العقل والروح، والروح والعقل، الجسد وتجاذبه بين النفس والروح والعقل، الجوهر، الشخصية، الذات. الجسد وتجاذبه بين النفس والروح والعقل، الجوهر، الشخصية، الذات. الجسد المتعدد الخواص والأغراض، بحسب صفاء النفس التي تسكنه، والروح التي تحركه، الأثير، عالم العقل، عالم النفس، عالم الكل في الكل، الجزء في الجزء، والكل في الجزء، مغناطيسية الكليات على الجزئيات، ومحاور الحركة بالعقل المحرك، لأنه الألطف ومركز النظام الإلهي في الكون، والموجودات، والكائنات، الأنا الفردية، الأنا الجمعية، الأنا الكلية، الأنا الأدنى وغريزة الموت في الأنا الأعلى، الصيرورة، والسيرورة الوجود كخلق، والوجود كتحد للعدم، السر، السريرة، الإسراء في جاذبية الوجودية نحو الأنا في ال هو وتحقق التجلي عبر معراج القداسة في السلوك السامي نحو الأسمى وسماء الكل الذي هو قدر الكل معلم الكل بالعلم اللدني، المعية الكلية، الدائمة الفيض بغير واسطة ولا انقطاع، على الوعي المحض، العقل السفلي، والنور الأزلي، منار السالكين، وصراط العارفين، عشاق الأزل الذي مخروا بحر الأمل بسفن العمل، معراجهم في جوهرهم وجوهرهم حب الهجرة من العالم المقصر في شوقهم للملأ الأعلى، إلى عالم الحق والحقيقة، حيث الخير، وأهل الخير، الموحدون في محراب التحلي بالعقل الساطع، والإيمان القاطع، في النفس الجوهرية، المتعلقة بعلتها ومعلها الله الحاكم فيها وبها وعليها بحكمته، أحكم في كل موجود علته فكان الأصل في أصله والجوهر في شاكلته وشكله. فالله منه نقطة القلم ومداد الكل في الكل على الكل حيث يحرك الكل بحكمته لتحقيق حقيقتهم بنعمة الحكمة العقلانية من باسمك اللهم سبحانك لك الحمد وليوليك نبراس سراج ذاتك جل ذكرك الشكر.

عصر إحقاق الحق:

فعلى مداد هذه الرحى الروحية، ذات الدورات الكونية، سنسرع إذا شاء من له المشيئة فيا في كينونتنا، وآيلتنا في تشريح، وتفسير، وتحقيق، وتعليق ما يتناول هذه الموضوعات، وما يتصل بها ويتعلق بمادتها، تاريخيا، دينيا، علمياً، اسطوريا، فروحيا وبتطور مفاهيمها عبر المؤمنين بها والمحايدين فالناقدين حتى نعطي الدارس موضوعا موضوعيا عن كل منها فلا تبقى الحقائق حبيسة العقول المغلقة، فمن حق الحق أن يحق، وإلا صار وهما. ومن واجب الحقيقة أن تجب وتصبح واجبة الإيجاب. وإلا صارت ضلالا، كذلك يجب أن تخضع كل معرفة لمحكمة العقل، لتدافع دائما عن أزلية حقيقتها. لتكون بحق معرفة أزلية خالدة. فلا تخرقها سهام الناقدين ولا تمزقها اعتراضات المعارضين فمن حق الإنسان في هذا العصر، أن يتصل بالمعرفة بشكل مستقيم ويتناول العلم خالصا نقيا مباشرا، كالجوهر الخالص الذي لا يمازجه العرض والماس الذي لا يخالطه التراب. لأن حياة الفرد قصيرة وموجاته كثيرة وواجباته من كل صوب تدعوه إلى السرعة والدقة والحكمة والإحكام في كل ما يأتيه من قول وعمل، لأنه أصبح في مواجهة عالم الحق وعالم الصدق، بعد أن أنهكته الدهور، بعلوم يختلط الكثير من ظلها بالقليل من نور أصلها فضاع الكثير من عمر البشرية سدى وضلالا.

مفرق خطير:

ونحن الآن على مفرق خطير، لا بد لنا من التقرير على صيرورة المصير فلا تجرفنا الآمال الفارغة ولا تخيفنا المصاعب العارضة عن السلوك الأقوم في صدق العزم والعزيمة. لنصل الماضي لمنير، بالمستقبل المشرق. فندفع ضريبة الوجود التصاعدي بالتضحية بكل ما هو أدنى في سبيل ما هو أسمى حتى نحقق الإنسان في ذاتنا ونستشعر إنسانيتنا في كل مدركاتنا لكي نستمر في السمو والصعود إلى العالم الأعلى الذي نحن أهل له بما فطر فينا سبحانه من مناقب عالية وسجايا دقيقة هي من قدس أقداس الذات في مثالات الكمالات. فالإنسان العاقل محكوم بالتسامي والمعراج الدائم عبر محاسبة النفس، وتعقيل العقل، وتقليب القلب، وتجسيد الجسد فيما يرضي الأنا الأعلى في ذاته الذي هو مستودع كل الفضائل وكنز كل المناقب في كل خلجة من روحه، ونضبة من قلبه، ورعشة من جسده، صوت الأعلى في الأدنى وحكم الأسمى بالأسفل صوت الله الخفي في لطيفنا. والميزان الذي يذكرنا دائما بنقصنا. كلما غلب علينا الجهل أو فرطنا في واجبنا نحو مؤصلنا في الأصل وجابلنا بجوهر العقل. ضمير الكون وضميرنا الشخصي الذي هو جذوة منه وسنا من برقه.

التقمص نعمة المؤمن:

الإنسان المؤمن، يتقمص، يتجدد، يتعالى فيكون يومه خيرا من أمسه وغده خيرا من يومه لأنه يعيش المعراج السماوي، والصيرورة الدنيوية، والسيرورة نحو أهل الحق الذين يتوق لرفقتهم ومعيتهم فهو في جهاد متواصل، وجد دائم في مجمع حيواته ليكون سابقا لا مسبوقا وأولا لا آخراً، يحاسب نفسه على التقصير. ويصير ويصابر على كل جلل وعسير. حتى ينال أعلى المنازل ويثاب أفضل الثواب ويصير إلى أحسن مصير. في حياته كون مجتهدا فلا يضيع عمره سدى بل يطلب كل كمال ويتكامل بالكمال الاكمل في كل حق وخير وفضل وفضيلة وفي مماته وبعد وفاته ينال المنزلة الأسمى والدرجة الأعلى فيكون دائماً متدرجا في الحقيقة، دارجا في الحق لأن صراطه الصدق مع خالقه وأهله واخوانه، لا تلهيه السفاسف، ولا تخيفه الرواجف.

أما الجاحد المعاند المكابر الكافر فقد اسبتدل الأنا بالأنانية. والغيرة بالغيرية. فهو حسود لدود يحب نفسه، يبغض غيره، يمنع خبره عن نفسه فكيف عن سواه. يتعالى على الناس. يرذل عقله ويدنس حواسه. الذكاء عنده مصلحة والدين في عرفه مصيدة. لا يضمر الخير لخلافه. ولا يبطن النصح لإخوانه، ولكن يتلاشى في ذات نفسه، وفي ذات جنسه. كالثمرة العفنة، التي تسقط من أمها الشجرة. فهي تزداد فسادا على فساد. وعفنا على عفن. حتى تعود إلى ترابها.

فالجاحد المعاند وإن كان بعد موته، يرتدي جسداً جديداً لكنه جسد يغلب عرضه جوهر النفس، فينحدر بصاحبه من التعاسة، إلى التعس، ومن السقوط إلى الوكس، لأنه خرج عن مداد أصله، وجعل هواه وحواسه دليله، بغير هدى عقله، فباع دينه بدنياه فكان وجوده سدى وبصره عمى.

التقمص الكوني (الرحلة بين المبدأ والمعاد) راجع الضحى العدد الرابع والستون حزيران 1997.

لماذا التقمص؟

تتفق معظم الديانات على أبدية الروح. البعض يقول أن الروح تنتقل بعد الموت إلى السماء. والبعض الآخر يعتقد أنها تحوم حول عرش الله في السموات أو تسكن في أعماق الأرض. وهناك أيضاً من يعتقد أنها لا تغادر الجسد قط بل تبقى فيه إما في حالة من العذاب والألم وإما في حالة من العذاب والألم وإما في حالة من الراحة والنعيم.

 قد يبدو الأمر زائداً في الطموح من قبلنا إذا قدمنا عقيدة التوحيد في ما يختص بالروح على طريقة تقديم نظرية علمية، لأن ذلك يحتاج إلى تقديم أدلة حسية ملموسة عما هو روحي أو أثيري. ولكن من الطبيعي أن يتعامل الموحدون مع واقع التقمص كواقع علمي مؤكد، يرتقي إلى قمة المنطق الإنساني، الذي يعزو إليه العلماء أي تقدم علمي.

 لسوء الحظ، ما زالت التكنولوجيا الحديثة عاجزة (لحد الآن) عن رصد مسيرة الروح بعد الموت. ولا زالت عاجزة أيضاً عن إحياء الجسد بعد الموت وبعد مغادرة الروح له. وغني عن القول أن الأثير، حتى بالنسبة إلى أتباع النظرية القائلة بالذرة، ما زال مادة مجهولة التكوين فما قولك بمادة الروح.

باختصار:

إن في الحياة والموت لحقيقة قاطعة، ولكن لا يمكن فهم كنهها إلا برجوع كل إلى منطقه.

 إن من آمن بوجود نظام وقانون لهذا الكون، وأقر بوجود العدل الإلهي، فلا بد له أن يتأمل في منطق التقمص أو يعيره اهتمامه على الأقل.

 إن جميع الأديان تؤمن بالعدل الإلهي المطلق. حتى العلماء يقرون بوجود نوع من العدالة في القوانين الفيزيائية الصرفة. هذا العدل، إذا نظر إليه من المنظار البشري، يوحي بأن الله، أو مكون هذا الكون، قد وهب الإنسان المساواة في الفرص والحرية في التصرف للوصول إلى الهدف الذي قد يختار.

 في منطق العقل، الفرص والأهداف التي نتكلم عنها لا تكون إلا بالمعرفة، والمعرفة في المعنى التوحيدي لا تعني المعرفة التي نجنيها من التعلم والخبرة في الأمور الحياتية، بل هي نوع من الوعي الروحي لماهية الله والتي لا تتحقق إلا عبر الإيمان بالأبدية. والأبدية في فلسفة التوحيد تجسد طبيعة الـ لوغوس أي العقل الكلي (العقل الأرفع) الذي يبقى مع الوحدانية ولا يتغير مع تغيرات المادة والفكر. ولذلك قيل المعرفة من ذاتك لذاتك لا سماع ولا حفظ. 

ومع ذلك، وحتى بالنسبة للذين يعتقدون أن المعرفة هي مجرد اكتساب علمي وخبراتي ويعتبرون أن الفرص تتمحور حول الثروة المادية والصحة والوظيفة والسلطة والشهرة وباقي المكتسبات الدنيوية، فإن حقيقة التقمص ما زالت الدليل الأكثر عقلانية للعدالة الإلهية.

هذه الحقيقة التوحيدية مبنية على أسس بديهة لا تقبل الجدل:

1-   تلك التي يشار إليها فلسفياً بالـ النفس الإنسانية العاقلة لا تستطيع التعبير عن وجودها من دون آلتها، الجسد. من دون الجسد تفقد نفس الإنسان هويتها. فلا يمكن أن يتصور العقل هوية شيء لا يمتلك صورة تعبر عن وجوده، فحتى الأثير له صورة تميزه من الأشياء الأخرى. فإذا قلنا إن النفس تلبس جسداً أثيريا عند الموت، فما يميز إذا النفس عن الأثير؟ ببساطة، إن النفس لم توجد لتتلاشى كهواء لطيف. فمقتضى وجودها في الجسد أصلاً لا يمكن أن يكون شيئاً عابراً، بل قانوناً إلهياً وجد ليبقى. فمن غير المنطقي تجاهل هذا القانون في مفاهيمنا للحياة ومراحل تجددها بعد الموت وقوانين الثواب والعقاب والجنة والنار والعدل الإلهي...

2-   من البديهي أن النفوس تختلف عن بعضها في طبائعها كما يختلف الأشخاص في مظاهرهم، وهذا الاستنتاج هو أبسط ما يمكن استخلاصه عبر تجربتنا الحسية، فلا يكاد يلتقي اثنان على شيء حتى يختلفا على شيء آخر. لتحقيق الهوية الفردية، ينبغي على كل نفس أن تمتلك شكلاً مادياً أو بتعبير آخر، ينبغي أن تملأ فراغاً ما في الزمان والمكان. من دون وجود كهذا تخسر النفس كينونتها وبالتالي فردانيتها ودورها في الزمان والمكان.

3-   إن المعرفة من أي نوع كانت لا تتم أو تحصل من دون جود في العالم المادي. المعرفة لا يمكن أن تكون حول لا شيء. حتى الأثير (وهو أقرب ما يمكن تصوره إذا أردنا تصور الـ لا شيء) يبقى شيئا يمكن تمييزه من باقي الأشياء. إذا فالـ "معرفة" تستوجب وجود "عارف" و "معروف". فبدون وجود الروح في آلة تسمح لها أن تختبر هاتي الحالتين (أي أن تكون لنفسها في موقف العارف ولغيرها في موقف المعروف)، تصبح الروح غير معنية بشيء اسمه معرفة.

قد تختبر الروح "المعرفة" في حالة وعي مختلفة عن اليقظة، وبتعبير آخر، باستطاعة المرء تذكر طفولته عبر حلم أو محاولة معرفة مستقبلية عبر رؤية، ولكن معرفة كهذه لا يمكن أن تفهم إذ لم ترتبط بنفس الحالم كـ "إنسان" أو كـ "فرد" موجود في الزمان والمكان 0 في عالم يؤمـن له استمرارية مـا تسمح لهذا الحلم أو الرؤية بأن يكون جزءاً منه ومن حياته.

4-   من دون وجودها في قالب مادي، لا يمكن للنفس أن تختبر أي معرفة للخير أو الشر. فأي معرفة للخير أو الشر. فأي معرفة كهذه تتطلب استمرارية في العالم المادي تؤمن للعقل فرصة التمييز والمقارنة بين الأشياء والتجارب الحسية لاستخلاص مفهوم معقد كمفهوم الخير أو الشر. فلا يتصور العقل شراً مستقلاً عن تصوراته لوجوده الجسدي في الزمان والمكان أو لأحداث مرتبطة بهذا الوجود.

5-   النفس إذا ما انعدم وجودها في عالم يؤمن لها استمرارية لا يمكن الحكم عليها، وبعبارة أخرى، لا يمكن الحكم على أحد اعتماداً على نتف عشوائية من المعرفة اختبرها في عوالم أثيرية. فأي نوع من الحكم لا يكون ملائماً إلا في عالم حيث ثمة قصة في حالة تطور. وأكثر من ذلك، لا يعني ذاك الحكم شيئاً لأي فرد ولا يحقق له شيئاً إلا إذا جاء نتيجة قصة يعرفها ويشارك في صنعها.

وبالتالي فإن الهوية الروحية، والتعبير والحكم من أي نوع يعتمد على حضور النفس في عالم الاستمرارية. فقد عبر عالم كهذا تستطيع النفس اختبار فردانيتها، وتحصل المعرفة ويحكم على أعمالها.

 في بعض الحالات تتحقق امكانية ترقي النفس إلى معارج من الوعي بحيث تخلع عنها أثواب الجهل وتتخلص من كثافة الأفكار والأحاسيس المظلمة، وقد تختبر النفس لحظات من النقاء حيث تفقد إدراكها للحضور الزمكاني وتسبح في عالم الأحدية المطلق، عالمها الأصلي (أي عالم الخلود)، ومع ذلك، ليس ثمة مفر من وعيها لثنائية الطبيعة البشرية، وهو الوعي الذي يميز بين البشر والإله (أي بين القديم والحديث وبين الصانع والصنعة). ومهما توصلت النفس في قربها لتحقيق الوحدة مع الذات، فإنها تظل تحافظ على كينونتها ودورها في الزمان والمكان كي تظل أبداً واعية لذاتها، وإلا لم تعد نفساً، وهذا أبسط حق يمنحه الله للإنسان وهو الحق بالوجود والاستمرارية.

 لذا فإن حقيقة التقمص مبنية على واقع ارتباط اللطيف بالكثيف (وكل منا يملك الأدلة على صحته) وهو أن الروح والجسد لا غنى لأحدهما عن الآخر. فجسد بلا روح جسد ميت وروح بلا جسد هي لا شيء. فبما أن وجود النفس أزلي وبما أن هذه الأزلية لا تتحقق وتكون جزءاً من المعرفة إلا من خلال آلة التعبير عن الوجود (الجسد)، فلا بد من أن تتقمص الروح جسداً جديداً عند الموت وتتخذ آلة جديدة بعد تعذر الاستمرار في الآلة القديمة لسبب أو لآخر.

فلسفة التوحيد هي كالنور، بسيطة ولكن غالبة. لو شاء الله تعالى، لخلق الإنسان روحا مجردة، خالدة تعيش في عالم خيالي خال من المادة والأبعاد أو خلقه جثة تعمل ميكانيكياً غريزياً بفراغ روحي. لكنه خلقه روحاً في جسد، وأراده أن يعيش في مثل عالمنا ويكتسب العلم والمعرفة من خلاله فلا بد من وجود حكمة ما وراء مشيئته، ولا بد أن ثنائية الإنسان (أي كونه مادة وروحاً في آن معاً) تخدم الهدف الإلهي الأسمى من هذا الخلق وهو المعرفة. وبذلك نطق الكتاب وما خلقنا الجن والإنس إلا ليعبدون (أي ليعرفون)

ولكن، إذا كانت هذه الثنائية تخدم الهدف الأسمى ألا وهو معرفة الله من خلال معرفة النفس، بل والحساب على أساس هذه المعرفة، كما هو الحال في معظم الديانات السماوية، فلا بد من التساؤل:

هل أن خبرة حياة واحدة كالتي نحياها كافية لمثل هذه المعرفة؟

قد لا يكفينا مجلد إذا أردنا تعداد الاختلاف في الفرص الممنوحة للعالم على اختلاف وتنوع حالاتهم مجموعات وأفراداً. فهناك من يولد فاحش الثراء وآخر فقيراً معدماً. وهناك م يمضي حياته في هدوء وطمأنينة في أحد معابد الهند وغيره يعيش حياة عشوائية فوضوية في نيويورك مثلا. وغيرهما من يفتح عينيه على الشهرة والنجومية وآخرون على الذل والعبودية. وهناك من يفتح عينيه فلا يرى قط لأنه ولد أعمى وغيره يولدون أصحاء. وهناك من يموت قبل ولادته وهناك من يعمر ليرى أحفاده يكبرون. وهناك من يموت ميتة طبيعية وغيره يموت بفاجعة وغير ذلك من تعدد مظاهر الاختلاف والتنوع في الجماعات والأفراد.

لو أن الإنسان يستطيع أن يزعم أنه راض عما قدمته له الحياة من فرص أو تقدمه، لما كنا بحاجة إلى الفلسفة والدين وبالأخص إلى عقيدة تثير الجدل كعقيدة التقمص. وحتى ولو وجد دين أو فلسفة، لما نظر إليها الإنسان بأكثر من نظرته إلى القصص والروايات التي تغص بها المكتبات ولكان المعلمون الروحيون والحكماء والفقهاء والأنبياء والأئمة مجرد شخصيات روائية.

هل أن كل فرد راض تماماً عن الفرص التي تقدمها الحياة له؟

 

لا أحد يستطيع أن يزعم أنه لم يتساءل يوماً عن صحة العدل الإلهي وأنه لم يطلب يوماً سبباً لما يراه إجحافاً بحقه في هذه الحياة، مرة واحدة في حياته على الأقل. ويأتي فوق كل ذلك، الإحساس بالذنب والخوف الذي تعاني منه بسيكولوجية الفرد فيما يتعلق بالجنة والنار واللعنة الأبدية وما شابه مما يطرح سلسلة من التساؤلات التي لا يمكن الإجابة عنها بغير ثبات واقع التقمص. تبعاً لأي مقياس تحاكم روح طفل رضيع بعد موته؟ هل كانت له أي فرصة في الحياة على الإطلاق؟ هل قام بأي عمل صالحاً كان أم طالحاً كي تحاكم روحه على أساسه؟

إن عقل الإنسان هو أهم ميزاته، كما أنه (أي العقل) غاني دون أي شك، أي أن جميع عملياته وحركته موجهة نحو غاية ما. فهو في كثير من الأحيان يطرح أسئلة تبدو الإجابة عنها فوق طاقته. فأرسطوطاليس (وهو واضع أسس المنطق) يعترف بهذه الميزة ويعزوها إلى شغف الإنسان بالمعرفة. هذا الشغف المتمثل بطبيعة الفكر لا يمكن إلغاؤه. وكذلك لا يمكن الإجابة فوراً عن سؤال مثل: "لماذا ولدت أعمى؟" أو "ما هو السبب الأسمى للوجود البشري؟" على الإنسان أن يمر بعدة اختبارات في الحياة قبل أن يخلص إلى نتيجة مقبولة للإجابة عن هذه الأسئلة. وقليلون جداً أولئك الذين تصادفهم تجارب تقلب حياتهم رأساً على عقب فتأتي إليهم بالمعرفة المفاجئة التي يسميها أرسطو "الإشراق الفكري". حتى الكبار في السن الذين يعتبرون أنفسهم ممن اكتسبوا من خبرة الحياة زبدتها، نادراً ما يجدون جواباً لتلك الأسئلة التي حملوها معهم منذ صباهم، لكنهم مع ذلك، وحتى النفس الأخير، يظلون يأملون أنهم قد يحصلون على جواب قبل موتهم.

لو نظرنا إلى الحياة البشرية من منظار مادي صرف للخصناها بكون الإنسان يولد، يحيا، يموت، أما لو نظرنا من المنظار النفسي (العقلي) لوجدنا دائماً أن هنالك حلقة مفقودة. فالرواية العقلية التي تلون بصبغتها تجارب الإنسان الحياتية والذاكرة التي تبقى عند انتهاء الحياة تبدو وكأنها قطعت فجأة قبل الوصول إلى نهايتها. فتجد كهلاً على حافة الموت يتساءل: "ما معنى هذه الحياة التي وعدتنا يوماً بجواب؟ ما هو مصير ذلك الصوت الذي كان يوحي دائماً بكل تلك الأسئلة؟" تخيل انقطاع التيار الكهربائي في صالة السينما والفيلم ما زال في نصفه ثم تخيل عقلا توقف عن العمل أي لم يعد له وجود قبل أن يصل إلى إجابة عن أكثر الأسئلة إلحاحاً والأمنيات وحياً. إذا كان باستطاعة مخرجي هوليوود ومنتجيها أن يأتوا بفيلم لمدة ساعتين يجيب عن كافة الأسئلة التي تدور في ذهن المشاهد يدعك تخرج من صالة السينما وأنت راض تماماً لا يجول في ذهنك أي تساؤل أو معارضة لمنطق أحداث الفيلم أفلا يستطيع الله أن يأتي بمثل هذه التجربة؟ هل يستطيع أحد أن يخرجك من الصالة قبل انتهاء العرض؟ أيكون ذلك عدلاً لو فعل؟ هل من العدل أن يأخذ الله روحا إلى المحاكمة الأبدية قبل أن يتيح لها إتمام تجاربها ومعرفة كل الإجابات؟ أيجوز أن نتهم الله باللا عدل لأنه منحنا حرية اختيار ما نؤمن به؟

من السهل جداً أن نلوم الله لأنه خلق الإنسان وبه تلك النزعة نحو المعرفة. ومن السهل أن نلومه لأنه جعل للإنسان عقلا لا يكف عن طرح الأسئلة. بعض الناس يلومون الله لأنه لم يمنحهم حرية كافية تجعلهم يثقون بمنطقهم الخاص في الحياة ولوضعهم تحت وطأة مفاهيم وتقاليد وعادات وممارسات لا يمكن تجاوزها. وحين تطرح لهم أجوبة تحتاج إلى قليل من التأمل وحرية الفكر من قبلهم يرفضونها رفضاً قاطعاً بحجة أنها بعيدة عن المألوف ومثيرة للجدل فلا يمكن أن تكون صحيحة، علماً بأن من دون مثل هذا الجدل الذي يرتفع فوق العصبية العقائدية لا دور للعقل على الإطلاق.د

إذا كان الله سرمدياً، وهو سبب أسباب كل الأسئلة والأجوبة التي تراود العقل فلماذا يكون هناك حدود للمعرفة العقلانية؟

إن المعرفة، أكانت رؤية صوفية، أو تجربة حسية، أم ذكرى لتجربة قديمة بالمعنى الأفلاطوني تعتمد على وجود الروح في عالم يمنحها صورة مادية محددة تستطيع من خلالها أن تعبر عن وجودها وعن جوهرها وتشارك في هذا التعبير أرواحاً أخرى مماثلة لكي تختبر وتختبر. فالروح تحاسب نظراً لانخراطها في هذه التجارب المشتركة فكيف للروح أن تقوم بأعمال جيدة أو سيئة فتحاسب عليها إذا ما كانت وحيدة في عالم الاختبار والتجربة؟

حتى الآن، ما من عالم ثبت وجوده يؤمن للروح ما تقدم خلا عالمنا هذا.

استطاع الإنسان أن يعبر الغيوم إلى السماء في الصواريخ والمركبات الفضائية ولكنه لم يعثر على الجنة. كما أن العلماء يؤكدون أن الإنسان، من دون آلة الحواس، أي الجسد، هو طبقاً لأبسط القوانين الفيزيائية، غير موجود. فإذا كانت الروح خالدة، وإذا كانت غير قادرة على التعبير عن وجودها وحتى خلودها من غير جسد، لماذا إذا يعمد الإنسان إلى تخيل الروح هائمة في سماء غير منظورة كالجنة (بالمفهوم التقليدي) أو تائهة في جهنم ما تحت الأرض رافضاً رفضاً قاطعاً إمكانية تقمص الروح في جسد آخر لإغناء خبرتها، والتي هي إمكانية غاية في المنطق لا تحاكي العواطف الدينية وليست بعقيدة بالمفهوم التقليدي بل ركيزة منطقية؟ أليست الرؤية التي تجسدها فكرة التقمص عن مصيـر الروح بعد الموت مطابقة لتلك التي تملك البشرية الأدلة القاطعـة لها؟ أوليس من المنطقي أن نتصور الروح على الأرض في جسد عوضاً عن تصورها وهما تهيم بواسطة جسد أثيري لا يوجد أدلة ما على إمكانية وجوده؟

(التقمص ويوم الحساب) أين العدل الإلهي؟

        تؤمن معظم الأديان بيوم القيامة أو ساعة الحساب ولكن:

        ما مدى مصداقية هذا الحساب في حياة تبدو فيها الفرص المتفاوتة غير المتكافئة أبعد ما يكون عن العدل حتى أن أي عابر سبيل أمي أصبحت له فلسفته الخاصة عن الموضوع؟

        لماذا ينتظر الله من خادمة وضيعة أن تكون فاضلة شريفة ومحبة تماما كسيدها ومخدومها؟

        كيف يمكن أن تكون هناك كل هذه الفروقات بين البشر على الأرض، ويكون العقاب أو الثواب هو نفسه للجميع؟

        ثم كيف يكافأ أو يعاقب من مات منذ آلاف السنين كما يكافأ أو يعاقب من هو حي ولم يستكمل أعماله بعد ويعتبر الحكم عادلاً؟

        بالإضافة إلى ذلك:

        هل معاقبة من قتل الرسل والأنبياء في عهود خلت هي نفسها كمعاقبة من قد يرتكب جريمة قتل اليوم؟ فإن كان الله، في ميزان حسابه، يأخذ بكل تلك الاعتبارات، كيف يمكن للروح التي لم تعش حيوات كافية لتختبر كل هذه الاعتبارات أن تعي كنه هذا الحساب؟ ثم أين العدل في محاسبة من لا يعي ماهية ما يحاسب عليه؟

        إن كل الديانات السماوية، بل والمذاهب أيضاً، تعتبر نفسها الوحيدة الناجية، فما يكون إذا مصير الشعوب التي لم تصلها تعاليم تلك الديانات أو المذاهب؟ هل أنهم كانوا مخطئين لأنهم عاشوا في أماكن مجهولة أو في أوقات سبقت مجيء الرسل؟

        وما هو مصير من سوف يولد بعد ساعة الحساب؟ هل هناك حساب مهيـأ خصيصا له؟ هل هناك أيام قيامة عوضاً عن يوم واحد؟ أم أن العالم سوف ينتهي فور أن ينفـخ في البوق؟

        وأخيراً، يبقى السؤال الذي لا بد أن يطرح:

        هل يمكن أن تحاسب الروح من غير جسد؟

        هل يمكن لأحد أن يتخيل الثواب أو العقاب من دون اللجوء إلى ما يتصوره من تجارب وأعمال خيرة أم شريرة اكتسبها عبر الحواس الجسمية؟

        إن تصورنا للعقاب أو الثواب ناتج عن خبراتنا الجسدية في الألم واللذة. فكيف يمكن أن نخاف من نار جهنم أو نحلم بثمار الجنة لو لم يكن لنا علم بالألم الذي تسببه النار أو اللذة في طعم الثمر؟

وكيف كان لنا أن نعلم بذلك دون حواسنا؟ 

كيف يمكن للروح في جسد أثيري أن تختبر ألم النار؟ هل أن النار تؤثر في الأثير أو في كائن أكثر لطافة كالجسد الأثيري أو الروح؟

فلماذا إذا نفضل العبور إلى ما وراء العقل والمنطق لإثبات ما قد يزيد من حيرتنا في الحياة ونرفض منطق التقمص الذي يرتكز على إثباتات ملموسة؟ هل أن الأنبياء والرسل أرادوا إبعاد الإنسان عن المنطق أم أن أناساً كالفريسيين والصدوقيين وغيرهم من أصحاب الأهواء حذفوا من الكتب المقدسة أهم عقائدها لئلا يجد القطيع الضال طريقه إلى الله؟

التقمص في التوراة:

        لقد ورد في التوراة العديد من الآيات التي تثبت حقيقة التقمص تلميحا، نذكر منها ما قاله النبي سليمان الحكيم في سفر الجامعة بالنص:

        "دور يمضي ودور يجيء والأرض قائمة إلى الأبد. والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق. الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال تذهب دائرة دورانا وإلى مداراتها ترجع الريح. كل الأنهار تجري إلى البحر والبحر ليس بملآن. إلى المكان الذي جرت منه الأنهار إلى هناك تذهب راجعة.

        ... لا أحد يستطيع أن يقول إن العين لم تر كفايتها، أو أن الأذن لم تسمع كفايتها. ما كان فهو يكون والذي صنع فهو الذي يصنع فليس تحت الشمس جديد. إن وجد شيء يقال عنه انظر. هذا جديد. فهو من زمان كان في الدهور التي كانت قبلنا".

        وهذا القول هو تأكيد واضح على أن كل شيء يتبع نظام الدائرة، والحياة والموت غير مستثنيين.

        و "الأشياء" التي عنتها التوراة هنا، ليست فقط الأشياء المادية والأعراض التي تفنى وتزول وتتزايد وتتناقص إنما عنت الجواهر الازلية الخالدة ومنها النفوس التي تتقمص الأجسام، لا يزاد عليها ولا ينقص منها فجوهر التقمص إذا منصوص عليه في التوراة.

التقمص في الإنجيل:

جاء الإنجيل المقدس ليتكلم عن التقمص بمحكم الأمثال:

        قال القديس متى في الإصحاح الثاني والعشرين (الآية 31 36):

        "وأما من جهة قيام الأموات أفما قرأتم ما قيل لكم من قبل الله القائل،

        أنا اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب، ليس الله اله أموات بل اله أحياء فلما سمع الجموع بهتوا من تعليمه (أي تعليم السيد المسيح)".

        "الحق أقول لكم أنه لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمدان... وإذا أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتي. من له أذنان للسمع فليسمع". (متى 11).

        "وسأله التلاميذ قائلين: "لماذا تقول الكتبة إن إيليا ينبغي أن يأتي أولا". وأقول لكم أن إيليا قد جاء ولكنهم لم يعرفوه بل صنعوا به كل ما أرادوا. هكذا ابن البشر أيضاً مزمع أن يتألم منهم. حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان". (متى 17).

        يفهم من ذلك بوضوح أن الظهور النبوي بقميص إيليا كان قبل ظهوره بقميص يوحنا بنحو 800 سنة.

        قال يسوع لنيقوديموس:

        "الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات".

        "كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانية ويولد؟ أجاب يسوع وقال:"

        الحق أقول لك إننا نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا. ولستم تقبلون شهادتنا". (يوحنا 3).

        أقول لكم يا أحبائي، لا تخافوا الذين يقتلون الجسد ثم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً بعد ذلك. ولكنني سأبين لكم من تخافون. خافوا من له قدرة بعد القتل على أن يلقي في جهنم. أقول لكم: نعم، هذا خافوه. أما يباع خمسة عصافير بفلسين، فما منها واحد ينساه الله. بل شعر رؤوسهم نفسه معدود. لا تخافوا، إنكم أثمن من العصافير جميعاً". (لوقا 12).

        إذا كان الله يحاسب الروح تبعاً لما فعلته خلال حياة واحدة في جسد واحد دون أن تتقمص بأجساد أخرى، فكيف يمكن للبعض أن يحصل على القوة للتصرف في الروح وإلقائها في الجحيم بعد الموت؟

        يستخلص الكاتب الألماني الشهير "جون فان هلسنغ" في كتاب حديث له، أن السبب وراء افتقاد الإنجيل اليوم لنصوص واضحة تؤكد نظرية التقمص، أو الحياة ما بعد الموت، يعود إلى قرار المجمع الديني الثاني في القسطنطينية عام 553 وفي أيام الإمبراطور الروماني جوستنيانس الأول بحذف صفحات عديدة من الإنجيل تتضمن أقوال للسيد المسيح يؤكد فيها حقيقة التقمص واختفت مذاك تلك الصفحات المهمة من الإنجيل ورغم ذلك بقيت معظم الإشارات والرموز والتنويهات التي تشير بوضوح للتقمص مضمنة في معظم الآيات والإصحاحات في الكتاب المقدس بعهديه القديم والحديث.

التقمص في القرآن:

        "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم. ثم يميتكم. ثم يحييكم. ثم إليه ترجعون". (البقرة 28).

        "يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً بعد خلق". (الزمر 6).

        "ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا لسحر مبين". (هود 7).

        والمعروف أن السحر هو ما اتهم به المؤمنون والأنبياء وغيرهم كالأسينيين والمسيحيين الغنوصيين وبعض الصوفيين كالحلاج وغيره. ولم يتهم أحد ممن يؤمن بأن الروح تصعد إلى السماء بعد الموت بالسحر والشعوذة.

        "ثم بعثناكم بعد موتكم لعلكم تشكرون". (البقرة 56).

        "يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحين ويحي الأرض بعد موتها، وكذلك تخرجون". (الروم 19).

التقمص في الحكمة القديمة:

        توضح الحكمة القديمة "إن الموت الطبيعي ليس هو شيئاً غير غيبة النفس عن الجسد لتعود في شكل آخر. وأن الإنسان الحكيم العالم هو حكيم عالم عند حضوره وهو حكيم عالم عند مغيبه لن ينتقل عن حكمته وعلمه أينما توجه وأينما سلك فكل طبع ينجذب إلى طبعه بالإبداع والتماثل، كما أن الشيء لا يلد ويثمر إلا نوعه وشكله".

        تؤكد الحكمة القديمة ارتباط الفكر بالمادة، فالقانون الذي يحكم الكون والبيئة والمجتمع هو نفسه الذي يحكم الخافية (اللاشعور) لدى الفرد. وإذا كانت واعيتنا (الشعور) تخضع لضوابط الزمان والمكان المحدودين فإن خافيتنا تخضع لقانون الحياة اللامتناهي.

        النفس الإنسانية متكاملة في جوهرها هي اللحمة التي تجمع خيوط نسيج حياكة الجسد. هي القوة الموحدة للأعضاء الجسدية والوظائف الشعورية والمعنوية. إنها وحدة إنسانية تتدرج ضمن نطاقات ثلاثة متصلة غير منفصلة، هي "الأنا والذات والكيان" وتنضوي هذه النطاقات الثلاثة تحت كلمة "الاسمية" وذلك لأن الكيان هو الحقيقة الموحدة لوظائف النفس وأن سوء الفهم هو الذي يشتت انتباهنا إلى وجود نطاقات ثلاثة منفصلة، يعني تجزئة الإنسان إلى أقسام متعارضة ومتناقضة يستحيل التوفيق أو التأليف والتوحيد بينها. والحقيقة هي أن هذه النطاقات ليست أقساما بل دوائر ووظائف تتكامل انطلاقا من الأنا، إلى الذات إلى الكيان. والحق يقال أن الإنسان وجود متكامل يتفاعل على صعيد الأنا والذات، ويتوحد على صعيد الكيان.

        تؤكد الحكمة القديمة على تكامل النفس الإنسانية فتشير إلى أن هذه النفس، إذا انتهت في بلوغها، ذلك الحد تجمعت منتثراتها، واتحدت متفرقاتها وتآلفت قواها، وعزم إدراكها.

        الأنا، في صميمها، وجود قلق منفعل، يحمل في ثناياه العقل، والنفس، والشعور، والخافية، والوعي واللاوعي. هو وجود لا يدرك ذاته بذاته. وعلى الرغم من أن الأنا لا تعي ذاتها، إنما هي مهيأة ومزودة بطاقة الفهم والإدراك وهذا يعني أنها تشتمل على النفس والعقل، لذا تسعى الأنا إلى فهم ذاتها.

        الذات هي الأنا وقد بدأت تفهم ذاتها بفعل الوعي الكامن فيها، والمدعو خطأ باللاوعي. وفي بدء فهم الأنا لذاتها، تنقسم إلى قسمين: الشعور واللاشعور (الخافية) وفي هذا السياق، يشير اللاشعور إلى ماضي الحياة المدونة في ذات الإنسان. ففي اللاشعور (الخافية)، يكمن تاريخ حيوات الفرد السابقة، وما يحمله من ذاكرات وذكريات تلك الحيوات والمعلومات المنطبعة في عمقه اللاشعوري. بالإضافة إلى ما يحمله من اللاشعور الذي يتمثل في ذكريات طفولته، ونوع التربية التي نشأ عليها، والمبادئ التي تلقاها والمفاهيم والقيم الإيجابية والسلبية التي غرست في داخله...

        والشعور هو حاضر الفرد، لما هو عليه الآن، هو حصيلة الماضي والحاضر. فالحاضر جزئيات زمنية تنزلق نحو الماضي مليارات المرات في الثانية، في الوقت الذي تنحصر فيه الذاكرة، هو تقدمي إلى المستقبل، وهو ما أزرعه في حديقة حياتي المقبلة. ينشأ في الذات صراع أو تعارض بين الشعور واللاشعور. وعلى الرغم من هذا النزاع المحتمل بينهما، نجد الإنسان مهيأ ومزوداً بطاقة الوعي.

        ينتهي هذا النزاع إلى كيان في اللحظة التي يكون الوعي قادراً على إقامة التوازن بين الشعور واللاشعور في تحقيق الكيان وفي تجاوز الأنا. هكذا يتدرج الوعي الإنساني في مراحل الأنا التي تعمل على فهم ذاتها وتجاوز ذاتها بفعل طاقة داخلية واعية تبلغ مستوى التوازن في الذات بين الشعور واللاشعور لتتوطد في كيان راسخ، متكامل تتحد فيه وظائف النفس كلها.

        التكامل في الشخصية الإنسانية يرد إلى وعي الأنا، وإذا ما تعمقنا في تساؤلنا في سبيل إدراك وتبصر أعمق لحقيقة وعي الأنا، علينا معرفة مسار التطور الذي يساعدنا على تطوير الأنا والانعتاق من قيودها. فالأنا هي التطور المتراكم عبر آلاف آلاف السنين، بل ملايين السنين والمركز في كينونة الكائن الإنساني. الأنا هي التركيز المتنامي للحياة عبر العصور المديدة المقاسة بتراكم الزمن عبر العصور والدهور. وفي هذه الأنا يتركز تاريخ الوجود على مستوى كوكب الأرض ولا يذهلنا ما يخبرنا به علماء البيولوجيا بأن الخلية تحمل، في قسم من أقسامها، ذاكرة بيولوجية دون فيها سجل تاريخ الحياة على الأرض، فالأنا تتذكر، على نحو لا شعوري، الماضي الحياتي كله، الأمر الذي يجعلها مشروطة، أي محددة ومعنية بهذا الماضي.

        إن التطور يمتنع بغير استبطان فالتطور هو تفتح وظهور لشيء سابق الوجود، إذ من أين يتم تطور الذي لم يكن موجودا في الأصل وكيف يوجد فيما بعد. وكل إنسان يدرك الأشياء حسب منظاره وبمقتضى انفتاح حقل رؤيته وجلاء بصيرته.

        وعندما تعمل الأنا على فهم ذاتها، تبدأ في إحساس بالشعور أو الوعي وعندئذ تتميز الأنا باللاشعور وهي تتذكر ماضي الحياة البعيد، وتتميز بالشعور وهي تعالج الحاضر.

        ترشدنا الحكمة القديمة إلى اكتشاف طبيعة الأنا المنغلقة "الخافية" بالعقل المميز الذي إذا أراد إدراك شيء ما أفرده مما سواه، وانتزعه مما قارنه، ثم أدركه إدراكا فاردا بذاته الفاردة القادرة، لأنه كما أن الحس لا يدرك شيئا فاردا، فكذلك العقل لا يدرك شيئا مركبا كثيفا، ولا يعلمه علما يقينا عقليا دون أن يفرد معانيه ويميزها وينتزع كل جنس منها فيجعله فاردا بذاته ليدرك معانيه كلها لدى الانفراد بحقيقتها. فإذا كانت الأنا متحققة من ماهية لطافتها عبر حيواتها السابقة، دونما تدركه بالحواس الخمس، فقد توجهت إلى طريق النجاة، وإن كانت لم تحقق شيئا من الأشياء إلا ما تشاهده ببصر الجسد وسمعه وذوقه وشمه ولمسه، فهي موقوفة على طريق العطب ومقاساة العذاب بالغرق في كثائف المركبات.

        عندما نشاهد هذه اللوحة الإنسانية الممتدة من الأنا المغلقة على ذاتها إلى الكيان المتوازن المنفتح، نلمح الاشراطات الكثيرة التي تقيد الإنسان. ونستنتج أن الإنسان يعاني من قلق داخلي مرده إلى عدم فهم حقيقته، وذلك نتاج عوائق شخصية فردية داخلية بقدر ما هي نتاج عوائق اجتماعية خارجية منحرفة الانعكاس، من غطاء كثيف للظروف المادية وغياب للمعرفة الحقيقية، وتحجر لأوهام الفكر التي أضحت أصناما من حجارة. وتعد هذه المعاناة قلقا داخليا ملازما لطبيعة الصراع الناشئ في الأنا، لرغبتها في التحرر من الإسقاطات الفكرية.

        في هذه الحالة تكون الأنا منفعلة، وبالتالي قلقة.

        ولقد عبر بعض الحكماء عن هذا الإحساس بالاحباط أو بالاغتراب أو الاستلاب. فالإنسان مغترب عن نفسه منفعل في واقعه ازاء الوجود وإزاء ذاته. فهو يعتقد بأنه "أنا منقذفة" في العالم، غريبة عن الحقيقة، لا يدري كنهها أو جوهرها. وهو يبحث عنها في اشراطاته، فلا يجدها وذلك لأنه متمرد، منفعل ورافض ولا يتم الولوج إلى محراب الحقيقة إلا بالوعي الذي يميز عمق الأنا لينقذها ويحررها من ظلمة اشراطاتها، وظروفها وإحباطاتها وقيودها.

        إذن، فالإنسان يبحث عن حقيقته، فيعجز عن إيجاد هذه الحقيقة في الأنا. وما الموقف الذي يتخذه الإنسان إزاء هذا العجز إلا موقف يشير إلى ضياع الكيان الإنساني في متاهات الأنا، فهو بقدر ما يرفض أناه يضيع في أناه، ويصبح عرضة لقلق أو توتر داخلي يقضي بدوره على تماسك كيانه ووحدة جوهره. ولا غرو، أن تحقيق الكيان الإنساني يتطلب جهدا للوعي يتدرج من إدراك الاشتراطات، والانتقال عروجا إلى الذات التي تنقسم إلى شعور ولا شعور، وإلى النفس التي تشير إلى توازن الشعور واللاشعور، وإلى الكيان لذي يشتمل على وحدة الوجود الإنساني هكذا نستنتج أن القلق نتاج انقسام الإنسان على ذاته ضمن عملية جهل، ومتى أدرك الإنسان حقيقة وحدته، توقف انقسامه، وهدأ معه قلقه.

        كيف يسمو الإنسان بالأنا، مصدر القلق والشقاء إلى الكيان، مصدر الغبطة والسعادة؟

لا يستطيع الإنسان الإفلات من إشراطات الأنا إلا بطريقتين:

أولاً:   لا يكمل الإنسان حقيقة وجوده الأرضي إلا بعلمه وإدراكه بأن تحقيق الوجود يتم من خلال ما هو عليه.

ثانياً:   لا يسمو الإنسان في سلم حقيقته إلا بتعديل دائم للأنا. ففي هذا التعديل يصعد درجات كماله، فينتقل من الأنا إلى الذات إلى النفس، إلى الكيان، إلى الروح. ولا يتم هذا الانتقال أو التحول بالتغيير الذي يتخيله، وذلك لأن المرء لا يغير نفسه، بل يعدلها. وأن مثل هذا التعديل بدوره لا يتحقق إلا بتوفر الحقائق التي تساعد الإنسان على فهم قوانين الحياة، فمن لا يؤمن بخلود الروح مثلاً تلقائياً لا يمكن أن يؤمن بأهمية ما يصدر عن عالم الروح أصلاً. فبنور قوانين الحياة ينير الإنسان سبيله وهو يجتاز جسر حياته المرتبط في نهاية بلا نهايتين: لا نهاية قدم منها وأقبل عن طريقها إلى الوجود الأرضي، ولا نهاية يرنو إليها وهو يتجه إليها وفق حكمة الوجود وجدير به، وهو يجتاز جسر وجوده، أن يعلم بأنه لا نهائي حتى في منزله لزومه النهاية.

التقمص في الفلسفة اليونانية:

        من أهم قوانين الحياة التي عالجتها الفلسفة هي مسألة خلود النفس ومصيرها بعد فناء الجسد وتحلله. الفلسفة اليونانية تناولت موضوع النفس الإنسانية، ودرستها بطريقة مفصلة وواضحة وعرفتها بتعريفات عدة. ففيثاغوراس مثلا، ذلك الفيلسوف الرياضي لم يحصر اهتمامه وعبقريته بعلم الأرقام والأعداد بل اهتم بدراسة النفس. فالفيثاغورية تؤمن بخلود النفس وتواتر الأرواح إذ تقول إن الإنسان عندما يموت تنتقل روحه إلى جسم آخر؛ إذ الروح أو النفس خالدة لا تفني بفناء الجسد حيث يروى إن فيثاغوراس كان متجسداً للمرة الخامسة (في الدور الآدمي) وأنه يذكر حيواته السابقة. وفي هذا الموضوع نجد أن أفلاطون في محاوراته يركز على التقمص كقانون، فكما تتبع اللذة الألم واليقظة النوم وكذلك الحياة يتبعها الموت أو الميلاد الذي هو العودة الجديدة لدور الحياة المتجددة.

        فإن التأرجح المتناغم للروح ما بين الموت والحياة هو النغمة الكونية منذ البدء. وهذا ما علمه أفلاطون عندما قال في مثاليته الروحية بأن التقمص ليس مسألة اختيار في الاعتقاد وليس عرضة للسفسطة والجدل إنما هو حقيقة الحقائق، وما على المرء إلا أن يدرك هذه الضرورة الوجودية وينسجم مع تناغمها الكوني أو له الحرية في رفضها والبحث في غياهب التساؤلات والأوهام.

التقمص في فلسفات الشرق الأقصى:

        كذلك نجد في الفلسفات الصينية والهندية من ينادي بخلود النفس بعد فناء الجسد وبعثها من جديد في حياة أخرى وجسد آخر.

        يقول بوذا بخلود النفس وبعقيدة التناسخ أو العودة للحياة انطلاقا من إيمانه بالسببية أو عقيدة "الكارما" التي تؤكد أن لكل شيء علة ولكل علة نتيجة فهي تتعدى الخبير والعدالة أنها تجعل الفرد وحده متحملاً نتيجة عمله، فالمرء إذا مقيد في سلسلة حلقات من التوالد التكرر، يولد هنا وبعد أن يموت يولد هناك. كالثمرة التي تؤكل وتزرع بذرتها لتثمر من جديد. قال "سامسار" (أو التقمص) هو عملية سير أبدي لدولاب الوجودات للشخص الواحد ولما كان عمر الإنسان قصيراً كان لا بد أن تنتقل النفس من بدن إلى آخر وفي كل بدن تكتسب معلومات جديدة.

        مقتبسات من خلود النفس وحقيقة التقمص راجع الضحى العدد 81 تشرين ثاني 1998.

قانون الكارما:

        ترتبط الظروف و "البيئة" الحياتية التي يمر بها الإنسان في تجسده الحالي بوشائج لا تنفصم عراها بنتائج أعماله في الحياة السابقة Karma ، فالميول والنوازع والأعمال التي يتبناها في تجسده السابق ترسم تفاصيل الحياة والبيئة التي سيولد مجدداً فيها، وحتى أنها تحدد الميول الفطرية للجسد الجديد وقدراته وإمكانياته والمحيط الذي يسهل، أو يعرقل، حصوله على المعرفة والقدرة على تحقيق الذات واستكمال ما عجز عن إتمامه في قميصه السابق، فالجسد هو بيئة الروح والنفس، كما العائلة والمنزل هما بيئة الجسد، وحصيلة الأعمال والميول هي التي تحدد البيئة الجديدة لتقمص الروح وذلك لحكمة إلهية في استخلاص العبر والاتعاظ، وإصلاح مسار الروح والتكفير عن سوء أعمالها وتصرفها وللتعويض عن تقصيرها في إدراك المعارف الإلهية والتوجه الصادق نحو الخالق بنقاء النفس وصفاء السريرة. إن المميزات الرئيسية لشخصيتنا في كل تقمص تتبدل وتتغير وفقاً لتغير البيئة والظرف، والطبع والميل، لكن الجوهر الداخلي للذات العليا في النفس أو الروح البشرية يبقى ثابتاً لا يتغير ويتغذى بكل التجارب والاختبارات الروحية والجسدية عبر تعاقب الحيوات وتبدلها. إن الذات العليا هي شرارة إلهية ونواة روحية لكل تجسد إنساني، في حين تعتبر الذات الدنيا بمثابة ظهورات متعاقبة متغيرة للذات العليا في وعاء المادة حيث تكسبها الغنى الروحي والتطور والتناغم عبر إدراكها لحكمة التجارب والمحن. هذا هو أحد المبادئ الروحية الرئيسية للتقمص، إن جوهر التجربة ومغازيها والأهداف السامية التي تكمن وراءها تترسخ في الذات العليا في سياق تطورها ورقيها في معارج السمو، لذا إن ما يدوم وينتقل عبر كل التقمصات هو خلاصة القيم والمبادئ الروحية والجوهر الأخلاقي الذي هو غذاء الروح عبر كل الأجيال، في مسيرتها من حياة إلى أخرى لتسمو في مدارج التسامي وديمومة الاختيار وسيرورة الترقي لاستكمال سعادتها الأزلية الخالدة عبر رحلتها اللامتناهية في تبدلات ثوبها التجسدي، وذلك بتسديد ديون الكارما والغفران والتطهر بالمعاناة والآلام والمكابدة ودفع ثمن نتائج الأعمال المعجلة، عبر الحياة الواحدة، والمؤجلة عبر تعاقب الحيوات. وكلما عرف الإنسان ذنوبه ونتائج أعماله، وتقبل عقابه بصبر ورضى وتعقل، سدد دينه وتخلص من أثامه بسرعة دون اعتراض وبمنتهى الرضى والتسليم لأن ذلك مقتضى العدل الإلهي.

        لكن السؤال الذي يطرح نفسه:

        هل يستطيع الإنسان أن يعرف ما اقترفت يداه وما اجترح من أعمال سيئة أو خيرة في حياته السابقة؟

        لا يستطيع الإنسان تذكر حياته السابقة إلا في بعض حالات النطق التي يتذكر فيها الطفل بعض الذكريات البارزة من تجسده السابق، والنسيان هو نعمة إلهية للنفس كي لا تنفطر من وطأة الآلام والمعاناة التي اختبرتها في الحياة السابقة، لكن بعض التأملين الذين سبروا أغوار ذواتهم لاستخراج دررها المكنونة استطاعوا أن يتعرفوا على بعض اختبارات تجسدهم السابق.

        حين يريد التلميذ استظهار قصيدة من غياهب ذاكرته، ما على الأستاذ سوى أن يذكره بالكلمة أو الجملة الأولى، وبقية القصيدة تتدفق تلقائياً من ذاكرة حافظته، وكذلك الأمر إذا استطاع المتأمل التقاط لمحات من حياته السابقة في تأمله العميق في ذاته العليا، فإنها قد تفتح له صفحات من التجارب والاختبارات يستخلص منها العبر وتجلو له أسباب معاناة حياته الحالية. والتقنية هذه تبدأ بالتركيز على مشكلة نعتقد أنها وليدة أعمال سابقة وجذورها ضاربة في تفاصيل التجسد السابق، وتلك المشكلة تكون بمثابة خيط دليل يشدنا عبر أنفاق الوعي المتعاقب نحو مخزون اللاوعي الروحي.

        إن صفاء الروح المتأملة يتخطى أبواب الحواس الخمس ليسمو لما وراء حجبها المسدولة لتركيز الأنوار وتسليطها على مرآة الذات والنظر بعين العقل، في استغراق تأملي بجوهر المشكلة التي ينبئنا حدسنا بأنها نتيجة تجارب سابقة دون الوقوف على تفاصيلها أو الحكم عليها، نكون قد اتخذنا مفاهيم الكارما غذاء للروح وعظة للنفس ودرساً لحياتنا الحاضرة لجعلنا أكثر رضى وتقبلاً للواقع الذي نصنعه ونلوم الآخرين غالباً.

        إذا استمر التأمل على هذا المنوال ما بين اليقظة والنوم، تلك الفترة التي يعتبرها البعض مصدراً للإلهام والعبقرية، دون أن نبذل أي جهد تظهر لمحات أو ومضات من الصور على شاشة الوعي، وهنا يجب عدم التوقف عند هذه الصور أو إجهاد أنفسنا في استنباط معانيها وذلك لنجعلها تبرز بعفوية. إن المهارة في تطبيق هذا المنحى التأملي تقع في استنباط معانيها وذلك لنجعلها تبرز بعفوية. إن المهارة في تطبيق هذا المنحى التأملي تقع في التقاط الانطباعات واللوحات البصرية التي تتوفر لنا حين يعبر العقل من حالة وعي إلى أخرى، وحين يتمازج مستويان من الوعي نكون قد وصلنا إلى نقطة التقاء ما بين الوعي الموضعي Cconsciousness وما دون الوعي subconsciousness، إن الانطباعات العفوية هي الأكثر قيمة لأنها تنبع من اللاوعي unconsciousness وتطفو على سطح "ما دون الوعي"، في حين أن الانطباعات التي توجه وتخضع للإرادة تنبع من الوعي الموضعي consciousness.

        بصبر ومتابعة يكتسب المتأمل مهارة في استخلاص تلك الانطباعات حين تفتح أبواب الوعي وتهب نسميات صورية وشعورية من باب إلى آخر لتحمل معها "أجواء" من المشاعر وخلاصة التجارب السابقة، تتحقق البراعة في الانزلاق بسهولة وسلاسة، بعين البصيرة، من حالة وعي إلى أخرى. إنها محاولة تأرجح توازني بين جناحي الوعي، للدخول في مخزون اللاوعي، وكلما كانت الذكريات قريبة من السطح كان ظهورها أسرع وأوضح. إن تكرار العملية هذه يظهر لمحات صورية قد نستطيع تركيب لوحة تذكرية منها. وهنا حين تظهر ذكرى تقمصية سابقة فإنها تعرف من العاطفة التي تصحبها. إذا ما بين اليقظة والنوم، نستطيع مشاهدة انطباعات بصرية متتالية على شاشة الوعي تسبح أحيانا أمام أعيننا المغمضة مشحونة بأحاسيس وعواطف الحياة السابقة!! وكلما كانت الصور أكثر دراماتيكية وتأثيراً في تلك الحياة صحبتها مشاعر جياشة و "أجواء" عاطفية، وقد لا تتعدى كونها لمحة عابرة أو ومضة بصرية خاطفة لغرفة أو قرية عشنا فيها يوماً أو مدرسة جلسنا على مقاعدها في "جيلنا" الماضي، وتثبت تلك العاطفة الجياشة حقيقة التجربة، وعلينا في تلك اللحظة أن نركز على هذه المقتطفات البصرية حتى لا تذوي في طيات اللاوعي ونفقدها مجدداً. قد تكون هذه العواطف سارة لكنها قد تكون مؤلمة أو حزينة أيضاً، لذلك يقتضي الحذر حين تنفتح مغالق ما دون الوعي ومنافذ العقل الباطن (اللاوعي) ليتدفق نزر يسير من المخزون الروحي الذي غالباً ما يكون كافياً لإحداث يقظة مشاعر وتفكير وندم في ما اقترفت النفس عبر تجسداتها، وفي دين "الكرما" الذي يتوجب على الإنسان أن يسدده ليتحقق القانون الإلهي العادل، فإن صعوبة زماننا هي نتيجة لسوء أفعالنا فلا بد من تحمل تبعات الأعمال، ولا بد في المقابل من أن تسنح الفرص للتكفير عنها في حياتنا الحاضرة ولا بد من الاستفادة وأخذ العبرة وتلافي الأخطاء وبالتالي عدم الوقوع تحت أعباء ديون جديدة.

        إن هذه المقتطفات تكون بمثابة روابط مغنطيسية تجذبنا إلى اختبارات حياتنا السابقة، وإذا زود الوعي بالملامح الصورية الكافية باستخدامه تلك اللمحات والومضات الآنفة الذكر لإظهار حقيقة تلك الانطباعات والتأثيرات العاطفية، فمن المحتمل مع دراستنا البيئة والمحيط اللذين ترسمهما لنا تلك اللمحات أن نتعرف على مكان وزمان تجسدنا السابق في تأملنا لمجموعة الذكريات والعواطف المصاحبة، لعلنا ندرك سبب تقصيرنا وسوء أعمالنا التي انعكست نتائجها علينا عذاباً أو شقاء أو معاناة وحرمانا، فتلك الأعمال كما ذكرنا هي التي ترسم لنا مكان ولادتنا الجديدة والبيئة والجسد والعائلة والوضع الاجتماعي وحتى الظروف التي تسهل أو تعرقل معرفتنا لحقيقة الوجود وإدراك جوهر الذات والحكمة الإلهية. فأعمالنا السابقة تحدد توجهاتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا في كل لحظة نعيشها في الحاضر ومن لطف الله بنا أننا لا نتذكر بالتفصيل أسباب هذه المشاعر والأحاسيس فقط نعي بعض الشيء من المنطق الذي يحركها. قلة قليلة كالأنبياء والرسل المقربين لديهم القدرة على تحمل هول الذاكرة الكونية.

        لقد عرف بوذا مثلا عدة أدوار سابقة له وتذكر كيف ترقى عبرها في معراج المعرفة حتى وصل إلى مرحلة البوديستاف، والفيلسوف الإغريقي فيثاغوراس تذكر أكثر من خمس حيوات سابقة، كان في إحداها بطلاً شارك في حرب طروادة. إنها تجربة لا تقدر بثمن حين نتذكر الأعمال التي اقترفناها سابقاً وندفع ثمنها الآن ليتم العدل الإلهي، إن إدراكنا لمسببات الكارما هو امتداد لآفاق بصيرتنا ووعينا وتطورنا الروحي ومعارفنا الدينية وخير دليل يساهم في صناعة قدرنا المستقبلي. "فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره". إن حصاد نتائج الأعمال ومنتهى الحكمة والعدل يتجلى معاني الرحمة الإلهية.

        قانون الكارما والعدل الإلهي (رحلة عبر أنفاق الوعي) راجع الضحى العدد 73 آذار 1998.

        لقد أذهل غايس النائم غايس الصاحي، كما أسلفنا، عندما بدأ ينطق بأمور فلسفية وماورائية مثل التقمص وسوى ذلك، وهي أمور أبعد عن ثقافة غايس (الصاحي) العلمية، فضلاً عن أنها تتعارض مع إيمانه الديني الذي ترعرع عليه، وقد أخذت منه هذه المفارقة بعض الوقت حتى سلم بها وأذعن لها. وهو يقول، أو بالأحرى تقول القراءات، إن النفس الإنسانية موجودة بحد ذاتها وفيما يتعدى الجسد الذي تسكنه بإرادتها وهي بذلك تختار جسدها، ووالديها، وعقباتها وامتحانات حياتها التي ستبتلي بها، والبعثة التي قدمت من أجلها. ولذلك قد يكون امتحان الغنى أشق على بعض الأنفس من امتحان الفقر، وقد تستكمل النفس ترقيها ومعرفتها عبر سلسلة من التقمصات، ويكون دورها في كل جيل تكملة لما توقفت عنده في جيلها السابق... وهكذا يكون مبدأ "الكارما" تأثيراً للحيوات الماضية، وهو عادة في طي النسيان، في الحيوات اللاحقة... وقانون الكارما هذا يختلف عن قانون (السبب والنتيجة) Cause and Effect في شيئين إثنين:

        الشي الأول: إن الكارما تشتمل في نطاقها على مجموعة من الحيوات، بينما قانون السبب والنتيجة يتحقق في نطاق الحياة الواحدة.

        أما الشيء الثاني: فهو أن قانون الكارما ليس حتمياً كقانون (السبب والنتيجة)، ويمكن للنفس الراقية محو ديون الكارما عن طريق المحبة وعدم معاندة الخالق والترقي في المعرفة والانخراط في واجب الخدمة وهذا ما يفسح المجال لتطبيق قانون آخر هو قانون (الفضيلة) Law of Grace وإلا فإن قانون الكارما يطبق بشكل لا مناص منه وجزاء بجزاء، أو لربما يتعاظم حجم الكارما بالنسبة للنفس الجاهلة العاصية، فتتراكم عليها ديون جديدة. ولا يمكن بأي حال لأي نفس أن تورط نفسا أخرى في (كارما) إذ لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت.

        مقتبسات من مجموعة الضحى لادغا غايس.

التقمص في علم النفس:

        يعتبر علماء النفس أن انفعالات الحالم والصور الذهنية التي يشاهدها أثناء نومه ما هي إلا وليدة ذكرياته وتجاربه اليومية وأحاسيسه المتراكمة التي تتركب منها الأحلام بإبداع سوريالي. لكن هل تساءلنا يوما ماذا يحلم الطفل الوليد لتظهر كل تلك الانطباعات على وجهه منذ أيامه الأولى، من خوف ودهشة، وغضب وحزن، وفرح وبشاشة فضلاً عن انفعالات أخرى؟.

        هل رأيت مولوداً نائماً وهو يضحك ثم يحزن ثم يغضب، ثم يمتلئ وجهه فرحاً وبشاشة، وعيناه تتقلبان تحت جفنيه ذات اليمين وذات الشمال وعيناه تتقلبان تحت جفنيه ذات اليمين وذات الشمال وكأنه يخاطب أحداً؟ وإذا سلمنا جدلاً أن بعض التنبيهات الحسية كالجوع أو الألم والبرد تجعل الوليد يبدي انزعاجاً أو بكاء، ماذا عن الانطباعات العاطفية الأخرى، وما هو مصدرها، وهل تلعب الفطرة الغريزية أو العوامل الوراثية والهرمونات الأمومية دوراً في تحريكها وإظهارها كما يدعي البعض؟

        إنها شطحات علمية غير مقنعة، لأن التنبيهات الحسية لا تتوالى بهذه السرعة والمزاجية لكي تتعاقب تلك الانفعالات على وجه الطفل. إن المواليد الجدد يظهرون أثناء "النوم المضطرب" انفعالات أساسية لا تتكون مسبباتها عند الطفل في يقظته قبل مرور أسابيع عدة يكون قد تعرف بعدها على محيطه وبيئته وبعض التجارب الأولية، في حين أن الانطباعات التي تظهر لدى الطفل في حالة الحلم هي بعيدة عن متناول ذاكرته وإدراكه الحديث، حيث يمضي الطفل معظم يومه نائماً وحالماً!

مراحل النوم:

        ولنلق الضوء على آلية النوم وحدوث الحلم كما أظهرت الأبحاث السيكولوجية الحديثة التي تمت بفضل جهاز تخطيط الدماغ E.E.G كي نتعرف على فترة النوم المضطرب الذي يحدث فيه الحلم بعد أربع مراحل متعاقبة من النوم البطيء وهي:

المرحلة الأولى: مرحلة النعاس وبدء النوم حيث تبدأ موجات ألفا الدماغية بالتلاشي. 

المرحلة الثانية: تلي المرحلة الأولى بدقائق قليلة، حيث تستقر الموجات البطيئة على عمقها، وتظهر أثناءها ظاهرة علمية تسمى "معزل النوم" Spindle تسببها موجات "بيتا" Beta.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة الانتقال نحو النوم العميق، وتظهر أثناءها موجات "دلتا" Delta

المرحلة الرابعة: يسود النوم العميق مع موجات دلتا أكثر بطئاً. ويطلق على هذه المراحل الأربع اسم النوم البطيء S.O.L

أما المرحلة الخامسة: وهي مرحلة النوم المضطرب أو النوم المفارق كما أطلق عليها العالم الفرنسي "جوفه" Jouvet، فهي المرحلة التي تظهر فيها الأحلام حيث يصعب إيقاظ النائم، وتعرف أيضاً باسم "فترة النوم ذي الموجات السريعة" S.O.R التي تظهر أبانها "حركة العين السريعة" R.E.M (Rapid Eye Movement). وهذه المستويات الخمسة تحدث بشكل متعاقب عدة مرات خلال النوم ويتعاقب ظهور الأحلام في آخر كل دورة. 

إن فترة النوم المفارق تستغرق أكثر من ربع مرحلة النوم عند البالغين في حين أنها تستغرق أكثر من 60% من مدة نوم الطفل في اشهره الأولى و 30% في سنته الثانية وتتناقص هذه الفترة حتى سن السابعة أو الثامنة حيث تطغى مراحل النوم البطيء. والطفل، كما هو معروف سيكولوجيا، ينام في أشهره الأولى أكثر من 16 ساعة يومياً وتحتل فترة النوم المضطرب أكثر من 60% منها كما ذكرنا، أي وبلغة أخرى أن المولود الجديد يحلم فترة كبيرة من يومه وهو لم يختبر بعد العالم المحيط به في اليقظة ولم يدرك عناصر كافية ليتم تركيبها في الحلم. إذا ماذا يحلم المولود، وما هي الصور والخبرات التي تتركب منها أحلامه؟ ولماذا نسمعه أحياناً يبكي وهو يحلم وعلامات الحزن بادية على وجهه؟ ليست التنبيهات الحسية وراء هذا بالتأكيد!!!

عناصر الحلم الطفولي:

        إن الحلم الطفولي يستمد عناصره من ذكريات الحياة السابقة حين يستحضر صوراً ومشاعر من التجسد السابق يصعب إيجاد رابط لها في الحياة الحاضرة، فللأحلام سلطان على ذكريات الحالم لا تنال في حياة اليقظة فقط بل غالباً ما تكون بمثابة خيط دقيق يصل الحالم بحياته الغابرة، ويربط واقعة الحالي بالهدف النهائي السامي لتعاقب تجسداته، فالحلم ينطوي على معان تفوق دلالاتها المعاني الذهنية، فهو يرتب وينظم الصور والذكريات والمشاعر وفق منطقه الخاص الذي يخالف منطق اليقظة، لذلك يتسلل الحلم إلى الذاكرة أثناء النوم ويستخرج الذكريات والمشاعر من أعماق اللاوعي ويستخدم صوراً بصرية انفعالية مستخلصاً تجارب معاشة في حيوات سابقة، فهو يمهد الطريق إلى أعمال النفس ويفتح نافذة مشرعة نحو آفاق متباعدة من الخبرات والمعاناة السابقة بلغة رمزية تحتاج دلالاتها وإشاراتها ومعانيها المرمزة إلى تأويل لفهم مغزى رسالتها التي غالباً ما تكون توجيهية أو تحذيرية. إن معرفة الأحلام وتحليلها هما أشد عمقاً من تحليل سلوكنا اليقظ، وما عجزنا عن فهم ما تنطوي عليه بعض الأحلام إلا نتيجة تقصيرنا عن معرفتنا لأنفسنا في حالة اليقظة ولعدم إدراكنا لأسباب وجودنا.. من أين وإلى أين...؟

رسائل الذات:

        تجد النفس حكمة في تقليب صفحات الحيوات السابقة وإعادة تجسيد بعض التجارب في صور ذهنية حلمية لكشف بعض الجوانب المظلمة ولاستخلاص العبر كي تدرك مسارها الروحي وتطوره ولتجد قسطاً من الطمأنينة في التجسد الحاضر بتذكر بعض تفاصيل "الجيل" الماضي لفهم الحاضر وتقبله. ولهذا السبب اعتقد بعض الشعوب القديمة أن روحا حارسة تخاطب الأرواح من خلال الحلم برسائل إيحائية مبطنة تساعد الإنسان على فهم شخصيته، فإن لغة الأحلام هي بمثابة رسائل غير كلامية، والفهم الحقيقي لرسالة الحلم ومغزاه يجعلنا نفهم وجودنا الحالي أكثر عمقاً ووضوحاً، ويساعد في حل المشاكل التي تواجهنا، فاللاوعي أو العقل الباطني unconsciousness ليس سلة مهملات يرمي فيها الوعي كل الممنوعات الأخلاقية والمكبوتات النفسية. كما أن الأحلام ليست لغة رمزية سرية تعبر عن اندفاعات الرغبات كما يدعي "سيغموند فرويد"، بل هي تجارب نفسية تدفع الإنسان نحو الفضيلة وانتهاج الأعمال الصالحة فتغني تجارب حياته وتضيء بعضاً من جوانب وعيه.

        إن الأحلام المتكررة منذ الطفولة، التي تعاود الظهور وبنفس المضمون الذي لا يمت بصلة إلى أي من ذكرياتنا أو خبراتنا أثناء اليقظة، هي نتيجة للروابط الاستدعائية لمغزى روحي. ومن هذا المنطلق اعتبر العالم النفساني "بورداخ" أن الأحلام هي إحدى المكرمات الخفية في طبيعة الروح المنطوية على دوائها، فيما رأى العالم البريطاني "هادفليز" Hadfiels أن للأحلام وظيفة أساسية هي حل مشاكل النفس، فالحرمان من الحلم يؤدي إلى حالات جنون وهستيريا، وولوج أبواب الحلم العاجية يغمر النفس أحياناً بهالة من الرهبة والقداسة لتحلق في جو أثيري وأطياف تذكرية هيروغليفية، حيث تصدح لغة العقل الباطن بمخزونه وتوجهاته الروحية، وحيث تمرح خبرات منسية في أعماق الذات لتلعب على مسرح الحلم فصولاً نورانية ذات رسالة هادفة، ولذلك أعتقد الشاعر النفسي "جيرار دي نرفال" أن الإنسان يعيش حياة ثانية في الحلم في خط متواز مع حياته الواقعية، في حين أقر عالم النفس الشهير "كارل يونغ"، مؤسس علم نفس الأعماق Transpersonal، بوجود أصل دائم وراء شخصيتنا المتبدلة، هي الذات العليا التي ترتدي ثوباً جسدياً أي الشخصية الخارجية لتكتسب تجارب غنية، ويعتقد أن الذات الدائمة تلك تعيش مجدداً في شبه حلم، كل تجاربها السابقة لحكمة بالغة.

        حين نعبر من عالم الواقع المادي إلى عالم الأحلام الروحاني، تبدأ الذات باستعراض صور تكبها في لوحات سوريالية وتسترد ذكريات غابرة وعواطف دفينة منذ أجيال لتدبلج رسالة روحانية...

        لنقرأ هذه الرسالة بعمق، ولنصغ إلى نداء الحلم علنا نفقه المغزى الروحي.. "لا توقظوا النيام وهم يحلمون..!!

        لغة الحلم وذكريات الحياة السابقة (الأحلام.. رسائل روحانية على مرآة الوعي) راجع الضحى العدد 71- نيسان 1998.

        يقول البروفسور الأخصائي "د. أيان ستفنسن"، منذ حوالي أربعة عقود في أبحاث التقمص وما يتعلق به. أنه يضع ست ملاحظات على افتراضات مؤسس علم النفس الجنسي، سيغموند فرويد حول موضوع التقمص:

أولاً:   أنه اعتبارا لأقول ومشاهدات العديد من الشهود لحالات عديدة من شواهد التقمص، أن تفسير فرويد للموضوع بأنه من عمل المصادفات أو فعل الذاكرة الجمعية في الذاكرة الفردية لشخص ما هي افتراضات لا تصح أبداً في تفسير أكثر حالات التقمص التي درستها.

ثانياً:    كذلك تفسرها بالتشكيل الذهني والتي تفسر بالمراجع الحديثة بالذكرى الخفية قد تكون مقبولة نوعا ما في بعض الحالات القليلة الضعيفة التأثير. أثر تعارف أسرتين تذكر أحداها، إسم أحد أفرادها المتوفين، مع نبذة عن ميوله وأعماله وآثاره وأقواله. لكنها بالفعل تنتقص كلية في الحالات الغنية بالتفاصيل حيث يحتفظ الطفل بطبيعة شخصيته السابقة في جيله الماضي، لأكثر من سبع سنوات أحيانا دون أي تغيير جوهري في وعيه وشخصيته طيلة هذه المدة. كذلك لا تستطيع افتراضات فرويد أن تفسر لنا، معنى المعلومات الشخصية الحميمة والخاصة التي يحملها الطفل من جيله الأسبق وشخصيته الماضية دون الافتراض أن علاقات واسعة ودقيقة، قد قامت بين الأسرتين، هذه العلاقات العامة التي لم يتم حصولها في أكثر الحالات. بل كثيراً، ما كانت تحصل عرضا أو صدفة.

ثالثاً:    الحواس الخارقة وإدراك ما فوق الحواس بحسب التفسير الحديث للمادة. مع القدرة المتفوقة على التمثيل أو التشخيص هذا الافتراض يجب أن يبتسر كثيراً حتى يمكننا من تفسير بعض الحالات النادرة الغنية بالظروف والوقائع.

        إذ كيف يمكن لهذا الافتراض أن يفسر لنا، التنظيم الدقيق والصحيح للمعلومات في ذاكرة الطفل، عن طبيعة حياته السابقة وطبعه وانطباعاته وميوله في الشخصية الأولى المتوفاة وليس لهذا الافتراض أن يجيب أبدا عن سر المهارات والمهن التي يتقنها الطفل، والتي لم يكن ابدا قد عرفها أو تعلمها في حياته الجديدة.

        كذلك يعجز هذا الافتراض، أن يبين لنا، لماذا تحافظ شخصية الطفل لسنوات عديدة، وبطبيعة وطيدة، قريبة بل مشابهة تماما، في أكثر الأحيان لماهية الشخصية السابقة. دون أن يكون للطفل أي دوافع أو حوافز تدفعه أو تحفزه لذلك.

        كذلك يستغرب، أن يكون للتأثير الأسري، أو العائلي، القدرة على جعل الطفل يستمر في شيء. الأمر الذي لم يلاحظ علماء النفس، ولا الأطباء النفسيون، وجوده حتى لدى الأطفال المضطربين نفسياً، وغير الأسوياء على أي صعيد كان.

رابعاً:   المهارات التي يحسنها الطفل ولم يكن قد عرفها أو تعلمها أو حتى ورثها من أبويه. هنا لا بد أن نضع احتمالين: الاستحواذ أو التقمص؟ ولكننا لا نستطيع أن نقطع بأحد هذين الاحتمالين من مجرد درس المهارات الجديدة فقط.

خامساً: لأن أكثر ملامح وظواهر هذه الحالات لا تسمح لنا بالافتراض الجازم لأحد هذين الاحتمالين، الاستحواذ أو التقمص.

        لأن مطابقة الكثير م هذه الحالات في تذكرها للجيلين بدقة وصدق يجعل الموضوع في غاية الدهشة لأن من المعروف، أن في علم النفس قانوناً يقول (التعرف يزيد التذكر)، واعتبارا لأصول هذا القانون الأكيد، لا بد من تفسير هذه الظواهر جميعها بحسب نظرية التقمص التي تهيمن هنا على كامل الموضوع وتصبح أكثر معقولية بكثير من نظرية الهيمنة أو الاستحواذ.

سادساً: أما الحالات التي تظهر فيها عند الولادة أنواع من المعاملات أو أحيانا تشوهات خلقية ما. فهذه العلامات الأكيدة الموثوقة تقطع بصحة تفسير التقمص للموضوع دون أدنى لبس أو شك. وحيث أن هذه الحالات لا يمكن تشويهها أو تفسيرها بحسب أية أفكار نظرية، أو نظرات فلسفية أو نفسية، لأنها وقائع محصنة لا تقبل غير التفسير العلمي..

        فهي لذلك، وعلى كل حال. تتضمن الحالات الواضحة الصحيحة وهي تعطينا بصورة قاطعة مميزة، الدليل على صحة تفسيرها بالتقمص وتستبعد أي تفسير آخر يمثل امتلاك الحواس الخارقة للذاكرة الخفية أو الاستحواذ.

        وقد كنت في دراساتي وأبحاثي السابقة، محايداً تماماً، بين كل التفسيرات والنظريات في عالم النفس بالنسبة للقطع برأي نهائي في هذا الموضوع.

وقد حافظت على هذا الموقف، وقد كنت أظن أن في ذلك موضوعاً، من تشكيل الذاكرة بالإضافة غلى بعض التخاطر العلمي الماضوي. ولكنني وجدت نفسي أخيراً، آخذا برأي التفسير الخلودي والاقتناع بالتقمص، كتفسير وحيد لجميع هذه الظاهرات والظواهر التي حيرت العلماء لأجيال وأجيال. وحيث كنت أشغل نفسي دائما في التفتيش على الأدلة المصدقة للتقمص وجدت أن كل هذه الوقائع لا بد أن تجد تفسيرها الصحيح في موضوع التقمص الذي يعطيها حقيقتها ويستجيب لكل القضايا والتساؤلات التي تطرحها. لذلك أرجو أن يقتنع تلاميذي وقرائي أنني قد توصلت إلى ذلك الاستنتاج بطريقة علمية. وأنا أقول ذلك لهم بكل صدق ويقين بعد أن عرضت واستحضرت ما لا يحصى من الشواهد والأدلة. وكانت قناعاتي هذه تزداد اطرادا كما تقدمت في أبحاثي وتعمقت في تحليل الوقائع التي حصلت عليها بعد طول العناء.

        وهذه القناعات قد زادت كثيراً وأصبحت أغنى خاصة بعد مشاهدة الكثير من الحالات المختلفة والمتنوعة من ذكريات الأطفال العديدين الذين تأكدت بكل الوسائل الممكنة أنهم كانوا يحملون فيها معلومات مهمة، دقيقة التمثيل والتشخيص، لشخصية خاصة، حميمة، وصادقة عن أجيالهم السابقة وشخصياتهم الماضية ومن أهمها ممارسة مهارات ومهن لم يتعلموها في جيلهم الحالي، بكفاءة ممتازة أو معقولة. وكذلك من العاملات التي رافقتهم منذ ولادتهم والتي كانت تميزهم في حيواتهم السابقة أو التي احتفظوا بها على أثر موت مفجع من ندب على أثر عملية ذبح في جيل سابق، أو أثر رصاصة أصيب بها أحدهم في حياته الماضية فانتقلت صورتها في الطفل الوليد منذ الولادة. كذلك منها بعض التشوهات الخلقية التي رافقت الوليد الجديد.

        كل هذه الدلائل، جعلتني أرى في افتراضات فرويد أفكارا سلفية سبقها الزمن فتجاوزها ورفضها. العلم لا يقف ولا ينتظر. بل هو دائماً يفتش عن حلة جديدة وحقيقة ذات برهان يقف عليها ويقوى بها لأن العلم هو الحياة والحياة التي ترتكز على العلم تستمر وتبقى وتخلد بينما تسقط الأوهام وتضيع في متاهات الغمام.

        التقمص حقيقة علمية عالمية (للأخصائي الدكتور أيان ستيفنسون) راجع الضحى العدد 79 أيلول 1998.

كيف تؤثر الأجيال السابقة في الجيل الحاضر؟

        قال الأخصائي النفسي "جيردهام" إن مهمتنا التالية في طريق نمونا وتطورنا هي مهمة معرفة وتمييز مدى تأثير الفكر المتغلغل في المادة، ولقد بين في كتابه We Are One Another أن سبب اهتمامه بتجارب الأجيال الماضية هي لجهة تأثيراتها المرضية في الجيل الحاضر، كما تصادف في أثناء العمل على تحليل أسباب عدم استجابة تلك الأمراض للوسائل الطبية الحديثة، أن مردها هو تلك الكوامن الدفينة الضاغطة من حياة سابقة على حياتنا الحاضرة، هذه الاكتشافات تم التوصل إليها في الولايات المتحدة الأمريكية حديثاً وبدأت في الانتشار عبر المحيط. طريقة تأثيرها وعملها وصفها الأخصائي النفسي "موريس نذرتون" من "لوس أنجيلوس" بالتعاون مع زميلته "نانسي شيفرين"، وهو مؤسس معهد الوعي بالحيوات الماضية في كتابها وعنوانه "المعالجة بالأجيال الماضية".

        يكتب "نذرتون" أنه يؤمن إيماناً قوياً مطلقاً في طاقة وقوة العقل الباطني، ليس فقط على التقاط أحداث من الأجيال الماضية فحسب، بل على مدى إمكانية تأثره بما يلتقطه من عوارض مرضية حادة، وهي التي تترك الناس في حال من الذهول والشك والريبة. كتب "نذرتون" أن مرضى عديدين يشككون بحقيقة التقمص لأنه لم يجر حتى الآن التأكد منها وإقرارها كحقيقة ثانية، وهو لا يجادل في ذلك ويقول: "إنه يشك فيها، لكن طالما أن هناك إمكانية لإجراء تجارب من أجل إثباتها وتأكيدها، يجب أن نأخذها بتجرد كفرضية ملائمة مريحة تترجم ترجمة منطقية، كيف أن أفراداً وهم في شبه غيبوبة يصبحون أشخاصاً آخرين يتكلمون وكأنهم يعيشون في قرن زماني آخر، أو حقبة زمانية أخرى ويأتون بإثباتات ودلائل، أو يتكلمون لغة غريبة ثم يقول: "ليس هدفنا إثبات حقيقة التقمص أو حقيقة تجارب التقمصات السابقة، هدفنا الحقيقي والمهم هو إثبات فعاليته أثناء استعماله كأداة في شفاء المريض من اضطرابات سلوكية نفسية اجتماعية".

أشرطة تسجيل بلوكسهام:

        ربما تكون الأشرطة حالة معروفة عن تجارب جيل ماض، جرى استرجاعها تحت تأثير التنويم المغناطيسي، أجراها "أرنولد بلوكسهام" وهو معالج في التنويم المغناطيسي تلقى دراساته في كاترديف في مقاطعة ويلز، تحت التنويم صارت "جانز إيفانز" امرأة أخرى تدعى "ريبيكا" عاشت في "يورك" في القرن الثاني عشر وكانت إحدى ضحايا "البوجروم" في سنة 1189، فقد عاشت في سرداب مظلم تحت كاثيدرائية، ووجود مثل هذا السرداب كان مجهولاً لغاية قيام التليفزيون بتصوير برنامج تلفزيوني بريطاني وليس من الممكن أن تكون قد عرفته في هذا الجيل، وكان هذا أساساً لكتاب لـ "جيفري ايفرسون" المعنون بـ "أكثر من حياة واحدة".

        More Lives Than One ومن وجهة نظرهم الخاصة ليس المهم أن كانت استعادة "جانز ايفانز" تجربتها المرعبة في أثناء التنويم المغناطيسي، هي نتيجة استعادة تجربة في أحد الأجيال الماضية فربما تكون كما يظن البعض انبثقت عن تخيلات ذاتية صادرة عن كوابيس حلمت بها والتصقت وتكثفت في عقلها الباطني، فهم يناقشون أن مشاعر مكبوتة أيا كان مصدرها، إن لم تستخرج من العقل الباطن قد تصبح سبباً مدمراً لحياتنا ويبين "موريس نذرتون"، كيف تظهر آثار العجلات أو آثار الحروق على جسد المريض أثناء استعادته صدمات قديمة من أجيال ماضية خلال التنويم المغناطيسي كما حدث لهؤلاء البريطانيين، الذين تبين أنهم "كاثاريون"، في حيواتهم السابقة، لاقوا حتفهم تحت التعذيب في المعتقلات بسبب انتمائهم لإحدى الجماعات الدينية المتصوفة الزاهدة. وفي أحيان كثيرة تظهر آثار الأجيال السابقة بشكل كوابيس مخيفة تتراقص على بحر الوعي، لكن تأثيرها السيء يزول فيما بعد كما يحصل في الكوابيس الليلية التي تزول آثارها في حالة الاستيقاظ. من هنا نرى مصدر كل ما هو مستعاد باطنياً أثناء العلاج بالتنويم المغنطيسي، غير مهم على الإطلاق سواء أكان مصدرها في حيوات ماضية أم خيالي بسبب كوابيس لا أساس لها من الصحة.

        ليس المهم إثبات حدوث هذه التجارب المؤلمة أم لا، بل المهم فعلاً أن هناك أحداثاً موجودة في عقل المريض تظهر وتؤثر عليه في يقظته وفي أحلامه، وهدف هذه المعالجة إبرازها للوعي ليتم إدراكها، ثم إزالتها وإزاحتها.

        يقول الكاتب "فيور" في مقدمة كتابه You Have Been Here Before (أنت أنوجدت هنا من قبل) إن "هدف هذا الكتاب هو تقديم نظرية التقمص والكارما للقارئ لكي يحاول أن يفهم لماذا نحن هنا وكيف نستطيع الارتقاء بأنفسنا. ليست مهمتي إقناع أي فرد بتغيير معتقداته في الماورائيات أو الأثير بأي طريقة على المعتقدات الدينية أو الروحية، ومن لديه تساؤلات عن هذا الموضوع فهذا الكتاب يفيدهم كثيراً أما التساؤلات من نوع: هل هناك تقمص وما هي خياراتنا إذا كانت لدينا خيارات؟ فهذا الكتاب يجيب عن تساؤلاتهم. الأحداث التي أرويها في هذا الكتاب ضرورية لفهم الكارما في مضمار السببية cause & effect كل امريء لديه كارما وهي حلقة متصلة وفهمنا واستيعابنا لهذه الكارما يجعل حياتنا أسهل، وهدفي من الكتاب مساعدة الإنسان على تفهم ما يفعله وبذلك يتجنب تكرار الأخطاء في الحاضر والمستقبل أي جيلاً بعد جيل. عندما أقوم بتنويم مغنطيسي لمريض أتوصل إلى فهم عميق لتصرفات الناس وأخلاقياتهم أكثر مما أحصل عليه من أي مصدر آخر. من حق القارئ أن يقبل أو أن يرفض هذه النظرية أي (التقمص والكارما) ومن حقي تنوير الناس بتأثيرات ما يقومون به طالما "إن أعمالكم ترد إليكم" أو "من يعمل مقدار ذرة خيراً يره، ومن يعمل مقدار ذرة شراً يره" بعد تصويب الرابطة الطبية الأميريكية السابقة للتنويم المغنطيسي في العام 1958 لتلك المعلومات الخاطئة عنه، كان لا بد من تغيير في المجال والاستفادة من هذا المجال العلاجي الرائع لفهم الحياة بشكل أفضل، كأن نأخذ أشياء ونعطي بدلاً عنها أشياء أخرى، المرء له ما له وعليه ما عليه. تجارب العديد في التنويم المغناطيسي قادتني إلى الإيمان المطلق بحقيقة التقمص والكارما ولم يكن لدي سابقاً أي إلمام بالمعتقدات الدينية الشرقية وتعاليم المعملين الكبار في الشرق أو في الماورائيات. ما توصلت إليه في هذا المضمار جاء من مساعدتي الدائمة للعديد من المرضى من أجل معرفة وفهم مصدر مخاوفهم وسلوكياتهم لكي يتم التخلص منها. لقد أعطتني التجارب ثقة بهذه الوسيلة العلاجية أي المعالجة بالأجيال الماضية Past Life Therapy. فإذا كان مصدر الخوف مثلاً من المرتفعات عند الإنسان سببه السقوط من مكان مرتفع في جيل مضى، فإن معيشته لهذه الصدمة مجدداً تحت التنويم المغناطيسي قد تخلصه من عقدة الخوف من المرتفعات، فهذا جيد لأن ما يهم هو مساعدة المريض. ما اعتدنا على تسميته بـ "الحظ" أو "القدر" في مفهومنا الغربي كلها مصطلحات غير دقيقة. إن حاضرنا هو نتيجة ماضينا والقدر هو ما أرسينا قواعده في أجيالنا الماضية. العدالة السماوية مطلقة، المعطيات والمواهب هي ما قد اكتسبناه وما نستحقه والتجارب المرة التي نعيشها هي دروس نتجاوز بها أخطاءنا السابقة للالتقاء بعد ذلك. إنه قانون الفعل وردة الفعل، إنه يعادل في المفهوم الإنجيلي القاعدة فكل تصرف يتضمن ضرراً أو إساءة للآخرين سوف نعاقب عليه عاجلاً أم آجلاً وبمقدار حجم الإساءة التي نعاقب عليه عاجلاً أم آجلاً وبمقدار حجم الإساءة التي تسببنا بها والمقصود من ذلك أن المرء قد منح حق الاختيار فنحن مخيرون. هناك دائماً حق الاختيار، إن الروح تنجذب للوالدين اللذين يمتلكان الجينات الوراثية والوضع الاجتماعي الذي يساعد النفس لتهيئة الأسس لتحقيق دروس الكارما والجينات العقلية أهم من الجينات البيولوجية في تصميم هيكلية ومقومات حياتنا. إضافة أن كل الدروس والأفعال الإنسانية مدونة في الذاكرة الكونية Acashic Records، هذه التسجيلات الكونية هي خلاصة ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا وهي مختزنة في عقلنا الباطني. قانون الثواب والعقاب يشمل دورة الكارما كلها وبذلك تحصل على سعادة ومعطيات وقدرات نسحبها من رصيدنا المصرفي في (الذاكرة الكونية). ملاحظة: لا توجد صدقة، بل عملية فعل ورد فعل، عملية ثواب وعقاب، أواصر المحبة لا تنفصم عراها وتتجاذب أرواح المحبين مع بعضها البعض وما يفسر أحيانا الحب من النظرة الأولى هو أنهم قد ارتبطوا معا في جيل أو أجيال سابقة.

        يتابع الدكتور فيور Fiore: في غالبية الحالات التي تعاملت معها وجدت أن الحادث المسبب للموت مسؤول إلى حد ما عما يعانيه المريض من اضطرابات، مثلا السقوط من مكان مرتفع يسبب خوفاً من المرتفعات... الخ. عندما أعيد المريض إلى أجيال سابقة لكي يعايش صدمته العنيفة، يستنبط سبب مخاوفه وأعراضه (النفسية / الجسدية) psychosomatic وكذلك بعض الـ Obsession أو وساوس وأفكار متسلطة. مثلاً، سيدة لا تجرأ على ترك أولادها في البيت بمفردهم حتى بعد سن الرشد وسبب ذلك أنه في أحد الأجيال عادت إلى البيت لتجد أولادها مقتولين فسيطرت عليها عقدة الذنب جيلاً بعد جيل كما إن الشراهة والنهم المؤدي إلى السمنة الزائدة وجدته عند سيدتين وعند رجلين ماتوا في جيلين في مجاعات الحمية في هذا الجيل، ولكن تعاودهم الرغبة الشديدة في التهام كل ما يجدونه حتى ولو لم يستسيغوه وبمجرد أن يعيدوا معايشة المرحلة الصعبة تعود الأمور إلى طبيعتها وشهيتهم الزائدة تتلاشى بل كما وصفت إحدى السيدات إنها أصبحت تستطيع أن تختار ما تريد أن تأكله وتتناول ما تستسيغه فقط وتشعر بلذة الطعام ومن ثم أصبح وزنها طبيعياً. المريض يصاب بنوبة من البكاء والتشنج أثناء معايشة الصدمة، أو حتى بعد أن يستفيق من التنويم فهو يحتاج إلى التهدئة، لكن بعد أن يهدأ روعه بفضل التعليمات اللازمة من طبيبه يصبح على بينة من الأسباب الدفينة الغارقة (في البعد الزمني) فيعيها ويتجاوزها. الشيء الجميل في إعادة معايشة هذه الصدمات أن الألم الكبير لا يستمر إلا للحظات وفي بعض الحالات يتعرض المريض إلى نوع من الصدمة تفقده الإحساس بالإلم، لكن المريض، هنا، لا يصف الألم. بل يصف (جسده) الطيفي الذي يشعره بالإرتياح. وأجمل ما في هذه الجلسات أن المرضى يجدون أن مهاراتهم وهواياتهم وفنونهم تعود إلى أجيال سابقة. لمن الجميل أيضاً أن جميع المرضى من دون استثناء يتخلصون من شعورهم السلبي (العنصري)، عندما يكتشفون أنهم عاشوا أجيالاً في شتى القارات وفي ألوان مختلفة. الذات الإنسانية ليس لها جنسية أو لون إنها تولد في مكان يمكنها أن تتعلم داخله الدروس اللازمة لترتقي وتسمو، ومن الجدير بالذكر أيضاً أن المرء لا يعود يشعر بالخوف من الموت ويدرك أنه ليس هناك فناء، ويقول Fiore "إحدى مريضاتي أخبرتني أنها أثناء ولادة إبنها سمعت صوتاً يناجيها، يشرح لها لماذا نحن هنا؟ وما هو سبب وجودنا؟

        الحقيقة أننا نعبر ممراً للعودة إلى الله وما دمنا نعيش في مضمار السببية "الكارما"، فنحن نتعرض لما يشبه الثواب والعقاب. حال موتنا أو مغادرتنا الجسد الترابي نراجع حياتنا أو جيلنا الذي يمر سريعاً كشريط مسجل ثم نعي ما هي الحسنات والسيئات في أفكارنا، أفعالنا، نوايانا، ميولنا، ندرك التقصيرات وكل أذية تسببنا بها للآخرين والتي يتقرر على ضوئها مصير تقلباتنا.

        كما قال "إدغار غايس" (النبي النائم) "المهم هو ما نفعله في جيلنا الحاضر: "ما هي نسبة المحبة والمغفرة والوعي التي نصل إليها"، وقال أيضاً "إن المعاير الذي نقاس به بعد مغادرة الجسد هو مستوى ذبذباتنا التي ترتفع بشكل تصاعدي مع كل عمل خير ومحبة ومغفرة بينما معايير الجسد الترابي للأسف هي في نسبة الثراء، المركز، الوسامة، الجمال، الخ... أما في العوالم الأخرى فإن المعادلة هي في الحب / التسامح / الإستنارة... هذا ما يهم فقط.

        التقمص والإضطرابات النفسية (معالجة رواسب العقل الباطني) راجع الضحى العدد الواحد والسبعون (كانون الثاني 1998).

التقمص وتجارب عتبة الموت:

        شكل الموت الهاجس الأكبر للبشرية منذ أن وجد الإنسان على سطح المعمورة. وهو مصدر الخوف الأعظم والرعب الجاثم دوماً فوق قلوب الأحياء، الذين يعتبرونه زوالاً وفناء وانتهاء للحياة. وللاعتقاد بالتقمص دور مهم في تبديد هذه المخاوف والهواجس التي تمتلكها وتؤرقنا. فقد ساهم هذا الاعتقاد في اختراق أبعاد أخرى لذواتنا ما وراء العالم المحسوس، سعياً وراء حقائق أسمى ومدارك أوسع تجلي غوامض القدر ومجريات الزمان.

        وتعتبر ظاهرة "تجارب عتبة الموت" Near Death experience وما تتضمنه من مشاهدات مذهلة أكبر دليل علمي على مصداقية التقمص، فتلك التجارب تثبت أن الموت ما هو إلا ممر ونفق عبور من حياة إلى حياة، فالموت هو الوجه الآخر لعملة الحياة، وليس انتهاء بقدر ما هو بداية لحياة تالية. فما هي إذن تجارب عتبة الموت NDE وما هي الوقائع المذهلة التي سجلت أثناءها؟ لقد بدأ العلم منذ السبعينات يأخذ خبرات عتبة الموت هذه NDE على محمل الجد بعدما سجلت حالات "عودة" لأموات فارقت أرواحهم أجسادهم ثم ما لبثت أن عادت إليها بعد فترة من الوقت، وتشترك معظم الحالات بتفاصيل متشابهة كالدخول في نفق مظلم، وسماع أصوات سماوية واللقاء في آخر النفق بنور متألق أو كائن نوراني، فيما يشاهد بعض "المفارقين" أنفسهم يسبحون في هالة من النور المشبعة بالأنوار والألوان، وتعرف البعض على ذكريات حياته الماضية والسابقة في لآلئ صورية أو كرات متتالية تصور كل منها ذكرى أليمة أو مفرحة وبعضها يصور ذكريات تعود إلى عدة أجيال سابقة، ما يذكر بخيط الوعي الذي يعبر سلسلة الحيوات في الفكر الهندوسي المسمى "سوتراتما". وتصور تلك المشاهدات جلالة ذلك الكائن النوراني وبهائه وحنوه وعطفه على الروح المفارقة للجسد، وكيف يبين لها عدالة الله وسبب وقوع الأحداث والمعاناة، فتفهم تتابع الحيوات وعلاقاتها وروابطها مع بعضها البعض قبل أن تتقمص من جديد في جسد تستحقه، وبيئة تستحقها وتلائمها. ولقد درس علماء غريبيون كبار مئات الحالات المشابهة وذكروا تفاصيلها وأبعادها الروحية أمثال الدكتور "ريموند موري" الشهير، و "اليزابيت كوبلر روس"، ودكتور "رنغ"، والعالمين الأميركيين "كارلي أوزيس" و "همار الدسون"، وأكدوا الحياة بعد الموت فيما تشبه العالمة الفرنسية "ماري لويز فان فرانز" رحلة الموت بانتقال شرارة النار من شمعة إلى شمعة، فجوهر الكائن يبقى ويتغير المظهر، وهذا الرأي يشاركها به أتباع عالم النفس الشهير "كارل يونغ" الذين يعتبرون أن الإنسان يواجه في اللحظات الأخيرة من حياته ذاته العليا ووعيه الأصيل، فينتقل من حالة وعي عادي مادي إلى وعي أرقى وأسمى، وهذا ما يذكر بقول الإمام علي "الناس نيام فإذا ما ماتوا استفاقوا".

        وكان فيثاغوراس الفيلسوف الكبير يعلم تلامذته أن الأنفس تحاسب وتحاكم بعد مماتها وقبيل تقمصها على أعمالها المقترفة، ومن ثم ترسل إلى أجساد أخرى من جديد (ما يشابه القيامة الصغرى)، فيما أعطى أفلاطون دلائل مفصلة وإثباتات حول عقيدة التقمص عند الإغريق فأورد قصصاً عن تجارب عتبة الموت لدعم فكرته، منها قصة الإغريقي الذي قتل في معركة وبعد فترة من الزمن عادت روحه إلى جسده المسجى فأخبر صاحبه عما حدث له أثناءها فذكر أنه حضر أمام مجموعة من القضاة الذين أشاروا إليه بأن يخبر الناس بكل ما شاهد، مؤكدين له أن الأرواح تشقى أو تسعد على قدر ما اقترفت في حيواتها الماضية ثم ترسل مجدداً إلى أجساد جديدة. حتى أن الشاعر الروماني "فرجيل" اعتقد بالتقمص في القرن الأول قبل الميلاد ونسج رائعته "الإنيادة" على منوال هذا المعتقد، واصفاً كيف تصفى النفوس من خطاياها بعد الموت ثم ترسل إلى حقل "الإيلوسيوم" ومن ثم إلى نهر Lethe حيث تمحى تلك الذكريات ليسنح لها الدخول مجدداً في أجساد فانية.

        إنه العلم اليوم ذاك الذي يبحث عن حقائق ما بعد الموت وخلود الروح وتقمصها بعد أن تجاهلتها الفلسفة لقرون عدة وحذفت من الكتب السماوية واتهم بالهرطقة كل من اعتقد بها. إنه العلم لا الفلسفات والأساطير، ويثبتها بالبحث والتجربة والبرهان. وكم من عالم في الغرب أيقظته تلك التجارب من سباته المادي ليرنو إلى عالم الروح مستقصياً متشوقاً لمعرفة المزيد عن حقائق الروح ورحلتها من سواحل الأزلية إلى شواطئ الأبدية عبر الأقمصة التي لا تحصى، ولاستشراف الحكمة الإلهية عبر تلك الشرارة المقدسة الكامنة في أعماق ذواتنا التي تغلفها الحجب الشحمية وتعوقها عن قبس أنوار الذات القدسية، ولصقل الصدأ المادي عن مرايا الروح الصقيلات... في الغرب تستقظ العقول من غفلة المادة... فإلى متى سنبقى في سراديبها نائمين؟!!

        الكائن النوراني ويقظة الأرواح راجع الضحى العدد 75 أيار 1998.

التقمص اليوم:

        وفقاً لتقديرات متحفظة، يؤمن أكثر من خمس الأميركيين البالغين بالتقمص، وبالتحديد خمس المسيحيين منهم. والأرقام تتقارب مع مثيلاتها في كل من كندا وأوروبا. وصرح إثنان وعشرون بالمئة من الأميركيين بأنهم منفتحون على هذا المعتقد رغم عدم تأكدهم من صحته بعد.

        إن النسبة المئوية للمسيحيين في أميركا الذين يعتقدون بالتقمص تتساوى تقريباً مع نسبة المؤمنين من مجمل عدد السكان في استطلاع للرأي أجري عام 1990. وقد أعطى استطلاع آخر تحديداً بالأسماء. لقد تبين أن 21 بالمئة من البروتستانت (وبينهم الميثوديون، المعماديون، واللوثريون) و 25 في المئة من الكاثوليك يؤمنون بعقيدة التقمص. ولرجال الأكليريوس الذين قاموا بحساباتهم كانت النتيجة: 28 مليون مسيحى أميركي يعتقدون بالتقمص.

        لقد شرع الإيمان في التقمص في منافسة معتقدات رئيسية في المسيحية. في الدنمارك كشف تقرير عام 1992 أن 14 بالمئة من اللوثريين في البلاد يؤمنون بالتقمص في حين يؤمن 20 بالمئة فقط بالمعتقد المسيحي في البعث والنشور.

        وهذه التحولات في المعتقدات المسيحية تشير إلى نزعة يطلق عليها بعض الباحثين ديانة الغرب ما بعد المسيحية. إنها ابتعاد عن سلطة الكنيسة ورجوع إلى ماض غنوصي نحو إيمان أكثر إنسانية يرتكز على الاتصال بالله في داخلنا، إيمان يشدد على ذلك الاتصال فوق عضوية الكنيسة، ويرفض بعض المبادئ التي أصبحت من خصائص المسيحية منذ القرن الرابع الميلادي: كالجحيم، والبعث الجسدي والفكرة التي تقول بأن لدينا حياة واحدة على الأرض. بعض الملل المسيحية تحاول أن تجد مكاناً للتقمص داخل المسيحية والمعتقدات المتصلة به فيما تعارض مذاهب أخرى هذه الفكرة.

        مقتبسات من فكرة التقمص تجتاح الملايين راجع الضحى العدد 81 تشرين الثاني 1998.

خلاصة القول:

        إن مفهوم خلود الروح وتقمصها ليس حكرا على الموحدين في الشرق الأوسط فقط ولا بدعة حديثة الظهور بل عقيدة لها جذور عميقة في ذاكرة كل فرد منا كما تشهد بصحتها الفلسفة اليونانية والحكمة القديمة والفلسفات الشرقية بالإضافة إلى آيات عدة في التوراة والقرآن الكريم والإنجيل المقدس.

        كل البشر يتقمصون. ولا تستطيع الروح أن تعبر عن نفسها إلا من خلال حلولها بالجسد، الذي هو مطية الروح. ولا يمكن أن تختفي الروح في طبقات الأثير وتفقد كيانها، إن عليها أن تحتفظ دائماً بكيانها الخاص المميز الذي حباها الله به، والذي على أساسه سيخضعها الله للحساب وبشكل مستقل عن باقي الأرواح. فبالنسبة للموحدين، إن عقيدة التقمص ضرورة منطقية للاستمرار والتحصيل المعرفي بالأصل. والموحدون لا يشعرون بالعجب ولا بالغرور عندما يتذكرون حيواتهم السابقة، ولم يفرضوا معتقدهم يوماً على أحد على الرغم من أنهم يعلمون التقمص منذ ما لا يقل عن الألف سنة وكموحدين آمنوا بالتقمص في كل عصر وزمن. ولم يلتمسوا يوماً أو يحاولوا أن يستميلوا الغير إلى تبني معتقدهم لأن التقمص بالنسبة لهم هو أكثر من معتقد، هو القانون الذي بدونه يفقد الإنسان قدرته على معرفة أبعاد العدالة الإلهية ومعالجة مجريات حياته اليومية. إنما وقوعات النطق (أي تذكر الحيوات السابقة) تحصل عند المعتقدي بها أكثر من غيرهم لأنهم بإيمانهم بحقيقة التقمص يولون اهتماماً للصور والأحداث التي تمر على شاشة ذاكراتهم (إن عبر الحلم أو الغيبوبة الروحية أو الرؤية). فقابلية تذكر الحيوات السابقة ليست حكراً على الهندوسيين أو البوذيين مثلاً، فهي قابلية موجودة وهاجعة في كل نفس تظهر من القوة إلى الفعل حسب ظروف الزمان والمكان والبيئة التي ينشأ فيها الإنسان. وهي تكون على أشدها بين السنة الرابعة والسادسة من العمر. ولذلك فإن الولد الذي يبدأ بتذكر شذرات من حياته السابقة إنما تمر مروياته دون انتباه إذا كان مولوداً في بيئة لا تؤمن بالتقمص. فكثيراً ما يرد الأهل في هذه الحالة كلام الطفل إلى خيال الأطفال المفرط وكأن عقل الإنسان يعمل كمولد للصور متجاهلين أن ليس في عالم العقل خرافات إنما هو عالم الأفكار المستقاة من الصور التي لا تفنى و"سبيل الفكر إلى ما فقد وليس إلى ما جهل". وهكذا لا تلقى هذه القابلية تشجيعاً فلا تلبث أن تخبو وتزول.

قسم التوثيق في جلة الضحى


مبادئ التوحيد

قـدم الكـون

قصة الخلق كما في سفر التكوين:

اليوم الأول:    كانت بداية العالم المياه البدئية، أو مياه الغمر: "وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله ترفرف على وجه المياه"، فخلق الله النور و "قال الله: ليكن نور، فكان النور".

اليوم الثاني:    تم فيه خلق السماء: "وقال الله: ليكن جلد في وسط المياه... وفصل بين المياه التي تحت الجلد، والمياه التي فوق الجلد... ودعا الله الجلد سماء".

اليوم الثالث:    تم فيه خلق الأرض والبحار والنبات: "وقال الله: لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد، ولتظهر اليابسة... ودعا الله اليابسة أرضاً، ومجتمع المياه دعاه بحاراً وقال الله: لتنبت الأرض عشباً".

اليوم الرابع:    وفيه تم خلق النجوم والزمان والشمس والقمر والليل والنهار: "وقال الله: لتكن أنوار في السماء، لتفصل بين النهار والليل، وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين"، ثم "عمل الله النورين العظيمين".

اليوم الخامس: وخلق الزحافات والطيور بأنواعها: "وقال الله: لتفض المياه زحافات ذات نفس حية، وليطر طير فوق الأرض".

اليوم السادس: تم فيه خلق الحيوان والإنسان: "وقال الله: لتخرج الأرض ذوات أنفس حية كجنسها بهائم ودبابات ووحوش"، "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا... فخلق الله الإنسان على صورته"، وجبل الرب آدم تراباً من الأرض، ونفخ في أنفه نسمة حيوية، فصار آدم نفساً حية".

اليوم السابع:   هو يوم الراحة: "وفرع الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع".

        "وغرس الرب الإله جنة" في عدن شرقاً وجعل هناك الإنسان الذي جبله. وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة حسنة المنظر وطيبة المأكل وشجرة الحياة في وسط الجنة وشجرة معرفة الخير والشر".

        "وأخذ الرب الإله الإنسان وجعله في جنة عدن ليفلحها ويحرسها، وأمر الرب الإله الإنسان قائلاً: من جميع أشجار الجنة تأكل، وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها، فإنك يوم تأكل منها تموت موتاً" "وقال الرب الإله: لا يحسن أن يكون الإنسان وحده، فلأصنعن له عوناً يناسبه... فأوقع الرب الإله سباتاً عميقاً على الإنسان فنام. فأخذ أحد أضلاعه وسد مكانها بلحم. وبنى الرب الإله الضلع الذي أخذه من الإنسان امرأة، فأتى بها الإنسان".

        "وكانت الحية أحيل جميع حيوانات الحقول التي صنعها الرب الإله. فقالت المرأة: أيقنا قال الله: لا تأكلا من جميع أشجار الجنة؟ فقال المرأة للحية: "من ثمار أشجار الجنة نأكل، وأما ثمر الشجرة التي في وسط الجنة، فقال الله: لا تأكلا منه ولا تمساه كيلا تموتا. فقالت الحية للمرأة: موتاً لا تموتان، فالله عالم أنكما يوم تأكلان منه تنفتح أعينكما وتصيران كآلهة تعرفان الخير والشر. ورأت المرأة أن الشجرة طيبة للأكل ومتعة للعيون وأن الشجرة منية للتعقل. فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت أيضاً زوجها الذي معها فأكل. فانفتحت أعينهما وعرفا أنهما عريانان". "فقال الرب الإله للمرأة: ماذا فعلت؟ فقالت المرأة: الحية أغوتني فأكلت... وقال للمرأة: لأكثرون مشقات حملك تكثيراً... فملعونة الأرض بسببك.." فأخرج الرب آدم من جنة الأبدية.

كما في الآيات القرآنية:

        "وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجتك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه. وقلنا اهبطوا بعضضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتع إلى حين..." (البقرة 36 35).

        إن سفر التكوين والقرآن ليسا أول الكتب التي تكلمت عن قصة الخلق. إن بعض الشعوب الغابرة في القدم كان لها قصتها عن الخلق أيضاً. فالقصة السومرية ترجع إلى 4000 سنة ق.م.، كما أن معظم الروايات حول الخلق بقي أثرها في الروايات البابلية. هذا بالإضافة إلى المخطوطات والكتابات التي وجدت في مصر القديمة ولدى حضارات الشرق الأقصى.

المنظار التوحيدي:

        في معظم هذه الروايات نجد أن قصة الخلق تتشابه. على سبيل المثال، إن المياه كانت الأساس في بدء الخليقة. فالسومريون كانوا أول من آمن بهذا الاعتقاد، ثم تبعهم فيه البابليون والسوريون الذين سموا إله المياه "يم"، وهو ما يعني في اللغة العربية "بحر". حتى الإغريق لم يبتعدوا عن هذا المعتقد، فالإله أوقيانوس، وهو أصل الخلق عند الإغريق، يعني أيضاً المياه أو المحيط. ثم أتت التوراة ومن بعدها الإنجيل والقرآن ليؤكدا ما تقدم. ومع ذلك فإن إجماع المتدينين التقليديين من كافة الأديان على أن المياه هي العنصر الأساسي في عملية الخلق لم يكن كافياً لإقناع الروحيين القدماء أكثر مما كانت نظرية طاليس المالطي (640 546ق.م.) أن المياه هي العنصر الأساسي للتكوين بالنسبة للفلاسفة الذين سبقوا سقراط. لا شك أن هذه القصص كانت موجهة إلى عقول العامة وليس القصد من هذا القول أن الحكماء كذبوا هذه الروايات، بل أنهم عرفوا كونها قدمت في الكتب السماوية بهذا الأسلوب لكي يفهمها العامة.

فمن الواضح جداً أن الرواية التكوينية للخلق في أسفار العهد القديم والجدي وفي القرآن الكريم يجب أن تؤخذ بدلالاتها العميقة لا السطحية، ولا حاجة للفرد منا أن يتمتع بروحانية أو تفكير "إيزوتيري" لكي يخلص إلى هذه النتيجة. فتفسير رواية آدم وحواء حرفياً من قبل العديد من الكتابيين المتطرفين شكل الكثير من الجدل اللامتناهي عبر العصور، على سبيل المثال:

1-   الزعم بأن حوالي الستة مليارات بشري الذين يسكنون الأرض اليوم، والذين يحملون كل هذه الاختلافات الجسدية والحضارية، والفوارق التكوينية في صورهم وهياكلهم تحدروا جميعهم من الثنائي الآدمي، يبدو بعيداً عن المعقول لدرجة أن الإنسان قد يقبل أي بديل عن قصة الخلق، حتى ولو كان هذا البديل هو نظرية داروين في التطور الجيني.

2-   إن مبدأ تكون حواء من ضلع آدم (ذا أخذ بحرفيته) يبدو غير طبيعي إطلاقاً. بالإضافة إلى أن جعل الجنس الأنثوي هو المسؤول عن هبوط آدم من الجنة، وبالنتيجة مسؤولاً عن كل الآثام في العالم، أثر سلباً في قبول قصة آدم وحواء كما أنه شوه مفهوم العدل الإلهي لدى الإنسان. هذا التشويه في مفهوم العدل الإلهي أوحى بأن الخالق، على أحسن تقدير، فشل (وحاشا أن يفشل) في تقديم حقيقة الجوهر الإلهي بصورة تتجاوز صورة الأبوة والسلطة التي يتخذها الإنسان عن الله.

3-   إن الاعتقاد بأن الوجود البشري يعود في القدم إلى آدم وحواء (اي حوالي ما قبل 7000 عام) هو اعتقاد أكد العلم خطأه، فإن العلماء قد عثروا على العديد من البقايا البشرية المتحجرة التي يعود تاريخها إلى ملايين السنين. بالإضافة إلى ذلك، فإن وجود صروح أثرية عجيبة مثل الأهرامات في مصر والمكسيك هو برهان كاف لرفض كلتي الفكرتين، الرواية التقليدية والنظرية الداروينية. فالحضارة الإنسانية كانت موجودة، على الأقل، خلال فترة بناء هذه الصروح والتي يعود تاريخ بعضها إلى ما قبل الحقبة الآدمية. ولا شك أن المعرفة التي استخدمت في بناء هذه الصروح والتكنولوجيا المستخدمة لذلك الغرض كانت متقدمة جداً إلى درجة تفوق التكنولوجيا المعروفة حديثاً. وهذا ما يتعارض مع النظرية الداروينية في التطور التي، تبعا لما تقول، فإن التكنولوجيا التي استخدمت في بناء الأهرامات، لا بد أن تكن قد تطورت عكسياً منذ ذلك الوقت.

        المقصود في مفهوم الأسفار التوحيدية لقصة آدم وحواء هو الخلق الروحي وليس الجسدي كما يعتقد الكثيرون. إن القصة هي قصة ولادة الروح، فولادة المادة هي تعبير لا إرادي للولادة الروحية. من أقوال الإمام السادس جعفر الصادق: "المؤمن أخو المؤمن من أمه وأبيه. أبوهما النور وأمهما الرحمة". النور في المفهوم التوحيدي يرمز إلى "العقل الكلي" والرحمة ترمز إلى "النفس الكلية".

        من الواضح أن الصادق ربط جوهر الأخوة والأبوة بالإيمان. فوحده الإيمان، وليس الدين (بالمفهوم البشري السائد) أو العرق أو الدم، هو ما يحدد الأخوة الحقة، وهو أخوة الروح. هذا المبدأ يلقي بعض الضوء على طبيعة الأبوة الروحية التي منها ولدت الأرواح.

        "ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون". (الواقعة: 62) "وإن عليه النشأة الأخرى" (النجم: 47).

        إن هذه الآيات من القرآن الكريم تؤكد أن النشأة أو الخلق يتعلق بنوع من الولادة السابقة التي يذكرهم بها. ففي الآية الأولى، يتذكر البشر الخالق من خلال الولادة الأولى. وهذه الفكرة تؤكدها عقيدة التوحيد، فالله في الحديث القدسي كان كنزاً مخفياً، أراد أن يعرف فخلق الخلق وحقق إرادته بالمعرفة من خلال خلقه. قد يكون هذا معنى الخلق المادي. ولكن تبعاً لعقيدة التوحيد التي تكمن أهميتها إنها تتفق مع المنطق العقلاني الصافي، فإن الخلق هو خلق العقل الكلي الذي يعرفه اليونان بإسم الـ "لوغوس" فكون الله أقرب في جوهره إلى الوعي من المادة، فهو لا يعرف إلا عبر ما هو مشابه له في الجوهر (أي العقل البشري المنبثق كشعاع الشمس من العقل الكلي). وهذا يشير إلى أن أهمية الخلق لا تكمن في خلق الجسد الآدمي على قدر ما تكمن في خلق الوعـي أو العقل المبدع قبل الزمان والمكان والمادة.

        معظم الأديان والاعتقادات، بشكل أو بآخر، وعلى الرغم من اختلافاتها تعترف بأن الخالق خلق في البدء كائناً هو صورة صافية من الله. كما تؤكد أن الخالق أعان هذا المخلوق بالنور والقوة وجعله سبب الخلق المادي والروحي على السواء. وهذا الكائن يسمى في مختلف الديانات السماوية آدم. وجميعها تتفق على أن آدم جبل من تراب على صورة الله. العهد القديم يؤكد أن آدم جعل على صورة إله بني إسرائيل. كذلك تخلص سائر الأديان السماوية إلى أن آدم ولد من دون أبوين.

        فكيف إذا يمكن لكائن بشري أن يولد من غير ولادة جسدية؟

        إذا تأملنا في صحة قصة الخلق لوجدنا أنها لا يمكن أن تكون موضوع خلق مادي.

        فلماذا إذا اختبر التراب ليكون مادة لخلق آدم؟

        إذا كان اختيار الله قد وقع على التراب لتفاوته، أفلا يكون الصخر أو الماء اختياراً أفضل؟ فالصخر مثلاً أكثر نقاء وأقل تلوثا من التراب.

        يعتبر البعض أن آدم يمتاز بكونه مصنوعاً من التراب. ولكن إذا كان آدم أفضل مخلوقات الله، أفلم يكن من الأفضل لو اختار الله أحد المعادن الثمينة أو الأحجار الكريمة كالذهب أو الماس لصنعه؟

        أما بالنسبة لمن يقول: "ادم مكرم لأنه لم يتلوث بدم امرأة". فلماذا لم يكرم الله سائر الأنبياء بنفس الطريقة؟

        حتى في القراءة الحرفية لقصة آدم وحواء، نجد أن التفسير لم يكن صحيحاً، فالمعتقد السائد أنه حين خلق آدم، لم يكن هناك أي كائن بشري آخر. لكن أي قراءة للنص ولو كانت سطحية تفضي إلى أن حياة البشرية كانت موجودة على الأرض قبل ذلك. الدليل الأول موجود في التوراة ف قصة قابيل وهابيل.

        فالقصة تقول إن الله خلق حواء من ضلع آدم وهي حبلت منه يقابيل وهابيل. ثم أن حسد قابيل وكرهه لأخيه جعلاه يقتل أخاه. ثم، كما ورد في النص، قال قابيل لله الذي عاقبه:

        "ذنبي أكبر من أن يغفر. إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض ومن وجهك أستتر وأكون تائهاً شارداً عن الأرض فيكون أن كل من وجدني يقتلني. فقال له الرب، لذلك قل من قتل قابيل فسبعة أضعاف يقاد به. وجعل الرب لقابيل علامة لئلا يقتله كل من وجده".

        إذا كان آدم وقابيل هما البشريان الوحيدان بعد مقتل هابيل، فلماذا يضع الله علامة لقابيل لكي لا يقتله من يراه؟

رؤية الملائكة:

        ويأتي الدليل الثاني من القرآن وإن يكن أقل وضوحا من الأول إنما يسهل فهمه حتى على من يلتزم بالقراءة الحرفية للآية:

        "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفـة قالوا أتجعـل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمـدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون". (البقرة: 30).

        إن رد الملائكة على إعلان الله فيه ما يوحي بتجربة بشرية سابقة لآدم انتهت بكارثة ما. فالملائكة بدو وكأنهم مترددون حول مشيئة الله بإخضاع الأرض لمثل هذه التجربة وكأنهم قد سبق وتعرضوا لمثلها. يقول البعض إن للملائكة رؤيا للمستقبل وأن ردهم كان من باب الخوف من أن الشر سوف يسود في الأرض. ولكن في جميع الحالات، أكان قول الملائكة رواية لأحداث حصلت أم تنبؤا لما سوف يحصل، فإن الشر المتمثل بوصف الملائكة، شر مادي دنيوي يوحي بحرب أو مذبحة مما يؤكد على الأقل وجود خلفية أرضية لاحتجاج الملائكة.

        "وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم..." (البقرة 33 31).

        لماذا آدم، ذاك المخلوق الأرضي، له علم بما لا تعلمه المخلوقات السماوية؟

        فإذا كانت الملائكة تجهل طبيعة آدم، فكيف تستطيع أن تتنبأ بمستقبل يتعلق بالرحلة الآدمية على الأرض إن لم تكن قد شاهدت رحلة مشابهة لها؟

        ثم لماذا تتنبأ الملائكة بالمستقبل لله، خالق الزمان والمكان، عالم كل شيء، أليس من الخطأ أن نستخلص من نص كتابى أن يكون المخلوق في موضع إعلام الخالق عن أمر ما؟.

        في جميع الأحوال، يبدو أن الملائكة الذين يتحدث الله إليهم عن آدم ليسوا ملائكة بالمعنى الذي يصوره العامة عن الملائكة ككائنات طائرة تحلق في السموات، وهذا مما يؤكده المعتقد التوحيدي. إن قراءة النص قراءة أعمق تقضي إلى أن إبليس والملائكة هم جميعاً بشر. فلو كانوا أرواحاً مجردة لكان من الضروري أن يكونوا أعلى مرتبة من آدم، الذي هو أفضل مخلوقات الله.

        قد يزعم البعض أن طبيعة آدم البشرية قد تكون الأكمل وليس بالضرورة أكثر قدسية. أي أن علو شأن آدم مرتبط بترابيته وهذا مما يجعل منه مخلوقاً كاملاً في عين الله. ولكن حتى إذا كانت القدسية جوهراً منفصلاً عن الكمال، أفليست القدسية سبباً للمعرفة التامة؟ فمن الواضح أن الملائكة أمروا بالركوع أمام آدم لأنهم كانوا أقل معرفة" منه فكيف يكونون إذا أكثر قدسية؟

بالإضافة إلى ذلك:

كيف يخلق الله إبليس من طبيعة أكثر قدسية من طبيعة آدم؟

كيف يمكن أن يكون الشر أكثر روحية وتجرداً من الخير؟ 

هذه الفكرة ليست فقط غير مطابقة للنص بل وخطرة، إذ أنها تقضي إلى القول بأن الشر أقوى من الخير، وهو ما يعاني منه عالمنا هذه الأيام.

كذلك، فإن جملة "إلا إبليس أبي واستكبر وكان من الكافرين" تؤكد أن إبليس لم يكن وحيداً بين الذين كفروا. وهذا يتعارض مع الفكرة القائلة بأنه لم يكن ثمة خلق قبل آدم وحواء وأن حواء هي أول من تعرض له الشيطان. كما أنه يتعارض مع الفكرة القائلة بأن الشيطان هو المسؤول الوحيد عن كل الشرور التي يراها الإنسان على الأرض. إن فكرة كون إبليس بشريا يضلل بشراً آخرين عن طريق الحيلة والخداع وتلبيس الباطل بالحق عوضاً عن كونه روحاً تحل بهم وتضع مسؤولية أكبر على البشر لكي يتحكموا بقدرهم ويميزوا بين الخير والشر والنور والظلمة وغير ذلك من الازدواجات والتناقضات. كما أنها تجعل عالم الشر عالما يمكن فهمه والتهرب منه من خلال الإرادة الذاتية واعتماد الفكر والعمل الصحيحين (وفقاً لمقاييس تفوق التقاليد والقوانين والأخلاقيات عمقاً) وليس بالشرط من خلال الاعتماد على الكهنة والرهبان والأئمة والشيوخ دون تمييز وروية. 

أخيراً، وإذا كان آدم يحمل في طبيعته بذور الألوهية، أفليس من المنطق أن تكون هذه الألوهية هي في الإرادة الحرة والخيار الحر الممنوح للبشر عوضا عن المادة العضوية الدنيوية؟ أوليس القول أن صورة الألوهة في آدم هي ذلك المجبول من الطين الذي يقف عاجزاً أمام رياح قوى الشر تقليلاً من شأن صورة الله؟ 

توحيد ما قبل آدم:

        وفقاً لعقيدة التوحيد إن الرحلة الآدمية التي ابتدأت منذ حوالي الـ 7000 عام لم تكن بداية الخليقة بل كانت دوراً من الأدوار العديدة السابقة التي منحت فيها البشرية فرصة التعرف على الخالق والتي انتهت بكوارث عظيمة محيت آثارها من التاريخ. ويتحقق الموحدون بمحاورات أفلاطون من ثبات هذه العقيدة (أي قدم الكون):

        لقد حصل، وسوف يحصل، تدمير للبشرية لعدة أسباب، أعظمها ما يأتي من النار والماء، وغيرها أقل عظمة لأسباب أخرى لا تحصى. (تيماوس).

        إن هذه التغييرات أو الكوارث (وفقاً لمحاورات أفلاطون) كانت نتيجة الحروب الدائمة بين قوى الخير والشر والتي غالباً ما أدت إلى الاستعمال الخاطئ للقوى الروحية والمادية يمكن مقارنتها بخطر الاستعمال النووي الذي يهدد العالم اليوم.

 

الألفية السابعة... وبزوغ فجر العصر الذهبي

        "سبعة"، عدد يلقي في النفس جلال القداسة وبهاء الكمال، "سبعة" نغمة سحرية تصدح أصداؤها في رحاب سماوات الذات نشيداً يمجد ارتقاء الروح في معارج الجمال، "سبعة" طلسم خفي يرصد مفاتيح مغاليق المعرفة ومن عرف فكاكه تفتحت له نوافذ العرفان، وانسلت لأجله عرى قطيبات الحجب الخافيات، ليتناغم مع إيقاعات سباعية متناظرة الأبعاد، كأبعاد كواكب المنظومة الشمسية والسدم والمجرات، وجزيئيات العالم الأصغر وعوالم الجزيئيات، وليدرك حكمة بنت على أعمدتها السبعة هياكل الانتهاء والتغير والتجدد والكمال. ما السر وراء هذا العدد الذي اعتبرته الفلسفة الفيتاغورية العدد الأقدس ورمز الكمال؟ وما هي حقيقة السماوات السبع الطباق والأرضين السبع؟ وما علاقة أفلاك الذرة السبعة بأفلاك الكواكب السبعة التي أطلقت أسماؤها قديماً على أيام الأسبوع السبعة؟ وما الرابط ما بين تجدد خلايا الجسم البشري بأكمله كل سبع سنوات والسلم الموسيقي المسبع الدرجات حيث يتجدد مع انتهاء النغمة السابعة بنغمة قيثارية أرقى؟ إنها الحكمة الإلهية حيث "كل ما بلغ سبعة انتهى وجب تغييره وحدوث غيره" في نظام محكم يخضع له العالمان الأكبر والأصغر ومسار الزمان وكينونة المكان وما ورائهما. لقد عرف العدد سبعة (7) مكانة مقدسة لدى حضارات الشعوب القديمة، كالبابلية والفينيقية والأشورية والقرعونية وعند الفرس والإغريق، واكتسب الكثير من الدلالات والرموز في الأديان والرسالات، والجذر اللغوي للكلمة يعني الكفاية والتمام أي الكمال، وفي القرآن الكريم "لقد أتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم" (اللحجر 86). والمثاني السبع حسب التفسيرات هي آيات سورة الفاتحة، وقال النبي العربي الكرمي "لاعب ولدك سبعا"، وأدبه سبعاً وراقبه سبعاً. ثم اجعل جعله حيله على غاربه" دون أن ننسى السنابل السبع "في كل سنبلة مائة حبة"، ونجد عند اليهود "السبت" وهو اليوم السابع، ويحتفل اليهود في عيد المظال سبعة أيام. وفي المسيحية، تقرأ في سفر الرؤيا ليوحنا أن حمل الله يجلس وسط سبع منائر وفي يده اليمنى سبعة كواكب، ونقرأ عن الأختام السبعة والملائكة السبعة الذين يحملون الجامات السبعة المملؤة من الضربات السبع الأخيرة، وفي سفر دانيال نقرأ كلاماً حول الأزمنة السبعة، وغيرها الكثير. وفي البوذية انتقل "سيداهارتا غوتاما" من رتبة اليوذيستاف إلى رتبة بوذا خلال سبعة أسابيع، ولا تغفل الهندوسية عن قدسية هذا العدد أيضاً والشواهد كثيرة. كما ويفتخر الإغريق بحكمائهم السبعة، ويعتبر الحرف اللاتيني السابع G رمزاً للحكمة والعرفان... God - Gnosis ومن منا لم يسمع بعجائب الدنيا السبع، كالأهرامات ومنارة الإسكندرية وحدائق بابل وتمثال جبار رودس وتمثال جوبيتر الأولمبي ومعبد هالكرناس وهيكل ديانا في أفسس. ونجد في الطبيعة أن ثقوب وجه الإنسان سبعة، وطوله سبعة أشبار بيده، والشهر القمري 28 = 4 7، وألوان الطيف أو قوس القزح سبعة، وهذا كله غيض من فيض، رموز ودلالات العدد وقدسيته في الأديان والحضارات والفلسفات فضلاً عن الأساطير. وفي النهاية، نستخلص الحكمة ونتساءل والعالم على وشك الدخول في الألفية السابعة، أي من الناحيـة الفلكية "برج الدلو"، مع نهايـة هذا القرن، هل تبـدل الأرض أرضاً ثانية" ويعـم الكون العصر الروحاني الذهبي؟ الجواب عند من يفقه أسرار الأدوار السبعة!!
 

        في التوحيد تعتبر الرحلة الآدمية كفرصة أخيرى للبشرية لمعرفة الحقيقة التي قدمت لها في أدوار سابقة: قبل آدم بأدوار عديدة.

        إنك في الواقع لا تتذكر سوى طوفان واحد، ولكنه كان هناك العديد كما أنك لا تعرف أنه في هذه الأرض عاش سابقاً أفضل وأنبل عرق بشري وإنك وكل مدينتك تحدرتم من بقية من نجا. (تيماوس).

من هم الملائة؟

        إن الملائكة في قصة آدم (من المنظار التوحيدي) هم من يشير إليهم القرآن "بالسابقون". فالسابقون (بالمفهوم التوحيدي) هم الموحدون الأوائل الذين خضعوا للتجربة في الأدوار السابقة ثم أتوا في هذا الدور على صورة أنبياء أو حكماء مثل "أيوب" (الذي ضربت في قوة صبره الأمثال). هؤلاء استطاعوا فهم الرسائل النيرة التي أرسلت إليهم في أدوارهم السابقة، كما فهم الموحدون الحقيقة المتواصلة التي أتت في هذا الدور على شكل فلسفات وأديان من بينها الديانات السماوية الرئيسية الثلاث.

        أما الجن فهم (بالمفهوم التوحيدي) قوى الشر الذين فشلوا في تجارب الأدوار السابقة وأتوا بالبشرية إلى الهلاك ليمنحوا فرصة أخيرة في هذا الدور تحقيقاً لما وعد به الشيطان بمنحه كل الوقت الذي يريد إنجازاً للوعد وإتماماً لنظرته التي سيلقى بعدها العذاب الأبدي مع كل الذين أضلهم. وقد ذكر هذا بتفصيل واف في القرآن الكريم.

        الجن (بالمفهوم السائد) اسم يعطى عادة لأرواح شبهية للأشباح، تتمتع بقوى شريرة كبيرة، ولكن في الواقع التوحيدي (وكما يؤكد القرآن الكريم من خلال وصف الملائكة للتجربة الدموية التي مرت بها الأرض والتي جعلت الملائكة يتساءلون عن مغزى إخضاع الأرض لمثل هذه التجربة مرة ثانية). الجن هو اسم شعب سابق لعصر آدم فشل في استعمال قوى الإرادة الحرة التي منحت للبشر منذ بدء الخليقة (أي ملايين السنين) وهبط إلى عوالم أدنى وعياً فانحصر دوره في عصر آدم على التأثير السلبي الباطني كتحوير تاريخ ورسائل الأنبياء والرسل وتضليل الخلق وإبعادهم عن الحق والحقيقة وجعلهم يتصرفون بغرائزهم بعيداً عن نور العقل فقوم الجن هم من ذكرهم العهد الجديد باسم "الدليل الأعمى" أو الفريسيين والصدوقيين الذين "يمتلكون مفاتيح العلوم ويجهلون استعمالها فيقفلون باب ملكوت السموات في وجه الخلق فلا هم يدخلون ولا يتركون غيرهم يدخل...".

        كل الشعب التي سكنت الأرض عرفت في دور آدم وفقاً لتبعيتها الدينية، العرقية، الجغرافية، أو الفلسفية مثل الكنعانيين، اليونانيين، العدنانيين. مما يعرف أن في الأدوار التي خلت كانت الشعوب تعرف وتعرب وفقاً لطبيعتها الروحية وكان يطلق عليها أسماء كـ "أبناء النور" و "أبناء الظلمة أبناء الواحد" كما تؤكد بعض المخطوطات الغنوصية القديمة. وقوم الجن (خلافاً لبعض المفاهيم الشائعة) ليسوا قوماً من الأشباح أو الأروح المجردة. هم (بالواقع التوحيدي) بشر عاشوا في زمن "البار". ودعوة البار هي دعوة توحيدية تضمنت دور آدم. الجن هم شعب رفض قبول دعوة البار. والجن لفظ مشتق من الجنون فسموا بالجن لأنهم خرجوا تماماً عن طبيعة وتعليم العقل الكلي (وهو نور الوعي الذي كان مفترضاً أن ينير طريقهم) خروجاً عبر عنه إبليس برفضه للسجود لآدم (أي العقل الكلي) بقوله "خلقتني من نار وخلقته من طين فلماذا أسجد له؟".

        استعمل الجن ما يسمى اليوم بـ "السحر الأسود" لتدمير بعضهم البعض. ومع قدوم دور آدم (الذي هو أكثر الأدوار مادية) لم يعد للقوى الروحية دور في مثل هذه الحروب واستبدلت بالأسلحة التي يشهدها العالم اليوم، والتي وإن اختلفت في الطبيعة تبقى هي هي تعبيراً عن روحانية مضادة للخير دامت للملايين السنين. (فليبق في ذهن القارئ أنه وفقاً لعقيدة التقمص إن الأرواح تلك هي هي الآن في أقمصة مختلفة تمارس ما عرفته من خير وشر منذ بدء التكوين وإن اختلفت الأساليب والطرق فهي دائماً تظهر ما تضمر في كل أقمصتها وتقلباتها "ومن ثمارهم تعرفونهم"). لو أن قصة آدم التي جاءت في سفر التكوين كانت بالتفصيل والإفصاح اللذين نقدمها بهما الآن، لما كانت فرصة جديدة للبشرية. فإن الأرواح المنتقلة من حياة إلى أخرى قد لا تتحمل أن تتذكر حياتها السابقة، فإنه من الصعب جداً أن تستمر في حياة جديدة وهي مثقلة بذكريات أليمة لأحداث عاشتها في الحياة السابقة. كذلك فإن أرواح البشرية جمعاء تنسى كل أحداث الدور السابق بانتقالها إلى دور جديد. فإن ذكريات الحروب والكوارث التي لا تعد إذا ما بقيت في وعي الذاكرة تمنع الأرواح الضعيفة من التمتع بالمهلة الجديدة وإظهار ما تخبئ من خير وشر.

        في محاولة لفهم هذه الفكرة، خذ مثلاً كيف أن الإجهاد الذي يصيب الذاكرة القصيرة الأمد لدى الإنسان يتركه مشلول التفكير عاجزاً عن العمل ومصابا بالاكتئاب.

        لهذا السبب فإن مجيء العقل الكلي (وهو شروق الذاكرة الكونية) يشكل مبدأ الجنة والنار (بالمفهوم التوحيدي).

        إنكم وغيركم من الأمم، حين يبدأ تزويدكم برسائل وضروريات الحياة المتقدمة، بعد مرور وقت معين، سوف يأتيكم من السماء سيل من الطاعون فتبدأون من جديد كالأطفال، غير عارفين ما حصل في الأزمنة الغابرة بكم أو بغيركم. (تيماوس).

        إن رفض إبليس الركوع لآدم في هذا الدور السباعي الأخير يمثل عينة من النكران الذي أدى إلى سقوط البشر في الأدوار السابقة واللعنة الأبدية التي حلت على إبليس تترجم بوضوح في جهل وفقدان البشر لذاكرتهم التي رافقتهم في شتى الأزمنة والعصور وعبر ملايين التقمصات.

        إن العالم الروحي يسبق العالم المادي في طبيعته والمادة ليست سوى أداة التعبير عن الروح. طالما يصاب أحد بمرض عقلي، فإن مرضاً عضوياً أو جسدياً يبدأ بتمثيل الخلل الأصلي (وهو خلل روحي يؤدي في غالب الأحيان إلى فقدان الذاكرة وبالتالي الوعي). أما حالة الألم التي تصيب الروح الكونية أو روح البشرية مجتمعة، فإنها تتمثل على الأرض على شكل حروب أو كوارث طبيعية عهدتها البشرية من قبل، "فسبيل العلم إلى ما فقد وليس إلى ما جهل" و "ليس من جديد تحت الشمس".

        إن فهم الأمور التي تتعلق بالألم على مثل هذه المستويات بالمقارنة مع الألم على مستوى الفرد المحدود بالـ "أنا" الأنانية يتطلب استنارة ذاتية كبيرة جداً ترتفع فوق المقاييس والمعايير الدنيوية والدينية. فلهذا السبب، وعلى مر الأدوار، لا نجد سوى قلة قليلة ممن التزم بمثل هذا الطريق. وفيما نملك من التاريخ ما يكفي لتحديد هويتنا الحضارية والعرقية والدينية وغيرها من الهويات التي نتباهى بها ونتعصب لها ننسى أن هويتنا الآدمية الحقيقة يعود قدمها إلى أدوار وعصور إذا ما مرت أمام أعين ذاكرتنا تكون أقرب إلى الخيال العلمي منها إلى الواقع.

        آتي كاللص...": فشروق الذاكرة الكونية لا يعرف زماناً ولا مكاناً. وبينما ينحصر خوف وقلق البشرية في هذا الزمن على ما سيحدث في العالم الخارجي قليل هم من يعون أهمية ما يطرأ في عالم الروح.

        قدم الكون راجع الضحى العدد الثالث والثمانون (عدد خاص) كانون الثاني 1999.


البداية

مشاهد بعين ملاك

عزيزي القارئ، أنت بصدد القيام برحلة تختلف عن سائر الرحلات التي قمت بها، هي رواية عن الحياة على الأرض كما تراها عين ملاك: مشاهد ومقتطفات من التاريخ بعضها قديم غاب في ثنايا النسيان، وبعضها الآخر حديث العهد. وسرعان ما تجد نفسك عالقاً في صفحات قصة عظيمة، لا بل حرب مشتعلة بين الخير والشر، حرب ضروس نشبت منذ زمن بعيد بعيد.

أنت بصدد معرفة المعنى وراء مجابهات يوحنا المعمداني مع الفريسيين والصدوقيين الذين عبر التاريخ وتقلبات الأجيال والعصور لعبوا دورين، في ظاهر الأمر متناقضين "تناقض السياسة مع الدين"، وفي باطن الأمر متحدين في رحلة العدم. أنت بصدد التحقق من أن طريق الخلاص وعر وعورة أشواك التناقضات بين الخير والشر التي زرعها الفريسيون والصدوقيون في سائر العصور وتقلبات الأقمصة، لربما تكتشف استراتيجية الملائكة في التعامل مع مآسي هذا العصر. 

سيحملك الملاك وسط جميع منعطفات العصور لتشهد من بعيد ومن مكان آمن عمل الممثلين على مسرح الأرض وعندما ترفع الستارة عن المشهد الأخير، قد تبدو بعض الشخصيات غريبة، فقط وجه واحد مألوف... وجهك أنت. 

ليس هذا من نسج الخيال، إنه كاشف الحقائق، مهمة يستوجب القيام بها: 

أحييكم يا أبناء النور الأعظم باسم "الطفل العقل" الذي ما فتئ حتى الساعة المتأخرة هذه يطرق الباب قلوبكم. هلا هيأتم له المكان؟ هلا استقبلتم الطفل الضعيف لجسد إنما الممتلئ أملاً بخلاص العامل، طفلاً يتنشق أولى أنفاسه من الروح. هو بالفعل نار مقدسة، بل هبة من السماء يهتدي بنور ظهوره أولئك الذين ساروا في الظلام. فلنذهب معاً لنرى مكان ولادته، ولنمجد كلمة الرب المتجسدة في نور العقل أفق الفجر ليقع بثبات ويستقر في قلب المؤمن المرفوع. في قلوب أبناء الرب الذين اعترفوا بربوبيته.

تلة الصعود:

        أين هي تلة الصعود؟ إنها مكان النور في قلوبكم مهد ولادتكم الأولى حيث نشأتم على سبيل العقل وفقاً لتعاليم أبيكم وأمكم: من المحبة وبالمحبة وللمحبة. إلى أن يصبح المولود، روحاً مولودة من جديد، مولودة للحياة الأبدية فتبارك بذلك أولئك الذين نزلوا إلى هضاب المادة، أرواحاً غفلت عن واقع الحياة الأبدية لتحقق الحكمة الإلهية من الخلق.

        فندعوكم في ليلة الصبحة "الألفية" هذه لنحتفل ببلوغ "الطفل" وبمجيء كلمة الرب الأزلية المتجسدة فيكم. إن بلوغ "طفلكم" يضاعف نور الشمس ويزيدها تألقاً في هذا العالم الغارق في عتمة الديجور.

        فمضاعفة النور أمر ملح أيها الأحباء لمواجهة تحديات ظلام ما قبل طلوع الفجر عندما يقف "الملائكة السبعة" "والمئة والأربعة والأربعون ألفاً" مع "الحمل" على رأس ذلك الجبل.

        في عيشة عيد ميلاد "الطفل"، ولدت روح في داخلكم لتعيش وترى النور في صورة ذلك "الطفل" ولدت لتعيش وتؤدي أعمال الله فيكم في كل يوم من أيام حياتكم. فالله بكم سيظهر نفسه على الأرض كما في السماء عبر تكريس القلوب الرقيقة، القلوب العارفة بأمور الوجود.

جبل الصحن:

        فتسلقوا جبل الشدائد والمحن التي بذرتموها وحصدتموها ودعوا شعلة الحياة، "صولجان ألفا وأوميغا" الصاعد، تنفجر لتتلف وتستنفد جبل المحن "الكارمية"، وفي مكانه شيدوا جبل الطوبى والبركة مع ملائكة النور وروح نور القيامة. فالشعاع البراق العظيم سيعيد لكم كيانكم إلى أن تروا جبل المحن وقد تحول إلى هرم الحياة العظيم، وهرم الحياة هذا يا أحبائي هو تلة الصعود خاصتكم، المكان الذي هيأتموه لتتجسد فيه الكلمة مادة وروحا.

        فعلى تلة الصعود تلك بالذات. نقف في ليلة "الصبحة الألفية" ننتظر بفارغ الصبر هضبة من أثير لتظهر بأعمال المؤمنين، تلة أطلق عليها المؤمنون أسم "تلة الصعود"، المكان الذي يتأملون فيه وصيته: "أذهب" لأهيء لكم المكان... فحيث أتواجد تتواجدون أنتم أيضاً".

سر الوعي:

        أيها الأبناء السائرون على درب النور، قبل أن تشرعوا في تأمل سر تجسد كلمة الله فيكم عليكم أن تعرفوا كيف أمن الله (جل وعلا) هبوط النور التدريجي على وعي أبنائه.

        من نقطة جسم الذاكرة الكونية، تلك القوة التي يتمتع بها العقل الكلي ندعوكم لتوحيد الوعي باللاوعي، فمن قلب نقطة التوحيد هذه تتمسك الروح بالخيط الرفيع الذي يربطها بالحياة الأبدية. أيامكم على الأرض اليوم ليست هي بحياة. بل هي مقتطفات وبقايا تجربة قديمة لكم تمسكتم بها كما يتمسك الجائع بالزاد. آه لو تتذكرون كم اغتبطم في عوالم غارقة بالكمال إلى جانب أخوة لكم في الدلال، عوالم لم يبق منها سوى ذكريات عن حياة "عدنية" وقصص وأساطير.

        وهكذا، فإن تجسد الكلمة يبدأ باتصال الروح بالذاكرة الكونية ففي وعي العقل توجد حلقات شمسية وصور وآيات مصورة على خريطة ذاتكم الإلهية. وفيما تتأملون أقواس النور السباعية، تفكروا بعمق دهور تجربتكم الذاتية في رحم النور قبل عصور تجسدكم على الأرض، تجربة سبقت تحديات الزمان والمكان وكثافة كريات السماء. كانت هي الأساس والنبض الخافق في الكريات المركزية التي تحرك كل خلية حية في نغم تيار الحياة وفي تكسر موجات النور التي تتفاعل مع الصخور، صخور المادة الأزلية.

        آه يا أحبائي لو تتذكرون الشمس والنجوم والأعشاب المتموجة والحقول الفردوسية والأشجار المثمرة وهواء الروح القدسية، وما كانت هذه إلا ستارة خلفية لاستيعاب أرواحكم الزكية.

        أما اللقاء مع الله (جل جلاله) بعد تطور الروح عبر الرحلة الآدمية فقد كان تجربة طبيعية لأولئك الذين نموا الكلمة المتجسدة روحاً ومادة في الجسم العظيم وكرياته الضوئية على هضاب الأرض البدنية. هم واضعو القوانين وحارسو السكون العظيم ومعلمو العالم وأسياده والملائكة المقربون.

        ففي دائرة الأحدية الواسعة التي خلقها الله لتدبير خلقه، ما كان هناك أي وجود لشر يقاوم الكلمة المتجسدة ولا عدو للعقل، لذا بدأ الإلحاح على الخلق لتتفاعل ألفا وأوميغا ضمن تناقض السحب والدفع، كان الدافع منطلقيا للحياة وللوجود ولإشعال النار الأبدية، زيادة إدراك ووعي منا للألوهية. وكما تعلمون يا أحبائي، لقد زرع الله في أبنائه الرغبة ليكونوا أكثر فأكثر على صورته، فأضحت المحبة والمحبة وحدها، لا الحرب والمقاومة بين الظلام والنور هي السبيل الوحيد للوصول.

        ليس الخلق هذا سوى اعتراف بقدر أبناء الله كشركاء في الخلق مع (العقل والنفس). ومشاركة الله في الخلق تعني القدرة على التمييز بين الوجود والعدم والقدرة على استقراء الخير المحض وتصور السعادة الآتية. فلا تنالون ما لا تشتهون.

        يا أيتها النار اللامتناهية، أنا ذات تقف في حضرة الله داخل الغرفة السرية الكامنة في قلوب أبنائه، ذات في طيات اللاوعي وسبيل للحرية، حرية التواجد في الله والشوق لهذه الحرية التي تهددها ذاكرة التجربة الفوضوية، وضغوط الزمان والمكان. حرية لا تتجاذبها قوى وهمية: تحديات وأحقاد وكبرياء وسوء فهم مكدس فوق سوء فهم وثقافة تتحدى التعاليم الإلهية وجمود كبرياء يستفز الملائكة ويفوق "الهيرودية" العصرية. وقلق أرواح تواقة إلى سنين أخرى في نار العبودية الدورية.

على الأرض:

        هنا على الأرض يجب أن يتحول الحب إلى سيف في وجه الظلم لأن أبناء الله قد تنازلوا عن جنات الألوهية ليصبحوا حاملي إرادة بشرية. والمتطفلين على مقاعد الحكم انتزعوا منهم الحرية بأثمان رخيصة مادية.

        إن الدفاع عن الكلمة المتجسدة فيكم يا أحبائي هو التحدي الكبير في مرحلة الانتقال من عصر الظلام إلى عصر النور الآتي.

        فدعوا عناصر الحقد تذوب في منبع النور داخل قلوبكم لتحولوها إلى دوائر بنفسجية تحيط بروحكم يا أيها المؤمنون بالحرية.

        ولا تتأثروا يا أحبائي برؤية الحقيقة الداخلية، ولا تدينوا "الطفل" في داخلكم، ولا تأخذكم زوبعة المحبة الإلهية (الصوفية) بعيداً عن شواطئ الأهداف السماوية، أهداف العقل والنفس أبويكم.

        أسرار الكأس المقدس راجع الضحى العدد السابع والستون أيلول 1997.


ما قبل التاريخ

مشاهدة من ذاكرة التوحيد

أتلانتيس

        منذ ملايين السنين المتعاقبة في ظلام حقبة ما قبل التاريخ كانت البشرية لا تزال برعما، وليدة الطبيعة، راقدة، حالمة، متدثرة، بوشاح السبات العقلي، فهمدت معرفة الذات فيما نشط الوعي الفطري. وعلى غرار شعاع نور في أفق الزمان، هبط النور الإلهي نور الوعي المتجلي في طبيعة "أبناء النور" بين البشر النيام كهبوط الروح في جسد المولود، فأضاءت بشعلة النار الفكرية فتيل العقل الكامن، فتحرض المفكر.

        وإذا بمعرفة الذات تنتفض ليتحول الإنسان إلى مولد للقوة الفكرة والعاطفية، يتمتع بالقدرة على الحب والكراهية والعظمة والهزيمة. وبامتلاكه المعرفة اكتسب الإنسان القوة، وباكتسابه القوة أصبح باستطاعته أن يختار، وباختياره صاغ نسيج مستقبله، وجرى إدراك ذلك كالدم في عروقه. وبرزت المعرفة والمزيد من المعرفة كضرورة لنضوج البشرية التي باتت تنظر بعرفان إلى أبناء العقل الذين انتشروا انتشار الوعي في المادة مانحين الحياة للمولود. فسار البشر وراءهم ولحقوا بإرشاداتهم طوال قرون عديدة وتأثروا بهم كما يلحق الطفل خطوات أمه.

        وعلى مدى دوران الأجيال، قامت مجموعة من المعلمين الإلهيين، الذين تفتحت فيهم زهرة الوعي وتفهموا أعماق الغرض الإلهي من الخلق أولئك "السابقون السابقون" فأشرفوا بأنفسهم على تقدم البشرية وواكبوا أطوارها الأولى. فلقنوا الناس الفنون والعلوم وزراعة الحقول ذرة وقمحا، وأرشدوهم إلى سبل العيش الأخلاقي النظيف، أي باختصار، أسسوا مدارس بدائية للتدريب والتعليم، مباحة للجميع ليتعلموا أصول المادة والفكر والروح. ولم تكن المدارس السرية قد نشأت بعد في تلك المرحلة. وكما يؤتمن الطفل على الأسرار لبراءته فقد كانت الحكمة المقدسة متاع كل إنسان في تلك الطفولة من عمر البشرية. فلم تكن مساوئ المعرفة قد ظهرت وبعد، ولم تبرز الحاجة إلى قوام مقدس مخفي عن العالم. كانت الحقيقة تمنح بحرية للجميع وتستقبل بحرية في العهد الذهبي ذاك. كان ابن آدم لا يزال فتيا فتمكن البعض من التعلم بسرعة وبسهولة مستفيدين من ذكريات تجربتهم في العالم الأقدم (في رحم النور قبل تفتح وعي البشرية لمطامع الزمان والمكان)، فاختاروا بديهيا سبيل الفكر الروحي. أما البعض الآخر وهو أقل وعيا فقد كان جيداً على الرغم من عصيانه على التقدم، في حين قبعت فئة ثالثة مخدرة تحت تأثير الجمود، ووجدت التعلم والطموح عبئا ثقيلاً فتقاعست عن التطور وفضلت قتل الروح على إجهادها، وشهدت الإنسانية بمجملها تقدما سريعا في اكتسابها المعرفة وإجادة استخدامها لها "فالعلم في الصغر كالنقش على الحجر"، وبدأ البعض الآخر بالقيام بأعمال الشر لأن ما كان كامنا في الروح (من خير وشر) تحول شيئاً فشيئاً إلى فعل. وباتت المعاناة والألم أرحم وسائل الطبيعة لاعادة الفؤاد إلى فطرته البدائية، وفيما راح العقل ينمي إمكانات أشد، وفيما أخذ الصراع في سبيل سيادة العقل يتغلب على الروحانيات، تحولت هبة الفكر إلى سيف ذي حدين: فكانت من جهة أداة الوعي الروحي والنشوة الفكرية، ومن جهة أخرى سلاحا مدمرا مرعبا يصل إلى درجة الشيطانية.

        تحولت أسرار الجنة والأرض التي كشف نقابها المعلمون السماويون للبشرية أيام طهرها إلى بؤرة نور تضعف أشعته عندما تنبثق على غير تجانس بسبب تلوثه المادي من ثم انحل النور مع الجماعات ليتخذ أشكال السحر، تبلور لاحقاً ليصير ديانات خارجية وعبادة للخرافات.

        إن الطبيعة (بمعزل عن عنصر العقل) دورية: خصبة بالروحانيات تارة وعقيمة تارة أخرى.

        وخلال تجربة البشرية أثناء فترة المراهقة من عمرها في الحقبة القديمة تلك في قارة "لاموريا" (أي عمورة) التي غاصت بالمياه كانت الدورة ضد التقدم الروحي، فقد برزت موجة انحدار قوية في حين تم تسريع عملية توسع الطاقات الجسدية والمادية تلاها تأخير القوة الروحية ومن ثم تقلصها. وشكلت البشرية في تلك الحقبة جزءاً من تيار التطور الشامل وتجاوب الأفراد مع الجو القاسي بحسب طبيعتهم، فقاوم البعض تأثير الروح الانحداري متسلحين بروحانيتهم المستيقظة فيما تأرجح البعض الآخر وهو أقل فهما بين الروحانية والموت. بين الخير والشر، فأصغى تارة إلى همس حدسه، وتغلبت عليه أمواج التيار الانحداري تارة أخرى.

        أما غيرهم ممن أضرمت فيهم شعلة الروعة الفكرية، فقد غاصوا داخل الشعاع غير آبهين بالمياه الآسنة والعكرة. 

        ومع استمرارية الدورة الانحدارية خاب بريق معرفة الحقائق الروحانية والعيش بالتوافق معها، وتحولت الحكمة المقدسة إلى أداة لا نفع لها في قلب الإنسان وعقله. تلك هي ما يسمى بالعصور الحجرية (والتي في معناها الحقيقي ترمز إلى تحجر القلوب عن استقبال الحقائق). وكانت تلك الحماقة محتمة في مجرى الأحداث الكونية وكل الأشياء مهيأة. فكما تتعدد أنواع الناس بين روحاني ومادي وبالغ الذكاء وبطيء التفكير، تتعدد درجات الكائنات في الكون وتطغى طبيعة هذه الكائنات على جوهر النفس الإنسانية، بدءا بمملكة المعادن مرورا بمملكة النباتات فالوحوش وصولا إلى مملكة البشر، ومن ثم تتخطاها لتبلغ درجة رئيس الأرض وكاهنها الأكبر "العقل الكلي". على مر آلاف الأعوام الأولى تلك، وعى رئيس الأرض الروحاني وحارسها نيران الروحية الفردية الناشطة فأرشدها وأذكاها حيثما اسطاع.

        تدريجياً فيما تعاقبت آلاف السنوات أخذ أقوياء الغريزة والضعفاء النفوس يسيئون استخدام معرفتهم للأمور الإلهية مما ساهم في حجب الحقيقة، وشعر عندئذ حارس الكوكب بالحاجة إلى انتقاء مجموعة من المساعدين لتأدية دور حراس الحكمة القديمة وحماتها. حفنة من الكائنات البشرية ممن أضرمت فيها الحماسة الإلهية وأشرقت وحدها استجابت طوعا إلى معلمها الكوني كاهن البشرية الروحي الأكبر. وعلى مر الأجيال خضع أفراد أقوياء القلوب إلى المراقبة والإرشاد والتقوية بالاختبار بشتى الطرق، ليتم استجماعهم فيما بعد ليكونوا حجة الله على خلقه، حجة الذات اللطيفة الطائعة على النفس المتمردة في نفس كل ذات (حيث ينطوي الصراع الحقيقي). الذين نجحوا من بينهم في اختيار معرفة الذات واختيار التضحية بالذات ألفوا أول جمعية أو مدرسة للبشر الروحانيين الأخوية العظمى التي ظهرت معالمها في الرحلة الآدمية الأخيرة في مدارس هرمس وفيثاغوراس (عليهما السلام).

        وتمكن حارس الكون بفضل ظاهرة تجاذب المتشابهين المغناطيسي الروحاني (ظاهرة تجمع الموحدين) من جذب بعض البشر غير العاديين، انتقاهم من أولى بدايات الزمن ليؤلف معهم بؤرة ضوء روحاني وفكري على الأرض.

        ويرمز هذا الواقع إلى وحدانية التألق البشري الروحي والفكري أكثر منه إلى جمعية أو شركة أو أخوية، وتمثل الوحدانية هذه على الأرض نواة ملائكة الرحمة.

        وبؤرة اللهب الحي الأصيلة لم تتعرض يوما إلى الانحلال ولم تفقد مكانتها السامية كمركز للنور على الأرض.

        وفي قمم الشرق الأقصى (حيث لم تطأ رجل أرضي بعد)، يمكث أخوة النور الأوصياء المؤتمنون على الأسرار التي كشف عنها المعلمون الإلهيون إلى الجنس البشري، وشكل هؤلاء المختارون نواة هرمية لم تفن منذ ذلك الوقت منذ تأسيس الأخوية العظمى قبل اثني عشر مليون سنة. فمن هذا المركز طيلة ملايين السنوات تنبثق أشعة القوة الروحية وتشع على العالم بأسره، وبالأخص على قلوب من كرسوا حياتهم لخدمة الحقيقة. من ذلك الملجأ السري انطلق رسل أسياد الحكمة، ليؤسسوا ديانات الماضي العظيمة.

        تاريخ البشرية منذ عهود الظلام إلى عهد النور (من المجموعة بلافيتسكي الثيوصوفية) راجع الضحى العدد الثالث والستون أيار 1997.

        الكل منا سمع بين الحين والآخر الاسم "أتلانتيس" صدفة تتداوله الألسن ولا يخلو من تعريفه قاموس عصري وغالبا ما يكون التعريف كالآتي: "أتلانتيس" بناء على أسطورة يونانية عرف عنها الفيلسوف أفلاطون، قيل أنه كان هناك قارة في المحيط الأطلسي في غرب جبل طارق ذات أرض خصبة وكثافة سكانية تعرضت لسلسلة من الهزات الأرضية آخرها أدى إلى غرق القارة بأكملها. وما يثير الجدل بين العلماء اليوم التساؤلات عن مدى حقيقة هذه الأسطورة.

        ذكرت "اتلانتيس" في اثنتين من محاورات أفلاطون: "طيماوسط و "كريتياس". أدب الحوار كان مشهوراً في أيام اليونان ولم يكن غرضه يقتصر على مجرد نقل وجهات نظر متفرقة بل اعتمد على قضية أساسية يتمحور حولها الحوار ويتجه نحو معالجتها وإبرازها. ونناقش محاورة طيماوس موضوع أتلانتيس ضمن مواضيع عدة بينما تركز محاورة كريتياس كليا على أتلانتيس، حيث يؤكد "كريتياس" أن قصة هذه القارة هي قصة حقيقية ورثها أبا عن جد مصدرها الأصلي كاهن مصري توارثها هو الآخر عن أجداده الذين عايشوا الانقلابات الكونية التي أدت إلى دمار أتلانتيس وغرقها. يتابع كريتياس رواية الكاهن ويقول أنه كانت توجد جزيرة عند أعمدة هرقل، مساحتها أكبر من مساحة ليبيا وآسيا معا، نشأت فيها دولة عظيمة بسطت سيادتها على "الجزيرة كلها وعلى الجزر القريبة منها. ثم تعاظمت قوتها فاجتاحت البلاد المجاورة كافة حتى وصلت إلى حدود مصر واليونان. ومؤسس هذه الدولة كان يدعى الإله "بوسيدون". قسم بوسيدون الجزيرة إلى عشر ممالك ونصب أولاده العشرة ملوكا عليها على ان يكون الإبن الأكبر واسمه أطلاس ملك الجزيرة كلها. ولم يكتف بوسيدون بذلك، فنظم الجزيرة وأقام الشريعة والفرائض التي نقشت على نصب نحاسي. وأهم ما تضمنته تلك الشريعة بالإضافة إلى طقوس العبادة، هو أن يظلوا متحدين لا يشهر أحد منهم السلاح على الآخر مهما كانت الأسباب وإذا حدث اعتداء فعليهم أن يجتمعوا فوراً للبحث فيه وتطويقه. وإذا ما حدث اعتداء خارجي على أحد منهم فعليهم أن يهبوا جميعاً هبة واحدة لنجدته. بلغت دولة الاتلانتيس في عهد أولئك الملوك شأوا من القوة والغنى لم تصل إليه أية أمة أخرى. وسبب قوتها يعود إلى نظامها الاجتماعي الحربي، أي عكس أثينا ذات النظام الديمقراطي. لقد قسمت الجزيرة إلى عشر ممالك. وقسمت كل مملكة إلى ستة آلاف ولاية مساحة كل ولاية ثلاثة كيلومترات مربعة. وكل ولاية هي مفرزة أو سرية عسكرية، عليها مع بقية الولايات أن تقدم إلى الدولة عشرة آلاف مركبة حربية، ومئتين وأربعين ألف حصان، ومليونا ومئتي ألف محارب ومئتي وأربعين ألف نوتي مع مئتي بحار ومئتين سفينة. أما سبب غناها فيعود إلى خيرات تلك الجزيرة وإلى الموارد التي كانت تأتيها من البلاد الرازحة تحت سيطرتها. لقد كانت الجزيرة غنية بالمعادن الأصلية وغيرها من الأحجار والأخشاب والمراعي الخصبة والماشية وتعج بالثمار والحبوب من كل صنف ونوع إلى جانب أنواع الأطياب والعطور. وشيد الأهالي الهياكل والأبنية الملكية والموانئ والمرافئ لتخزين السفن وإصلاحها. وعمروا الأرجاء فأقاموا الملاعب الرياضية وميادين تدريب الخيل والجسور، وحفروا الخنادق والترع وشقوا قناة تصل البحر بالجزيرة لإبحار السفن، وبنوا أبراجا وأبوابا على الجسور. وفي وسط الجزيرة بنوا هيكلا مقدسا أحاطوه بسياج من الذهب ولبسوه من الخارج بالفضة أما داخل الهيكل فقد غطوا جدرانه بالنحاس والعاج والذهب. هذه الخيرات والاستغلال الماهر لها مع التقيد بالقانون؛ كلها أدت إلى ازدياد قوة دولة الاتلانتيس وإلى ازدياد أطماع ملوكها. فحاولوا في حشد عسكري كبير اجتياح كل من مصر واليونان معا. عندئذ اتحدت بلاد اليونان بزعامة أثينا التي هزمت بنظامها وبراعتها الحربية دولة أتلانتيس وحررت كل البلدان الأخرى من نير عبوديتها، فحين نزح العقل والحلم من رؤوس ملوكها، وجرفتهم الأهواء والملذات، ولم يعد باستطاعتهم المحافظة على تلك النعم، غضبت الآلهة عليهم، فحدثت هزات أرضية وفيضانات أغرقت الجزيرة مع قسم من بلاد اليونان في قاع البحر.

        ولعل من أبرز النقاط التي تجعل من رواية أتلانتيس الذي نقلها أفلاطون إلى مخيلتنا ذات أهمية هي أنها قلبت الموازين التاريخية التي نعرفها من خلال الكتب ذات الصبغة الداروينية وتحدث المفهوم الطاغي عن تاريخ الإنسانية وقدمها. فزمن وجود أتلانتيس، تلك الحضارة المتقدمة، كما ذكره أفلاطون، يعود إلى تاريخ أقدم بكثير ويؤكد وجود حضارة وتكنولوجيا متقدمة في تلك الأزمنة، وبذلك فإذا نظرنا إلى محاورة أفلاطون عن أتلانتيس بعين الثقة وبعقل منفتح لأدركنا أهمية النظر إلى تاريخ البشرية بشمولية أكثر.

        لكن هناك من يعتقد أن أتلانتيس ما هي إلا رواية من صنع مخيلة أفلاطون تبناها لكي يتوسع في نظريته حول الجمهورية الفاضلة، وهناك من يزعم أن القارة التي سماها أفلاطون أتلانتيس ما هي في الحقيقة إلا جزيرة كريت.

        ويبقى هناك الكثير ممن يؤمن بصدق المعلومات التي أدلى بها أفلاطون عن أتلانتيس باحثين عن أثارها في المحيط الأطلسي، والكثير منهم قد أعلنوا أن جزر الكناري والباهاماس ما هي إلا بقايا هذه القارة، وللأسف أن معظم المتحمسين لهذه الفكرة لا يجيدون الدفاع عنها بجدية وموضوعية بل غالبا ما تجرهم العواطف إلى استنتاجات تكون موضع سخرية من التحقيق نود أن ننظر إلى هذه القضية بموضوعية ونعالجها من الشقين المنطقي والعاطفي:

أولاً:   من المستبعد أن يكون أفلاطون قد اخترع قصة أتلانتيس لكي يتوسع بنظريته عن الجمهورية الفاضلة فهو قد توسع بوصفها "الجمهورية" أكثر من مرة في محاوراته الأخرى من دون الاستعانة بخدعة جغرافية. وإذا أراد فعل ذلك حقا كان أسهل عليه أن يستعين بأثينا القديمة عوضا عن ابتداع قصة عن قارة مجهولة.

ثانياً:    التفسيرات التي وردت في المحاورتين عن المصادر التي علم أفلاطون بواسطتها عن أتلانتيس منطقية جدا تخلو من ثغرات أو تناقضات، فمن المعقول جداً أن معلومات عن أحداث تختص بماض سحيق كزمن أتلانتيس قد نقلت إلى "صولون" عن طريق كاهن مصري وخصوصا بما يعرف عن عراقة الحضارة المصرية وقدمها الذي يتجلى بعمر معجزة الأهرامات وتقدمها على الحضارة اليونانية في ذلك الوقت.

        وبالتأكيد إن المعلومات التي بنيت على أساسها النظرة الداروينية المعاصرة لتاريخ البشرية تعتمد على براهين مادية تم التوصل إليها عبر دراسات الآثار. ولكن يجدر بنا أن نأخذ بعين الاعتبار العديد من الكوارث الطبيعية والتغيرات العنيفة التي تعرضت لها الأرض والتي يقر بحقيقتها الجيولوجيون، ولذا من الصعب نبذ احتمال أن أزمانا وعصوراً طويلة من تاريخ البشرية بمجملها قد بترت من سجلات الذاكرة التاريخية أثر كوارث كونية لم يسبق أن شهدناها في حقبتنا التاريخية المدونة.

        ولعل أكثر من يدعون للعجب هم البعض الذين يعتقدون أن أفلاطون لم يكن لديه مفهوم جلى عن الزمن وتسلسله بل كانت لديه فقط أفكار مبهمة، وفي الواقع يصعب على أي إنسان تصديق مثل هذا القول عن عملاق الفلاسفة، الذي حيرت فلسفته الخالدة عقول كبار الفلاسفة والمفكرين حتى أن وصف البعض منهم تاريخ الفلسفة بأكملها بأنه "ليس إلا ردة فعل وتحدياً لفلسفة أفلاطون".

        من جهة أخرى إذا نظرنا بعين الثقة إلى رواية أفلاطون عن أتلانيس وآمنا بصحتها يبقى أن نتساءل عن موقع هذه القارة في المحيط الأطلسي وعما إذا كان هناك أي أثر لها. والجدير بالذكر أن زمن اختفاء أتلانتيس (أي في حدود 10000 سنة قبل المسيح) كما أشار أفلاطون يتطابق مع زمن انتهاء ما يسميه العلماء بـ "العصر الجليدي" وقد تم التحقق علميا أن في العصر الجليدي كانت درجة ارتفاع مياه المحيطات أقل بكثير من زمننا الحاضر، فحسب المعلومات التي أكدها بعض الجيولوجيين قد ارتفع سطح المياه منذ ذلك الحين بما لا يقل عن مئة وثلاثين متراً عن الشواطئ.

        الكثير من العلماء اليوم يرفضون ربط فكرة اختفاء أتلانتيس بارتفاع سطح المياه لأسباب أهمها يتعلق بالتلازم الطبيعي بين ارتفاع معدل لحررة وارتفاع سطح المحيطات، ولكنهم حتى الآن يجهلون الأسباب التي أدت إلى بداية ونهاية العصر الجليدي. كل ما يعرفونه هو أن كمية هائلة من الطاقة ضرورية لرفع معدل الحرارة على الأرض إلى درجة تؤدي إلى انتهاء عصر كالعصر الجليدي، ولا يستبعدون أن تكون أسبابها عوامل بركانية مقترنة بارتجاجات أرضية.

        أما فكرة اختفاء القسم الأكبر من القارة في زمن لا يتعدى الـ 24 ساعة فتوحي أكثر من مجرد احتمال وجود عوامل طبيعية مسببة لمثل هذا التغير المفاجئ ولذلك يبقى تلاعب أيد إنسانية في الطاقة احتمالاً مقنعاً لاختفاء القارة. ومثل هذا الاحتمال يهدد العلماء الذين طالما يستمدون طاقتهم في الحياة من جنون عظمة ما توصلوا إليه من تكنولوجيا فقط ليكتشفوا ضعفهم أمام بعض المظاهر الغامضة لحضارات أرقى كالصحون الطائرة.

        وفي ظل التعتيم الذي تلقاه مثل هذه الأمور كان لا بد من الخروج عن المنطق والموضوعية التي تفرضها هالة العلم والتكنولوجيا العصرية والنظر إلى أتلانتيس بعين أكثر عاطفة وتوقا لاكتشاف أسرار ذلك العالم المفقود، ففي محاورة مع "إدغار غايس" الملقب بالنبي النائم والذي عبر الـ "ترانس" (الغيبوبة الروحية) استطاع الرجوع إلى الماضي مقلباً صفحات الذاكرة الكونية أو ما يسمى بالـ "السجلات الأكاشية" ليتذكر ما لا يقل عن 35 جيلاً له من ضمنها جيل يقول أنه كان فيه من سكان أتلانتيس ففي مقابلة أجرت معه أفصح غايس عن معلومات واصفاً غايس عن معلومات واصفا خلالها أتلانتيس وصفا يكاد يلامس جذور المنطق وتكاد أن تغمره تلافيف ذاكرتنا لولا أن العلم والتكنولوجيا المعاصرة تتنكر له وتستهزئ بمصدره (أي عالم الروح) معتبرة أن كل ما يصدر عن مصدر كهذا هو خيال أو خرافة.

        بينما كنت أقرأ ما جاء في مجلة الضحى وصلت إلى ص 98 بعنوان "قدم الكون" تأكيداً لكلام صاحب المقال، من الواضح جداً أن الرؤية التكوينية للخلق في أسفار العهد القديم والجديد وفي القرآن (أي بما يتعلق بقصة آدم وحواء) يجب ألا تؤخذ حرفياً. هذا المقال ذكرني ما قرأته في كتاب "قصة إيدغار غايس" (هناك نهر) There is a River وبالتحديد ما جاء في الصفحة 312 من هذا الكتاب "أن جميع الأرواح خلقت دفعة واحدة ولم يخلق الله أرواحاً بعدها (أي ما يفسر كلمة كن فكان في التوحيد" واللطيف (الروح) كما في الحلم ولكن بكامل وعيها. من هذه الأرواح هرمس ذو الثلاث شعب. Hermes Trismegistros وكلمة هرمس تعني "السر" واسمه الحقيقي هو إدريس وسمي Trismegistros لأنه كان امتلك سر الأبعاد الثلاثة وكان ينتقل بين الزمان والمكان.

        خلق الإنسان بوعي إلهي وجسم حيواني. وجد الإنسان منذ البدء في خمسة أماكن جغرافية مختلفة في الوقت نفسه وفي خمسة فصائل أو أعراق: الأبيض ظهر في القوقاز "وكارياثيان" وايران. الأصفر ظهر في ما يسمى اليوم بصحراء غوبي. اللون الأسود ظهر في السودان وشمال غرب أفريقيا. اللون الأحمر ظهر في قارة أتلانتيس. اللون الأسمرظهر في "الأنديز" والساحل "الباسيقيكي" لأميريكا الجنوبية. وكان في ذلك الزمن البعيد الساحل الغربي لقارة "لاموريا" المذكورة في الكتاب المقدس باسم Gemorah وفي القرآن كـ "عمورة". كانت تؤلف أعماق المحيط الأطلسي في الولايات المتحدة منخفضات قارة أتلانتيس الغارقة اليوم. كانت إيران والقوقاز أراض غنية (جنة عدن) وكان قطبي الأرض مناطق استوائية وشبه استوائية معتدلة حيث كان نهر النيل يصب في المحيط الأتلنتي. كانت الـ "صحارى" Sahara خصبة جداً ومأهولة وكان حوض الميسيسيبي جزءأ من المحيط. كان في الناس من ذكور وإناث وكانت هذه المخلوقات نقية ذات أرواح كاملة متكاملة. فحواء مثلث الشريك الطائع والمحب لآدم في داخل كل فرد (أي في آفاق المرء الثلاثية) العقل والجسد والروح. في حواء تمثلت الطاقة الإيجابية وفي آدم تمثلت الطاقة السلبية. ولكن طغى في آدم (أي الجزء السالب في الإنسان) الجزء الموجب وانكمشت هذه الطاقة في حواء. كما طغت على حواء الطاقة السالبة وانكمشت هذه الطاقة في آدم.

        ولخلق المساواة، كان لا بد من تعادل طاقات السالب والموجب في داخل كل امرء. لأن المساواة هي في الأرواح وطاقات الأرواح هي آلة الخالق لاستمرارية الكون واستمرارية الحياة على الأرض ونيلنا الخبرات المطلوبة لأجل الارتقاء الروحي. لم تكن يوماً حواء المسؤولة عن الخطيئة، لأن حواء تمثل جزءاً أو طاقة في كل إنسان ذكراً كان أم أنثى. فأكل التفاحة المرموز إليها في الكتب السماوية هي إرادة الله لتحقيق الحكمة من خلقه. وتبادل الطاقات في كل إنسان والقدرة على التعديل بينها هو اختبار إلهي. لم يهبط الإنسان من السماء بخطيئة التفاحة والأفعى، وما أنزل في الأديان هو نوع من التشبيه، فالقوة السماوية لا تميز بين الأرواح ذكراً كانت أم أنثى فقد مرت عصور طغت فيها طاقة حواء على طاقة آدم وحكمت فيها الأنثى ونجد آثار هذا المنطق في الهند بحيث ينظر إلى الله كـ "الأم الحنون" ويناجي بكلمة Oum (أم) وليس بالشرط كأب "باترياركي". الله أراد أن يخلق شبيهاً له على الأرض ونفخ في طبيعة الإنسان روحه وهذه الطبيعة في أعماقها متعالية عن الجنس البشري والغريزة الحيوانية. الكون انبثق من الموسيقى والهندسة والحساب والجبر في انسجام كيان وتناسق وتناغم (عناصر البناء).

        فهذا الانسجام هو ما نسميه بـ "إرادة الله" فإرادته محكمة ومنطقية وليس رعوية.

        تتطابق قراءات إيدغار غايس مع ما جاء في التوحيد. استعمل إيدغار التعابير التالية المشتركة:

قانون الكارما وهو ما نسميه بـ "مضمار السببية".

قانون التقمص المعروف.

قانون قدم الكون.

قانون الـ "Avatar" وهو ما نسميه بالتجلي.

فضلاً عن ذلك تؤكد قراءات غايس وحدة الأديان كما جاء في إحداها ما يلي:

        "سوف يأتي يوم يعي الإنسان فيه حقيقة مؤكدة وهي أن جميع الأديان مصدرها واحد ومرجعها واحد وهو Religion of the Oneness "دين التوحيد". والأديان "وجدت للمحبة ولتعريف الإنسان بأصله السماوي الإلهي وضرورة ترقيه وعودته إلى ربه. والحروب العديدة التي تدور رحاها اليوم في حوالي 40 منطقةمن العالم غالبيتها تحت ستار الدين أو بدوافع دينية مختلفة لا تجسد إرادة الخالق. الدين محبة، مغفرة، عطاء ومعرفة النور الإلهي في أعماقنا.

 

الدكتورة سامية عزام

 

        إدغار غايس أو "النبي النائم" من أغرب الشخصيات التي عرفها التاريخ المعاصر، لقد أذهل هذا الشخص الروحاني أميركا في العقود الأولى من هذا القانون بمشاهداته وقراءاته الروحانية حينما كان يغرق في غيبوبة يتصل خلالها بالسجل الأكاشي ليقرأ ويشاهد مخزنن كل نفس فيه وليدهش العالم باكتشافه الغيبوبية تلك الفكر البشير بمعلومات قل نظيرها منذ أفلاطون حول القارة المفقودة أتلانتيس وحول سكانها، وصراع الخير والشر بينهم الذي أدى إلى دمارها وغرقها بما فيها من حضارات وشعوب، لقد تذكر ذاك الأميركي الغامض أكثر من ثلاثين من حيواته السابقة وحدد لكل شخص قرأ له سجله عدة شخصيات سابقة تقمص بها، منها ما يرجع إلى عصور سحيقة، ولقد أكد من خلال مشاهداته الروحانية قدم العالم وتقمص النفوس وجدلية صراع الأضداد وتعاقب هيمنة الخير والشر، ففي تلك العصور الموغلة في القدم أيضاً استشرف غايس بشفافية قواه النفسية المذهلة حقائق وتفاصيل...

نعم... لقد كان هناك أبناء الظلمة وأبناء النور، فأبناء الظلمة، أو كما يسميهم أبناء "بليل" Belail، هم أهل الشر الذين يسعون إلى الضلالة والدمار واستغلال قوى المادة والطبيعة وتسخيرها لمطامعم الشريرة، أما أبناء النور، ويسميهم أبناء الواحد، فهم أهل الخير الذين يسعون إلى هداية الشعوب للحكمة والفطنة والمعرفة الحقيقية واستخدام قوى العلم والتطور لخير البشرية جمعاء. 

ولقد كان لغايسي بعض القراءات لأشخاص كانوا في تقمصاتهم السابقة من سكان أتلانتيس، وقد أشار فيها إلى بعض الحقائق الغريبة حول بدايات الوجود البشري كوجود روحاني تلعب فيه المادة دور التمظهر لا أكثر ولا أقل. فالبشر كما وصفهم غايس في أزمان الطفولة من عمر الوجود البشري تلك هم "أفكار متجسدة" تتخذ أشكالها الكثيفة وتتفاعل مع بعضها البعض وفقاً لطبيعة تفاعل الأفكار الخلاقة وتلعب أدوارها في الزمان والمكان من خلال فهمها للوجود ورغبتها فيه، وقد أطلق على كل نفس قرأ لها تعريف "كينونة".

ولنلق الضوء على بعض تلك القراءات:

في حدود 9800 سنة قبل ظهور راما، أحد تجليات كرشنا في الهند، عاش في أرض الأتلانتس كينونة اسمها "إميليوس" وهو أول من لاحظ الفرق ما بين البشر إناثا وذكورا وميز بينهم من خلال الشكل الفيزيائي حين لم يكن بالإمكان أن يتدنس الوعي قبل ذلك ويتعرف على الأشخاص إلا بهوياتها الميتافيزيقية أي كأفكار متجسدة، وكانت الأحداث ترتبط في تطورها بناء على تناسق تلك الأفكار المتجسدة وفقا لطبيعة الفكر التي (كما تؤكد قراءات غايس لاحقا) بمفهومنا الحالي هي إما شريرة أو خيرة. وكانت تلك الأفكار تتوالد تلقائيا من ذواتها وتقولب أشكالها الخارجية ومن ثم الوجود الخارجي ككل تعبيرا عن الارتباط الموحد ما بين الفكر والمادة (مسرح تمظهر الأفكار وتشكلها) ارتباطا كان يمكن إثباته والتحقق منه آنيا في عمر البراءة تلك كما يتحقق الأطفال من وجود الملائكة. وفي انسياقهم وراء تلك الرغبات التي أحدثتها يقظتهم لفيزيائية التمظهر المادي، وهذا ما ولد نزوة التحكم بالمادة وهي نزوة الشر بمفهومنا العصري، تكثفت عملية التمظهر الفكري بالمادة مؤدية إلى الالتباس الحالي بالفصل ما بين المادي والفكري وجعلهما عالمين منفصلين.

صراع الخير والشر وجدلية النور والظلمة:

        هناك قسمان من البشر: أبناء النور وأبناء الظلمة "بليل" Belail ويطلق على أبناء النور تسمية أبناء الواحد أو أبناء "القوة الخلاقة"، وقد حدث نوع من التمازج بفعل تأثير قوي من قبل "أبناء بليل" على أبناء النور مولدا ما نعرفه اليوم بنسبية الخير والشر بعد أن كان المسرح المادي يؤكد للعين الشحمانية مطلقية هذين الضدين. ولقد تطور هذا التمازج على مر السنين إلى حروب مدمرة على الأرض. وكانت ثورة البركان التي أدت إلى دمار جزء من أتلانتيس نتيجة لسوء استعمال المادة خلافاً لإرادة أبناء النور، وبدأت حينها تدخلات من العقل الكلي لإظهار حقيقة تأثيرات أفكار أهل النور البناءة وتأثيرات أفكار أهل الظلمة "بليل" المدمرة، وأدت محاربة أهل الظلمة لأهل النور إلى الحد من الرقي اللامتناهي الذي كانوا يتوقون إليه ويتصورونه لمستقبل الحياة البشرية على الأرض وجعل نشاطهم ينحصر في الدفاع عما تبقى من الخير المتمظهر، وقد تطور هذا النمط من الجمود إلى (الانفصام الكامل بين فهم الخير والعمل به) الانفصام الذي نعهد العالم عليه اليوم.

        ولإشباع رغباتهم ومن دون الأخذ بعين الاعتبار الصعوبات التي بدأت البشرية تعاني منها بعد هذا السقوط، لم يكن لأبناء الظلمة أية معايير سوى تبجيل الأنا بشكل بدائي وبوهيمي وهو الأقرب إلى ما نسميه اليوم الخلل الأخلاقي.

        إن هذه التناقضات بدأت تخلق تساؤلات عديدة حول "أبناء الواحد" المهتمين بجدية بمصير الكون تتزامن مع وعي متزايد حول العلاقة ما بين الوعي الفردي والوعي الكلي الذي أرادوا الحصول عليه. فشرعوا بتحضير النفوس إلى رحلة التعرف على الخالق، تلك الرحلة التي نرى آثارها اليوم في الأديان الحالية.

سوء استخدام الطاقة والتنافس الجدلي:

        وفي تلك الفترة شهدت القارة استعمالا للمادة مختلفا تماما عن الاستعمال الحالي لها بحيث كانت المادة وسيلة مباشرة للتعبير عن أفكار أبناء الظلمة وأبناء النور، لقد استغلت المادة لغايات روحية، خيرة وشريرة، كما يستغل الأطفال الألعاب لشن حروب أحداثها لا تزال تؤثر حتى اليوم على مخيلة منتجي السينما في أميركا (والتي هي بمثابة تقمص لقارة أتلانتيس). إن التطورات المادية التي نراها اليوم على أنها تقدم وتحضر كاستصلاح الأراضي واكتشاف الذرة، كانت حينذاك تلقائية وسريعة كنتيجة غير مقصودة للتنافس الروحي ما بين الجماعتين. وعندما بلغ الاستغلال المادي ذروته كاستخدام الطاقة الشمسية بشكل مغلوط مرت حقبة من الوقت أصبح من الضروري أن يعم الوعي كل الجماعات خاصة العلماء لمعرفة كيفية إنقاذ الأرض.

موقع أتلانتس:

        إن الموقع الذي احتلته قارة أتلانتس هو ما بين خليج المكسيك والبحر الأبيض المتوسط إن الإثباتات على وجود تلك الحضارة نجدها في جبال "البرينيه" والمغرب والـ "هندوراس" البريطانية و "يوكاتان" في المكسيك وأميركا.

        لقد أظهرت مجمل قراءات إدغار غايس، نبي أميركا النائم، وجودا بشريا موغلا في القدم وحضارات متقدمة جداً ما قبل التاريخ التوراتي المعروف، وكشفت جذورا لصراع الخير والشرن والإيمان والكفر ما بين جماعتين متنافستين تعود إلى ملايين السنين، وأكدت حقيقة تقمص "الكينونات" الإنسانية أي النفوس، تكرارا ومرارا منذ فجر تلك العصور وحتى اليوم الأول في رحلة المعرفة والتحقق.

هذه بعض المقاطع من مقابلة أجريت مع غايس:

- صف لنا بعض القوى العقلية التي توصل إليها الأتلنتيون في أوج تطورهم الروحي؟

        من المستحيل أن أصف لك ماديا إنجازاتهم وتطوراتهم الروحية، إن تداخل الشروط المادية والأوجه الروحية يؤدي إلى اجتراح المعجزات كالتي تألق بها السيد المسيح. حتى في أسفاره في الجليل ومصر والهند وفرنسا وانكلترا وأميركا وفي تلك الحقب الزمنية كان الأشخاص في هيئة أفكار أكثر منهم أفرادا مستقلين وشخصيات كما هي اليوم. وتصوراتهم في عالم الأفكار تنتمي إلى عالم المادة الهيولانية تتجلى بالظهور لذلك ما يسمى اليوم علوما غيبية أو سحرا كانت الحالة الطبيعية لدى الإنسان في تلك الحقبة، تماما كما نتساءل بما يحلم الطفل بعد ولادته وهو نائم، ما هي تلك الأفكار التي يحلم بها: ما كان أو ما هو كائن أو ما سيكون؟ من أين أتى هذا الطفل بالتجارب التي تبرر تعابيره وتصرفاته؟!!!

        وبداية العلم الغيبي كانت التعبير الطبيعي للكيان، كلما ازداد الرابط بين الكيان والشروط المادية اختفت هذه القوى الغيبية وكان اختفاؤها تدريجيا بدءا بغيبوبة مادية (وهي عينة مما نسميه اليوم بالواقع) وأصبحت هذه القوى محصورة بما نسميه اليم بـ "الرؤية" أو "الحلم" ولكن حافظت بعض الكيانات على جوهرها وانبعثت في عدة أماكن من الكرة الأرضية لأهداف دقيقة، وكما نعلم أن الوقت يقترب لتكتشف هذه الكيانات في عدة مناطق، كما رأيتموه ذاهباً (أي المسيح) سترونه عائدا.

        وهذا ما تعنيه القوى الغيبية اليوم وما عنته وما ستعنيه غدا.

        في حالة الغيبوبة الروحية شاهد غايس مرات عدة هذا العالم المفقود بدءا من سنة 1932، وبالرغم من أنه لم يقرأ محاورات أفلاطون قط فإن وصفه لأتلانتيس جاء مطابقا لوصف أفلاطون وفي رؤى غايس كان شعب القارة المفقودة ذا مهارة عالية حيث طور غواصات ومركبات طائرة وعرف الانشطار النووي، ويعتقد غايس أن سوء استعمال هذه الطاقة الهائلة تسبب بدمار قارة الاتلانتيس.

        وتوقع "النبي النائم" أن تظهر القارة إلى الوجود ثانية، وبدأ هذا التوقع يبدو كحقيقة حين اكتشف العلماء ما اعتبر طريقا مرصوفا من الحجارة تحت شاطئ باميني في المحيط الاطلسي.

        ووصفت الكاتبة الروحية الشهيرة "جير الدين كمنز" صاحبة التآليف الرائعة التي تنمقها عن طريق "الكتابة التلقائية" عملية استخدمها سكان أتلانتيس (القارة المفقودة) لتسخير ما يصح أن نسميه طاقة ذرية، وقد سمى محدثها من عالم الروح في سنة 1935 هذه بالـ "قوة الكهربائية المتفجرة".

        وتقول مسز كمنز: "الظاهر أن هذه الطاقة الكهربائية المتفجرة هي التي سببت طوفانا أدى إلى غرق قارة أتلانتيس في جوف المحيط".

        ويقول محدثها الروحي:

        "أؤكد لكم أن أناس ما قبل التاريخ عرفوا عن المادة والضوء والأثير وخواصه أكثر مما يعرفه علماء القرن العشرين أو يتصورونه، تصوروا خزانات واسعة للهواء المتكهرب المضغوط المضاد للجاذبية المادية. وقد استرجعت وخزنت في جيوب ضخمة تحت سطح الأرض. وقد وضعت بطاريات التخزين تحت التربة وقام على حراستها جيش من اتلانتيس، إنكم لن تجدوا آثاراً لهذه الخزانات ولا تلك المخازن الكبيرة التي اختزنوا فيها القوة تحت أرض أواسط أميركا الجنوبية. ذلك لأن كل شيء، الأرض وما خبئ فيها، قد تغير وضعه خلال ذلك الطوفان. وهذا هو السبب في أن الخرائب الحالية ليست إلا جزءا صغيرا مما كان موجودا في تلك الأيام الخالية".

        أضاف: "لقد كان الإنسان، لا قوى الطبيعة، هو الذي أباد قارة اتلانتيس. لقد وجد قوم تقدموا إلى درجة خطيرة في إنشاء مخازن الهواء المتكهرب هذه تحت الثرى. ولكن هذه القوة الهائلة قد ثارت أخيرا ضد هؤلاء الناس وأطاحت بالإنسان والأرض الجامدة ارتفاعا نحو الأعلى وكان السقوط بعد ذلك فظيعا هائلا. طغت البحار على الأرض المتشققة الغارقة، وهلك الملايين من الناس في لحظة من الزمن واختفت ألوف الأميال المربعة من البلاد برمتها تحت الأرض، وقذفت إلى أعلى قطعا من الأرض مكونة بلادا جديدة".

        "إنني إنما اصف هذا بشكل فج ولكني أظنكم توافقونني على أن القوة التي تستطيع أن تحرك الصخر اللازم لبناء أهرام مصر ليست من رتبة أقل فإذا ما زادت هذه القوة بتوالي الكشوف واحدا بعد واحد حتى تضاعف قدرها فبلغ مليون، ضعف، فإننا نكون قد وصلنا إلى نقطة الخطر".

        أتلانتيس (الحضارة التي دمرت ذاتها) سبيل العلم إلى ما فقد راجع (الضحى) العدد السابع والستون أيلول 1997.

        في قارة أتلانتس اشتعلت اشد حروب العالم القديم ضراوة: الحرب بين أسياد النور والحقيقة وأسياد الظلام والجهل.

        ولم يقو الفكر المستيقظ على التحكم بالغريزة الفطرية. كما عجزت عن ذلك القدرة النفسية والجسدية. ففي أوج تطوره، أسس الشعب الأتلنتسي حضارة قوية الفكر تحثها قوة نفسية بدنية، غير أن الحضارة هذه خلت من الإرادة الأخلاقية الضرورية لكبح جماح الشعب، الإرادة التي حمت أبناء النور من الأنغماس في الظلمة عبر تقلبات الأزمان والشرائع. وأما السحر فكان موهبة طبيعية تمتع بها الأتلنتيون، فقد تحول بين أيدي هؤلاء العمالقة إلى سحر مادي وجسدي فانغمسوا في الشعوذة التي ما زلنا نختبر مفاعيلها حتى يومنا هذا وسط دوامة الكره والجنون.

        ولكن تلك القوة النفسية البدنية لم تهيمن على أهالي لأتلانتس كافة. فقد انصرف قسم كبير منهم إلى الشعوذة وفني في مسالكها. أما القسم الآخر، ممن تراءى فيهم نور الروحانية، فقد وقع ضحية أمواج القوانين الأخلاقية الصارمة التي نزلت بنظام أتلنتس القاري، وضل في متاهة الارتباك، وهام هنا وهناك يتبع الآلهة المزيفين والإرشاد الخاطئ، في حين عدد قليل بضع ملايين من البشر لا يقاسون بعدد سكان القارات الاتلنتسية الهائل حافظ على قوته وصفاته ونور عقله بفضل اتصاله المستمر بالروح، وهذه الأقلية هي التي شكلت في ما بعد أتباع الأخوية المختارين الذي رسخوا أسس الفضيلة على الأرض في العصر الآدمي الأخير.

        خلال آلاف السنوات الأولى، لم تكن فكرة الأسرار قد نشأت بعد إذ كانت الحقيقة ملكية عامة بتصرف البشر. ولكن، مع نمو معرفة الذات، نشأ عن الرغبات شغف وأنانية أوجبتا استتار الحقيقة. فقد أسيء استعمال المعرفة والقوة، فبات من الضروري تفريق العقال عن الجهال فبدأت أول مظاهر التعليم.

        وكان لا بد من اتخاذ إجراءات للحرص على سلامة الأقلية العالمية، وقد آلت الحضارة إلى نقطة أضحت عندها الضمانة الوحيدة هي تأسيس مدارس متشابهة لما عرفته اليونان لاحقا بمدرسة فيثاغوراس السرية ومن بعدها بأكاديمية أفلاطون يعمد فيه إلى تهذيب الأفراد وتعليمهم حتى إذا ما اثبتوا جدارتهم ائتمنوا على الحقيقة مستقاة من مصدرها الأول، عن طريق المعرفة العليا.

        لذلك، بعدما كانت الأخوية قد أسست أول أعمدة التعليم، حتى في أواخر الحقبة اللمورية، ليتمكن أهل الإحساس والجدارة من التدريب والتطهر والتقوي استعدادا لتلقي الحقيقة، قامت بإطلاق حملة نظامية شاملة، فبعثت الأتباع والرسل لافتتاح المدارس السرية والجامعات الروحية ومراكز التدريب الخاصة، بهدف تجميع أكثر الرجال والنساء جدارة بتلقي التدريب والتعليم في أسرار الطبيعة.

        وهكذا منذ حوالي أربعة أو خمسة ملايين سنة، ما كادت قارة أتلانتس تهدد بتدمير ذاتها بسبب الجور الروحاني الذي كان يهيمن عليها، حتى تم إنشاء المدارس الأولى فتشعبت منها مدارس أخرى في أرجاء العالم الأتلنتسي. وبينما بلغ الأتلنتيون ذروة عظمتهم المادية، كانت تلك المدارس تبذل قصارى جهدها للحؤول دون تطور موجة الشعوذة. كثيرون، أو بالأحرى ملايين، أنقذهم إنشاء المدارس واستمسكت فيها نخبة الشعب الخير. أما الأعداد البشرية الهائلة التي لم تتمكن من المشاركة في درس العلوم المقدسة بسبب عدم اكتمال تطورها الداخلي فقد تلقت مساعدة شعاع القوة الروحانية المنبثق عن أبناء النور بشكل غير مباشر فشهدت عصوراً وأزماناً عم فيها الحب والسلام.

        ولكن كان هناك دوما من راقهم مذاق الشر فقادتهم قلوبهم المتحجرة إلى زج أنفسهم بين صفوف أهل الخير وتلقي التعليم لتنفيذ رغباتهم المفطورة على كره الخير، فأسسوا المحافل السرية لمواجهة مدارس النور والحقيقة الروحانية. وتحول أنصار مدارس الشر تلك في وقت لاحق إلى خبراء أيسريين الأتلنتيين وخطيئتهم المتزايدة.

        ولم تحجب الحكمة عن غير أهلها ومستحقيها إلا بعدما أخذ الأتلنتيون بالانغماس أكثر فأكثر في الخطيئة بحيث أصبح خطيرا ائتمانهم إلى أسرار الطبيعة وخفاياها. وعندئذ حلت اللحظة الأكثر احتداما في تاريخ تلك الحقبة لحظة دامت ملايين السنوات: نقطة تحول الدورة من المادة إلى الروح.

        ففي تلك الحقبة المصيرية من عمر البشرية، حين أصبح الطفل شابا مخيرا رأى الأتلنتيون الروح والمادة متوازنتين: ففي أي اتجاه تتأرجح كفة الميزان؟ باتجاه الروح وخلاص البشرية أم باتجاه الظلام والمادة وعبودية الإنسانية؟ ونتجت عن ذلك بلبلة قوية هزت الأرض: هل تتوصل الروحانية الفطرية إلى إثبات تفوقها على ثقل المادة المكتسبة؟ وهل تتمكن البشرية من ارتقاء سلم التطور لتبلغ النور، أم تهوي طائشة في سراديب الظلم والحماقة لتغيب في غياهب المادة المبهمة؟ ومن بين مليارات البشر الذين زينت قلوبهم بميزان الروحانية، كان على كل بشري أن يخضع بمفرده إلى الاختبار المحتم، فكان مصيره إما الفشل والسقوط وإما النجاح والارتقاء في تيار التقدم العام وصولا إلى التوحد في الألوهية.

        جاء الطوفان ليجرف معه أتلانتس إلى الهلاك، مغمورا بمياه الأرض والسماء التي فاضت على اليابسة وفقا لقانون الكارما. ورافق غرق أتلانتس التي ترامت على مدى ملايين السنوات، بروز أرض جديدة في أنحاء أخرى من العالم، أهلت مع مرور الزمن ببعض الأتلنتيين الذي هاجروا في موجتين هائلتين أو ثلاث.

        وهكذا ولدت البشرية من جديد لتترعرع في صحراء "شامو" أو "غوبي" والأنجاد المحيطة بها. أرض لا يشير قفرها الرملى الحاضر إلى تلك البقاع التي انبسطت في القديم يانعة الخضرة والتي شهدت غاباتها وبحيراتها توالي اعظم الحضارات التي برزت في عالمنا هذا. وهناك طيلة ملايين الأعوام، فيما كانت أتلانتس تتخبط في صراعها مع الموت، كانت بذور الجنين الجديد تزرع في الرحم الطاهر.

        إن الطبيعة لمحسنة في أعمالها. فهي تترك أولادها يواجهون وحدهم عواقب أفعالهم الوخيمة من خلال عمل الكارما ودورة التقمص، فيما تبذر بذور كل دور جديد في أراض طاهرة وعفيفة ليبرعم الطفل في أجواء الطهر وينشأ في الروحانية، وتحول العرق الجديد إلى بؤرة نور روحاني لم يطلها خبو الجور الأتلنتي، يساعده بشر اجتازوا مرحلة الاختبارات في الحياة الأتلنتية أصفياء أشداء.

        إن أسمى الأرواح الكونية تلك المعصومة عن الخطأ، لا تظهر على أرض إلا عند بزوغ فجر كل دور بشري جديد، عند نقطة التقاء طرفي الدورة الكبرى وبالقرب منها، فتلازم الإنسان طيلة المدة التي تتطلبها الحقائق الأزلية التي تبشر بها لتنطبع وترسخ في أذهان الأعراق الجديدة الطيعة. لكأنها تضمن بذلك عدم ضياعها أو انطوائها في غياهب النسيان مع الأجيال المقبلة في العصور التالية. تكمن مهلة الروح الكونية في إعلان خطبة الحقيقة ليس إلا.

        ومع انقضاء القرون وتوالي الحضارات عاد حب الحقيقة ليخبو في قلوب البشر فأهملت المبادئ والوصايا القديمة. وزاد انطواء هذه الحقائق في العصر الآدمي الأخير حتى تحولت اليوم إلى بعض الشعائر والطقوس والعصبيات الدينية.

        تاريخ البشرية منذ عهود الظلام إلى عهد النور 2 راجع الضحى العدد الثالث والستون أيار 1997.

السجل الأكاشي

        هناك في الفضاء... حفظت صور الفانيات... هناك، ما اندثر كيانه على الأرض تتراءى ظلاله وأخيلته على مرايا هيولى الفضاء. لا مناص ولا مفر، ولا حول حتى للأفكار من أن تنفذ من شباك ذاك الفضاء اللامتناهي ولا للأصداء أن تتلاشى مهما عدت السنين والدهور، من أصداء الفكرة إلى الحس والكلمة والشعور، وكذلك النيات والنخيلات والرغبات لا تفنى ولا تضمحل بل تحفظ ذلك السجل العجيب حيث تنطبع كل خلجة ونبضة وخفقه على ذلك النسيج الهيولاني التناظري، وكل معلومات تحتفظ بكينونتها محفوظة عند "كرام كاتبين".

        لا شيء يتلاشى في الفضاء... حيث تترابط سجلات كل الكائنات بمخاوفها وسعاداتها، في هواجسها وأحلامها وأمنياتها في نظام عجيب ومتفن غاية في الترتيب والتدبير.

        هناك في الفضاء... لكل نفس حيز في سجله الفريد، ذلك الغلاف الهيولاني الأثيري، ولكل نفس شيفرة، رمز خاص، قطبة في نسيج هالة الوعي الصغري المحيطة بالأرض، والكبرى ما وراء كل السدم والمجرات. ولكل نفس مكان في تلك المكتبة الكونية، "وموقع" على هذه الشبكة الأثيرية، وصفحة في "الكتاب المرقوم" حيث كل ما كان ويكون وسيكون في حفظ مصون، ما وراء عالم الحس والظنون، وفي كل مرة تجول في الخاطر فكرة وينطق اللسان ببنت شفة... فإننا نضيف قسطاً إلى رصيدنا في ذلك السجل إلى اليوم المعلوم حين:

... "يتذكر الإنسان ما سعى وكل نفس بما كسبت رهينة".

ويطلق الثيوصوفيون على هذا السجل الفضائي تسمية "السجل الأكاشي" AKASHIC RECORD. 

والأكاشا في الفلسفة الهندية جوهر أثيري هيولاني ومادة أولية لطيفة تعتبر المبدأ الرئيسي للطبيعة، حيث تعمل الطاقة الكونية البرانا PURANA في الأكاشا لتشكل العناصر المادية.

ويعتبر البعض "السجل" الأكاشي نظاما كونيا يسجل كل فكرة وكلمة وحدث، ويخضع لناموس الوعي الكوني الأرقى الـ "لوغوس". وهو هالة الأرض EARTH'S AURA أو الطاقة الاثيرية يهتز بترداد عال "ليمتص" كل انطباعات الحياة واختلاجات الزمان والمكان في ذاك البعد الفضائي.

إن السجل الاكاشي مكتبة كونية وهالة وعي جمعي يحيط بالأرض، إنه خزان كل المعارف، وذاكرة كبرى ليس للأحداث وحسب بل للآداب والفلسفات والعلوم الماورائية وكل ما جاء به فكر وحس وخاطر، ويحتوي بين تلافيف حافظته وثناياها على مجمل الدراما الكونية في كل أبعادها الزمنية.

هذا المحيط الأحيائي والغلاف الماورائي الأثيري سجل كل ما حدث في الأمس، ويسجل كل ما يحدث اليوم، ويحتفظ بغيب كل ما هو آت، أنه يختزن الماضي والحاضر والمستقبل في تكور شعاع النور داخل انطواء الكون اللامتناهي في الكبر... واللامتناهي في الصغر‍‍! وفيه تجد جواب كل سؤال!!!

ويعتقد بعض الحكماء أن المعلومات "المطبوعة" على الأكاشا يمكن قراءتها في حالات متقدمة من الوعي، ويمكن الوصول إلى الوعي المتطور هذا عبر التأمل وأحيانا عبر الرؤى والغيبوبة أو الطرح الروحي، ويقول بعض اليوغاويين أنه في حالات تأملية وسيطية باستطاعة "الرائي" النظر عبر طبقات المدونات الأكاشية ليختار أي حقبة من عمر الأرض ويقرأ سجل الاحداث في زمان ومكان محددين.

وقد سجل التاريخ حالات نادرة لبعض "الغائبين" أو الوسطاء والقراء الروحانيين الذين ادعوا قراءة السجل الأكاشي واعتبروه بحرا من الوعي المحيط يذوب فيه كل وعي فردي.


بداية التاريخ

دور آدم

الرحلة الأحمية:

        بدأت رحلة كشف الحقيقة منذ ملايين السنين، وكان آخرها في دور آدم الصفا ومنتهاها يوم الدينونة وقيام الساعة. لقد مرت البشرية خلال ملايين من السنوات في اختبارات للوعي، في دورات امتدت لأكثر من سبعين دوراً. وكان كل دور ينتهي بكارثة عالمية، يتسبب بها الجهل وسوء استخدام الطاقة والمعرفة من جهة وإخفاق البشرية في إدراك الحقيقة من جهة أخرى. 

        أما الحلقة الأخيرة فابتدأت مع دور آدم الصفا، الذي بدأت معه الحقيقة العرفانية تتشكل على شكل نطقة في رحم الزمان. وعلى مدار السبعة آلاف سنة التي يتكون منها هذا الدور الأخير تدرجت البشرية في معرفتها في عدة مراحل وفي كل مرحلة كانت حقيقة التوحيد يجري تقريبها لأفهام البشرية من خلال صفيه العقل الكلي. ونشأ جنين التوحيد مع كل رسالة سماوية. لقد كان جوهر الدعوة هو هو منذ القدم وكان الرسل والأنبياء هم هم منذ القدم يأتو ويذهبون بأسماء وأقمصة متبدلة.

        وقد جاء في الإنجيل إشارات إلى ذلك:

        "الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه" (متى 11/11).

        "وسأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة أن إيليا ينبغي أن يأتي أولاً. فأجاب يسوع وقال لهم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا. كذلك ابن الإنسان أيضاً سوف يتألم منهم. حينئذ فهم التلاميذ إنه يتكلم عن يوحنا المعمدان". (متى 17 10/13).

        الجواب واضح: يوحنا الذي صعد إلى السماء (تقمص من جديد) وعاد إلى الأرض في جسد يوحنا المعمدان.

وقد انقسم البشر في كل مرحلة من مراحل تطور الجنين إلى ثلاث فئات:

الفئة الأولى:   الذين أقروا عن إرادة ووعي بحقيقة رسالة التوحيد.

الفئة الثانية:    الذين رفضوا عن إرادة ووعي حقيقة رسالة التوحيد.

الفئة الثالثة:    جماهير الناس التي انقادت بجهلها مع الفئة التي أنكرت الحقيقة.

        والمعيار الذي يميز بين أفراد هذه الفئات الثلاث هو معيار روحاني في جوهره. وقد توزع جميع أفراد هذه الفئات على جميع الأسباط والأديان والأعراق والأمم بحيث لا تستطيع واحدة منها الإدعاء باحتكار أي فئة من الفئات المذكورة. وبكلام آخر، إن الرابطة التي تجمع بين أفراد الفئة الثانية والثالثة ليست رابطة دم، ولا جنس ولا عرق ولا لغة ولا دين... إنها رابطة إضمار الكره للحقيقة ورغبة إلحاق الأذى بها وهي رغبة دفينة في الأنفس، أنفس أهل الظلام منذ البدء. ومع هذا فهناك مميزات تختص بها كل فئة من هذه الفئات الثلاث.

الفئة الأولى:

        خصائص الفئة الأولى: كانت علامة الإيمان والتسامح والتواضع، أن يقبل المؤمن على أي رسالة سماوية تدعو إلى الحقيقة، ولهذا دخل الموحدون من الفئة الأولى في الدين اليهودي على أيام شعيب عليه السلام، كما أقبلوا على الإسلام على أيام محمد (ص). والإقبال على هذه الأديان لم يكن من قبيل الإكراه أو الدفع أو المصلحة الدنيوية، بل هو إقبال وطاعة لما كان يبشر به الرسل والأنبياء ولما يؤمرون به من المولى عز وجل ليبلغوا حد الكمال في معرفة الحق سبحانه. إن الموحد الحقيقي، هو من لا يخشى من قول الحق والعمل به. ومن أجل هذا ضحى الموحدون في أجيالهم العديدة بمركباتهم المؤقتة (الأجساد) في سبيل كياناتهم الخالدة (الأرواح) وقد خاطب يسوع في إنجيل يوحنا هذه الفئة من الموحدين قائلاً:

        إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم. ولو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته. ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا إخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم".

        من هو هذا الذي قصده يسوع بأنه لا ينتمي إلى العالم؟ إنه الموحد الحقيقي المتمسك بأهداب الحقيقة، إنه الموحد الحقيقي الذي يعرف لذة المشاهدة بالاتحاد مع أنوار العقل الكلي، ويختار بمحض إرادته وعن قناعة تامة طريق الفضيلة والحق. حتى ولو كانت ضد شهواته ورغباته ومصالحه المادية الآنية المباشرة... إنه يسبح على الدوام ضد التيار في وجه هذا العالم الذي يقدس الشر ويعتبر الفضيلة ضعفا. إن المؤمن الموحد هو وحده من لا يعبد الله طمعا في جنة مليئة بالطيبات، ولا خوفاً من نار تستعر بالجمر واللهب، بل محبة بالله لذاته. إنه من الواضح جداً أن يسوع لم يكن يخاطب في الكلام الوارد أعلاه عامة الناس.

        ونستنير ببعض الآيات المشابهة لهذا المعنى من القرآن الكريم:

        "زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء بغير حساب" (البقرة 212).

        "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم". (المائدة 54).

        من هو الذي لا يخاف في الحق لومة لائم؟ من هو الذي يعاني بسبب تمسكه بالحقيقة؟

        من هي الفئة التي كانت تضحي على امتداد التاريخ، لتلقى فقط اللوم واصابع الاتهام؟

        فهل هذه الآيات المباركة تتوجه وتعني الشخص العادي أم الشخص المؤمن المتميز؟ إنها بالطبع تتوجه إلى الأقلية المؤمنة الموحدة الصابرة، التي تجاهد للوصول إلى الحقيقة مهما كلفها الأمر من غالي التضحيات.

        ومن الواضح أيضاً أن هذه الآيات لا تتوجه إلى أمة واحدة أو دين واحد، بل إلى جميع أهل الله في أي ملة كانوا بل لكل ذي أذن تسمع. إنها موجهة إلى كل مؤمن يريد أن يناضل في سبيل الحقيقة ويكافح من أجلها...

        والجهاد الحقيقي هو مجاهدة النفس بالتغلب على الحقد والتحيز والتعصب. إن الله هو الحقيقة التي يجب أن يستسيغها العقل ليكون هناك مذاق ولذة للمعرفة، إن أكبر وهم عرفته الدنيا هو الاعتقاد أن الدرب إلى الله جل وعلا، وإلى الخلاص، يتطلب منا قفزة إيمانية باتجاه المجهول الذي نطلبه خارج ذواتنا. هنا في الداخل هو المعترك، وهنا فقط ساحة النزال، هنا يطلب الله، وهنا يطاع ويعصى. إن صدق الإيمان مع النفس هو بذاته الصدق مع الله.

الفئة الثانية:

        خصائص الفئة الثانية: هؤلاء هم فئة الطغاة، الذين يخدعون البشرية، وهم مبثوثون في كل أمة وعرق ودين... وخلال رحلة الحقيقة، كان هناك دائما من يناصبها العداء، إنه ليوجد دائما أناس تؤذيهم الحقيقة ويجدون فيها خطرا على أنانيتهم، إنهم لا يتحملون ولا يطيقون نور الشمس، ويفضلون وبإصرار شديد المكوث في الظلام، والتغذية من دماء الأبرياء. ولأن نزعاتهم الشريرة تسيطر عليهم بهذا الشكل فقد وجدوا واقتنعوا بأن طريق الخير هو طريق الضعفاء والأغبياء. لقد مارس هذا الفريق على مر التاريخ سلطته الدنيوية من خلال "قتل العقول". وفي كل لحظة توجههم نوازعهم الشريرة. وغرائزهم المتحفزة بعكس اتجاه بوصلة الخير، ويندف&#